زواج بالإتفاق | دي لوكا إرث الخطيئة
زواج بالإتفاق
بعضُ الخطايا لا نرتكبها، بل نولد داخلها… والعبرة ليست في الهرب منها، بل في كسر السلسلة التي تورّثها. لكن بالنسبة لبطلتنا، لم تبدأ الحكاية باختيارٍ حر، بل بزواجٍ لم تطلبه، واسمٍ كُتب عليها قبل أن تتعلّم كيف ترفض. في عائلة دي لوكا، لا تُرتكب الخطيئة مرة واحدة، بل تُورَّث. تُغلَّف بالصمت، وتُبرَّر بالواجب، وتُسمّى… انتقامًا. فما الذي يحدث حين يصبح الصمت حماية؟ وحين يغدو البقاء داخل العائلة خطرًا، والخروج منها خيانة؟ هذه ليست حكاية قرارٍ واحد، بل حكاية امرأة اكتشفت متأخرة أن أخطر القرارات هي تلك التي لم تُمنَح حقَّ اتخاذها. مرحبًا بك في دي لوكا: إرث الخطيئة.
بسم الله الرحمن الرحيم
إن أحببتم القصة، لا تنسوا وضع نجمة، فدعمكم يساعدها على الوصول إلى عدد أكبر من القرّاء.
قراءة ممتعة
كنتُ أعلم... بل كنتُ متيقنة أن هذا لا يجوز.
كنتُ لا أزال امرأة متزوجة، أو هكذا كنت أُقنع نفسي.
_لستِ متزوجة، لقد طلقكِ وانتهى الأمر.
قالتها ببرودٍ كأنها تتحدث عن شيء عابر لا يمسّ روحي.
_لكنني حامل.
خرجت الكلمة مني مرتجفة، وكأنها اعتراف أخير قبل السقوط.
_إذًا؟
_عندما يعلم... سيعود.
ضحكت ضحكة قصيرة، قاسية:
_لن يعلم، ولن يعود.
كنت أعرف أنها تكذب عليّ فهو سيعلم بالتأكيد سيعلم .
فهذا ليس سرًا يمكن دفنه طويلًا، ليس شيئًا يختفي في العتمة إلى الأبد.
الحقيقة تشبه الضوء... مهما حاولت إخفاءه، ينسلّ من الشقوق.
_سيعلم، لكنه لن يعلم أنه ولده. ناثان سيسجل الجنين باسمه، وحتى لو علم أنه ابنه فلن يعود. لا تنسي أنه خانكِ وهرب مع تلك الشيطانة قبل شهرين. استلمتِ أوراق الطلاق من المحكمة منذ أسبوع، ولم يسأل حتى عن آنا... وكأنها ليست ابنته.
تجمدتُ عند الاسم.
_لحظة... هل يعلم ناثان بأمر الجنين؟
_يعلم.
_من أخبره؟ وكيف؟
_أنا. عندما أخبرتِني صباحًا اتصلت به فورًا.
ساد صمت ثقيل، ثم سألتُ بصوت خافت:
_وهل لا يزال يريد إتمام الزواج؟
_ألم أقل لكِ؟ يريد أن يحمل الجنين اسمه.
_هل أنتِ متأكدة؟
_تمامًا.
عندها فقط، شعرتُ أن الأرض تميد تحت قدمي.
_إذًا... أنا لم أعد موافقة على هذا الزواج. أريد إلغاءه.
رفعت حاجبيها بذهول:
_إلغاء الزفاف؟ وهو بعد ساعتين بالضبط؟ والتحضيرات قد اكتملت بالفعل!
_نعم. أريد إلغاءه.
لوّحت بيدها بعصبية غير آبهةٍ بطلبـي إلغاء الزفاف بينما تقول:
_اتصلتُ بخبيرة تجميل ومصففة شعر، وسيصلن قريبًا. عندما يصلن دعيهن يعملن بسلام، نحن متأخرون أصلًا... وأنا سأغادر الآن قبل أن أرتكب فيكِ جريمة.
أغلقت الباب خلفها بعنف.
مسكينٌ ذلك الباب... صار متنفسًا لغضبها.
لكنني لم أشفق عليه، فموقفي كان أحق بالشفقة.
كيف تورطتُ في هذا؟
أين كان عقلي عندما وافقت على هذا الزواج؟
ربما خيانة زوجي-عفوًا، طليقي-هي التي سرقت وعيي.
نعم، خيانة طليقي.
لا أعرف عن ناثان شيئًا يُذكر.
سوى اسمه، وعمره-ثلاثة وثلاثون عامًا-وأنه كان مغتربًا قبل أن يقرر الاستقرار هنا منذ عام. لم يسبق له الزواج، ولا أعرف لماذا عاش تسع سنوات بعيدًا عن عائلته رغم وجودهم في البلد. لا أعرف عمله، ولا ما يحب أو يكره، ولا أظنه يعرف عني أكثر مما أعرف عنه.
عندما تقدم لي وافقت دون تفكير.
كنتُ عمياء بالغضب والغيرة، وكل ما أردته آنذاك هو إغاظة طليقي.
وناثان... كان يعلم ذلك جيدًا.
الآن فقط، بدا الأمر مريبًا.
رجل مثله يستطيع الزواج ممن يشاء، فلماذا اختارني أنا؟
وفي هذا التوقيت تحديدًا؟
لو أن حارس بوابتنا تقدم لي في تلك الفترة لكنت وافقت.
تقدم لي وهو ضامن لموافقتي.
أسرع في إنهاء أوراق الطلاق، كلف محامي عائلته، وأنهى كل شيء خلال أسابيع.
وقّعت أوراق الطلاق قبل أسبوع...
واليوم من المفترض أن أوقّع أوراق الزواج.
آه يا رؤى...
آهٍ منكِ، ومن قراراتكِ، ومن ضعفكِ.
كيف أهرب من هذا الزفاف؟
دخلت مصففة الشعر ومعها خبيرة التجميل. تذكّرتُ ما قالته لافيتا قبل قليل، فالتزمت الصمت وتركتُهما تعملان بهدوء كما أرادت. جلستا خلفي، تتحركان بخفة مدروسة، وكأن ما يحدث مجرد طقس عادي يسبق احتفالًا سعيدًا.
أما أنا، فلم يكن في رأسي سوى سؤال واحد، يلحّ عليّ بلا رحمة:
كيف يمكن لزفاف أن يُلغى... دون أن يُقال إنني أنا من ألغاه؟
لم يكن الأمر خيارًا، بل ضرورة.
اسمي لا يجب أن يُذكر.
واسم عائلتي كذلك.
أبي لن يسامحني إن علم أنني تراجعت،. والصحف؟ ستتلقف الخبر بشهية مفتوحة، وستجعل من اسم عائلتي عنوانًا دائمًا لفضيحة طويلة العمر.
لذلك، لم يكن أمامي سوى احتمال واحد:
أن تكون عائلة دي لوكا هي من تتراجع.
لكن التفكير في كيف كان أصعب من القرار نفسه.
مرّ الوقت ببطءٍ ثقيل. كنت أسمع أصوات أدوات التجميل، خفيفة، منتظمة، كأنها تعدّني لشيء لا أشعر نحوه بأي استعداد. ساعة كاملة، ثم نصف ساعة أخرى، وأنا ثابتة في مكاني، أحبس أنفاسي وأفكاري معًا.
عندما انتهتا، شكرتهما بصوت بدا لي غريبًا، كأنه لا يخصني.
ثم وقفت أمام المرآة.
لم أرَ نفسي.
رأيت امرأة ترتدي فستانًا أبيض، أنيقًا وفخمًا في آنٍ واحد،
امرأة يعرف الجميع كيف ينظر إليها بإعجاب.
لكن عينيها...
