روايه النهر المفقود | الفصل الأول
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

روايه النهر المفقود | الفصل الأول

جاري التحميل...

النهر المفقود

الصراع النفسي لأوبري وهي تحاول التمسك بحياتها الأرضية المستقرة رغم النداءات القادمة من عالمها الأصلي. يبرز الفصل الفجوة بين دفء العائلة التي اختارتها (سالي ودريك) وبرودة الأسرار التي يخفيها والدها عنها بخصوص مقتل أمها "سيرافينا". تظهر الأحلام المتكررة للنهر والست الغامضة كإشارة قوية إلى أن القوى الكامنة بداخلها بدأت في الاستيقاظ ولن تهدأ.

تحميل الفصول...
المؤلف

فيه بنت عايشة بعيد عن حياتها الحقيقية، مستخبية ورا ابتسامات هادية وخطوات حذرة، وكأن العالم اللي هي عارفاه مجرد خيال باهت للعالم اللي مكتوب لها تمشي فيه. "أوبري وينترز" بتتحرك في أيام وكأنها مستلفاها، محبوسة بين رتم اللحظات العادية الهادي وبين ندهة حاجة مش متشافة ومستمرة.

قلبها طيب زيادة عن اللزوم على حواف العالم البارد اللي حواليها، شايلة الحنية زي عباية رقيقة بتحميها من قساوة القدر. لسه متعرفش إن الرقة ممكن تبقى جرح، ولا إن القوة الهادية اللي جواها دي مجرد أول نَفَس قبل العاصفة. وتحت سطح هدوئها، فيه حكاية مستنية تبدأ وتتكشف؛ حكاية عن السحر، والواجب، ومصير رافض يفضل مستخبي للأبد.

⸻

أوبري وينترز

فيه نوع من الراحة في البلاد الصغيرة.

الشوارع مألوفة. الطريقة اللي الهوا بيشد بيها بالظبط عند ناصية المخبز. الطريقة اللي "مدام لانجلي" بتسقي بيها جنينتها وقت الشروق. الطريقة اللي جرس باب المكتبة بيرن بيها متأخر ثانية واحدة، وكأنه بيحاول يحصل بقية العالم.

دي الحياة اللي أنا عارفاها.

أنا عشت في البلد الهادية دي طول عمري. ده المكان الوحيد اللي عمري ما حسيت إنه مش بتاعي. عارفة كل شرخ في الرصيف، كل شجرة بتزهّر في غير أوانها، كل محل قهوة بيظبط السكر في الحلويات بتاعته.

وعاجبني الحال كده. بسيط. ومتوقع.

أغلب الناس فاكرين إني من حتة تانية. دي مش حاجة وحشة. هو مجرد افتراض طبيعي لما حد ميبقاش لايق تماماً على تفاصيل البلد دي. هما مش شايفيني غريبة، بس... مختلفة. يمكن فاكرين إن ليا أصول أجنبية. سر من حتة تانية في العالم.

بشوف الطريقة اللي الناس بتبص لي بيها ساعات. ولاد واقفين قدام شباك المكتبة، وبنات بيخطفوا نظرات فضول من ورا دواليب المدرسة. غُرب بيبتسموا بذوق، وعينيهم دايماً بترجع تبص تاني بسرعة زيادة شوية.

دي مش حاجة بفكر فيها. مش بجد يعني. هي بس موجودة، بتحوم حواليا، زي ضوء الشمس اللي متقدرش تهرب منه.

عمري ما كنت من النوع اللي بيقف عند الحاجات دي. أنا ماليش في الغرور، ومش بَدور ورا صوري في المرايات. طول عمري حاسة إني في بيتي هنا، مكان الحياة فيه سهلة، والأيام مستقرة، والعالم بيلف ببطء كفاية يخليك تاخد نَفَسك.

دي الحياة اللي أنا صنعتها. بس مش ده المكان اللي أنا منه.

أنا اتولدت في عالم اسمه "أفالانتش".

عالم فيه ممالك قوية، مقسومة بصراعات قديمة، ومربوطة ببعض بتحالفات قلقة. عالم السحر فيه بيجري في العروق؛ نار، وهوا، وأرض، ومية، وعلاج، وضلال؛ كل شخص مربوط بالسحر اللي جواه. فيه منهم محاربين. وفيه سحرة. وفيه اللي الاتنين مع بعض. والأقوياء بجد بيتعلموا يوازنوا قوتهم وإلا هيحرقوا نفسهم.

