رواية الظلام المقدس
جاري التحميل...
الظلام المقدس
غموض فلسفي
الظلام المقدس
تأليف
محمد أحمد الجبري
لم تختلف، ولكن هم من اختلفوا، ولم تُستبدل، ولكن من حولك، وما حولك قد تُبدل؛ فما بالهم لا يبالون، وما بالك لا تبالي!
1
في الظلام يرقد أنفاسه تُلاحق بعضها الأخر لا يتوقف، ولن يتوقف لن ينظر إلى الخلف؛ وإن وصل الفضول إلى ذروته.
ففي الخلف مجهول، بل أشياء لا يتمنى رؤيتها، وهنا! هنا فقط! أنت تقف على الحافة إما أن تهوي، وتتلاشى أنفاسك الأخيرة! رويدًا، رويدًا...
أو تتحلى ببعض الشجاعة، وتواجه فلا مجال للتفكير، ولا لحظةً للذكريات الماحقة اتخذ القرار الأن! وامض إليه. الهاوية أم المجهول في الظلام!
-لم تكن سوى محاولة يائسة، ولن يكتب التاريخ الحافل بالإنجازات العظيمة، والحروب المُبيدة، والثورات التي تصنع حضارات.
التاريخ ليس للجميع! التاريخ إما للعظماء أو السفهاء. فالمحاولات اليائسة ستكتب في حالة كُتب لها النجاح؛ فلن يمتلئ الثراث بالترهات، وتراكمات بلا فائدة.
لم يرى هؤلاء الأوغاد كم حاولت لتصل؟! ويصل بك الحال في كل مرةٍ إلى الفشل! كلها بلا استثناء! توقف الأن، وخذ شهيقًا ثم تريثّ، وحاول من جديد لن يموت المرء إلا وقد سكب الكوب بأكمله؛ حتى تمتلئ بحاره مرةً أخرى، وسنرى الضوء، ولن نظل في الظلام للأبد سنطارد المجهول مهما كان لن نتوقف؛ حتى نعبر الستار المظلم،
ونحظى بالنعيم الأبدي في ضوء الشمس، لقد عانى هؤلاء البُؤساء في هذه الحياة الدنيئة، ولن أتركهم، ولقد واريت العديد من الجثث، ومنهم زوجتي، وابنتي، وحياة حظينا بيها في كنف السعادة أعوامًا، وليالٍ لن يعود الزمان بمثلها، وقد قُطفت زهرتان من بُستاني؛ فليست زهرة واحدة فقد جَفلت الأعين، ولم تجفل الذكرى عنهم، وبكى الفؤاد؛ حتى فطر، وسالت الدموع دمائًا حتى لم تجد من الدمع ما تسكبه فسلامٌ عليهما.
ففي هذا الثرى تحت قدميك، وفي كل خطوة تخطوها هناك فردٌ منا قد وراه الثرى؛ فلقد توارينا جميعًا به؛ حتى وإن كان البعض منا على قيد الحياة!
فلقد لاقت المدينة بأكملها حتفها بعد حادثة النيزك، وها نحن الأمل الوحيد المتبقى فهل سنبقى؟!
-ولكن أيها القائد لم تكن وجهتنا إلى هذه الغابة! فلماذا نبقى هنا؟!
- إني أعرف هذه الغابة أكثر من المدينة التي قضيت فيها معظم حياتي بأكملها إضافةً إلى أننا لا نرى شيئًا!
فماذا تتوقع أن يحدث إذا ذهبنا إلى مكان أخر؟!
سنكون في أحضان الموت حتمًا، ونحن نفر منه فرار المفترس لفرسيته، ولن يترك أيًا منا.
في ليلة هادئة، وقد صارت معظم حياتهم ليلًا، كانت نسمات الهواء البارد تدغدغ الوجود تبعث في الروح الطمأنينة، وتسير ببطء بينها همسات الماضي، وتصول في الروحِ روحٌ مُنهكة، كامنة في موضعها فقط! تبحث عن الحياة، تبحث عن أي شيء يثبت لها بأنها تحيا.