كانتا خاليتين من أي حياة.
بدت جميلة، نعم، لكن الجمال كان خارجيًا، مصقولًا بعناية، بينما الداخل كان صامتًا، فارغًا، كأن شيئًا انسحب منها دون أن يترك أثرًا.
تأملت انعكاسها طويلًا.
كانت تشبهني كثيرًا...
لكنها لم تكن أنا.
وأنا أحدّق في الإنعكاس، أدركتُ أخيرًا أن السؤال لم يعد كيف أُلغي هذا الزفاف،
بل كم سأفقد من نفسي وأنا أمضي فيه.
ابتعدتُ عن المرآة ببطء، كأن الصورة قد تجرحني إن اقتربتُ أكثر.
كان الفستان أثقل مما ظننت، أو ربما كان صدري هو المثقل.
التقطتُ أنفاسي، واحدة تلو الأخرى، كما لو كنت أعدّها قبل أن تنفد.
طرقت لافيتا الباب طرقًا خفيفًا.
لم تنتظر الإذن.
«بقي عشرون دقيقة.»
قالتها بنبرة عملية، كأنها تعلن موعدًا لا يقبل التفاوض.
أومأتُ فقط. لم أجد ما أقوله.
الكلمات، مثل الاعتراض، تأخرت كثيرًا.
في الردهة، كانت الأصوات تتداخل:
خطوات، همسات، تعليمات سريعة.
كل شيء يتحرك، يستعد، يندفع إلى الأمام...
إلا أنا.
سرتُ ببطء، أجرّ طرف الفستان خلفي، وأشعر مع كل خطوة أنني أترك شيئًا ما في الغرفة التي غادرتها:
قرارًا لم يُتخذ،
صرخة لم تُقال،
ونسخة أخرى مني لن تعود.
عند باب القاعة، كان أبي ينتظرني.
ارتسمت على وجهه ابتسامة واضحة، ابتسامة رجل راضٍ عن هذا الزفاف.
أبي لم يكن يحب ستيفن، ولولا إصراري على الزواج منه لما وافق يومًا.
لم يسر معي في الممر آنذاك،
بل لم يحضر ذلك الزفاف أصلًا.
أما اليوم، فقد كان هنا،
ينتظرني أمام باب القاعة،
مستعدًا للسير معي،
لأن من يقف عند المذبح هذه المرة... هو ناثان.
توقفتُ لحظة.
لم أنظر إلى الداخل.
كنت أعرف ما ينتظرني هناك.
رفعتُ ذقني، لا بثقة، بل بتحدٍّ صامت.
إن كان لا بد من العبور، فسأعبر وأنا واعية تمامًا بما أخسره.
شبكتُ يدي بذراع أبي.
لم ينظر إليّ، كان نظره ثابتًا إلى الأمام، مستقيمًا، كما ربّاني أن أكون.
خطواته واثقة، محسوبة، كأنه يسير نحو انتصار لا يقبل الشك.
اما أنا فكنت أسير إلي قراري الأخير .
وقبل أن نخطو إلى الداخل، شعرتُ بيد صغيرة تشد طرف فستاني.
التفتُّ.
كانت آنا تقف خلفي، تحمل سلة الورود بين يديها الصغيرتين.
رفعت رأسها إليّ بعينين لامعتين، تبتسم بثقة لا تشبه ثقل اللحظة.
_ماما... متى أبدأ؟
توقفتُ للحظة.
لم أعرف ماذا أجيب.
كيف أشرح لطفلة أن هذه الورود ستتحول إلي اشواك تُنثر فوق طريق لا أعرف إن كنت قادرة على اجتيازه؟
انحنيتُ إلى مستواها، عدّلتُ الشريط الأبيض في شعرها، وابتسمت.
ابتسامة متقنة... أكثر مما ينبغي.
_عندما تسمعين الموسيقى، حبيبتي.
أومأت بحماس، وكأنها تستعد للعب، لا لقيادة أمها نحو مصير يشبه لعبة تجهل قواعدها.
استقمتُ مجددًا.
شبكتُ يدي بذراع أبي مرة أخرى.
انطلقت الموسيقى.
خطت آنا أولى خطواتها،
كانت تسير بخفة، تقفز أحيانًا، وتضحك بهدوء،
بينما كنت أتباطأ خلفها، أعدّ خطواتي.
دخلنا القاعة.
تقدّمت آنا أولًا، تنثر الورود بخفة طفولية لا تعرف ثقل الطريق الذي تمهّده.
كانت تتوقف أحيانًا لتلتقط بتلة سقطت من يدها، ثم تتابع ضاحكة،
بينما كانت القاعة، من حولها، تتابعها بابتسامات دافئة وهمسات معجبة.
كنت أسمع اسمي يُهمس،
وأشعر بالعيون تلاحقني من الجانبين،
نظرات إعجاب، فضول، وتقييم صامت...
كأنني لوحة تُعرض لأول مرة.
شدّ أبي على ذراعي قليلًا، إشارة صامتة بأن أمضي.
فعلت.
كان الهواء أثقل كلما تقدّمنا.
الموسيقى تملأ المكان، لكنها بدت بعيدة، كأنها لا تخصني.
رفعتُ بصري أخيرًا.
ناثان.
لم ينظر إليّ مباشرة.
كانت عيناه تتبعان آنا أولًا،
توقفتا عندها لثوانٍ أطول مما توقعت،
نظرة لا دهشة فيها، بل تركيز غامض... كأنه يسجّل تفصيلة لن ينساها.
ثم التفت إليّ.
التقت أعيننا.
لم تكن نظرته حانية، ولا باردة.
كانت نظرة رجل يعرف أكثر مما يقول،
ونظرة امرأة تدرك أنها دخلت لعبة لا تعرف قواعدها كاملة.
أحسستُ بأنفاسي تختل للحظة.
شدّدتُ قبضتي على ذراع أبي، أبحث عن توازن لا يأتي.
وعند اقترابنا من المذبح، بدأت الموسيقى تخفت تدريجيًا.
خطواتنا أصبحت مسموعة،
صوت الفستان،
احتكاك الأحذية،
ونبض قلبي الذي بدا أعلى من كل شيء.
وقفت آنا في المكان المخصص لها، التفتت نحوي وابتسمت.
ابتسامة مطمئنة... وكأنها تقول إن كل شيء بخير.
لم يكن كذلك.
سلّمني أبي إلى ناثان.
لحظة قصيرة، رسمية، لكنها بدت أطول من اللازم.
وفي تلك الثانية، وأنا أقف بين رجلين،
أدركت أنني لم أعد أخص نفسي وحدي.
رفعتُ رأسي.
وقفتُ مستقيمة.
لا لأنني واثقة،
بل لأنني رفضت أن أنكسر أمامهم.
خفتت الموسيقى تمامًا.
كان صوت الكاهن أول ما اخترق الصمت، واضحًا، رسميًا، محفوظ النبرة،
كأن الكلمات قيلت آلاف المرات قبلي،
وكأنها لا تحتاج إلى إحساس كي تكون صحيحة.
كان يتحدث...
وأنا أسمع، دون أن أُصغي.
كل جملة كانت تمرّ فوق رأسي، ثم تسقط داخلي بثقل:
توقيعات، شروط، موافقة، قبول...
مفردات كبيرة تُقال بسهولة مخيفة.
حين نُطق اسمي، شعرتُ بأن القاعة تضيق.
رفعتُ رأسي، لا بدافع الفخر،
بل لأن الهروب لم يعد خيارًا.
_رؤى دي سانتيس، هل تقبلين الزواج من ناثان دي لوكا؟
كان السؤال واضحًا.
مباشرًا.
قاطعًا.
لثانية واحدة، لم أفكّر في ناثان،
ولا في الحضور،
ولا في الصحف.