أنا متريتش هناك. ولا حتى كان مسموح لي إني أكبر هناك.





أبويا جابني الأرض وأنا لسه عيلة صغيرة. بيقول إنه عمل كده عشان يحميني. بيقول إن المكان ده أمان أكتر. وإنه هيدي للناس وقت عشان ينسوا التقُل اللي سابته سيرة أمي.

أنا معرفش عنها كتير. كل اللي عارفاه هو اسمها: "سيرافينا".

عارفة إنها كانت بتحبني. وعارفة إن الحكاوي اللي بتتحكي عنها من ورا الضهر مش لطيفة.

بس الحكايات مش بتقول كل حاجة. في مكان ما تحت حواف الإشاعات والسكوت، طول عمري مؤمنة إن فيه تفاصيل أكتر بكتير عنها؛ حاجة العالم اختار إنه ينساها.

بس أبويا عمره ما بيتكلم عنها، مش بجد يعني. لا عن هي كانت مين، ولا عن اللي حصل لها.

عشان كده اتعلمت أبطل أسأل.

وبدل الكلام، كان بيدربني. كل يوم، وكل ساعة كان بيفضى فيها وسط سفرياته اللي مش بتخلص. علمني إزاي أمسك سيف، وإزاي أحارب بدقة، وإزاي استدعي الأرض عشان تحميني، وإزاي أعالج جروحي بنفسي لما ميكونش فيه حد جنبي.

عمره ما قال لي ليه لازم أكون قوية كده. كان بس بيقول لي إن هييجي يوم وأفهم فيه كل حاجة.

لما بيغيب – وده بيحصل كتير – بقعد مع "سالي" و"دريك". هما اللي ربوني بكل الأشكال اللي تفرق بجد. "سالي" من نوع الستات اللي بتعرف تلاقي الحكاية الصح في الوقت الصح. بتسمي المكتبة بتاعتها "صندوق الكنوز"، ودايماً ريحة المكان فيها سحر أشك إن "سالي" من كتر ما هي عملية ممكن تصدق فيه.

"دريك" راجل رزين، وجوده هادي وقفشاته سريعة وعينيه دايماً فيها حنية. هو مع "سالي" من يوم ما اتولدت، وبعتبرهم عيلتي بالظبط زي ما بعتبر أبويا عيلتي.

أنا بنيت حياة هنا. خلصت المدرسة. عملت صحاب. ورسمت لنفسي رتم حياة حاسة إنه بتاعي. ورغم إن حياة أبويا بتشده بين العوالم، بس دايماً بيعرف يرجع لي؛ من خلال أبواب مخفية هو بس اللي بيعرف يفتحها.

بس مؤخراً... الحاجات بدأت تتغير.

بقى أهدى بزيادة. سكوته بقى بيطول وكأنه أفكار مش كاملة. فترات غيابه بقت بتزيد، ورسايله بقت أقصر.

فيه حاجة تقيلة في الجو دلوقتي، حاجة هو مش قايل لي عليها. بشوفها في الطريقة اللي بيجز بيها على سنانه لما يفتكر إني مش باصة عليه. وبحسها في الطريقة اللي عينه بتخطف بيها نظرات لشباك المكتبة، وكأنه مستني حاجة... أو مستني حد.

مسألتوش عن الموضوع ده. لسه.

يمكن عشان خايفة من الرد اللي هسمعه. يمكن عشان خايفة إن الحياة الهادية دي تكون بدأت تتسحب من بين إيديا.

أنا حاسة بيها؛ الشدة دي، والتغيير ده، ودقات القلب البعيدة اللي بتناديني أرجع لعالم أنا عمري ما شفته.

دلوقتي، أنا متبتة في الحياة دي. دلوقتي، بشم ريحة الورق القديم وملح البحر. دلوقتي، بسمح لنفسي أصدق إنه لسه فيه وقت.

بس أنا عارفة... مش كتير.

⸻

بيقولوا إن "سيرافينا وينترز" ماتت وهي بتحاول توقف حرب مكنش مكتوب لها تعيش بعدها. وقعت في وسط النار. كانت ضحية السلام اللي اتجرأت ودورّت عليه.

فيه ناس بتقول إن أمير "نوكتس" هو اللي قتلها. وفيه ناس بتقول إنه كان عسكري عماه الغضب. وفيه اللي بيهمس ويقول إنها ممتتش أصلاً؛ وإنها اختفت في الضلمة واختارت حياة بعيدة عن "أفالانتش".

