ما وراء الصوت - أبعاد (الفصل الأول)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

ما وراء الصوت - أبعاد (الفصل الأول)

جاري التحميل...

أبعاد

مستوحاة من قصة حقيقية. ماسة، الفتاة المثابرة باتت تسمع صوتاً غريباً في رأسها، وذاك الصوت كاد يقودها للجنون. ما قصة الصوت؟ وهل ماسة ستنجو من كلامه المسموم؟ ما الذي ستفعله ماسة بعد غدر صديقاتها؟ -ملاحظة تصنيف القصة اجتماعي نفسي قراءة ماتعة

تحميل الفصول...
المؤلف

1. أبعاد


   هل كل الأصوات متساوية بغلظتها ورِقَّتها، بقسوتها ولُطْفها، ببشاعة ما نُطق به أو بجماله؟    فتحتُ عينيَّ، ثم تفحَّصتُ الوجوهَ في ذاك اليوم الذي بدا كغيره من الأيام في الجامعة. آنذاك، وفي قَعْر الظلام الذي أحاطَ فكري، تساؤلاتٌ اجتاحتْ عقلي، ومشاعرُ مضطربةٌ صَعَقَتْ قلبي.    لطالما شعرتُ بوجود بُعْدٍ لكل كلمة تُقال، ولكل حرف يُنطَق، غايةٌ نستشفُّها من ألسنة الجميع. ولكن، وفي غالب الأمر، وبالعودة إلى نفسي، نادِرًا ما فهمتُ المقصود أو المراد أو المعنى المخبَّأ بين ثنايا الكلمات.    آنذاك، لم أكن أفكر كثيرًا، ولم أهتم.    مَن يَرِد الحديثَ معي فليكن صريحًا، وإلا لن أُعيرَ كلماته أيَّ اهتمام.    هل الصراحةُ هي الحلُّ الوحيد لفهم الكلمات وأبعادها؟    صديقتي يومَها أحاطَتْنِي بالمديح، قالت: "إنكِ موهبةٌ فريدة، وإن ذكاءَكِ خارقٌ".    يومَها لم أدرك ما أرادتْه، ولم أهتم لمرادها.    هل الكلام المعسول الذي نسمعه هو جزء من خطة ناطقه للتقرب منا؟    وهل الذكاءُ خارقٌ؟   وأنا صَدَّقْتُها لكوني صريحةً وأحبُّ الصراحةَ. فتلك البيئة التي عشتُ بها سابقًا معروفةٌ بكونها ريفيةً بامتياز، تَمْتاز بالبساطة، ولا تعطي الكلمات أكثرَ مِن حقها، والأهمُّ لم تشغل بالي في التفكير في معانيها.    حينَها لم أنتبه لكونها اختارت الكلمات بعناية، ورغم ذلك...    هل يكون للكلمات أبعادٌ أخرى كأبعاد الكون، كما في تلك النظرية التي بالكاد سمعتُ عنها؟    هل منها ما يجلب السعادةَ في باطنها أو حتى الشقاءَ؟    عدتُ إلى غرفتي في السكن الجامعي، أغلقتُ ستائر النافذة الموصدة بإحكام، حتى ذَرَّةُ الغبار لما كانت ستنفذ من زجاج تلك النافذة.    بدأتُ بالاستعداد لامتحان الغد. لم أدرك أن تَرْكَ الدروس تتراكم عليَّ سيجلب لي كارثةً، ربما حملتُ بوادرها بنفسي فيما سبق، ورغم ذلك لم ألحظِ البوادرَ. فأنا كالباقين لا أدرك أهمية الشيء إلا في حال فقده.    طموحي عالٍ، ورغبتي بالحصول على علامة جيدة قريبة من الكاملة هو ما شجَّعني، لكن الوقتَ مرَّ بسرعة وأنا أتصفح وسائل التواصل الاجتماعي: فيسبوك، إنستقرام، تويتر، والقائمة تطول.    