فكّرت فقط في آنا.
في يدها الصغيرة التي ما زالت تمسك سلة الورود،
وفي ابتسامتها التي تفترض أن هذا اليوم سعيد.
كنتُ قد أدركت بالفعل أن فكرة الهروب الطائش مع ابنتي
لم تعد خيارًا.
_أقبل.
خرجت الكلمة من فمي ثابتة،
أكثر ثباتًا مما شعرت به.
لم أدرِ إن كان ذلك شجاعة...
أم استسلامًا متقنًا.
تحرّك ناثان بجانبي.
اقترب قليلًا، ليس بما يكفي ليلفت الانتباه،
لكن بما يكفي لأن أسمع صوته وحدي.
_لا تقلقي.
همس بها بهدوء غريب،
كأنها ليست أول مرة يقولها،
وكأنها موجّهة لشيء أعمق من هذا اليوم.
لم أنظر إليه.
لو فعلت، لانهار شيء ما.
أعاد الكاهن السؤال إليه.
أجاب بلا تردد.
وفي تلك اللحظة، شعرت بيد ناثان تقترب من يدي.
لم يمسكها فورًا.
توقّف، كأنه يمنحني فرصة أخيرة للتراجع...
ثم أمسك بها.
لم تكن قبضته قوية،
ولا مترددة.
كانت واثقة،
مطمئنة على نحو أربكني أكثر.
أخرج خاتمًا دائريًا صغيرًا،
أخفّ مما توقعت،
وأثقل مما يحتمل قلبي.
انزلق الخاتم ببطء إلى مكانه.
لم يكن ضيّقًا، ولا واسعًا...
كان مناسبًا تمامًا.
وذلك ما أخافني.
همس بصوت منخفض، كأنه قرأ أفكاري:
_أخذتُ المقاس من لافيتا.
رفعتُ بصري نحوه.
التقت أعيننا لثانية قصيرة.
لم أجد فيها نظرة انتصار،
ولا شفقة،
بل يقينًا هادئًا.
وحين جاء دوري، حاولت أن أبدو ثابتة مثله...
لكنني فشلت.
ارتجفت أصابعي،
وخَذلتني قوتي في أكثر اللحظات جدّية.
توقفتُ لحظة،
لا لأتراجع،
بل لأجمع ما تبقّى مني.
ثم وضعتُ الخاتم في إصبعه.
استقر بسهولة...
بسهولة مؤلمة.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن بعض القيود لا تُفرض علينا،
نحن من نغلقها بأيدينا،
ونبتسم بينما نفعل ذلك.
نظرتُ إلى آنا.
كانت تتابعنا بعينين واسعتين،
وحين التقت عيوننا، رفعت إبهامها الصغير نحوي،
إشارة انتصار بريئة.
ابتسمتُ لها.
ابتسامة كاملة...
كاذبة تمامًا.
جاء صوت القس وهو يعلن إتمام الزواج.
تعالت التصفيقات.
ارتفعت الأصوات.
عاد الضجيج دفعة واحدة،
كأن الصمت لم يكن.
أما أنا،
فكنت أقف هناك،
أرتدي فستانًا أبيض،
وخاتمًا لامعًا،
واسمًا جديدًا يُضاف إلى اسمي...
وأدرك، بهدوء مخيف،
أن القرار الأخير لم يكن هذا الزواج،
بل كل ما سيأتي بعده
انتبهتُ إلى ناثان وهو يضغط على يدي، إشارة صامتة يطلب بها أن أسير معه كان علينا التقدم نحو الحضور لإلقاء التحية وتلقّي المباركات.
تبِعته بصمت.
خطواتي كانت محسوبة،
وابتسامتي مرسومة بعناية.
كان أبي أول من تقدّم نحونا.
تبادل مع ناثان التحية بقدرٍ من الرسمية،
مصافحة ثابتة، نظرة مباشرة،
اتفاق غير معلن بين رجلين يفهمان قواعد اللعبة.
أما أنا، فاقتربت من أبي وعانقته عناقًا خفيفًا.
لم يكن عناق وداع،
ولا تهنئة،
بل شيء بينهما... واجب مؤدّى.
حين ابتعدت عنه،
لم أحتج للنظر طويلًا لأعرف أنه راضٍ.
هذا وحده كان كافيًا.
بدأت اسير إلي مخرج القاعة ابحث عن آنا كنت قد رأيتها تخرج برفقة فيني.
تلقيتُ التهاني من كل من مررتُ بهم، واحدًا تلو الآخر،
إلى أن خرجتُ إلى الممر.
هناك، باغتني غثيان شديد.
تسارعت نبضات قلبي، وشعرت بالأرض تدور بي.
اتجهتُ نحو أقرب مقعد رأيته، وجلست عليه بسرعة، وأغمضتُ عيني، أبحث عن بعض السكينة،
علّ أعراض الحمل تنحسر سريعًا لأتمكن من متابعة بحثي عن ابنتي
فهذا لم يكن جديدًا عليّ.
كنتُ أُمسّد بطني تلقائيًا، وما زالت عيناي مغمضتين،
حين سمعتُ صوت امرأة بجانبي تقول:
_السيدة دي لوكا.
تجاهلتها في البداية،
لكنها نادتني مرة أخرى... ثم ثالثة،
إلى أن ضربني الإدراك فجأة:
أنا بالفعل السيدة دي لوكا الآن.
فتحتُ عيني ببطء، سحبتُ يدي من فوق بطني بخفة، واستقمتُ واقفة.
نظرتُ إليها.
كانت امرأة في أواخر الخمسينيات من عمرها تقريبًا،
وعيناها مركّزتان على بطني تركيزًا خانقًا.
تجاهلتُ نظراتها وأنا أجيب بهدوء متكلّف:
_تفضّلي.
قالت بصوت بارد:
_عندما رأيتك تخرجين من القاعة قبل أن تُحيّيني، قررت أن أتبعك... وأفعلها بنفسي.
ابتلعتُ ريقي.
خرج صوتي متوترًا، مرتبكًا:
_عفوًا... لكن من أنتِ؟
قالت، بالنبرة الجليدية نفسها:
_أنا السيدة روكي دي لوكا.
نطقت اسمها ببرود قاطع.
وعند سماعي له، كنت أنا من تجمّد.
إنها والدة ناثان.
لم أصدق نفسي...
كيف خرجتُ من القاعة قبل أن أحيّيها؟
وكيف لم أتعرف عليها من قبل؟
وهي نسخة أكبر من ابنتها القاضية الشهيرة ماريانا دي لوكا.
قلتُ بصوتٍ يملؤه الندم والأسف:
_أعتذر لكِ... عن خروجي قبل أن أحييكِ.
لم تُجبني فورًا.
وقفت السيدة روكي دي لوكا أمامي صامتة.
مرّت ثوانٍ شعرتُ فيها أن الهواء نفسه صار أثقل،
وأن الممر ضاق،
وأن ما في بطني لم يعد خفيًا كما ظننت.
ثم قالت أخيرًا، بنبرة هادئة أكثر مما ينبغي:
_لا بأس.
كلمة قصيرة،
لكنها لم تكن مسامحة.
تابعت، وعيناها لا تزالان مثبتتين عليّ.
لو رفعتُ بصري للتقت عيناي بعينيها مباشرة،
لكنني كنت أحدّق في الأرض.
_قد تختنق العروس من أجواء القاعة.
توقفت لحظة،
ثم أضافت:
_خصوصًا إن كانت تمرّ بأكثر مما يبدو.
لم أرد.
لو فتحتُ فمي، لانكشف شيء لا أريده أن يظهر في الوقت الخطأ.
اقتربت خطوة واحدة فقط.
لم تلمسني،
لكن المسافة بيننا صارت خانقة.
_ناثان لا يحب المفاجآت.