بس الحكايات بتفضل مجرد حكايات.

"أوبري" مبقتش تسأل عن الحقيقة خلاص.

"ألدريك وينترز" شايل السكوت زي الحجر فوق صدره، و"أوبري" اتعلمت إنها منحُتش في الحجر ده.

فيه حاجات تقيلة زيادة عن اللزوم لدرجة إننا منقدرش نلمسها. حتى لو كانت الحاجات دي هي "الحب".






أوبري وينترز

فيه ست بتجيلي في أحلامي.

بتبقى واقفة مستنية عند نهر عمري ما شفته، ميته غامقة وبتمشي ببطء، بيلف في مكان ملوش وجود على أي خريطة. مش قادرة أعرف النهر ده بيبدأ منين ولا رايح فين، كل اللي عارفاه إنه بيشد أطراف روحي.. وكأنه عارف حاجة أنا ملقطتهاش.

الست واقفة على البر التاني، الضلمة مدارية نصها، وعبايتها جارة وراها وكأنها متخيطة من الضباب. عمري ما بشوف وشها بوضوح، بس أنا عارفاها.

بطريقة ما، أنا عارفاها.

فيه ثُقل في صوتها وهي بتنادي عليا، صوت واطي ورزين، وكأنها قالت الكلام ده مية مرة قبل كده.

"ثقي فيا."

بتمد إيدها ناحيتي، كفها مفرود، ومستنية. المسافة اللي بيننا بحس إن مالهاش آخر.

بتقول بصوت ناعم وكأنها بتحذرني: "حتى لو وجعتك.. حتى لو كل حاجة بتقول لك بلاش."

السماء بتتموج فوقينا. وصوت الهوا في الشجر عامل زي الوشوشة، وكأنه بيحاول يتكلم.

بتحاول أعدي لها. بنادي اسمها – بتهيألي إني بنادي اسمها – بس صوتي النهر بيبلعه، بيضيع في غلوشة المية اللي بتعلى بسرعة وبقوة، لحد ما التيار بيفصل بيننا تماماً.

ورغم كده، لسه إيدها ممدودة. ولسه مستنية.

بتهمس قبل ما النهر يبتلعها وما يتبقاش مني غير صوت المية العالي ووجع حاد من كتر ما أنا نفسي أحصلها: "تعالي دوري عليا."

⸻

"أوبري."

خبط على الباب.

"أوبري، بجد.. قومي بقى."

خبطة تانية، أقوى المرة دي. وبعدها صوت مألوف نصه ضحك ونصه تهديد من ورا الباب.

"هو أنا لازم أدخل عليكي بجردل مية ساقعة؟ عشان هعملها والله."

أنّيت وسحبت البطانية فوق راسي: "متعرفش تعملها."

البابزيّق وهو بيتفتح، و"دريك" ساند على البرواز، وكان خلص نص كوباية قهوته الصباحية. شعره منكوش وكأنه مكسل يسرحه، بس ده العادي بتاعه. هو بيدرّس كيمياء، مش عرض أزياء.

"أعملها ونص. وهبقى مستمتع جداً كمان."

برطمت وأنا بجر نفسي عشان أقعد: "كذاب." الحلم لسه معلق في صدري زي أغنية مخلصتش، متبت في ضلوعي.

بص لي بتركيز زيادة شوية، وضحكته اللي على جنبه دي اختفت وعينه بقت حنينة: "نفس الحلم؟"

هزيت راسي وأنا بدعك عيني: "أيوه. دايماً عند النهر ده. ودايماً نفس الكلام."

"دريك" سكت لحظة، وكأنه بيقلب في دماغه كلام عايز يقوله بس متردد.

عرض عليا: "تحبي نتكلم في الموضوع؟"

كدبت وقلت: "لأ."

قال ببساطة وكأنه مش فاهم إني بخبي عليه: "ماشي. يلا بينا. الفطار. اتحركي."

⸻

مطبخنا مش حاجة واو. الحيطان مدهونة أصفر باهت ومقشر، والترابيزة صغيرة بزيادة، بس ده مطبخنا. "دريك" كان بدأ يقلي البيض لما دخلت بجر رجلي، وريحة العيش المحروق كانت مالية الجو.

رفعت حاجبي: "بذمتك؟ كل مرة؟"

شاور بإيده بحركات درامية على العيش اللي اسودّ: "دي علامتي المسجلة. بحب أخلي سقف التوقعات واطي دايماً."

"ده أنت عبقري."