لم أعرف السبب، رغم وجود حافز قوي يشجعني على الدراسة، لكني يومَها فضلتُ التراخي حتى بقي لي ثماني ساعات. رنَّ هاتفي، وجاءني محفِّزٌ جديد: والديَّ يرغبان بالمزيد، قالا:    "ادرسي يا ابنتي وحققي الإنجاز".    همستُ بعد أن أغلقتُ الخط: "عن أي إنجاز تتحدثان؟ أنا للآن لم أباشر القراءة والتحضير للامتحان".    تنهَّدتُ، ولم تمضِ ثوانٍ حتى تردَّد صوتٌ في مخيلتي:    "غبية، وتظنُّ نفسها ستنجح! لقد أحببتُها منذ سنوات، وكل ما يهمها هو دراستها".    نظرتُ حولي باحثةً عن مصدر الصوت، لكن دون جدوى، فلا أحد غيري في تلك الغرفة.    وكلمة "غبية" تردَّدت لمسمعي، وباتت تتكرر وتُعاد، كما لو أن لسانَ ذاك الشخص علِق عليها.    صرختُ: "مَن أنت؟ اظهَرْ وبان!"    وما سمعته تاليًا مجرد ضحكاتٍ عَلَتْ وصدحت في رأسي.    أسكتَها صوتُ قرع الباب.    أدركتُ حينها أن ضيفًا جاء.    فتحتُه، وإذا بها ندى إيهاب التي دلفتْ للغرفة من دون إذن، ورغم ذلك لم أنزعج، فهي صديقتي التي أحبُّ، وثالث شخص تعرَّفتُ عليه في طريقي للجامعة.    نطقتْ:    "ماسة، عفواً، أقصد سنفورة ماسة! كيف تحضيرك لامتحان الغد؟"    ("سنفور" هو لقبٌ أطلقَه الطلاب الأكبر سنًّا على المستجدين في الجامعة).    ابتسمتُ وقلتُ: "لم أفتح صفحةً بعد".    هي لم تنعتني بالكاذبة، ولم تحاول إعطاء بُعدٍ آخر لكلماتها، فقط قالت: "لقد انتهيتُ من دراستها، وأنا مستعدة لشرحها لك".    برقتْ عيناي من شدة لطفها. أيُّ شخص كان مكانها، ربما قال: "عليك العمل أسرع والدراسة بجد أكبر"، أو ربما اكتفى بالصمت. آنذاك لم أعرف أن للصمت معانٍ كثيرة...    هل للصمت أبعادٌ؟    قدَّمت لي ثمرةَ جهدها ببضع ساعات، ثم اتجهتْ إلى غرفتها كي تنام. وبقيتُ أنا مع شياطيني التي لم تكن تدرك حجم التعب الذي كنتُ فيه، وأنها مهما حاولت يومَها العبث بعقلي لن تنجح؛ لأني، وبعد أن ضبطتُ المنبِّهَ، غفوتُ، حتى زلزالٌ بقوة عشرة ريختر ما كان ليوقظني.    استيقظتُ على صوت قرع الباب، وأدركتُ أن الطارق هو ندى، ومعها صديقاتها: علا رافع، ورنيم جمال. ولحظةَ فتحي للباب، باغتتني بكلماتها: "لم ترتدي ملابسك الخاصة بالخروج بعد! سنتأخر على الامتحان".    أدركتُ أني غفوتُ أكثر من اللازم، وأن المنبِّه الذي وضعتُه لإيقاظي باءت محاولاتُه بالفشل.    غسلتُ وجهي، وارتديتُ ملابسي، وخلال دقائق كنا نقف على الرصيف بالقرب من موقف الحافلات. ولحسن حظنا كان الازدحام أقل مما هو عليه في العادة، وفي الدقائق التالية كنا في الحافلة، ووجهتنا الجامعة.    انتهيتُ من الامتحان، خرجتُ، وبدأتُ البحث عن ندى. وصوتٌ غريب تردَّد في رأسي: "ندى مجرد حثالة، ستخونك كما فعل الجميع".    لم أعثر عليها في مبنى الجامعة، لذلك اتجهتُ نحو المقهى، حيث وجدتُها برفقة صديقاتها اللاتي تحلَّقْنَ حول طاولة هناك. مشيتُ نحوهن، وقفتُ بالقرب منهن، كنتُ على وشك إلقاء التحية عليهن، عندما سمعتُ رنيم تقول: "ماسة غبية بالفعل، تظن أننا صديقاتها لمجرد أننا تركناها تمشي معنا!"    