قالتها كأنها حقيقة عامة، لا تحذيرًا.
_وأنا... أكرهها.
رفعتُ رأسي أخيرًا.
التقت أعيننا.
لم أجد غضبًا،
ولا صدمة،
بل شيئًا أخطر:
حسابًا.
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالكلام،
جاء صوته من خلفنا:
_أمي.
تجمّدتُ.
استدارت روكي ببطء مدروس،
وارتسمت على شفتيها ابتسامة اجتماعية مثالية،
لا تمتّ بصلة لما كان بيننا قبل ثانية واحدة.
_ناثان.
قالتها بنبرة دافئة مصطنعة-أو هكذا قرأتها.
_كنت أبحث عن زوجتك.»
كلمة زوجتك خرجت بسلاسة جارحة.
اقترب ناثان منا.
وقف بجانبي،
قريبًا بما يكفي لأشعر بحرارته،
لكن دون أن يلمسني.
نظر إليّ نظرة سريعة، فاحصة.
قرأ كل شيء:
الغثيان،
الارتباك،
والخطر.
ثم قال بهدوء متقن:
_كنت سأصطحبها بنفسي بعد أن تهدأ قليلًا.
نظرت روكي إليه، ثم إليّ،
كأنها تربط خيطين لم يُعلنا بعد.
_بالطبع.
قالتها وهي تعدّل قفازها الأنيق.
ثم التفتت إليّ من جديد،
وابتسامتها لم تصل إلى عينيها:
_سنكمل حديثنا لاحقًا، رؤى.
نطقت اسمي بوضوح زائد.
غادرت الممر بخطوات واثقة،
وتركت خلفها صمتًا أثقل من حضورها.
لم أتحرّك.
ولا ناثان.
وبعد ثوانٍ، قال بصوت منخفض لا يسمعه سواي:
_كم رأت؟»
رفعتُ عيني إليه أخيرًا،
وقلت الحقيقة الوحيدة التي أملكها:
_لا أعلم.
ساد الصمت من جديد...
لكن هذه المرة بيني وبينه.
حتى قررتُ كسره.
عدتُ للجلوس على المقعد، وقلت:
_تعلم أنني حامل.
جلس هو الآخر بجانبي، وقال بهدوء:
_نعم.
نظرتُ إليه.
كانت ملامحه غير مقروءة،
لكنني تجاهلت جموده وسألته:
_ولا تمانع الزواج من امرأة لديها ابنة... وحامل؟
نظر إليّ،
ثم أطلق ضحكة قصيرة خالية من الدفء، وقال:
_ألا تظنين أن سؤالكِ تأخر قليلًا؟
أنتِ أصبحتِ زوجتي بالفعل.
لا أعرف لماذا ارتجف شيء في داخلي حين قال زوجتي.
كأن الكلمة لم تكن وصفًا... بل قيدًا أُغلق فجأة.
تجاهلت الإحساس.
وتجاهلت سخريته الواضحة، وسألته مرة أخرى، بإصرار يشبه التمسك بآخر خيط:
_لماذا إذًا؟
أجاب دون تردّد، بصوت خالٍ من أي حرارة:
_أريد أسرة.
وأريد الاستقرار.
توقفت لحظة قبل أن أتمكن من الكلام.
ثم سألت، بصوت خرج بالكاد مسموعًا:
_معي؟
لماذا أنا؟
رفع نظره إليّ أخيرًا.
كانت نظرته مستقيمة، بلا التفاف، بلا محاولة تلطيف.
وقال كلمة واحدة فقط:
_مناسبة.
تلك الكلمة...
لم تُقنعني.
لم تُغضبني.
بل أصابتني في موضع أعمق.
مناسبة.
كأنني خيار مدروس،
كأنني حلّ،
كأن حياتي اختُزلت إلى ملاءمة.
كنت على وشك أن أسأله:
مناسبة لأي شيء؟
لكن آنا جاءت.
جاءت لتقطع السؤال قبل أن يولد.
أجلستها في حضني.
كانت ترتدي فستانًا آخر، مختلفًا عن ذاك الأبيض الذي نثرت به الزهور،
وكأن دورها تغيّر كما تغيّر دوري.
حين لاحظت وجود ناثان بجانبي،
توقفت.
حدّقت فيه طويلًا،
ثم رفعت عينيها إليّ وسألت، ببراءة كسرتني:
_هل هو أبي الجديد؟
تجمّدتُ.
كنت أريد أن أقول لا.
أردت أن أحميها من كلمة أكبر من عمرها،
من حقيقة لم أستوعبها أنا بعد.
لكن ناثان تحرّك قبل أن أجد صوتي.
سحبها من حضني بهدوء،
وأجلسها في حضنه،
كأن الأمر بديهي،
كأن هذا المكان خُلق لها.
وقال بثبات:
_نعم.
نظرت إليه.
كان يتحدث إليها بوجه مختلف،
ملامحه لينة، صوته صادق،
رجل آخر تمامًا غير ذاك الذي كان يكلمني قبل قليل.
وقفتُ بهدوء، ومددتُ يدي نحو آنا.
نزلت من حضنه دون اعتراض، ووضعت يدها الصغيرة في يدي بثقة بريئة. شعرتُ بنظره يتبعنا؛ نظرة شملتني وشملتها معًا، لكنني تجاهلتها.
سرتُ بها باتجاه القاعة، ولا أزال ممسكة بيدها، كأنني أتشبث بشيء يمنحني توازنًا مؤقتًا.
قبل أن أدخل، سمعتُ وقع خطواته خلفي.
لم ألتفت.
في الداخل، سلمت آنا إلي عمتي فقد كان التعب باد علي ملامحها الطفولية وقلت لها أن تأخذها إلي أحدى غرف الفندق تأخذ قسطا من الراحة واتجهت بعدها مباشرة نحو فينيسا.
كانت تقف مع مجموعة من الفتيات؛ بعضهن رأيتهن معها من قبل، وأخريات أراهن للمرة الأولى. وقفتُ إلى جانبها، وانحنيت قليلًا وهمست بصوت خافت:
- هلا تأتين معي؟
لم أنتظر جوابها. كنت أعرف أنها ستلحق بي.
فينيسا... ابنة عمّتي لافيتا، أختي التي لم تلدها أمي، وصديقتي الوحيدة التي أثق أنها لن تتركني أغرق وحدي.
أخذتها إلى ركن شبه معزول، لا يقف فيه أحد. وما إن توقفنا حتى اندفعت بالكلام؛ الكلمات خرجت متلاحقة، متداخلة، تمامًا كما أشعر:
- قولي لي ماذا أفعل... خرجتُ من القاعة دون أن أحيّي السيدة دي لوكا. أنتِ تعلمين أن الحضور مليء بالصحافيين، ولا شيء يخفى عن أعينهم. ماذا أفعل الآن؟ سيجعلون مني خبرًا حصريًا. العناوين القادمة ستكون: زوجة ناثان دي لوكا تغادر قاعة الزفاف قبل تحية والدته.
رفعت فينيسا يدها قليلًا، تقطع سيل كلماتي:
- اهدئي... اهدئي أولًا. دعي لي مجالًا للكلام.
ثم نظرت إليّ بثبات وأضافت:
- هل نسيتِ أن المرأة التي خرجتِ قبل تحيتها تمتلك أكبر قناة إخبارية في البلاد؟ هل تظنين أنها ستسمح بانتشار خبر كهذا؟ ليس من أجلكِ بالطبع، بل من أجل سمعتها وسمعة عائلة دي لوكا. اطمئني.
حاولت أن أتنفس بعمق، لكن القلق لم يغادر صدري.
- لا أعلم ما الذي يحدث لي... لم أعد أستطيع التفكير بشكل سليم. لو كنت أفكر بعقلانية، لما كنت أقف هنا أصلًا.
