مِنْ داخلِ القفصِ | وريثة الأسرار
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

مِنْ داخلِ القفصِ | وريثة الأسرار

جاري التحميل...

مِنْ داخلِ القفصِ

خلال كل تلك السنوات التي أهدرتها نيفا داخل هذه الأكاديمية، أي منذُ طفولتها، وربما لَم يكونوا قد جاؤوا بها حقاً من إحدى دور الأيتام، فكرة أنه الأمر أشبه بأنها قد ولدت داخل أسوار هذه الأكاديمية، ذكرياتها كلها تدور وتحوم ثم تنتهي داخل أسوارها،طبعاً، هذا تَطلب منها أن تَكبر كل تلك السنوات تحت رعاية السيدة ميغان، كغيرها من الفتيات.

تحميل الفصول...
المؤلف

تراخت على حافة سريرها بينما عسلياتها تنتقلان على وتيرة سريعة بين الباب و بين تلك الساعة المربعة التي حطت أعلى الحائط، فكرة في نفسها أن وضع مثل تلك الساعة الحمقاء في غرفتهما المشتركة كانت أغبى شيء حدث لها على الإطلاق، لكن ما باليد حيلة فهم ليس لهم حتى خيار أن يقرَّروا وضع مثل هذه الأشياء التافهة في غرفتهم، كانت تشعر بمزيج من المشاعر التي لا تعلم لمَ هي تطفو الآن داخلها: توتر ... ارتباك ...خوف ، كم رغبت أن تضحك على نفسها.
فهي معتادة جيداً على منع إظهار مشاعرها لأي مخلوق، 
حتى لو كانت شريكتها في الغرفة الحمقاء، والتي تشاركها الغرفة منذ خمس سنوات.
 رفعت إحدى يديها لتُبعد بضعة خصلات من شعرها الأسود المتمرد على وجنتيها إلى الخلف، ثم نهضت بجسدها لتتمشى في أرجاء الغرفة، لعل ذلك يساعدها في صرف توترها.
وبسرعة التفتت نحو الباب الذي فُتح ثم دلفت منه فتاة ذات شعر أحمر قصير مُزركَش، وعينين زرقاوين،  يُزيّنهما نمش خفيف على خديها، كان جسدها نحيلاً بعض الشيء لكنه بدا ملفتاً للنظر، بعد أن أغلقت الباب، أرخت جسدها عليه، بدت بالكاد تستطيع تنظيم تنفسها، وكأنها ركضت لتوها لعشرات الأميال.
ثم تلقي نظرها نحو شريكة غرفتها، التي ما أن رأتها حتى رسمت الجمود على ملامح وجهها وكأنها لا تُبالي.
" لارا، أين كنتِ ؟ لقد أوقعتِ نفسكِ في ورطة حقيقية مجدداً"
تلت ذلك بِنبرة محذرة، حاولت قدر الإمكان أن تجعلها باردة،  ثم ركزت انتباهها على الكتب التي تحملها الفتاة المستندة إلى الباب، الأمر الذي جعلها تتابع بابتسامة ساخرة، وكأنها عَلِمت أين كانت بعد ملاحظتها لتلك الكتب.
" يا حمقاء، لقد فضلتِ رمي نفسكِ في الهلاك فقط من أجل لقاء غريب الأطوار ذلك!" 
رَدت الأخرى مدافعة، ثم تضمُ الكتب إلى صدرها وكأنها تحميهم من شيء ما.
" انا فقط كنتُ في المكتبة، لا أكثر "
" أصدقكِ! "
صرحت الأخرى بذلك تتابع سخريتها، 

راقبتها عندما اقتربت من مُنضَدة سريرها، تضعُ الكتب عليها، ثم تضع كتابا ضخما فوقها لتخفيها جيداً.
 همت هي الأخرى بالجلوس على سريرها، ولم تتمكن حتى من التفكير في اللحظة التي سوف يقتحمون بها غرفتهم، بعد أن رأت الباب يفتح على مِصراعيه، ثم يندفع منه سيدة ذات جسد فارع الطول، وشعر بني مُصفف بعناية، و عيناها بدتا صغيرتين جاحظتين بشكل مزعج، ترتدي سترة خفيفة مع تنورة قصيرة ذات لون خمري، مع حذاء بكعب عالٍ، و إلى جانبها امرأتين ترتديان ملابس مشابهة لملابسها نوعاً ما لكن أقل حدة.
 بدت حركاتها شبه آلية، بينما تلقي نظرة في الأرجاء، ثم تسقطها نحو لارا التي تجمدت في مكانها.
 وكعادتها لم تستطع ضبط خوفها الذي بدا ظاهراً، بشكل جلي على وجهها و جسدها المرتجف.