كانت ليلة دافئة للجميع، ولم تكن كذلك بالنسبة له كانت الكابوس الذي يجثُم فوق روحه يُكبّلها، ينازع، فيُصارع.
سباق النجاة أصبح وهمًا! فأنت الأن بلا حيلة أنت لست سوى روحًا مكبلة في ظلام الأبدية!
وعبوديةً تضجّ بالكَفافِ، والمَنية أقرب إليها لتُزيح ثِقل مسجنها.
فلماذا قاومتم؟!
لماذا لم تسلّموا للواقع المرير، وتندثروا تحت الثرى؟
لماذا أنتم الناجون حتى الآن؟!
تَنجون في كل مرة، ولكن تُهزمون أمام أنفسكم! أمام الخوف أمام الظلام المتلاحق.
أنت لن تستيقظ! ستظل في أضغاث أحلامك؛ ستضج خلايا عقلك بالصريخ!
لا نهاية لشيء ما دام للحياة وجود! التجدد هو السبيل التعايش هو الهمسات التي تنبس بها شفتاك الأن، وأنت لن تسمع، ولن تدري ماذا قالت؟! ولكن ثمة مرجع الأن لتستيقظ محاطًا بالخوف شاعرًا بالأرق، والعرق يسيل كالأمطار من وجنتيك!
أنت الآن تعود من جاثوم الجحيم أنت الآن القائد، أنت شاهق.
استيقظ شاهق من ظلام نومه إلى ظلامٍ أشد منه يرقب كل صوتٍ يعقب إليه من أي ثغرٍ لا يراه؛ فإن سَمعه لا يقلّ حِدةً عن رؤياه، وكذلك أنفه؛ فكأنه كان يرى ما سيحدث فأعد العُدة له مستقبلًا!
فبعد أن أنهى حديثه مع نائبه اتجه إلى خيمته يتحسس طريقه إلى أن اهتدى إليها فدلفها، وبعد أن ركن إلى فراشه من شقاء يومه تزاحمت عليه الذكريات تنهره نهرًا، وتزجره زجرًا؛ فقام يرنوا يلفظ أنفاسه في الهواء يرقبها؛ فإن تهاوت فقد ظفر، وإلا فهو في شقاءه باقٍ.
لا يفقه من مستقبله أهو في الرخاء؟! أم في الشقاء موصلًا بما مضى! فلم يتفكر به، ولم يُبقي تفكيره به؛ فقد شغل جُلّ لحظاته ذكرى ماضيه؛ فمحت من كان دونها.
2
ألتقي روحًا بين جنبات جسدي روحكِ تدهسني، وتشقُّ عليّ
سيري؛ فأضافتِ روحًا إلى روحي!
أألقاكِ بروحكِ أم بروحي!
يسير القوم غير مبالين بشيء قائدهم شاهق يقود الصفوف، ويُحدّث نفسه بحسرة، وإيلام، ويهيم في نفسه: ليت الروح لم تنشق، ولیت روحي هي من أُخذت، وبقِيتا هنا!
الفِراقُ أسوأ من الموت، الكمد يتخلّلني من كل جانبٍ لا أدري من أنا، ولما أنا ؟!
هنا كلهم مذنبون، ولست أنا، وشتى الخيبات تتجلى من
جُعبتي، فأنا سأقودكم إلى الهلاك أيها الأوغاد!
لمَ تَتَبعكم إياي! فمن تتبعون مكروبٌ، ومنكوب لا يفقه من أمره شيئًا فكيف يفقه من أمركم؟!
يُصدمون بالأشجار على أعينهم غشاوةً لا يُرى لهم الفرق بين الهواء، ولا الجماد، بين الخط الرفيع بين الحياة، والموت؛ فهم على السراط يرتابون عليه!
