حارس غرفة الأميرة - الفصل الثالث
جاري التحميل...
الفصل الثالث
تغيرت ملامح الملك إلى الجدية، وتنهد بعمق: "هذا يومٌ هام يا إيفيا.. وفود الممالك المجاورة هذا العام يطمعون جميعاً في عرشنا. التوتر ينهش صدري، فكيف سأنجو بملكي من مكائدهم هذه المرة؟"
وسط ظلام الليل الدامس.. حيث لا يجرؤ حتى الحرس الملكي على الخطو كانت أغصان الأشجار تتكسر تحت أقدامٍ رشيقة لا تعرف التردد... انطلقت كورا كالسهم، فتاة يافعة في السادسة عشرة، لكن في عينيها بريق ذئبٍ شرس خاض آلاف المعارك. كانت تجري بمهارة خرافية بين جذوع الأشجار الملتوية..، تستل سيفها الضخم الذي يبدو ثقيلاً على أي رجل، لكنه في يدها كان يبدو كأنه ريشة سوداء. لم تصطدم بفرع واحد؛ كانت تقفز بين الجذور بحيوية رشيقة، تطلق صيحات قتالية مكتومة تقطع هدوء الليل... كانت تضرب بسيفها يميناً ويساراً.. تمزق فروع الأشجار الضخمة بضربات صلبة ومركّزة، وكأنها تحارب جيشاً من الأشباح المحيطة بها.. كل ضربة كانت تحمل غضباً مكبوتاً وقوةً تجعل الخشب الصلب يتناثر كالهباء. توقفت فجأة.. وصدرها يعلو ويهبط بانتظام يحسدها عليه المحاربون جلست تحت شجرة بلوط ضخمة وأخرجت زجاجة مياه تجرعتها دفعة واحدة.. بينما قطرات الماء تتساقط على عنقها المبلل بالعرق. نظرت إلى السماء حيث يتسلل ضوء القمر الفضي بين الأشجار وتمتمت بصوتٍ رخيم:"عجباً.. القمر يبدو ساطعاً بشدة الليلة، وكأنه يراقب عرضاً مملاً." جالت بعينيها الزمردية في أرجاء المكان وعلت وجهها ابتسامة ساخرة مليئة بالغطرسة: "أين الفرائس إذن؟ لا يوجد نمر أو أسد يمر من هنا الليلة.. يبدو أن الغابة بأكملها قررت التخلى عن مواجهتي." ثم ضحكت بجذل بارد وأردفت: "ربما فرّوا جميعاً خوفاً.. فالوحوش تشم رائحة من هو أشرس منها." استلقت على العشب، واضعةً يديها خلف رأسها، تتابع سحب الليل وهي تفكر في واقعها الخانق: "عليّ أن أجد مدرباً آخر.. بعد أن أصبح معلمي كهلاً لا يستطيع حتى مجاراة ظل سيفي. أحتاج ندّاً، لا عجوزاً يخشى عليّ من خدشٍ صغير." "أمنيتكِ قد تتحقق أسرع مما تظنين.. لكنكِ قد تندمين على طلبها." جاء الصوت هادئاً، عميقاً، لدرجة أنه لم يقطع سكون الغابة بل ذاب فيه. لم تنفزع كورا، لكن جسدها تصلب كالأفعى المستعدة لللدغ. وضعت يدها على مقبض سيفها ببطء، وعيناها لا تزالان معلقتين بالقمر، وقالت ببرود قاتل: "من يختبئ خلف الأشجار؟ هل أنت فريسة تعبت من الهرب، أم أحمق قرر الانتحار الليلة؟" من قلب الظل، خطا فتى غامض بخطواتٍ لم تصدر أي صوت، وكأنه يمشي على الهواء. لم يكن يرتدي دروعاً براقة، بل ملابس سوداء بسيطة تخفي جسداً متناسقاً يفيض بالهيبة. توقف على بعد خطوات منها، ونظر إلى الأشجار الممزقة حولها بسخرية: "الأشجار لا ترد الضربات يا ابنة الملك.. تقطيع الخشب يجعل منكِ حطابة جيدة، لكنه لن يحميكِ من نصلٍ يعرف طريق العنق." نهضت كورا في لمح البصر، شاهرةً سيفها الضخم نحوه، وبريق عينيها الزمردي اشتعل في الظلام: "من انت؟.. وكيف تجرؤ على مراقبتي؟ وكيف عرفت من أنا؟" لم يتراجع خطوة واحدة، بل مال برأسه قليلاً وقال بنبرة "سيجما" مستفزة: "مراقبتكِ كانت أسهل جزء في ليلتي.. أنتِ تقاتلين بضجيج، يا مولاتي القوة ليست في الصراخ أو تمزيق الشجر، القوة هي أن تقتلي عدوكِ قبل أن يشعر بوجودكِ.. كما فعلتُ أنا معكِ الآن." تقدم خطوة نحو الضوء، فظهرت ملامحه االوسيمة والقوية ونظرته التي لا تهتز. أضاف ببرود: "أما بالنسبة لمدربكِ الكهل، فهو لم يعجز عن مجاراتكِ لأنكِ قوية.. بل لأنه كان يحاول حماية أميرة، بينما أنتِ كنتِ تحتاجين لمن يحارب وحشاً." ضمت كورا قبضتها على سيفها، وشعرت لأول مرة منذ سنوات بتلك "الرعشة" التي تسبق القتال الحقيقي. لم تكن خائفة، بل كانت متعطشة. "إذن.." قالتها بابتسامة مرعبة، "أرني كيف يحارب الوحوش.. أم أن لسانك هو السلاح الوحيد الذي تملكه؟" ابتسم بهدوء واجاب بثقه:- سأريك قدراتي حتما.. ولكن ليس الآن.. ليس هنا.. سيكون هذا فى قصرك امام حرسك يا مولاتي.. أما الآن فأنا فقط ملاكك الحارس المرسل هنا لحمايتك. توقفت كورا مكانها، وتجمدت يدها على مقبض السيف. تلك النبرة، ذلك البرود، وهالة الثقة التي تحيط به.. شعرت بأنها تعرفه دون أن تراه من قبل. قالت باضطراب:-من تكون انت؟؟ قال الفتى بابتسامة سخرية لا تكاد تظهر: "أرى أنكِ كبرتِ بما يكفي لتملكي سيفكِ الخاص.. ولم تعودي بحاجة لملابس 'أولاد' يرسلها لكِ والدي سراً لتخفي أنوثتكِ في ساحة التدريب." اتسعت عينا كورا، وارتد نصل سيفها للخلف وهي تهمس بصدمة: "أنت.. ابن المعلم؟" خطا خطوة واحدة نحو الضوء، فبرزت ملامحه الحادة التي كانت مزيجاً من القوة والجمال الرجولي الصرف. وقف أمامها بطولٍ فارع جعلها ترفع رأسها لتنظر في عينيه، وقال بنبرة "سيجما" تفيض بالندية:"لسنوات وأنا أسمع عن 'الأميرة' التي تستهلك ثيابي في تدريباتها.. جئتُ لأرى إن كنتِ تستحقين تلك الأثواب، أم أنكِ كنتِ مجرد طفلة تعبث بملابس الرجال." أحست كورا بنار الغضب تشتعل في صدرها؛ فهذا الرجل لا يراها المحاربة الأسطورية التي يخشاها الحراس، بل يراها تلك الطفلة التي كانت "تستعير" هويته. رفعت سيفها ببرود وقالت: "تلك الملابس كانت تضيق عليّ يا هذا.. تماماً كما ستضيق هذه الغابة عليك الآن إذا لم تنسحب. كونك ابنه لا يعني أنك تملك الحق في الوقوف أمامي." ضحك بخفوت، ضحكة رجولية عميقة لم تهتز أمام تهديد سيفها: "أنا لا أطلب الحق، أنا آخذه. وأما الملابس.. فقد أصبحتِ الآن ترتدين ملابس المحاربين الخاصة بكِ، لكن يبدو أنكِ لم ترتقِ لمستوى المحاربين بعد. القوة التي يمدحكِ بها والدي.. سأثبت لكِ يوما أنها لا تساوي شيئاً أمام الحقيقه.. .................................. مع مرور السنوات وتبدل الاحوال كان الصراع في القصر قد نضج بالفعل