خلال كل تلك السنوات التي أهدرتها نيفا داخل هذه الأكاديمية، أي منذُ طفولتها، وربما لَم يكونوا قد جاؤوا بها حقاً من إحدى دور الأيتام، فكرة أنه الأمر أشبه بأنها قد ولدت داخل أسوار هذه الأكاديمية، ذكرياتها كلها تدور وتحوم ثم تنتهي داخل أسوارها،طبعاً، هذا تَطلب منها أن تَكبر كل تلك السنوات تحت رعاية السيدة ميغان، كغيرها من الفتيات.
 لكن لشدة ملاحظتها، فقد أكسبها ذلك قدرة قراءة تعابير وجه تلك السيدة القاسية، على رغم من جمود تعابير وجهها الدائم، لكن لم يمنع ذلك من معرفة متى كانت غاضبة، هذه الانفعال الوحيد الذي استطاعت التقاطه منها، أنها أشبه بامرأة دون ملامح.
 لكن في ذات اللحظة، استشعرت نيفا من انقباض معصم السيدة ميغان المبيض حتى الشحوب بأن هناك كارثة سوف تحدث الآن، بدت غاضبة بشكل ملحوظ.
لكنها قررت أنه من المستحيل أن تعطي للأمر أية أهمية، هذه المرة سوف تتخلى عن لارا حتى تعاقب، بل إنها تستحق أن تعاقب بسبب قلت حذرها.
لن تدافع عنها ابدأ،لذا، حطت بجسدها على السرير، وأذناها شبه مصغيتين للتحقيق الذي تجريه السيدة ميغان مع لارا، والتي أخذت تدافع عن نفسها بصوت مرتجف، بدا أنه لن يصمد كثيراً أمام تلك العاصفة الهوجاء ميغان، لم يكن وصف تعبير "عاصفة هوجاء”  مناسبا لغضبها، لكن أسلوب توبيخها الآلي ذي النبرة الحادة كان أكثر شيء يثير الرعب و الارتياب بالنسبة لها ولباقي الفتيات، فغالباً ما كان ينتهي بعقوبة قاسية، مثل وضعك داخل غرفة حالكة الظلام مُعزلَةِ الصوت.
 قد يبدو الأمر مجرد عقاب بسيط لا يحدث أي أذى جسدي، لكنه في المقابل كان من أسوء العقوبات التي تحطم وتنهش الجانب النفسي من عقل كل فتاة تتعرض له تباعاً منذُ طفولتها.
كانت لارا تلتفت في كل ثانية تسنح لها نحو نيفا، التي تتمد بكل هدوء على سريرها آملةً منها أن تخفف عنها لكنها لم تلتفت حتى نحوها، ظنت أنها في هذه اللحظة سوف تُتخفف قليلاً من عبئها لكنها أدركت في النهاية أنها قد تخلت عنها.
فقد كانت نيفا مختلفة تماماً عن كل فتاة تحدثت إليها هنا، 


بعد أن قست الكثير مع أغلب الفتيات التي كانت تشاركهم الغرفة، بسبب ضعف شخصيتها، حتى أنها في أغلب الأحيان تعرضت للضرب والتعذيب من شريكاتها في الغرفة، ثم انتهى بها المطاف عند نيفا، والتي كانت مختلفة تماماً لم تنكر أنها فتاة باردة وهادئة نوعاً ما، نادراً ما تبدي أي رد فعل حيال قيامها بالحديث معها، لكن لا يمكنها إخفاء قوة شخصيتها، فهي دائماً ما تخاطر وتغوص في جدال طويل مع السيدة ميغان، وبالتأكيد بالنسبة لها ولباقي الفتيات هذا أسوأ وأخطر شيء قد يتجرّأن على الإقدام عليه، ثم أنها أقسمت أن نيفا قد قضت نصف أيام طفولتها في الغرفة المظلمة بسبب عنادها، لدرجة أنها استطاعت التأقلم والتكيف داخل تلك الغرفة وكأنها ترقد داخل غرفتهما، 
ثم أيقنت لارا أنها اصبحت تدين الكثير لنيفا، تدين لها في كل مرة تعاقب بها بدلاً عنها للجلوس في تلك الغرفة المشؤومة.

