رواية فرصة وهبتها الآلهة | الفصل الأول
جاري التحميل...
فرصة وهبتها الآلهة
تكمن الأهمية الجوهرية في هذا الفصل في التباين النفسي الحاد للبطلة؛ فهي تمتلك جسد فتاة مراهقة لكنها تحمل روح امرأة خاضت غمار الموت والخيانة. اختيارها للسكن في قصر "تشيشيانج" المنعكس عنه صيت سيء يمثل نقطة تحول استراتيجية، حيث تدرك أن الابتعاد عن الأضواء هو السلاح الأقوى لترتيب أوراقها بعيداً عن أعين الرقابة، مما يمنحها حرية الحركة التي افتقدتها سابقاً.
الجو كان ريحته صندل ومية ورد، خفيفة بس كاتمة، من النوع اللي بيستخدموه في قاعة استقبال الجواري الجداد. صوابع السيدة "تشن" اتعاشت وهي مفرودة فوق الحرير المطرز. قلبها كان بيدق زي الطبول—مش خوف، لا، ده كان ذهول. هي كانت ماتت. حست بالسم وهو بيسحب الدفا من أطرافها، وداقت طعم الدم وهو بيفور في زورها، وهي رامية جثتها لوحدها على مرتبة مقطوعة في القصر البارد. التلج كان بيتسلل من شقوق البلاط المكسور، ونزل على شعرها زي الكفن. آخر حاجة فكرت فيها كان الطفل اللي مخلفتوش. وآخر دعوة دعتها كانت إنها تاخد فرصة تانية. والآلهة استجابت. لأنها دلوقتي، هنا—عايشة من تاني، ورجعت صغيرة. فتحت عينيها ع الآخر وقعدت. الأوضة كانت بالظبط زي ما هي فاكراها من أول يوم ليها في القصر. ستارة حرير حمراء فوقيها، وطشت فيه مية دافية جنب سريرها، واتنين من الخدامات واقفين بيوشوشوا بعض عند الباب. قلبها اتعصر. فات أكتر من عشرين سنة من آخر مرة شافت فيها الأوضة دي. ومع ذلك مفيش ولا تفصيلة متغيرة. رجعت بنت عندها ستاشر سنة، جلدها ناعم، ومفهوش أثر لعضة البرد اللي عانت منها زمان في المنفى. شعرها كان نازل ضفيرتين تقال على ضهرها. وإيديها—الإيدين الصغيرة الناعمة دي—مبقتش تترعش من العجز أو البرد. صوتها اتحبس في زورها. همست وقالت: "أنا... لسه عايشة". الكلمات كانت غريبة على لسانها. ومع ذلك، كان طعمها حلو أوي. خبطة على الباب فزعتها. صوت ناعم ومتردد نادى عليها: "يا ست هانم، كبيرة الوصيفات عاوزاكي. جه الوقت عشان تلبسي لمراسم التنصيب". التنصيب. في حريم الإمبراطور. نفسها هدي. ده كان نفس اليوم اللي ابتسمت فيه زمان بتوتر، واتشعبطت في براءة مزيفة، ودخلت عالم نهش عضمها. حاولت كتير أوي إنها ترضيهم—أكتر من اللازم. وطت راسها، وقدمت نفسها بصدق، وفي الآخر بقيت مجرد لعبة بتترمي لما يخلصوا منها. المرة دي، مفيش الكلام ده. "تشن يوليان" قامت من السرير بهدوء وثبات. وقالت بصوت واضح وراسي: "تمام. عرفيها إني هكون جاهزة كمان شوية". الخدامة ترددت لما سمعت البرود اللي في نبرة صوتها. في حياتها اللي فاتت، كانت بتتهته في الكلام. وتعتذر. وتسمع الكلام من غير مناقشة. أما دلوقتي، مشيت ناحية المراية البرونز وفضلت تبص لوشها. جمال الشباب كان باين في المراية—بشرة