قُطعت عن أعينهم الأنوار، وبقوا في الدُجي لا يرون من أمرهم ولا يرون لأمرهم!
لم تعتادهم حياة الأكفِّ بعد، بين السبيلين هم شتات.
الدليل لمضيعهم، وإرشادهم بالطريق هو القائد ينقادون وراء صوته؛ فيتفادون الأشجار، ويسيرون في صفوف مُصغّرة
فعددهم لا يتعدى الخمسين روحًا مُكبلة، ولكن إلى متى المسير؟ وإلى أين المستقر؟!
لا إجابة بعد!
شاهق كان موظفًا بإحداى المدارس الابتدائية بالمدينة ينتزع منها ما يقويه على مرارة الحياة، وقفرها؛ فقبل وقوع ذاك النيزك كان يُقدّم العلم، ويشتاق إليه اشتياق المرء إلى الحياة يجد بها الطمأنينة، والهدوء، يجد بها شغفه، يرحل بها عن معالم الحياة من شؤم، واستحقاق لا خير به، ولا أداء يوديه إياه إلا الكفر بالنعمة، والبغض عليها؛ فكانت تلك أيسرهم، وأبقاهم عنده مما سبقها من وظائف.
وفي حينٍ من الدهر كان يسير بعيدًا على أطراف المدينة؛ حيث الغابات المتوالية، والأشجار الباقية مُذ مِئات الأعوام؛ فصارت تُرثًا من القرية تلك القرية من قرى الريف المصري بمحافظة الغربية (ب) التي لا تبعث في النفس الطمأنينة بل تبعث بها الغل، والحقد، والنقم على النعمة، وتعبث بهم زلات الشياطين، وتسوقهم الأنفس إلى الهاوية سوقًا؛ فكان يهب نفسه للطبيعة يجول في أغوال الغابة كأنها نفسٌ يُرى له من معالمها كل يومٍ جديد، ويُدهش مما يلقى؛ فيتمنى أن يبقى!
يستعين، ويُعين عقله على القراءة؛ حيث ترتاب له الأفكار فيضبطها ليُلقيها على مسمعٍ له الوجاهة في تلقّيها؛ فيظفر في نفسه بشيء من الإنجاز، وقد كان عشقه للقراءة لا ينتهي. فهو حيٌ بها يتنفس الأوراق بأحرفها فإن لفظها في مجلسٍ واحد كان له الفوز الأعظم، والفخر الأكبر.
شاهق لم يكن بين عائلة، ولا كانت له ذات يوم، فقد صنع بنفسه واحدة، ولم يحظى بيها طويلاً بل بلغها الموت كما بلغ الأولى من قبل!
فصلٌ لم يتمنى سرده في يوم، ولا الرثاء عليه أيامًا بل أعوامًا؛ فضاقت بيه الحياة، وضاقت به مذاهِبها فلا مذهبٌ له، ولا إياب يعوده.
قد كان سعيدًا، مفحمًا بالنشاط قِبالة عينه خِطط يحذو نحوها بخطى ثابتة لا تتغير، ولا تتبدل أما الآن! فهو لا يملك من أمر العين شيئًا إلا أنها ذهبت، وظل هو في دجًا لا بصيص به.
تترأى له أيامه الخوالي كأنه الحاضر؛ فيقف إليها حِينًا من الدهر، وأضحى الدهر بأوقاته القادمة هباءً منثورًا لا يَكِل عليه من الأمر شيئًا.
الحنين يقتله، الإشتياق يكربله! ضُحى تطغى على أجواء ذكرياته، وهالة أخذت فؤاده فأضحى بلا فؤاد!
كانت ضُحى زوجته، أما هالة فكانت فؤادًا قد طغى على فؤادٍ آخر بين أضلاعه فهي ابنته.
وقد أبدع إذ قال؛ فيما كان يرثي لحاله، ويرث لعائلته الضائعة في حُطامِ النيزك الذي دمر القرية عن بكرة أبيها، وأعياهم من أشعةٍ تبِعته أعينهم؛ فانتزعت منهم البصر، ولا علم لهم أَيعود أم لا!