تأملتني لحظة، ثم قالت بنبرة أخف:
- هل ما زلتِ تفكرين في ستيفن؟ فيما فعله؟ يجب أن تنسيه. لا يستحق أن يشغل بالكِ. ولكي تعلمي... أكثر قرار عقلاني اتخذتِه كان زواجكِ من ناثان.
هززتُ رأسي ببطء:
- ليس لأنني أريد التفكير فيه... لكنني لا أستطيع نسيانه. وما رأيته من ناثان وأمه حتى الآن لا يساعدني. على العكس... بدأت أندم لأنني فوّتُّ فرصة الهروب من هذا الزفاف.
قبل أن ترد، جاء صوته من خلفنا. هادئًا... ساخرًا:
- ألا تظنين أن ندمكِ جاء متأخرًا، زوجتي العزيزة؟
تجمّدت الكلمات في حلقي.
ذلك الصوت الساخر... بات بإمكاني تمييزه من بين ألف صوت، وحتى لو لم أكن أستطيع، أنه الوحيد الذي سيناديني زوجتي.
تسللت قشعريرة باردة إلى أطرافي. حاولتُ أن أستجمع نفسي، أن أُجبر شفتيّ على ابتسامة تخفف حدّة اللحظة وأنا ألتفت نحوه. لكنه كان كما عهدته منذ لحظة لقائنا الأولى: وجه جامد، ملامح مغلقة بإحكام، لا تترك لي نافذة أطلّ منها على ما يشعر به.
بادرت فينيسا بالكلام، محاولة إنقاذ الموقف، محاولة فاشلة:
- رؤى لم تقصد... هي فقط مرتبكة. الزفاف كان أسرع مما تخيّلت، وتحاول التأقلم.
سقطت كلماتها في الفراغ.
لم يلتفت إليها. لم يمنحها حتى نظرة مجاملة. كان نظره مثبتًا عليّ وحدي، ثقيلًا، كأنه يزنني.
وحين انتهت، قال موجّهًا حديثه لي، بصوت منخفض لكنه قاطع، وهو يبدأ بالابتعاد:
- اتبعيني، إن كنتِ ترغبين في التعرّف إلى أفراد عائلتكِ الجديدة.
عائلتكِ الجديدة...
ارتطمت الكلمات بي بقسوة. كان يقول لي بطريقته الخاصة إن عليّ التأقلم سريعًا؛ فآل دي لوكا أصبحوا عائلتي بالفعل، شاء قلبي أم أبى.
مددتُ يدي بصمت، وأخذت هاتفي من فينيسا-كان في حقيبتها منذ وقت-ثم تبعته.
خطواتي كانت أبطأ من خطواته،
وحين لاحظ ذلك، خفّف سرعته تلقائيًا، حتى صرنا نسير بمحاذاة بعضنا البعض، كتفًا إلى كتف.
اعلم انه لم يفعلها من اجلي بل من أجل
العيون التي تلاحقنا من كل زاوية.
حين أكون وحدي، أكون غير مرئية...
لكن ما إن أقف إلى جواره، حتى أتحول فجأة من ظلّ عابر إلى مركز المشهد.
لهذا ابتسمت.
ابتسامة اجتماعية مصقولة، تلك التي تُخفي أكثر مما تُظهر.
وانحنيت قليلًا نحوه، وهمست بصوت لا يسمعه سوانا:
- ليس ذنبي إن كنتَ أنت ووالدتك أحجار جليد.
لم يعلّق.
لم يلتفت حتى.
وأنا لم أُسقط الابتسامة؛ كنت أحتاجها درعًا، فليس هذا المكان المناسب للتصرف بصدق.
أضفت، بنفس الهمس، وكأنني أستدرك نفسي:
- حسنًا... آسفة. أعتذر عمّا قلته عنك وعن والدتك.
توقف لجزء من الثانية، ثم ردّ هو الآخر بصوت منخفض،
لكن دون أي محاولة للتخفيف أو المجاملة.
قالها بوجهه الجامد، الحاد كعادته:
- إن أردتِ قول شيء كهذا مرة أخرى، فانتبهِي لما يحيط بكِ قبل أن تتكلمي.
لم يمنعني من الحديث عنهما، ولم يطلب مني الصمت التام.
كل ما أراده أن يكون الكلام بعيدًا عن الأماكن المفتوحة، عن الآذان التي لا يجب أن تسمع.
لم يكن يهمه ان تحدثت ام لا ... بل إن كان هناك شهود.
لم أستطع الرد.
ليس لأن كلماته أصابتني،
بل لأننا كنا قد وصلنا بالفعل إلى طاولة عائلته.
تقدّمت خطوة إلى الأمام، وقلت بهدوء رسمي مدروس:
- مرحبًا.
كان سيباستيان دي لوكا هناك،
واقفًا بصلابة رجل يعرف وزن السلطة التي يحملها، كأن منصبه لم يفارقه حتى هنا.
إلى جانبه تقف روكي دي لوكا،
هادئة، صامتة،
وإلى يسارها ماريانا دي لوكا.
شقيقته الكبرى.
في الثامنة والثلاثين من عمرها،
إحدى أشهر قضاة البلاد،
وإحدى أشهر عازباتها أيضًا.
كانت ملامحها مألوفة... لا لأنني أعرفها شخصيًا،
بل لأن شاشات التلفاز اعتادت أن تنقل وجهها وهو ينطق بالأحكام.
إلى جانبها وقف رجل بدي في أواخر العشرين؛
ملامحه تحمل شيئًا من ناثان، لكن أقل قسوة.
خمّنت أنه شقيقه الأصغر.
كما كانت هناك امرأة في الخمسين تقريبًا،
وفتاة تبدو في مثل عمري، ربما في الخامسة والعشرين.
رجّحت أنهما زوجة سيباستيان وابنته.
ساد صمت قصير بعد تحيتي،
ذلك النوع من الصمت الذي لا يعني الفراغ،
بل انتظار الترتيب الصحيح للكلمات.
كانت روكي دي لوكا أول من ردّ.
ابتسامة خفيفة، مدروسة، بالكاد ارتسمت على شفتيها، وقالت بنبرة رسمية لا تخلو من برودة:
- أهلًا بكِ، رؤى.
تحرّك سيباستيان دي لوكا بعدها مباشرة.
صافح ناثان أولًا، ثم التفت إليّ ومدّ يده بثبات رجل اعتاد اللقاءات الرسمية أكثر من العائلية:
- سيباستيان دي لوكا.
عمّ ناثان.
هززت رأسي احترامًا ورددت التحية،
فأجابني بابتسامة قصيرة، أقرب إلى الإقرار منها إلى الترحيب.
وقبل أن ألتقط أنفاسي، تقدّمت ماريانا دي لوكا خطوة إلى الأمام.
كانت أطول مما تظهره الشاشات، حضورها طاغيًا،
وعيناها تحملان تلك النظرة التي أعرفها جيدًا من شاشات المحاكم.
- ماريانا.
قالتها ببساطة، ثم أضافت بعد لحظة:
- شقيقته الكبرى.
نظرت إليّ نظرة فاحصة، لا قاسية ولا ودودة،
نظرة قاضٍ يتعرّف إلى ملف جديد.
إلى جوارها، ابتسم الرجل الأصغر سنًا،
ابتسامة طبيعية أكثر مما توقعت على هذه الطاولة.
مدّ يده نحوي وقال بنبرة أخف:
- لورينزو دي لوكا.
الأخ الأصغر.
كانت طريقته مختلفة، أقل تحفظًا،
وكأنه لم يتدرّب بعد على البرود العائلي الكامل.
تقدّمت المرأة التي بجانبه بخطوة صغيرة،
وعلى شفتيها ابتسامة اجتماعية دافئة نوعًا ما:
- إيلينا دي لوكا.