"شكراً.. أنا بتعب جداً عشان أوصل للمستوى المتواضع ده."

قعدت على الترابيزة، لسه نصي في الحلم، وراقبته وهو بيكسر بيضة تانية بإيد خفيفة ومتعودة. غريبة الطريقة اللي دايماً بيعرف بيها إني حلمت الحلم ده. وكأنه بيقرأه على وشي.

حط الطبق قدامي – البيض مظبوط والعيش ميترقعش – وقعد قدامي وهو بيلف مج القهوة في إيده ببطء.

سألني بعد كام قطمة: "قالت لك نفس الكلمة؟ ثقي فيا حتى لو وجعتك؟"

هزيت راسي وأنا بنكش في البيض: "أيوه. وكأنها بتحاول تقول لي حاجة. وكأنها مستنياني أفهم لوحدي."

تنهد "دريك" وهو بيمشي إيده في شعره: "الأحلام بالنسبة ليكي يا أوبري مابتجيش صدقة. عمرها ما كانت كده."

"عارفة."

"يمكن جه الوقت اللي لازم تحكي فيه لأبوكي."

هزيت راسي وزوري بيضيق: "مقدرش. هو شايل اللي مكفيه."

ميل "دريك" لقدام وسند كوعه على الترابيزة: "وانتي كمان مش لازم تشيلي كل ده لوحدك."

ابتسمت له ابتسامة باهتة: "أنت بس احرق لي العيش تاني بكرة.. دي أحسن مساعدة بتقدمها لي."

رد وهو بيضرب تعظيم سلام استهزائي: "رقبتي.. أنا يعتمد عليا جداً في الموضوع ده."

مقلتهاش بصوت عالي، بس ساعات بسأل نفسي هو "دريك" بيوحشه حياته القديمة؟ زمان في "أفالانتش"، كان أستاذ في الكيمياء السحرية؛ شاطر، ومبتكر، ومن الأوائل. الناس كانت عارفة اسمه. وعارفين اسم "سالي" كمان. الاتنين كانوا جزء من العالم ده في يوم من الأيام، قبل ما يقرروا يسيبوه للأبد. عمري ما سألتهم ليه مشيوا. كل اللي عارفاه إنهم فضلوا هنا.. عشاني.

سكتنا شوية، السكوت المريح اللي مبيحصلش غير بين ناس عايشين مع بعض سنين.

سألت بصوت واطي وكأني بكلم نفسي: "تفتكر هي لسه موجودة؟ فيه ناس بتقول... بيقولوا إنها ممتتش. إنها بس مشيت."

فك "دريك" اتشد، بس صوته فضل هادي: "أنا أعرف إنها كانت بتحبك. وده الجزء الوحيد اللي يهم."

نفسي أصدق إن ده كفاية.

⸻

وإحنا رايحين لمكتبة "سالي" بالعربية، "دريك" ملى السكوت بمزيكا؛ واحدة من قوايم الجاز اللي مش بتخلص وبيدعي إنها بتريح أعصاب دماغه. سبته يتكلم، وسبت كلامه يعدي عليا من غير ما أرد بجد.

لما وصلنا، فكيت حزام الأمان ببطء، مكنتش مستعدة أنزل.

بص لي وسألني: "أنتي كويسة؟"

"أيوه.. بس، أنت عارف. نفس الموال."

نظراته طولت عليا، بس مضغطش. هو شاطر في الحتة دي.

قال: "نتعشى سوا النهاردة؟"

"أكيد طبعاً."

خبط على الدريكسيون مرتين: "خليكي حنينة على سالي."

"دي عايشة عشان تطلع عيني."

"حقها بصراحة."

ضحكت ونزلت: "يومك سعيد يا بروفيسور."

"وانتي كمان يا بنتي."

⸻

جرس باب المكتبة رن متأخر ثانية، زي كل مرة. دخلت في هدوء محل "سالي" الناعم، وريحة الورق القديم والحبر الطازة لفت حواليا زي بلوفر مريح ومألوف.





وهو هناك أهو.

"كايل ماثيوز". متوتر. وابتسامته عريضة زيادة عن اللزوم. وحاطط إيديه في جيوب الجاكيت وكأنه بيحاول يمنعهم من الرعشة.

"يا دي النيلة"، "سالي" برطمت من ورا الكاونتر، ومحاولتش حتى تبين إنها مش واخدة بالها. "فيه ضيف جه. يا فرحتنا."

"صباح الخير يا سالي،" "كايل" قالها وهو بيهز راسه بذوق وبسرعة قبل ما يلف لي تاني.

