ليل من رماد - لعنة الطابق الآخير
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

ليل من رماد - لعنة الطابق الآخير

جاري التحميل...

ليل من رماد

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت القرية في أوائل صيف 1992 تعرف كيف تنام مبكرًا. البيوت الطينية المتلاصقة لا تُبقي الضوء مشتعلاً طويلاً بعد العشاء، والطريق الترابي الذي يخترقها من الجنوب إلى الشمال يخلو من الحركة مع اقتراب منتصف الليل، كأن الظلمة هناك ليست غيابًا للنور بقدر ما هي حضورٌ كامل لسكينة كثيفة لا يحب الناس كسرها. في الطرف الغربي من القرية، بعد آخر بيت حجري، يبدأ فراغ واسع من الأرض الزراعية المنبسطة، يقطعه مبنى وحيد يرتفع بانتظام هندسي لا يشبه ما حوله. خمسة طوابق خرسانية صلبة، نوافذ مستطيلة متراصة، وسياج معدني يحدد حدوده بدقة، كأن المكان لم يُبنَ ليكون جزءًا من القرية، بل ليبقى على مسافة محسوبة منها. مستشفى الأمراض النفسية. لم يكن اسمه يُقال بصوت مرتفع. كان يُشار إليه بإيماءة خفيفة نحو الغرب. “هناك.” هكذا فقط. في النهار، بدا المبنى عاديًا، صامتًا، لا يحمل ما يثير الريبة لمن يراه من بعيد. لكن في الليل، حين تُطفأ أنوار البيوت القريبة، كان يقف ككتلة داكنة تحدّق في العتمة، لا يضيئها إلا مصباحان أبيضان فوق المدخل الرئيسي، ثابتان لا يخفتان، كعينين مفتوحتين بلا رمش. تلك الليلة، كان الهواء أثقل من المعتاد. رياح حارة خفيفة تمرّ فوق الأسطح دون أن تحرّك شيئًا، والسماء صافية إلى حد يجعل النجوم حادة أكثر مما ينبغي. عند الثالثة فجرًا تقريبًا، كان “سالم” يسير في الطريق الترابي عائدًا من أرضه، يحمل فأسه على كتفه ويفكر في موسم قمح لم يرضه تمامًا. اعتاد رؤية المستشفى في هذا التوقيت، معتادًا على مصباحيها الأبيضين في الظلمة. لكنه تلك المرة رأى شيئًا مختلفًا. خيط دخان رفيع، متردد، يخرج من نافذة في الطابق الثالث. لم يكن كثيفًا بعد. لم يكن مذعرًا. لكن وجوده وحده كان غريبًا بما يكفي. توقف سالم في منتصف الطريق، حاول إقناع نفسه بأن الأمر لا يتجاوز بخارًا عالقًا تحت ضوء المصباح. لكن بعد ثوانٍ، ومضة قصيرة اشتعلت خلف الزجاج. تبعها صوت طقطقة جاف، ثم شرخٌ سريع في أحد الألواح. الزجاج انكسر من الداخل. اللهب لم يندفع فجأة. تسلل أولاً كلسان ضوء خافت، ثم تمدد على الستارة الثقيلة، وكأن النار تعرف الطريق مسبقًا. صرخ سالم. لم يكن صراخه عالياً في البداية، لكن الصوت حمله الهواء بسرعة نحو البيوت القريبة. انفتحت الأبواب تباعًا، وخرج الرجال بملابس النوم، يرفعون أيديهم فوق أعينهم ليحجبوا وهجًا بدأ يزداد. كانت النار ترتفع بطريقة لا تتناسب مع سرعة اندلاعها. غرفة واحدة اشتعلت، ثم تسرب الضوء إلى الغرفة المجاورة، كأن الجدار بينهما لم يكن عائقًا كاملاً. ركض بعض الشباب نحو بئر المياه، يملأون أوعية صغيرة باندفاع فوضوي، رغم إدراكهم أنها لن تكفي لإخماد واجهة خرسانية تلتهمها النيران. النساء وقفن على الأعتاب، وأصوات الهمس اختلطت برائحة احتراق لم تكن عادية؛ لم تكن رائحة خشب فقط، بل شيء أكثر حدّة، أقرب إلى معدن يسخن حتى الاحمرار. المستشفى لم تُصدر صوتًا. لم تُفتح نوافذ أخرى. لم يخرج أحد مستغيثًا. كان المبنى يحترق في صمت. وصلت سيارة الإطفاء بعد ما يقرب من نصف ساعة، وحينها كان الطابق الثالث قد اسودّ بالكامل، والزجاج في جوانب الواجهة قد بدأ يتشقق من الحرارة. اندفعت المياه بقوة، لكنها كانت تصطدم بالحائط الخارجي أكثر مما تتسلل إلى الداخل. وقف ضابط الشرطة أمام المدخل، ينظر إلى المصباحين الأبيضين فوق الباب. أحدهما انطفأ فجأة، كأن التيار انقطع عنه وحده. – “فين الإدارة؟” سأل بصوت واضح. رد أحد رجال القرية: – “قالوا المدير مسافر من يومين.” – “والمرضى؟” سادت لحظة صمت قصيرة. ثم قال رجل آخر، بنبرة غير واثقة: – “اتنقلوا… على ما سمعنا.” لم يكن في المكان ما يؤكد ذلك. لا سجلات خرجت. لا سيارات إسعاف رآها أحد تغادر في اليومين السابقين. ولا صوت في الداخل يشبه وجود بشر. مع أول ضوء للفجر، تراجعت النار، وظهر المبنى واقفًا كما كان تقريبًا، سوى ندبة سوداء عميقة في طابقه الثالث، ممتدة كجرح طولي لا ينزف لكنه لا يلتئم. دخل بعض رجال الإطفاء إلى الداخل بعد أن خفّت الحرارة، وخرجوا بعد دقائق قليلة دون أن يبدوا في حاجة إلى حمالات إسعاف. كتب الضابط في محضره: “حريق بالطابق الثالث. مصدر الاشتعال غير محدد. لا خسائر بشرية مُبلّغ عنها.” كانت عبارة “مُبلّغ عنها” دقيقة أكثر مما ينبغي. بعد أسبوعين، انعقد اجتماع قصير في مبنى المحافظة. الغرفة ضيقة، والملف الرمادي على الطاولة يحمل آثار سخام عند حافته العليا. تحدّثوا عن الخسائر المادية، وعن ضرورة “احتواء الموقف”، وعن التحقيق الذي لم يسفر عن نتيجة قاطعة. لم يسأل أحد سؤالاً إضافيًا. عندما انتهى النقاش، أغلق أقدمهم الملف ببطء، مرّر يده فوق الغلاف كمن يزيل ذرة غبار، ثم قال بنبرة محسومة: – “نُغلق الموضوع هنا.” لم يُقصد بالموضوع الحريق وحده. انتقل الملف إلى الأرشيف. وبقي المبنى في طرف القرية، صامتًا كما كان، لكن أكثر حضورًا في الظلمة. بعض الأماكن لا تصبح أخطر بعد أن تحترق. بعضها يبدأ حين تنطفئ النار. وبعد اثنين وثلاثين عامًا، لم يكن الرماد قد برد تمامًا.
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"