زوجة سيباستيان.
ثم دفعت الفتاة الواقفة قربها للأمام بلطف:
- وهذه ابنتي، صوفيا.
ابتسمتُ للفتاة.
كانت ملامحها هادئة، وفضولها واضحًا،
تنظر إليّ وإلى ناثان كأنها لم تستوعب بعد أن ابن عمّها قد تزوّج...
أو أنني أنا زوجته.
وبصراحة، إن كنت أنا نفسي لم أستوعب الأمر بعد،
فلا ألومها.
وأنا أبادلهم التحية واحدًا تلو الآخر،
كان ناثان يقف بجانبي.
لم يتكلم،
لم يعرّفني،
وكأن وجودي وحده كان كافيًا لتعريفي.
ساد الصمت من جديد،
حتى كسرته إيلينا أخيرًا، بصوت ناعم لكنه محسوب:
- يسعدني أنكِ بخير الآن.
سمعتُ أنكِ شعرتِ بتوعّك بسيط.
رفعتُ رأسي إليها،
وقابلتُ نظرتها مباشرة هذه المرة:
- نعم، مجرد إرهاق.
ابتسمت ابتسامة لم أعرف إن كانت تصديقًا أم مجرد تسجيل للمعلومة،
ثم قالت:
- لا ينبغي عليك إهمال صحتك، حتى وإن كان يوم زفافك.
تدخّل لورينزو عندها، بنبرة عفوية،
وذلك شيء لم أعتده بعد من هذه العائلة:
- ما بكِ يا زوجة أخي؟
وما الذي تقوله زوجة عمي؟
كنت على وشك الرد،
لأخبره أنني بخير،
لكن ناثان سبقني بصوته الهادئ الحاسم:
- شعرت ببعض التوعك سابقًا،
لكنها الآن بخير.
قالها ببساطة،
وكأن الأمر منتهٍ...
وكأن صوته وحده كافٍ لإغلاق أي سؤال آخر.
في داخلي، كنت ممتنّة لأن ذلك الموضوع أُغلق أخيرًا.
لم تكن لديّ طاقة للرد على أسئلتهم التي بدت أقرب إلى استجوابٍ غير معلن،
ولا كنت مستعدّة لتحمّل جوّهم الصامت الخانق، ذلك الصمت الذي يضغط على الصدر أكثر من الكلام.
ولم أكن وحدي من شعر به.
لورينزو، على ما بدا، لم يرحّب بذلك الجو هو الآخر.
مال بجسده قليلًا إلى الأمام، وأسند مرفقيه على الطاولة،
ثم قال بنبرة خفيفة، وابتسامة صادقة :
- أين ابنة أخي؟ وما اسمها؟
أودّ التعرّف عليها أيضًا.
تمنّيت، لثانية، لو أنه لم يتكلم.
كنت أفضّل الصمت الخانق على المسار الذي اخذه الحديث فجأة.
لكن سؤاله ظلّ معلّقًا في الهواء،
ولم استطع تجاهله.
بادلتُه ابتسامة صغيرة، وقلت بهدوء حاولت أن أجعله طبيعيًا:
- أخذتها لافيتا إلى إحدى غرف الفندق.
كانت بحاجة إلى الراحة.
في الحقيقة... ذكّرتني، كنت أنوي الاطمئنان عليها.
عن إذنكم.
لم أنتظر ردًّا.
أنهيت جملتي وانسحبت بهدوء،
دون أن اترك مجالا لتعليق أو اعتراض
لم يعجبني حديثه عن آنا،
لكنني، رغم ذلك، كنت ممتنّة له؛
فقد منحني ذريعة مثالية لمغادرة تلك الجلسة الثقيلة،
وذلك الجو الذي كان يضيق بي أكثر مع كل دقيقة.
خرجت من القاعة،
وأخرجت هاتفي واتصلت بعمّتي.
لا إجابة.
اتصلت بعدها بفيني.
- نعم؟
- في أي غرفة توجد عمّتي؟
- الغرفة رقم 2003.
- شكرًا.
أغلقت الخط،
واتجهت نحو المصعد.
نزلت في الطابق المطلوب، وسرت في الرواق حتى
وصلت إلى الغرفة.
طرقت الباب.
لا رد.
طرقت مرة أخرى،
ولا رد للمرة الثانية .
اتصلت بفينيسا مجددًا.
- هل أنتِ متأكدة من رقم الغرفة؟
- نعم.
- لا يبدو أن هناك أحدًا هنا، ووالدتك لا ترد.
هل يمكنك البحث عنها في القاعة؟
- بالطبع.
أغلقت الهاتف،
وجلست أمام الباب أنتظر.
أسندت ظهري إلى الباب،
وأغمضت عيني.
كنت أعلم أن الجلوس بهذه الطريقة قد لا يكون الأفضل للجنين،
لكن التعب كان أثقل من أي تحذير.
لا أعلم كم من الوقت مرّ، لكنني أدركت أنني غفوت وأنا جالسة في الرواق، أمام باب الغرفة التي يُفترض أن تكون آنا بداخلها.
استيقظت على صوته.
- هل تحاولين قتله؟
خرجت كلماته ببرودٍ ثقيل، كأنها سهم انطلق دون إنذار.
فتحتُ عينيّ ببطء، لأجده واقفًا إلى جانبي، مسندًا ظهره إلى الحائط، ذراعاه مشبوكتان بإحكام.
رفعتُ رأسي نحوه، وسألته بذهول لم أستطع إخفاءه: - هل... هل تحدثني؟
- نعم. هل تحاولين قتله؟
تسللت قشعريرة باردة إلى ظهري.
- من الذي أحاول قتله؟
قالها دون أن يرمش:
- الجنين.
حدّقت فيه، أحاول استيعاب الكلمة.
- وما الذي جعلك تقول هذا؟
- ألا تعلمين أن جلوسكِ على الأرض في هذه المرحلة قد يكون خطرًا على صحته؟
ارتسمت على شفتي ابتسامة قصيرة، مشوبة بالسخرية: - على حدّ علمي، لم يسبق لك أن كنت أبًا، ولا أظن أنك تعمل في المجال الطبي. فكيف عرفت إن كان خطرًا أم لا؟
لم يجب.
بدلًا من ذلك، تحرّك فجأة. انحنى وأمسك بذراعي، وسحبني بحركة سريعة أربكت توازني، حتى شعرت بدوارٍ خاطف.
وحين تأكد أنني واقفة بثبات، أفلت ذراعي دون كلمة.
أخرج بطاقة الغرفة من جيبه، فتح الباب بها، ثم تنحّى جانبًا، في إشارة صامتة لكنها آمرة.
دخلت.
خطوت إلى داخل الغرفة، ولحق بي وأغلق الباب خلفه بإحكام.
كان الهدوء يلف المكان، وآنا نائمة على السرير، أنفاسها منتظمة نائمة بهدوء مثل الملاك
التفتُّ إليه وسألت بصوت منخفض: - لماذا تمتلك المفتاح؟
لم يجب.
تقدّم إلى الأريكة التي تتوسط الغرفة وجلس عليها، وكأن السؤال لم يُطرح أصلًا.
رنّ هاتفي تزامنا مع جلوسه .
أخرجته من حقيبتي، كان اسم فينيسا يضيء الشاشة.
- لماذا لا تجيبين؟.
- هل اتصلتِ بي؟ لم أنتبه...
تنهدت، ثم قالت:
- عدتُ مرات على أي حال. أمي قالت إن مفتاح الغرفة مع ناثان.
- أعلم.
- هل هو معكِ؟
- نعم.
- إذًا إلى اللقاء، وانتبهِي لزوج أختي من-
أنهيت الاتصال قبل أن تُكمل.