فكان مما يقول، وقد كتب:
مالي أسوقُ الدهر فيأبى & وشوقي إلى الأشواقِ مُستَعِرُ
لا حياة تستحق الذكر الآن. في الماضي سأحيا؛ فلا حاضر لي ألقُفه فقد كانت حياة هادئة الحب، والطمأنينة عنوانٌ لذكرها!
والأن لا حياة تستحق الحياة لأجلها! شاهق قد أسلم لقدره قبل دهر، فأصبح كومةً من الحطام المستعر لا يدري إلى أين يسير؟!
تقرأ نفسه فيه ما يقرأ من مكتتبه، ومكتوبٍ يأنس به وقد ظلت تقول:
-إلى متى التهامس؟! وإلى متى البكاء؟!
أليست هذه النعمة تستحق الشكر من هؤلاء الأوغاد المتبقيين على قيد الحياة، ولم تُؤخذ منهم إلا أبصارهم؛ فكانوا صِحاحًا بأبدانهم تكتسب حواسهم الأخرى حِدةً بالوقت، وهذه الحياة تستحق أن تكون فرصة ثانية؛ فقد ضاعت الفرصة الأولى، وتلاشت، وقد جاءَ النيزك كعقاب؛ فاتلوا ما بقى لكم من الحياة بعذبٍ من الأصوات تتهاوى لكم أجنحة الماضي في أعمق الحفر.
والأن سأُزيح هذا العبء عن كاهلي؛ فأتحدث، ولكن سأحدثك أنتِ فقط!
-إلى متى المسير؟ وإلى متى الإدعاء؟!
هل أنت بالفعل تستحق أن تكون هنا، أم لا تستحق؟!
بل أنت نكرة لا يُميّزك شيء غير أنك صرت القائد، وتعرف الغابة قليلًا، وربما هناك من يعرفها، ولكن لا يجد في ذاك أمنه بإتباع الناس له فأنت وغد، ولست سوى لا شيء.
ولكن متى كانوا شيئًا غير الحقارة، والدناءة، والغدر، الجميع بلا استثناء لا يفكر في الخير إن أراده أراده لنفسه، وأنت أحقرهم!
وبعد أن أنهى شاهق حديثه مع نفسه استلقى على الأرض
مترامي الاطراف ينظر إلى النجوم المتقاربة في السماء تملؤها أسرارٌ مغطاة، وراء الرداء الأزرق الخافت المكتسي بحُللٍ من السحب تتزيّنه، والقمر المكتمل يضيء جوانب المكان بضوءٍ خافت يبعث في الروح الخمول!
لا أحد يراه، ولا هو يرى شيئًا، ولكن تراكمت الصورة في ذهنه فأطلق لها العنان ليستمتع بها!
وعلى جانب أخر قد تُرك له؛ فهو ظلامٌ هادئ، ويبعث النور بخلده، وفي أرواحهم، وفي ظلمات أحلامهم.
الجميع ينعم بنوع مظلم لا يفرّق بينه، وبين الصحوة في شيء إلا شاهق؛ فهو يحظى الأن بعذاب لا يراه أحدٌ غيره!
فههنا كانت النظرة الأولى على المجهول الذي سيظل يُطاردهم طيلة تِرحالهم، ولن ينقضي بل سيظل للأبد حتى عندما ينتهوا هم أيضًا!
3
شاهق بين جنبات اللامكان، واللازمان في امتداد لا نهاية لطوله، أو لعرضه في أطراف اللانهاية!
في كل جانب يرى امتدادً لصورةِ فقيدتيه؛ فيسرع ليتشبث بأمل قد يعيده للحياة مرة أخرى، ولكن تتلاشى الآمال فلا مُستقرٌ، ولا مُستودع لها هنا!
