الوجود المزيف - الفصل الأول
الفصل الأول
المسافات كبرت في البيت وبره وفي نفسي، لحد اليوم اللي جسمي قرر يتكلم بدالي.. أغمى عليا، وقعت وصحيت في مستشفى. صوت أجهزة، برودة السرير، نور أبيض قوي وصوت نفسي تقيل. كنت مستنية يبقوا جنبي يقدروني، لكن شوفت نظرات اللوم في عيون معظم عيلتي، بيلوموني ويقولولي "أنتي مهملة". استنيت حد من صحابي، حد يقول ألف سلامة، إيه حصلك؟ حقك علينا، ولا حد.. غير واحدة. صديقة واحدة كانت موجودة، مش بتتكلم كتير بس عينيها مليانة اهتمام، قالتلي بهدوء: "اللي يحبك بجد مش هيستنى يشوفك واقعة وهيقدرك".
حياة اعتيادية.. أنا "نهى شريف" وهحكيلكم قصتي، مش عشان الشفقة لكن عشان الفهم. كنت بنت عادية جداً حياتي بسيطة، بضحك بسرعة وقلبي سابقني. كنت فاكرة إن الطيبة أمان، وإن اللي بيدي كتير هياخد كتير. كنت دايماً موجودة أسمع و أحتوي، أسكت وأعدي. الناس كانت تيجي تحكي وأنا أسمع، تشتكي وأنا أهوّن. كنت فاكرة إن ده قُرب طلع "استهلاك". فهمت كل ده من بعد موت جدتي اللي اتغيرت بعدها حياتي كلها. جدتي كانت الأم والبيت والضهر والسند، كانت كل الثبات اللي في حياتي. بموتها انطفت جوايا حاجات كتير، كأن أنا اللي مُت معاها. شوية والدنيا كملت، البيت كمل والناس كملت إلا أنا.. الحزن جوايا كان بيكبر. في البيت قالولي: شدي حيلك الحياة مبتقفش ، بس مش عارفة ليه حسيت إن حياتي عندي وقفت ومش عارفة أتخطى. بيقولولي لازم تبقي قوية، قوية عشان إخواتك، قوية عشان أمك، قوية عشان الناس.. محدش سألني أنتي عاملة إيه؟ محدش سابلي مساحة أضعف. كنت لما أعيط يقولولي "كفاية" ولما أسكت يقولولي مالك؟ ولما أتكلم يقولولي "بلاش كلام سلبي". محدش قدر النار اللي جوايا، حسيت إني تقيلة، وإن حزني زيادة، وإن وجعي عبء. الاكتئاب دخل بهدوء، نومي اتلخبط، جسمي تعب، ونفسيتي اتكسرت، وأنا بقيت كل يوم أقل. وفي وسط ده العيلة شايفاني مقصرة؛ أصل بقيتي بعيدة.. أصل مبتحضريش، ولما كنت بحضر مكنوش بيشوفوني أصلاً! ويقولولي "أصل مش بتسألي". ولا حد شاف إني تعبانة، ولا حد لاحظ إني بقاوم على قد ما أقدر. بره البيت، صحاب فاكرة إنهم سند، لما غبت قالوا أنا اللي بعدت وأنا اللي مش مهتمة، مع إنهم أصلاً مكنوش ملاحظين غيابي! وقالولي "كل واحد شايل اللي فيه". واجهت واتكلمت واستنيت حد يفهم، حد يسأل، حد يبعتلي كلمة كويسة، بس كل مرة كنت أطلع غلطانة؛ "أصل أنتي قوية.. أصل أنتي مش محتاجة.. أصل أنتي دايماً تمام". وأنا عمري ما كنت تمام، ومحدش مقدر العبء اللي عليا. المسافات كبرت في البيت وبره وفي نفسي، لحد اليوم اللي جسمي قرر يتكلم بدالي.. أغمى عليا، وقعت وصحيت في مستشفى. صوت أجهزة، برودة السرير، نور أبيض قوي وصوت نفسي تقيل. كنت مستنية يبقوا جنبي يقدروني، لكن شوفت نظرات اللوم في عيون معظم عيلتي، بيلوموني ويقولولي "أنتي مهملة". استنيت حد من صحابي، حد يقول ألف سلامة، إيه حصلك؟ حقك علينا، ولا حد.. غير واحدة. صديقة واحدة كانت موجودة، مش بتتكلم كتير بس عينيها مليانة اهتمام، قالتلي بهدوء: "اللي يحبك بجد مش هيستنى يشوفك واقعة وهيقدرك". الجملة دي غيرتني. خرجت من المستشفى بس ما رجعتش زي الأول رجعت بهدوء بحدود وبوعي. في البيت وبره بطلت أبرر، بطلت أحاول أثبت إني كويسة أو إني أستاهل. وفهمت حاجة مهمة، إن اللي بيحب بجد مش هيقف يقيسك على مزاجه، ولا هيطلب منك تبقي نسخة ترضيه. اللي بيحب حد هيتقبله زي ما هو؛ بتعبه، بحزنه بضعفه، مش بس في ضحكته. لما واجهتهم بتعبي وبغيابهم وبإني كنت محتاجة بس اهتمام، قالوا: أنتي اتغيرتي.. أنتي بقيتي وحشة.. أنتي مش زي الأول. ساعتها فهمت إنهم كانوا مرتاحين بـ "نهى اللي بتدي"، مش "نهى اللي بتوجع". كانوا عايزين النسخة السهلة الساكتة المتاحة، مش النسخة الحقيقية، مع إني كنت محتاجة بس كلمة تهون. فهمت كمان إن محدش بيختار يكون وحش، ولا حد بيحب يكون مريض، ولا حد بيتمنى لنفسه الاكتئاب ولا الحزن. اللي بيتغير بيكون اتوجع، واللي بيتعب بيكون حاول كتير. التغيير اللي بيخوفهم مش وحش، ده "وعي". وإن اللي يسيبك أول ما تتعب، مكانه مش في حياتك من البداية. الوجود المزيّف كان حواليا وأنا اللي كنت مغمضة.. دلوقتي اخترت نفسي، اخترت القليل الصادق على الكثير المزيف. اللي يحبك هيلاحظ غيابك قبل ما تشتكي. اللي دايماً بياخد ومش بيدي مش مشغول.. ده مش مهتم. إنك تكون طيب مش معناه إنك تكون متاح دايماً. اختيارك لنفسك مش أنانية.. ده نجاة. "كتابة وتأليف/ دودي عبدالله"