خرجت لارا من دوامة أفكارها و التي قد ساعدتها على  تخفيف حدة خوفها على صوت السيدة ميغان، البارد وهي تقول.
" لقد نفذ صبرنا معك، وأعتقد أن هذه الأكاديمية قد قدمت لك الكثير، لكنِ أنتِ لم تقدري هذه النعمة إطلاقاً، لذا غداً سوف يتم ترحيلك من هذا المكان"
كان وقع ذلك شديد على مسامعها، جعل انقباضا طفيفا يسيطر على قلبها لدرجة أنها شعرت أن قدميها لم تعدا قادرتين على حملها، لكنها كافحة من أجل الوقوف والصمود أمام كلماتها.


كان وقع ذلك أسوأ على مسامع نيفا التي جعلت جل أنتباهها نحوهما، ثم نهضت من مكانها لتقف مواجهة للسيدة ميغان، التي رفعت إحدى حاجبيها دليلاً على استعدادها للمواجهة، ظلت نيفا تبادلها النظر بجمود ثم تقول بتحدي، 
" أعتقد أنني سمعت الآن شيئاً خاطئاً "
فردة ميغان ببرود محذرة،
" نيفا... أعتقد أنه يتوجب عليكِ أن تكوني حيادية ولا تحشري أنفك في ما لا يعنيكِ. ثم منذُ متى تظهرين هذه التضحية و الاهتمام تجاه أي شخص؟ ما الذي يميز هذه الفتاة الحمراء؟ لماذا هي مختلفة دائماً بالنسبة لك؟ " 
أنهت حديثها بسؤالها الساخر، ثم تتفحص وجهها الغاضب 

فأجابت متجاهلة سؤالها،
" لن تذهب إلى أي مكان" 
" بل سترحل ... حتى أن الإدارة، أكثر شيء يستفزها و يقلق راحتهم، هن الفتيات الفوضويات الضعيفات،لأن مستقبلهن واضح وضوح الشمس من البداية، مليء بالفشل. لذا فإصح تصرف هو أرسالهن إلى مكان آخر يجعلهن أكثر نفعاً" 


لم يتطلب الأمر منها الكثير من التفكير حتى تدرك مقصدها، فهي تعني أنهم سوف سيرسلونها إلى إحدى العصابات التي تمتهن البغاء والدعارة كتجارة.
ذلك الٱدراك جعلها أكثر غضباً على غير عادتها. لبضعت لحظات، مررت نظرها نحو لارا التي اغرورقت عيناها بالدموع وكأنها على وشك الأنفجار، ثم أيقنت أن الأخرى أدركت مقصد السيدة ميغان. فلا أحد هنا لا يعلم ما هو مصير الفتيات المُثيرات للفوضى عندما يترحلن.
ثار صوت نيفا الغاضب في وجه السيدة ميغان، 
" إذن سوف نغادر سوِيا ... لن ترحل من هنا دوني " 
ظهر ارتياح طفيف على ملامح وجه لارا، عندما سمعت حديثها المدافع عنها، لدرجة أنها أيقنت أن نيفا لن تتخلى عنها مجدداً، 
" ما هذا الهراء الذي أسمعه الآن، و ما شأنك بها، فأنتِ مختلفة ولديكِ مستقبل مشرق بخلافها "
" انا مصرة على كلامي... ثم انكِ تملكين كامل الصلاحية في منعها من المغادرة، وبإمكانك التراجع عن ذلك وإعطائها فرصة أخرى، من دون أن يعلم أي أحد من الكادر التعليمي"
ألقت نيفا بذلك بكل هدوء هذه المرة، تراقب تعابير وجه ميغان الجامدة، والتي بقيت صامتة لفترة طويلة، دون أن تتفوه بأي حرف، الأمر الذي جعل ارتباكا طفيفا يطفو داخل قلبها. لكنها سرعان ما هزت رأسها لتلك المرأتين التي بجوارها إشارة للمغادرة، ثم تلقي نظرة أخيرة نحو نيفا، التي لم تستطع ولا بأي شكل تحليل معناها.