نضرة، ووش مدور أكتر ما فاكرة، وشفايف زي بتلات الورد. بس العينين... العينين مبقتش عيون بنت صغيرة. هي الحاجة الوحيدة اللي الزمن مقدرش يمسحها. حادة. باردة. ومراقبة لكل حاجة. الحريم هياكلوا الوش ده صاحي. مفيش مشكلة. خليهم يحاولوا. أوضة اللبس كانت قايدة من القلق المكتوم. البنات كانوا بيعدلوا أكمامهم بتوتر، وريحة البرفان اللي لسه حاطينه كانت بتضرب في ريحة البخور اللي طالع من المباخر النحاس. كانت فاكرة العشرين بنت دول—جواري جداد متجمعين زي "الجميلات" في عزومة، زي الغنم اللي رايح للذبح. فيهم اللي من عيلة غنية، وفيهم بنات تجار اشتروا الألقاب، وشوية زيها، من بيوت بسيطة اتقدموا كـ جزيّة عشان كسب ود سياسي. السيدة "رونج شين" كانت واقفة تضحك في الركن، وحواليها الناس اللي بياكلوا بعقلها حلاوة. بالظبط زي زمان. "يوليان" وقفت عند الباب. قلبها مدقش بسرعة. مش المرة دي. في حياتها اللي فاتت، كانت راحت لـ "رونج شين" كأنها صاحبتها. لسه فاكرة الدفا اللي كان في صوتها، والسم اللي كان مستخبي ورا طيبتها، واللحظة اللي زقتها فيها من فوق السلالم بعدها بشهور، ونهت على قدرتها إنها تخلف. الموضوع وقتها اتلم على إنه حادثة. الإمبراطور مهتمش، ما هي كده كده مبقتش تقدر تجيب له طفل. ومحدش كان بيدي أي اهتمام لست عاقر. بس "يوليان" منسيتش أبداً. "يا سيدة تشن"، نادت عليها خدامة وهي بتشاور لها تروح لمنصة اللبس. "المسؤولة عن الهدوم الملكية مستنياكي دلوقتي". قعدت بمنتهى الهدوء على الكرسي. وبدأوا يلبسوها توب ورا توب من الحرير الأحمر والدهبي. سرحوا شعرها، ولفوه، وثبتوه بدبابيس في كعكة رقيقة تليق ببنت آنسة. خرموا ودنها بفصوص من اليشم—كانت فاكرة الوجعة البسيطة دي. بس المرة دي متهزتش. "إنتي ساكتة أوي"، قالتها المسؤولة وهي بتعدل لها الحزام. "الباقيين بيعيطوا أو بيقعدوا يهروا زي العصافير. إنتي بتتعاملي وكأنك عملتي كده قبل كده". "يوليان" بصت في عيون الست من خلال المراية. وردت عليها بصوت واطي: "يمكن عشان مت قبل كده مرة". وش المسؤولة اصفّر، وبعدين ضحكت بسرعة وقالت: "لسانك حامي. خدي بالك منه. القصر مبيحبش الستات الناصحة". قالت "يوليان": "أنا مش محتاجة أكون ناصحة. أنا محتاجة أعيش وبس". مشوا كلهم ورا بعض في الممرات الطويلة اللي بتلف لحد ما وصلوا لـ "قاعة الربيع الدائم". هناك، أم الإمبراطور هتشرف على تقديمهم قبل ما يتسجلوا في دفتر الحريم. كل حركة كان ليها تمن. وكل رمشة عين كانت محسوبة. "يوليان" كانت ماشية بخطوات موزونة، منزلة عينيها نص نزلة عشان متبانش مغرورة، وضهرها مفرود بس من غير تحدي. كانت حاسة بعيون الباقيين عليها—وبالذات "رونج شين". بذور الغيرة بدأت تطلع من دلوقتي. بس هي مش هتاخد أي خطوة. مش هنا. ولا لحد ما اللعبة تبدأ بجد. جوه القاعة، كانت