"أوبري.. أهلاً." هرش في قفاه، وكان واضح إنه بيستجمع شجاعته. "كنت بتساءل لو.. يعني.. تحبي نخرج نتعشى مع بعض في وقت ما؟ لوحدنا؟"

بربشت بعيني، واتفاجئت بشكله اللي كان حقيقي وصادق جداً. هو شاب لطيف. وحنين. والقعدة معاه مريحة. بس هو من البلد دي. هو مكانه في شوارعها الأمان وأيامها اللي مفيش فيها مفاجآت. وأنا... لأ.

وقبل ما أرد، كانت "سالي" دخلت في الكلام من ورايا: "يا حلاوة يا كايل، ده كلام جميل أوي. وأحلى حاجة إنك اخترت أكتر وقت هي شجاعة فيه.. قبل ما تشرب قهوتها بالظبط."

بصيت لها بحدة، بس هي رفعت حواجبها وعملت نفسها مشغولة جداً في ترتيب فواصل الكتب.

لفيت لـ "كايل" واديتله أرق "لأ" قدرت عليها: "أنا مقدرة ده جداً. بس أنا ماشية قريب. بلد جديدة، وخطط جديدة. حياتنا... مش رايحة لنفس الأماكن."

ابتسامته اتهزت، بس لحق نفسه بسرعة: "أيوه، أكيد. أنا فاهم. شكراً على أي حال."

أول ما خرج، "سالي" طقت بلسانها: "كنتي سيبتيه يتهته كمان دقيقة على الأقل. كنت مستمتعة بالفقرة دي."

"انتي فظيعة."

"عارفة."

رميت شنطتي ورا الكاونتر وهزيت راسي: "انتي حتى مبتحاوليش تداري غلاستك، صح؟"

"وإيه المتعة في كده؟"

⸻

اليوم عدى في هدوء ورتم المكتبة المألوف.

رصات كتب لسه محطوطة على الأرض. وذرات تراب بترقص في ضوء الشمس. و"سالي" بتدندن بصوت واطي وهي بتحسب الفواتير اللي بتدعي إنها بتكرهها. زباين داخلة وزباين خارجة، ونبض الحياة في البلد الصغيرة ماشي حواليا زي الساعة.

المفروض الجو يبقى هادي. وهو فعلاً كده في العادي.

بس مش قادرة أطرد الحلم من دماغي.

صوتها. إيدها. تُقل كلامها.

قاعد معايا، زي موجة تحت جلدي مش عارفة أهديها.

"سالي" لاحظت طبعاً. هي دايماً بتلاحظ.

"يا بنتي، أنتي بتطبقي الإيصال ده وكأنه شتمك شخصياً."

بصيت للورقة اللي اتكرمشت في إيدي وحاولت أفردها: "آسفة. كنت بسرح بس."

"تسالي خطر."

"ما انتي بتعملي كده طول الوقت."

"بالظبط. شوفي بقى حالي بقى عامل إزاي."

ابتسمت غصب عني، والوجع اللي في صدري هدي شوية. "كان مجرد حلم غريب."

"كان عنها هي تاني؟"

ترددت، وبعدين هزيت راسي: "عمالة تطلب مني إني أثق فيها."

نظرة "سالي" بقت أحن، ولسانها السليط هدي لمرة واحدة: "الأحلام مش مجرد أحلام بالنسبة ليكي يا حبيبتي. أنتي عارفة كده كويس."

"أيوه. دريك قال لي نفس الكلام."

"ما هو إحنا الاتنين حكماء جداً. وعندنا صبر ملوش حدود."

"صبر عليا؟"

"على العيش المحروق."

ضحكت، ضحكة صغيرة بس كانت حقيقية.

قالت وهي بتشاور لي أروحلها: "تعالي هنا."

لفيت من ورا الكاونتر وسيبتها تاخدني في حضن سريع بإيد واحدة. ريحتها نعناع وورق قديم، ريحة الأمان والحكاوي اللي لسه مأجلة حكيها.

"إحنا جنبك يا بنتي. في أي حتة تروحيها، وأي حاجة تخبط على بابك.. إحنا في ضهرك."

مردتش، بس سندت عليها لحظة أطول شوية من المفروض.

⸻

لما المكتبة قفلت، مشينا للمطعم اللي في آخر الشارع. من نوع الأماكن اللي يافطاتها بتعلق، ومنيوهاتها بتلزق، وفيه جرسونة اسمها "مارج" شغالة هناك من أيام الجاهلية.