ظلّ يدور في أفلاكه علّه يلقى مسألته؛ فانتظر ليأتياه، وظل لا يُحرك ساكنًا مكانه، ولكن لم يتبقى إلا انعكاس المرايا حوله!
وبُعث إليه بصوت كان عليه رقيبًا حيث كان يناديه؛ فيزجره، ويناجيه في رثاءٍٍ هو أحق به! فصُعق بكلماته، وهام بها في آن من مجلسه حيث أيقظه ظلامه ليلقى ما سيلقى:
وفي امتداد اللانهاية أنت في ظلامٍ أُشفق عليك منه! أنت في ظلام روحك في ظُلماتِ خيباتك، في جحيم خلدك!
لا الخلد يرضى بك، ولا الروح! فلم يتبقى إلا لُحيظات من العسرة، وتتبادر الروح إلى مسكنها، ولن يتبقى منك غير جسدٍ بالٍ لا قيمة له! فالروح في فضاء الأبدية تهيم، والخلد في جحيم الماضي لا ينبس بحرفٍ يرثُ له حِداده، ويبكي له بكاءه! فهذا أشد عليك من نفسك.
النقاء في ثوب الإرتقاء حقارةٌ أنت تُجيد منها ما لا تُجيد في غيرها!
لن تعود إليك الروح ستظل في موطنها تستكن إلى أرواحٍ لن تعود إليك؛ فهذا أجدر من حالك هذا.
والعقل قد تبدّد من جحيمك المعاصر، فحان إلى ماضٍ ليس بأسوأ من حاضره!
أنت تراقب من وراء ستار الظلام، فآلمك موضعك، وأنت تشاهد الخوف!
الخوف الملاحق للأنفاس، وسترتاع في حياتك، ولن تشعر بلحظة من السعادة لأن الحياة لا تُلاحق إلا أشباهك من الإنطوائيين المبتعدين عنها كل البعد.
الذين لم، ولن يأبهوا بأي شيء، غير مبالين بأحدٍ سوى أنفسهم، وأحباءهم!
ستُلاحقك حتى أنفاسك الأخيرة!
الجسد مستلق على الثرى، أو لعلها أرض خضراء زرعها رقيق فهو يشعر به، يشعر به حيث كان، ولكن لا يراه، يراه منه ملمسه؛ فتؤول به إلى الرجفة، والذعر فيسأل نفسه حيث كان. أكان في رؤيا أم تمثلت له الحقيقة في يقظته!
الروح تتطاير فوق الفضاء في ملتقى الأرواح تشعر بدفء الحنين؛ فتتطاير مع أرواح هي أفضل من جثتك البالية! هذه الأرواح في سعادة لن تشعر بها في هذه الجثة الهامدة.
العقل على قيد الحياة، ولكن غير مبال بك أيضا؛ فقد خانتك أعضائك فهجرتك فمن تبغى رفيقًا بعد ذاك!
الجمع قد رحل حتى روحك المقيدة بك رحلت، فأنت الآن لن تكون إلا شظايات متطايرة من رماد محرقةٍ قد أطفأته الرياح، فظلت دهرًا لأن ينتهي!
فزع شاهق، والعرق يسيل من جبينه كالأمطار في سماء تلبّد سحابها واعتصر كل ما به.
يزفر فتتسارع نبضاته، ويكأن روحه صارت إلى حلقه؛ فعند زفرة تالية قد ينتهد زافرًا تلك الروح بلا أملٍ بالبقاء.
رؤياه إلى لا شيء، وذعره عن سوء لا يعلم حقيقة مخرجه بدأ يستشعر ما يدور حوله، فاستحس منه العشب المندّى بقطرات المياه من الأشجار الناطقة له بالرثاء ترجوا منه المآل إلى خير حال!
أنت لا ترى شيئًا، ولكن ثمة انعکاس مُضيء في ظلمات بصرك فهل أشرقت الشمس، أم هو تعثر أخر في قرينتك المتلاشية إلى فناء؟!