لم تكن لدي طاقة لسماع سخافاتها الآن.
اقتربتُ من السرير وجلست عليه بحذر، متجنبة إيقاظ آنا.
وضعت يدي قربها؛ وجودها وحده كان يذكرني بأنني ما زلت على قيد الحياة.
وحين عدّلت جلستي، رفعت بصري إليه وسألته بصوت هادئ:
- ما الذي جعلك تترك ضيوفك؟
التفت إليّ وقال:
- يبدو أنك لا تعلمين... لكن الضيوف غادروا بالفعل.
توقف لحظة، ثم أضاف:
- حتى والدكِ وعمّتك.
تقلّص صدري عند كلماته.
إذًا... هل نحن من تبقّى هنا؟
هل لم يعد هناك أحد أختبئ خلفه؟
أخذتُ هاتفي بهدوء، فتحت تطبيق المراسلة، ودخلت إلى محادثتي مع فيني، ثم أرسلت لها:
_أين أنتِ؟ لماذا ذهبتِ وتركتِني هنا؟
جاء ردّها سريعا ساخرًا كعادتها:
__أنا في المنزل. ولماذا ذهبتُ برأيك؟ الحفل انتهى. أم كنتِ تريدينني أن أنام معكما؟ أو أن أنام مع ناثان بدلَكِ؟ فأنا أوافق على الخيار الأخير.
زفرتُ بغيظ، ثم كتبت بسرعة:
__أنا أتحدث بجدية. لماذا لم تودّعيني؟ حتى أمك وخالك لم يودّعوني.
جاء ردّها هذه المرة أقل سخرية، لكنه لا يخلو من اللامبالاة:
_ذهبتُ مسرعة. أتاني اتصال من المستشفى، وقد اتصلتُ بكِ ولم تردّي. أمّا عمّتكِ ووالدكِ فعاتبيهما أنتِ، لا دخل لي.
توقفتُ لحظة، ثم كتبت:
_ألم تقولي الآن إنكِ في المنزل؟ عن أي اتصال عاجل تتحدثين؟
ردّت فورًا:
_نعم، عدتُ الآن من المستشفى. الحالة الطارئة لا تخصّني، كان المتصل متدرّبًا واتصل بالخطأ. هؤلاء المتدرّبون يرتكبون يوميًا أخطاء بعدد شعر رؤوسهم.
لم أتمالك نفسي، فكتبت:
_من يسمعكِ يظن أنكِ إحدى أعظم طبيبات البلد، ولم ترتكبي خطأً في حياتكِ.
جاء ردّها مقتضبًا، واثقًا:
_ألستُ كذلك؟
أجبتها بحدّة:
_لا، لستِ كذلك، ولن تكوني. والآن، هلّا أخبرتِني أين حقيبة ملابسي؟ هذا الثوب الأبيض خانق، ولم أعد أحتمل.
تأخر ردّها لثوانٍ، ثم كتبَت:
_اسألي زوجكِ العزيز. عمّتكِ سلّمتكِ له أنتِ وكل ما يخصّكِ.
شعرتُ بضيق يعتصر صدري، فكتبت بانفعال:
_أنا لا أمزح. أنتِ وحسّ دعابتكِ المنعدم. أنا أختنق هنا.
جاء ردّها هذه المرة جادًا على غير العادة:
_وأنا لا أمزح. أمي أعطته ثيابكِ التي أخذتها إلى الفندق، وثياب آنا أيضًا. وقد كان في المنزل صباحا وكانت ستعطيه ثيابكِ الموجودة هنا، لكنه اكتفى بإلقاء نظرة علي غرفة آنا وأخذ دميتها المفضلة.
تسارعت أنفاسي وانا اقرأة ماكتبته. كتبت فورًا:
_ماذا تقولين؟ متى حدث هذا؟
_اليوم صباحًا، عندما ذهبتِ معي إلى المستشفى لفحص الحمل.
ترددتُ قبل أن أكتب:
_والآن؟
_الآن اسألي زوجكِ عن شيءٍ تغيّرين به، أو دعيه هو يُغيّر لكِ.
أغلقتُ المحادثة دون ردّ.
لا أصدق مدى سخافتها... وكيف تستطيع المزاح في موقف كهذا.
أنزلتُ الهاتف، ورفعتُ بصري نحوه.
كان مغمض العينين.
لا أعلم إن كنت أتوهّم، لكن بدا لي متعبًا.
ترددت كثيرًا، غير أن الفستان بدأ يخنقني أكثر فأكثر.
ناديتُه بصوت خافت:
- ناثان...
كنتُ أريد فقط التأكد إن كان نائمًا، لكنه أجاب بصوت أجش، ولا تزال عيناه مغمضتين:
- نعم؟
- ملابسي... أريد تغيير ملابسي. هذا الثوب خانق.
فتح عينيه، ونظر إليّ نظرة لم أفهم معناها.
ثم نهض وهو يقول:
- ثيابكِ في السيارة. لم أكن أخطط للنوم هنا، لكن يبدو أن هناك شخصًا أنهكه التعب وفي الحقيقة... أنا لا أمانع قضاء ليلتي الأولى معك هنا
قالها وهو يغمز، غمزة أشعرتني بالغثيان. إنه بالتأكيد مصاب بنفصام الشخصية، لايمكن أن يكون حجر الجليد هو نفسه من تكلم وغمزة لتوّه.
وبينما كنت ما أزال أحلّل كلماته ونبرته ونظرته، توجّه نحو الباب، حركته واضحة، محسوبة، تنبئ بنيّته النزول إلى السيارة لجلب الحقيبة.
تابعته بنظري لثانية واحدة فقط... ثانية كانت كافية لأستوعب الكارثة.
قضاء ليلة هنا سيكون بمثابة ليلة في الجحيم.
الجناح كامل، نعم، فخم وواسع، لكنه يضم سريرًا واحدًا فقط. سريرًا واحدًا.
وعندما تسلّل إلى ذهني مشهد مشاركته إياه ، اجتاحتني قشعريرة حادة. لا، مستحيل. النوم في المنزل أفضل، هناك غرف كثيرة، وأسِرّة أكثر، ومساحة آمنة .
أوقفته قبل أن يبتعد أكثر.
قلت، وأنا أبذل جهدًا حقيقيًا لأجعل صوتي ثابتًا:
- لم أعد متعبة... لنذهب إلى المنزل. فقط دقائق، حتى أوقظ آنا.
استدار نحوي فورًا، وكأنه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا.
- لا توقظيها.
قالها بهدوء، وهو يتقدّم بخطوات واثقة نحو السرير. ألقى نظرة سريعة على آنا، نظرة لم تخلُ من شيءٍ لم أعتد رؤيته فيه، ثم خفّض صوته وأضاف:
- اتركيها. سأحملها أنا.
لم أتردد لحظة واحدة. ابتعدت عن السرير وأفسحت له المجال. كل ما رأيته منه تجاهها حتى الآن كان كافيًا ليقنعني بأنه يراها فعلًا كابنته.
راقبته وهو ينحني، يحملها بحذر، يضمّها إلى صدره كما لو أن الحركة مألوفة، وكأنها تكررت مئات المرات من قبل
خرجنا من الجناح بصمتٍ كامل.
صمتٍ لم يكن ثقيلًا بقدر ما كان حذرًا، كأن كلًّا منّا يخشى أن يفسد لحظة لا يعرف كيف يفسّرها.
في الرواق الطويل، انسكبت الإضاءة الصفراء الدافئة على الجدران والسجاد الكثيف، فامتصّت وقع خطواتنا، وتركَتنا نمضي بلا صوت... بلا أثر.
كان يحمل آنا بين ذراعيه.