أيَّدتها علا بكلامها قائلة: "كيف نقبل بفتاة ساذجة مثلها معنا؟ حتى ملابسها الريفية تناسبها!"    اكتفت ندى بنطق: "معكن حق".    ما أوجزته نزل كصاعقة على قلبي. "لماذا ساندتني؟"    هذا أول سؤال خطر ببالي.    والثاني: "هل كل ما فكرتْ به هو الغدر بي؟"    لم أنطق ببنت شفة، ولم أسمع بقية كلامهن. تراجعتُ للخلف، ولكن السكينَ الذي غُرِسَ في قلبي بفضل صديقاتي في مقاعد الدراسة سابقًا عاد للنزيف مجددًا. لطالما طعنني في ظهري، وأساءوا الكلام عني، ولم يصونوا العهد.    هل صراحتي وصدقي في تعاملي هو السبب؟    لا أحبُّ الكذبَ، وأكره النفاقَ. وأحد أحلامي الطفولية هو أن أكون بذرةً تتحول إلى شجرةٍ تؤثر فيمن حولها، كي تجعلهم كلهم صادقين؛ فالشجرة أحد رموز العطاء والكرم. وأنا مجرد شابة تحب العيش في أحلام الطفولة، وتحب الخيال والسهر وحتى المطر ورائحة الأرض المروية به.    آنذاك، شرخُ فؤادي توسَّع، ودموعي كحبات اللؤلؤ سالت على وجهي، والبؤس ارتسم في ملامحي. صداقتي لها دامت ثلاثة أشهر، وها هي تغدر بي.    صاحب ذاك الصوت كان محقًا، شكرًا له.    عدتُ إلى غرفتي، أوصدتُ النافذة والباب، اتجهتُ نحو خزانتي، نظرتُ إلى ملابسي، فكلمات علا كانت ما تزال ترافقني. قالت إن ملابسي ريفية، هي لا تعرف، فرغم وصفها ما زالت تعجبني.    هل الملابس الفضفاضة والواسعة تُعَدُّ في عالم الموضة إثمًا؟ لا أفهم هذا المنطق، ولا أرغب في الفهم. ملابسي جزء مني، من شخصيتي، أحبها ولن أبدِّلها لمجرد قول غبية عنها إنها ريفية.    لطالما دلت الملابس المحتشمة في كل العصور على رُقِيِّ المرأة، أما الملابس الضيقة التي لا تلبي معايير الاحتشام، فلطالما أشارت إلى العبيد. وأنا ريفية الأصل، ونعتي بالريفية لا يعتبر نقصًا فيَّ، بل يزيدني وقارًا.    ما بال هذا العصر؟ هل جُنَّ سكانه؟    صوتُ ضحكاتٍ في رأسي دوى. ذاك الرجل، أياً كان، ساعدني في كشف الحقيقة، يمكنني تحمل ضحكاته اليوم.    آنذاك، تم طرق الباب. فتحتُه، وإذ بها ندى مَدَّتْ ذراعها كي تعطيني الشطيرة التي اشترتها لي، وأردفتها بكلمة: "بالجبن، كما تحبينها".    لكنني رفضتُ بأدب، وقلتُ مع ابتسامة: "ما عدتُ أحب الجبن، ومع ذلك شكرًا لك".    كنتُ على وشك إغلاق الباب، ولكنها أصرتْ وتمسكت بموقفها: "خُذي الشطيرة يا ماسة الغالية، فأنا اشتريتها لك".    حدقتُ بعينيها اللتين بدتا صادقتين كعادتها، ارتبكتُ، ومع إصرارها الملح وافقتُ.    كانت ألذَّ شطيرة بالجبن قد تناولتُها.    ربما ما سمعته منها خاطئ، ربما صاحب الصوت كاذب، وربما كانت تقصد معنى آخر.
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"