ليس ما سيزيد الأمر سوءًا الآن؛ فأنت لن تنعم بنوم هادئ بعد هذا، ولعلك تشعر بشيء تجاه هؤلاء القوم الماضين بالجهل، والخوف!
بينما تأتيه نفسه من سموم تقتله، ومذابحٍ لا مفر منها فقد وقف مُعلقًا رأسه منتظرًا مشهد النهاية إلى أين ينتهي؟!
في تلك الوهلة من تفكير مفرط، وأحلام لا نهاية لعذابها بغاتته يد قبضت عليه؛ فكأنما لمسه برفقٍ لا يقصد به سوء نية، أو هجوم من حيث لا يتوقعه فريسته إلا أنا ما لقاه منه من ذعرٍ، واندفاع بلا أي داعٍ يستدعيه فذعر بدوره فتراجع!
-من أنت؟!
-هل أنت لا ترى؟!
-إني أُعيد عليك سؤلي مرة أخرى؛ فلتُجب من أنت، وإلى أين محط قدمك، ومرقب بصرك؟!
-حسنا لن ينالك مني أذى، ولن أستحل عليك مجلسك؛ فأضرب به دون أن يؤذن لي بذلك، فيا أيها الرجل كائن من أنت؟! أنا قادم إليكم رسولًا عن جماعتنا، وقد تقاربت إلينا مدارككم، وتقارب محطكم من أرضنا؛ فجئت إليكم مُسالمًا أحذر من لا يعلم منكم، فنكون بذلك قد أدينا جانبنا من السلم، وننتظر جانب القبول، والإتفاق منكم.
وإننا قوم نُزهاء لا نرى في أحد فريسةً نستحلها لضعفه، وقلة حيلته، وقد علمنا مُصابكم مما سمعنا؛ فبكينا لكم، ورثينا على قريتكم التي لا مُتنفس بها بعد الآن.
وإننا نعلم أنكم تريدون عبور النهر المحدد على شواطئنا؛ لتضمنوا بذاك أمنكم، وتأمنون روعكم، وإني قد جئتكم بحذرٍ لا بعده حذرٌ يليه! فآمنوا أنفسكم، فارجعوا من أرضنا لعلكم تجدون في بقاع الأرض ما تستحلون به أقدامكم، ولا تملكون من الخوف آنذاك من أحد؛ فيكون لكم مستقرًا، ومستودعًا.
ثم تابع الأخير خطواته دون أن يسمع واقع كلماته في أثر شاهق؛ فوقف الأخير لا ينسب ببنت شفة، وقف فقط يصغي إلى خطوات الراحل لعل بها يرى أين يسير، وأين مُتجهه؟! فلم يعلم من أمره شيئًا لأنه أخفى من آثاره، فلا يسمع منه شيئًا؛ فلا يرى شيئًا فبدا عليه الذعر، والغضب؛ فلعنه بوابلٍ من لعنات لا تُبقي، ولا تذر!
وجلس يخاطب نفسه، ويحدثها قائلاً:
قد علمت مدى سوء الأمر، وقد علمت أنها ليست بلا عواقب! فلِمَ الأن تعثرت عند بداية المُنطلق؟!
لا يوجد شيء بلا ثمن! بل إن كل شيء أصبح بثمن، وما يفرق بينهما مدى ارتفاع ثمنه أبخسٌ، أم باهظ!
أصبحت لا ترى سواك؛ فلا تحفل بها، ولا ترثُ لها، وقد بقيت في ماضٍ لا حاضر له، ولكن هؤلاء! هولاء قد اتخذوك قائدًا، ومرشدًا لهم؛ فتريث للحظة، وتفكّر مليًا قبل أن تنحر أعناق أبرياءٍ لم يقترفوا أي جرم!
كان تعثرك أنت لا هم! فلا تقرب من أمنهم بل حاوط عليهم بأمنك؛ فقد استحقوه فلعل ذلك رثاءً لمُصابهم، ودويّ جراحهم المتصدعة.