"دريك" كان مستنينا في ترابيزتهم المعتادة، وقدامه كوباية قهوة سادة بدأت تبرد. رفع عينه لما قعدنا، وابتسامته الرايقة كانت جاهزة.

سأل وهو شايف كتافي المهدودة من التعب: "يوم صعب؟"

قلت وأنا برمي شنطتي جنبي: "أشطر طالب عندك طلب يخرج معايا."

حواجب "دريك" اتنفضت لفوق: "كايل؟ ده ولد سكرة."

همست وأنا بقلب السكر في الشاي بتاعي: "أيوه. بس قلتله لأ. أنا ماشية قريب. وأظن هو عارف إننا... مش زي بعض."

"دريك" بص لي بصه معناها إنه فاهم. فاهم بجد.

سألني بحنية: "أنتي كويسة؟"

"أيوه."

"سالي" حكت له ملخص اللي حصل في المكتبة، وعملت أداء درامي لطريقة تهتهة "كايل" ورفضي اللي مكنش فيه رحمة. "دريك" ضحك، وكتافه ارتاحت زي ما بيحصل دايماً لما "سالي" تبدأ تمسك القعدة.

وسط أطباق البطاطس وفطيرة الجوز، الكلام اتغير. بشويش، بس بشكل ملحوظ.

"دريك" قال وهو بيمشي صباعه على حرف المج: "بقاله يومين مجاش."

نبرة "سالي" بقت حادة سنة: "ألدريك؟"

"أيوه. لا حس ولا خبر. ولا حتى بوابات اتفتحت. مفيش أي حاجة."

قلت بسرعة رغم إن بطني اتكربست وأنا بقولها: "هو بيعمل كده ساعات. بيختفي. بيبقى عنده شغل."

فك "دريك" اتشد: "أيوه. بس مش في العادي لما تكوني خلاص هتبدأي في "سولارا"."

أهي جت السيرة. الحاجة اللي بنلف وندور حواليها.

أكاديمية "سولارا". المكان اللي همشي وأروح له قريب. أكاديمية كبيرة موجودة بين العوالم، مدرسة بتعلم السحر وفنون السيف للي بيجري في دمهم "الإرث".

ده المكان اللي المفروض أروح له. المكان اللي المفروض أبدأ فيه أي حاجة جاية بعد كده.

"سالي" قالت وهي بتضيق عينيها: "هو اللي صمم إنك تروحي. ودلوقتي اختفى وسكت. الموضوع ده مش مريحني."

"دريك" زود بصوت واطي: "فيه حاجة بتتغير. أنا حاسس بكده."

بصوا لي وكأني الحتة اللي لسه مش راكبة في الفازة. وكأن الحكاية بدأت تتحرك وأنا لسه قاعدة على حرف الصفحة.

قلت وأنا بفرض ابتسامة هادية على وشي: "هبقى كويسة. أنتوا بتقلقوا زيادة عن اللزوم."

"سالي" قالت وهي بتهز الشوكة في وشي: "إحنا عيلتك. ده شغلنا أصلاً إننا نقلق. وعلى فكرة، لو رجعتي لي من "سولارا" ومعاكي واد من اللي بيقعدوا يسبلوا وعاملين فيها غامضين وبيتكلموا بالألغاز، هيرجعك من مطرح ما جيتي."

ضحكت وسندت دقني على إيدي: "هبقى أفتكر المعلومة دي."

⸻

لما رجعت البيت، فضلت واقفة قدام شباك أوضتي، براقب الشوارع الهادية وهي منورة تحت ضي العواميد الباهت.

"ألدريك" مجاش. يومين. تلاتة. بقول لنفسي إنه كويس. وبقول لنفسي إن دي مش أول مرة. وبقول لنفسي إن السكوت ده معناه ولا حاجة.

بس النهر اللي في حلمي لسه بيشدني برضه.

وصوتها بيوز في ركنيات دماغي.

"ثقي فيا. حتى لو وجعتك."

ضغطت بكفي على إزاز الشباك، وكأني ينفع أعدي من وراه وألاقيها.

دلوقتي، مفيش في إيدي غير الانتظار.

بس قريب، هضطر أبطل انتظار. قريب، هضطر أمشي ورا الخيط ده وراه لأخره. حتى لو ده معناه إني أهد الحياة اللي بنيتها عشان أجري ورا الحياة اللي كان مكتوب لي أعيشها.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"