بعد أن رحلت زفرة بارتياح بينما تراقب الفراغ الذي خلفته ميغان ثم فكرت السبب الذي يجعل تلك السيدة تستجيب لطلبها، حتى أنها دائما ما تتأوّل أن هناك شيء ما يمنع ميغان وغيرها من الكادر الإداري في هذه الأكاديمية من التخلص منها، فهي اقتربت من أن تكون فوضوية، فقد بدا الأمر وأن هناك شيءٍ ما يمنع ميغان من الموافقة وجعلها ترحل برفقة لارا نحو جحيم مجهول، ولكنها لم تفعل، لذلك السبب.
سرعان ما جفل جسدها لتستيقظ من دوامة تسؤلاتها على جسد لارا الذي أخذ يحتضنها بينما تصرخ بسعادة وحماس من بين دموعها، 
" أشكركِ ... كنتُ واثقة بأنك لن تتخلي عني"
لم تشعر نيفا خلال ذلك بأية مشاعر سوى بالاشمئزاز كعادتها، لذا سرعان ما حررت نفسها منها، ذلك الحضن  بدا بالنسبة لها في غاية الازعاج، لكن إقدامها على ذلك لم يطفئ سعادة لارا التي تعلم جيداً مكنون قلبها تجاهها، لذا هتفت بمرح،
" أنتِ أفضل صديقة قد حصلت عليها "
لم تجب الأخرى بل عادت إلى سريرها ثم تندس تحت الغطاء ثم تتحدث بصوت ضعيف تأثر حديثها من تحت الغطاء،
" لم أتدخل إلا لأن الأمر هذه المرة قد زاد عن حده، ثم أنني كنتُ لن أمانع بخضوعكِ للعقاب ... حتى لن تجرئي على  مقابلة فتى المكتبة مجدداً"
توجهت أيضاً نحو سريرها بينما تعابير وجهها تحمل ابتسامة خفيفة غير متأثرة بردَها الذي يحمل آثار التهديد، فهي معتادة على مزاجها هذا منذُ أول يوم تعرفت عليها فيه وأصبحت شريكتها في الغرفة.

استقرت بجسدها على السرير المخصص لها،  بينما  تعود ذاكرتها إلى اليوم الأول لها في هذه الغرفة، عندما كانت نيفا منعزلة تماماً عنها،  وفظَّة بشكل مخيف للدرجة التي جعلتها تفكر أنه تم اختيار أسوأ الفتيات حتى تشاركها الغرفة كعقاب، ولاسيما بعد سماعها الكثير من الفتيات اللواتي كن يتحدثن ويُلَفقون الكثير من الشائعات و الأشياء السيئة عن نيفا، خاصة بعد أن وجدون شريكتها السابقة منتحرة في غرفتهما، فجميع الفتيات يهبنها و يهمسنَ دائماً بأن هي من قامت بقتلها، لكن التحريات ظهرت وأثبتت عكس ذلك، وأنها هي التي قتلت نفسها، أكثر شيء كان يثير استغرابها هو أن نيفا لم تكن مهتمة أبداً بتلك، الفتيات اللواتي يتهمْنها ظلماً بذلك، ولم تُكلف نفسها حتى عناء نفي تلك الاتهامات وتبرئة ذاتها، وكأن فعل ذلك ليس له أي أهمية على الإطلاق.

على الرغم من كل ذلك، لم تجد لارا نفسها إلا في المكان الصحيح، فنيفا على الأقل في البداية لم تتعرض لها ولم تتنمر عليها أبداً، وهذا كان أكثر شيء تتعرض له في هذا المكان. 