على نارٍ هادئة. عشر سنوات كانت كفيلة بتحويل جدران القصر من مرتع للعب إلى ساحة ألغام سياسية.. في جناحهل كانت إيريس تقف أمام مرآة ضخمة، لم تعد تلك الطفلة العابثة، بل صارت امرأة يشع من عينيها ذكاءٌ حاد وخطير. كانت ترتدي فستاناً من الحرير القرمزي، بينما يقف خلفها ذلك الحارس الذي جندته قبل سنوات، وقد صار الآن "قائد حرسها الخاص". قالت إيريس وهي تعدل قرطاً ذهبياً ببرود: "هل تتبعها؟" رد الحارس بصوت منخفض: "كما أمرتِ يا سمو الأميرة.. لكنها أصبحت أسرع، الغابة صارت مملكتها، وأحياناً أشعر أنها هي من تراقبنا وليست نحن." ابتسمت إيريس ابتسامة لم تصل لعينيها: "دعها تظن ذلك.. القوة الجسدية مجرد استعراض... العرش لا يحتاج لمبارزة، بل يحتاج لمن يعرف كيف يقطع الخيوط في الوقت المناسب." ..................................... وعلى الجانب الآخر، من شرفة القصر المطلة على الساحة الكبرى، كانت الأميرة إيفيا تمارس سلطتها بلهجة آمرة لا تقبل الجدل. كانت توجه الخادمات والحراس بصرامة بشأن وفود الممالك المجاورة القادمة لحفل الملك؛ تأمر بإعداد الولائم، وتشدد على حسن وفادة الضيوف، بينما توزع الحرس على أبواب القصر وثكناته بمهارة قائدٍ محنك يعرف قيمة الضبط والربط. وفي تلك الأثناء، كان الملك في مكتبته الخاصة، يقلب أوراقاً قديمة يطالعها باهتمامٍ مشوب بالحذر، حين قطعت خلوته إيفيا بابتسامتها المشرقة التي تتقن رسمها بعناية. قالت بهدوء: "أبي.. لقد تم الإهتمام بكل شيء. الحفل منظمٌ بدقة، ونحن في انتظار وصول الوفود." نظر إليها الملك بابتسامة حنونة، وأحاط وجهها بيديه ثم قبّل جبهتها بحنو وقال: "تشبهين أمكِ كثيراً يا إيفيا.. كانت تحرص على راحتي تماماً مثلكِ." نظرت إليه برقة مصطنعة وقالت: "يمكنك الإعتماد عليّ دائماً يا أبي.. فالمهم هو راحتك وأمن مملكتنا." تغيرت ملامح الملك إلى الجدية، وتنهد بعمق: "هذا يومٌ هام يا إيفيا.. وفود الممالك المجاورة هذا العام يطمعون جميعاً في عرشنا. التوتر ينهش صدري، فكيف سأنجو بملكي من مكائدهم هذه المرة؟" أجابت إيفيا بقوة وثبات هز أرجاء الغرفة: "لا تخشَ شيئاً يا جلالة الملك.. لن يجرؤ أحدٌ على الاستيلاء على عرشنا طالما أنا على قيد الحياة." ساد صمتٌ ثقيل، نظر الملك في عيني ابنتها طويلاً، فأحنت بصرها بتواضعٍ زائف وأضافت بنبرة هادئة: "إلا من سيختارها جلالتك بالطبع لتكون وريثتك الشرعية." ربت الملك على كتفها ببطء، وقال بصوتٍ يحمل غموضاً لم تفهمه: "لم يحن وقت هذا الاختيار يا إيفيا.. صدقيني، لم يحن وقته بعد." ............................ بينما كانت إيفيا تخرج من مكتبة الملك بخطوات واثقة، وجدت إيماندا تقف في الرواق المظلم، تعبث بوردة بيضاء في يدها تقطف أوراقها ببرود. كانت تبدو كفراشة رقيقة بفستانها الوردي الناعم وشعرها المنسدل، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريق غريب. قالت إيماندا بصوت طفولي ناعم: "أوه، إيفيا.. هل انتهيتِ من محاولة إقناع أبي بأنكِ النسخة الاحتياطية من أمنا الراحلة؟" توقفت إيفيا ونظرت إليها بضيق: "إيماندا، هذا ليس وقتا اللعب الوفود على الأبواب، وعليكِ أن تهتمي بمظهركِ بدلاً من التسكع في الممرات." ضحكت أيماندا بخفة وهي تنثر أوراق الوردة على الأرض: "مظهري هو سلاحي الوحيد يا أختي الكبرى.. بينما ترهقين نفسكِ بتنظيم الحرس والولائم، أنا أهتم بتنظيم 'قلوب' الأمراء الذين سيحضرون. ألا تعلمين؟ الأمير الذي سيقود جيشه لفتح أبواب مملكته لي، أهم بكثير من حارس يقف على باب غرفتكِ." ثم اقتربت من إيفيا وهمست بجانب أذنها: "بالمناسبة.. رأيتُ حارس إيريس الخاص يتسلل نحو أسوار الغابة الخلفية منذ قليل. يبدو أن أختنا العزيزة مهتمة جداً بـ 'صيد' الأفاعي هذه الليلة.. هل أنتِ الوحيدة التي لا تعلم ما يحدث في مملكتكِ؟" تركتها أيماندا وذهبت وهي تغني بلحن هادئ، تاركةً إيفيا في حالة من الشك والغضب. ................................. دوت أبواق القصر دوت في الأرجاء معلنةً وصول أولى وفود الممالك المجاورة؛ العربات المذهبة والخيول البيضاء بدأت تصطف في الساحة الأمامية، وتحت أضواء المشاعل وقف الملك وحوله أميراته الثلاث: إيفيا بوقارها الملكي، إيريس بنظراتها الفاحصة، وأيماندا بابتسامتها الساحرة.. مشهدٌ يفيض بالرقي والبروتوكول الصارم. قدمت الاميرات نفسهن للوفود بثقه وغرور مستمتعين بانحناء الرؤؤس امامهن وتقبيل الامراء لأيديهن باحترام .. جلس الجميع وبدأت الأحاديث التجاريه والسياسيه تدور بينهم وابدت الاميرات ذكاء تجاريا وسياسيا مثيرا للإعجاب لكن فجأة، التفتت رؤوس الحراس والضيوف نحو البوابة الخلفية المؤدية للغابة.. حيث اخترق الصمت صوتُ وقعِ حوافر خيل قوى خطواتٍ ثقيلة ومنتظمة... حتى وصل الخيل الى منتصف الساحه وتوقف وسط الوفود تماماً.. هبطت منه كورا بثيابها السوداء الرجاليه وشعرها النارى الثائر وسط العيون المحملقه وقالت بصوت جهورى واثق:-أنا كورا الإبنة الرابعه للملك ووريثه عرشه المنتظرة.. ادعو امراء الوفود ان يقدمن فرسانهن لمبارزتي.. شهق الملك بقوة ونهض واقفا ونهضت معه الاميرات بصدمه.. لم تهتم كورا وهى تدير عينيها فى الوفود بتحدى شرس وبينما كانت العيون شاخصة نحو الأميرة المتمردة، لم يلحظ أحدٌ ذلك الظل الغامض الذي يقف بعيداً عند حافة الساحة، يراقب شجاعة كورا بابتسامةٍ باردة؛ كان هو الوحيد الذي يعرف أن هذه المبارزة ليست إلا البداية.. وأن "الثوب القديم" الذي ترتديه، سيُغمس الليلة بالدماء." .................................. رايكم ايه سر فتى الغابه.. وليه ظهر لكورا فى هذا التوقيت بالذات.. أى اميرة من الاميرات تعجبكم شخصيتها اكثر.. " (Vote): "لو عجبكم الفصل ومتحمسين للي جاي، ما تنسوش تكتبوا لي رأيكم في التعليقات، رأيكم هو اللي بيشجعني أكمل!"