الإمبراطورة الأم قاعدة فوق عرش مدهون باللاكيه، ملامحها مستخبية ورا خيوط الدهب وعلامات السن. نظرتها كانت بتعدي على البنات زي السكينة. "يوليان" نزلت على ركبها وانحنت بمنتهى الشياكة. المسؤولة قرت بصوت عالي: "تشن يوليان، بنت تشن جيجوانج من حرس الحدود الغربية". عيون الإمبراطورة الأم دبلت وقالت بوشوشة: "بنت من الحدود.. بيبعتوا منكم كتير، وعشمهم إن واحدة فيكم تخلف سلاطين". "يوليان" مارفعتش راسها وقالت: "أمتك متجرؤش تحلم بكل ده يا جلالة الملكة. كل اللي بتتمناه إنها تخدم بإخلاص". سكتت شوية. وبعدين طلعت منها همهمة هادية. علامة رضا. اتحركت ووقفت على جنب. وهي بتراقب تقديم باقي البنات، كانت "يوليان" بتدرس الترتيب اللي بيحصل. السيدة "رونج"—بنت الحسب والنسب والجمال—خدت الرضا فوراً وخصصوا لها "قاعة زهر الكمثرى" في قصر "ياوهي". وبقت هي الوحيدة اللي ساكنة في القصر ده. القصر ده كان الجار الغربي لقصر "تشنشيان"، اللي هو سكن الإمبراطور. مكان استراتيجي. ذكاء. أما "يوليان"، وزي المرة اللي فاتت، حطوها في "جناح الأوركيد" في قصر "تشيشيانج"—وده سكن هادي وبعيد شوية. قصر "تشيشيانج" ده كان فيه زمان زوجة إمبراطورية منبوذة، وانتحرت بعدين. القصر ده كمان مكانه شمال غرب قصر الإمبراطور. وهي كمان الوحيدة اللي ساكنة في قصرها. في حياتها اللي فاتت، كانت بتعتبر ده إهانة ليها. دلوقتي، شايفة إنها فرصة. عنين أقل. حرية أكتر. ومحدش مركز معاها. مبقتش مستعجلة تروح لسرير الإمبراطور. مش دلوقتي. على وقت الغروب، كانت استقرت في "جناح الأوركيد". الخدامة بتاعتها—"شياومي"—كانت هي هي نفس البنت الطيبة اللي دافعت عنها زمان وبعدين خسرتها بسبب ألاعيب الحريم. المرة دي، "يوليان" هتخليها قريبة منها. "يا ست هانم"، همست "شياومي" وهي بتشيل الحرير من الشنط. "باقي الستات كانوا بيقطعوا في فروتك... قصدي بيتكلموا عليكي. بيقولوا إنك منطقتيش بكلمة، بس الإمبراطورة الأم كان باين عليها الرضا". قالت "يوليان" وهي واقفة قدام الشباك اللي منور بنور القمر: "خليهم يتكلموا. دوشتهم دي هي اللي هتجيب السكاكين لرقبتهم. إحنا هنفضل ساكتين". لفت لخدامتها وقالت: "إنتي عاوزة تعيشي يا شياومي؟" البنت بربشت بعينيها وقالت: "أنا... أيوه طبعاً يا ست هانم". "يبقى تسمعيني كويس. متصدقيش أي ابتسامة. متفتحيش بؤك إلا لو اتسألتي. ولو شوفتي أي حاجة—أي حاجة غريبة—تقوليلي أنا الأول. لا تقولي للمشرف ولا للحراس. قوليلي أنا". "شياومي" ركعت بسرعة، كانت خايفة بس مخلصة: "حاضر يا هانم". "يوليان" رجعت تبص للجنينة. شجرة الماجنوليا اللي هناك دي كانت نورت زمان في الليلة اللي سبقت أول مرة استدعاها فيها الإمبراطور لأوضته. هتنور تاني. بس المرة دي، مش هتروح له وهي بنت بتشحت الرضا. هتروح له وهي ست عندها خطة.