رأسها مستقرّ على كتفه، وملامحها ساكنة في نومٍ عميق؛ ليس وكأننا نسير في رواق فندق، بل كأن هذا المكان، وهذا الرجل، امتداد طبيعي لنومها.
سرتُ إلى جواره، لا ألتصق به ولا أبتعد.
أحيانًا أسبقه بخطوة، وأحيانًا أتأخر، وكأن قدميّ تتخذان القرار بدلًا عني.
لم نتبادل نظرة.
لم يتكلم.
ليس وكأن بيننا ما يُقال أصلًا.
عند المصعد، ضغط الزر بيده الحرة.
انتظرنا.
حين فُتح الباب، دخل أولًا، ثم تبعته.
انغلق المصعد، وانعكس ظلّنا على المرآة الداخلية:
رجل يحمل طفلة نائمة... وامرأة تقف إلى جواره.
كنت لا أزال أرتدي فستان الحفل الأبيض.
لا أعلم ما الذي خطر لي، لكن حين رأيت انعكاسي، لم أره فستان زفاف، بل شيئًا أقرب إلى كفن... كأنني أرتدي كفنًا أبيض لا فستانًا.
في موقف السيارات، تبدّل الهواء.
كان أبرد، أقل تزييفًا، وأكثر واقعية.
فتح الباب الخلفي بحذر، ثبّت آنا في مقعدها دون أن يوقظها، بحركات هادئة توحي بأنها ليست المرة الأولى.
جلستُ في المقعد الأمامي، أغلقت الباب، وأسندت رأسي إلى الزجاج لثوانٍ، كأنني أستجمع نفسي.
انطلقت السيارة.
كانت المدينة ليلًا مختلفة؛ أقل ضجيجًا، وأكثر صدقًا.
أضواء الشوارع تنساب فوق الزجاج الأمامي، والسيارة تشق الطريق بثبات.
كنت أراقب الطريق، لكن أفكاري كانت في مكان آخر.
البيت.
ذلك البيت الذي سأدخله الآن بصفتي الجديدة... زوجته.
بعد مسافة بدت أطول مما هي عليه، انعطف إلى شارع هادئ تحيطه الأشجار.
توقفت السيارة أمام بوابة فُتحت فورًا، فدخلنا.
المنزل بدا واسعًا، أنيقًا، بلا استعراض.
نزل أولًا، وحمل آنا من جديد.
نزلتُ خلفه، وتوقفت لحظة أمام المدخل، أحدّق في الواجهة، كأنني أحاول أن أحفظ تفاصيلها عن ظهر قلب.
في الداخل، كان المنزل يشبهه...
منظّم، صامت، منغلق على نفسه.
الإضاءة خافتة ودافئة، وكل شيء في مكانه بدقة محسوبة، كأن الفوضى لا يُسمح لها بالوجود هنا.
اتجه مباشرة نحو الدرج، وتبعته دون سؤال.
فتح باب غرفة تقع على يمين الممر، أشعل الضوء، ودخل.
توقفت عند العتبة.
كانت الغرفة... مألوفة على نحو أربكني.
نسخة شبه مطابقة لغرفة آنا في منزل عائلتي؛ نفس الألوان، نفس الرسومات، وحتى ترتيب الأثاث بدا متطابقًا.
كانت المرة الأولى التي رأى فيها غرفة آنا صباح هذا اليوم فقط.
فكيف استطاع نسخها في أقل من يوم؟
لم أسأل.
احتفظت بدهشتي لنفسي.
وضعها على السرير، عدّل الغطاء فوقها، ثم أطفأ الضوء.
وحين خرج، كنت بانتظاره.
- أين ثيابي؟
خرج السؤال مني قبل أن أفكّر فيه.
- اتبعيني.
قادني إلى غرفة في الطرف الآخر من الممر. فتحها، وأشار إلى بابين:
- الحمام... وغرفة الملابس.
دخلت غرفة الملابس وأغلقت الباب خلفي.
في الخزانة، وجدت ثيابًا نسائية جديدة، من الواضح أنه اشتراها لي، وأخرى رجالية تخصّه.
خطر لي للحظة ما الذي تفعله ملابسه في خزانتي، لكنني لم أطل التفكير.
كل ما أردته هو أن أخلع ذلك الفستان الخانق.
اخترت قميصًا فضفاضًا باللون الأسود، يكفي لأشعر أنني أتنفّس، وسروالًا بنفس اللون.
حين خرجت، لم يكن في الغرفة.
يبدو أنه ذهب إلى غرفته هو أيضًا.
اتجهت إلى الحمام؛ هناك وجدت اثنين من كل شيء، واحدًا نسائيًا وآخر رجاليًا.
غسلت وجهي جيدًا، لا أريد لبشرتي أن تعاني من أثر المكياج. وضعت مرطّبًا بعد الغسول، ثم خرجت.
توجّهت إلى غرفة آنا.
رأيته في الرواق قبل أن أصل إلى غرفة آنا.
كان قادمًا من الجهة المقابلة، يحمل صينية صغيرة يتوسطها كأس من الحليب، يسير بخطوات هادئة كعادته.
مررتُ من جانبه متعمدة تجاهله، هو وكأسه، لكن يده امتدت فجأة وأمسكت بمعصمي.
لم يكن الإمساك عابرًا؛ كان قويًا إلى حدٍ أفقدني توازني. جذبني نحوه بعنف، فارتطم ظهري بالحائط. كانت ضربة صامتة لكنها موجعة، شعرت بها في ضلوعي قبل أن أستوعب ما حدث.
ظل ممسكًا بمعصمي، قبضته محكمة، باردة.
رفعت رأسي ونظرت إليه، وغضب لم أستطع كبته يطفو في عينيّ.
- ماذا تظن نفسك فاعلًا؟ اتركني.
لم يتغير شيء في ملامحه. لم يعلُ صوته، ولم يبدُ عليه اضطراب.
قال بهدوئه المستفز، بصوته البارد الذي لا يحمل اعتذارًا ولا تبريرًا:
- إلى أين، زوجتي العزيزة؟ غرفتنا في الاتجاه الآخر.
ترددت الكلمة في رأسي: غرفتنا.
آه... الآن فهمت.
هذا يفسر وجود اثنين من كل شيء: فرشتين، مناشف مزدوجة، تفاصيل لم أجرؤ على التفكير فيها سابقًا. لكن من قال إنني سأكون واحدة من هؤلاء النساء اللواتي يخضعن بسهولة؟ بالتأكيد لست أنا.
ابتسمت بسخرية، وقلت بصوت تعمدت أن يخرج لاذعًا:
- غرفتنا؟ هل تمزح معي؟ قلت لك اتركني. معصمي بات يؤلمني.
قلت الجملة الأخيرة وأسـناني مطبقة بقوة، ليس من الألم وحده، بل من الغضب الذي يغلي في صدري.
نظر إلى معصمي أخيرًا، ثم أفلت يده.
- لم أقصد.
قالها وكأنها جملة محفوظة، بلا إحساس، بلا أثر.
ملامحه بقيت جامدة، ثابتة، وكأن شيئًا لم يحدث. ذلك الثبات وحده كان كافيًا ليشعل غضبي أكثر.
استدرت لأكمل طريقي نحو غرفة آنا، لكنه أوقفني بصوته مرة أخرى:
- قلت لك، الغرفة في الاتجاه الآخر.
توقفت. لم ألتفت إليه هذه المرة.
- سأذهب لأنام مع ابنتي.
ثم أضفت، ببرود مقصود:
- هل لديك مانع؟
جاء ردّه سريعًا، حاسمًا، بلا تردد:
- نعم، لدي.
وتابع بنبرة لا تقبل نقاشًا:
- زوجتي تنام معي.
رأيكم يهمني
رأيكم في رؤى
رأيكم في ناثان
🇵🇸
🇸🇩