فجأة صدح صوت الجرس معلناً عن بدأ وقت الفسحة، على الرغم من كرهها لصوت هذا الجرس الذي رافقها طيلة مكثها هنا، إلا أنه على الأقل يمنحهم بعض الحرية التي لطالما حُرمن منها منذُ طفولتهم. 
لكن فكرت لارا مصححةً ذلك أن أغلب الفتيات هنا يجهلن ما هي الحرية الحقيقية، لا يعلمون مذاقَ أن يكون لديهم خيار فعل ما يُردن طوال الوقت.
  فداخل هذه الأكاديمية المخصصة للفتيات، تم توفير كل شيء ابتداءً من المسكن و غرف الدراسة و مكتبة كبيرة، حتى مطعم وحديقة ذات أشجار ونباتات متنوعة، و أيضا سوبرماركت متوسطة الحجم.
 لقد تم توفير لهم كل شيء لهن، كأنهم داخل مدينة مصغرة تحيط بها أسوار يمنع بتاتاً تجاوزها، وإلاّ فالعواقب وخيمة.

 في البداية، يُجلب الفتيات وهنّ رُضَّع من دور الأيتام، يوفر لهن الرعاية قصوى حتى يكبرن،  ثم إنهاء دراستهن داخل أسوار الأكاديمية حتى يتم ترحيلهن للعالم الخارجي بعد أن يكتسبن العلم والقدرة على إدارة حياتهن، هذه المبادئ التي عملت عليها الأكاديمية، وقد تبدو لأي شخص يطلع عليها على أنها تحمل مبادئ نبيلة تخدم مبادئ الإنسانية، لكن الحقيقية التي لم يستطع أحد بلوغها 
الغاية السوداء التي تمشي نحوها الأكاديمية، ولا يعلمها سوى الإداريين وكوادر التدريس و بعض الفتيات.


 القواعد هي أي فتاة تخطئ وليست جديرة بالثقة، يتم التخلص منها وإرسالها وبيعها لعصابات تمتهن البغاء والدعارة كآخر وسيلة حتى يتمكنوا من الأستفادة منها.

أما الفتيات اللواتي أتممن شروط الأهلية والوفاء،  فتباعن لأكثر جماعات المافيا سيطرة، فهم بإمكانهم تلقي مهمامٍ عديدة تخدم مصالح تلك الجماعات الخطيرة، وحتى ربما يتمكن من شغل مناصب في إحدى المافيات. 
اي أن كل الفتيات داخل هذه الأسوار مقيدات، ليس لهن حرية مغادرتها.
 فهذه الأكاديمية تولت رعايتهن مقابل حريتهن،  ولها حق التصرف بهن و إملاء القواعد والأوامر عليهن، حتى يتم بيعهن كسلعة ثمينة لأحد عشائر المافيا، عندئذٍ تنتقل تلك الحقوق إلى تلك العشيرة ولهم حرية التصرف بهن.

أغمضت عيناها الزرقاوين بأسّى، فكان أسوأ شيء بالنسبة لها إدراكها مصيرهن الأسود الذي ينتظرهن في يومٍ ما، 
   لطالما كانت تلك الأفكار تعبث في عقلها بفضل مواظبتها على قراءة كثيرِ من الكتب.
هي لم تكن تقرأ الكتب التي يُختارُ لهن، والتي كانت تخضع لرقابة شديدة من طرف إدارة الأكاديمية، بل اعتدت على الكتب التي كان يمررها لها بالسر من لقبته نيفا ب "فتى المكتبة"، ذلك الشاب نفسه آدم الذي احتل مكانة كبيرة في إحدى أركان قلبها.
استيقظت من شرودها على صوت الجرس الذي يصدح مجدداً، ثم فجأة اقتحمت أنفَها رائحةَ التبغ، الأمر الذي جعلها تلتفت تلقائياً نحو نيفا، التي كانت قد نهضت بجزءِها العلوي، تسندُ رأسَها على حافة السرير، بينما تستقر في يدها لفافة تبغ تتناولُها بهدوء، وعيناها معلقتان نحو ساعة الحائط ذات الصوت المزعج.
 عندها أدركتْ أن صديقتها لن تستغل وقت الفسحة حتى تخرج وتقوم بأي نشاط، بل سوف تبقى مستقرة على سريرها مع لفافات التبغ، كما تفعل في أغلب الأوقات.
 رؤيتها على هذه الحال جعل لارا تفكر أن صديقتها متكيَفة بشكل كلي مع واقعها، ولا ترغب أبداً في عيش واقع آخر خارج أسوار الأكاديمية.
 كم حسدتها على برودة أعصابها!



" ألن تخرجي، يا ذات الرأس الأحمر ؟ " 
ألقت نيفا سؤالها بينما تنكّس رأسها، تراقب لفافات التبغ تحترق بين أناملها، دون أن تلتفت نحو الأخرى.

" لا... أعني لا أرغب بالخروج الآن. لقد أكتفيتُ لهذا اليوم. إلا إذا حصل طارئ يجعلني أخرج " 
أجابتها بصوت مهتزّ  مترددٍ كعادتها.

فترد الأخرى بنبرة ساخرة باردة.
" أو التقيتِ بفتى المكتبة لهذا اليوم، كان بإمكانك اختصار حديثك بذلك"
توسعت عيناها بصدمة، فاندفعت بسرعة من مكانها تتفقدُ الأرجاءَ خارج غرفتهم عبر شق قصير من الباب بفزع شديد، عندما تأكدت من خَلوّ الممر، عادت تلتفتُ نحو نيفا، وعلى وجهها نظرات مؤنبة، بدا على الأخرى عدم المبالاة، وكأنها لم تتفوه بشيء.
الأمر الذي جعل لارا تتحدث بقلق،
" كوني حذرة، أرجوكِ"   
نبرتها القلقة تلك جعلت نيفا ترسم ابتسامة مستمتعة على ثغرها، ثم تنهض من مكانها بعد أن أنهت لفافة التبغ التي كانت بين أناملها، ثم تنفضُ عن ثيابها استعدادا للمغادرة، وكل ذلك تحت مراقبة وجه لارا المتوتر.


دائماً ما كانت تصرفات نيفا وكأن أيامها متشابهة وفارغة. تتعامل مع كل المواقف ببرود وعدم مبالاة.
 لا تتطلع حتى يحدث لها شيء مميز و جديد في المستقبل، كل ما تفعله هو عيش اليوم وكأنه واجب يجب إنهاؤه حتى يأتي اليوم الذي يليه.
 على الرغم من أنها فتاة ذكية حقّقت درجات عالية في الاختبارات، وأثارة إعجاب المدرسين بدهائها، إلا أن ذلك لم يجعلها تعقد آمالاً وَاهَية لمستقبل أفضل.
 تعلم جيداً أنهم سوف سيلقونها في نهاية المطاف نحو جحيم لا مفر منه، 
هم يملكون كل شيء يخصها، من شهادة ميلادها التي تحمل اسم أكاديمية "أنجِليان" وليس عنوان دار الأيتام الذي أخذت منه كغيرها من الفتيات، وأيضاً هم من أختاروا اسمها الذي لطالما رأته غريب نوعاً ما.
حتى أنها لم تشعر يوماً ما بأي محفز يجعلها تتساءل عن هوية عائلتها، أو عن السبب الذي دفعهم للتخلي عنها.
 لم يحمل الأمر بالنسبة لها أية أهمية، وكم كرهت التفكير بتلك الأشياء، لذا دفعت تلك الأفكار بعيداً، ثم أخذت توجه تركيزها بالكامل نحو الممر الذي تعبره باتجاه الحديقة، حيث  المكان الذي تفضل الجلوس فيه أكثر من غيره.
 سرعان ما لاحظت تلك النظرات الحذرة المعلقة نحوها للفتيات اللاتي كن يعبرن مقابلها بأتجاه غرفهن الخاصة.
 لم تستاء على الإطلاق من نظراتهن تلك، بل أعجبها ذلك لحد المتعة، فهن يخشينها باعتبارها متورطة في جريمة قتل حسب ما وصل إليهن، فكرة أن الأمر ليس بذاك السوء جعلت سمعتها تلك تشكل حاجزٌ جيدٌ متين يختصر عليها الكثير من الازعاج.
 


زاد من خطواته بينما يحمل بين يديه صندوقا كان يجب عليه إيصاله إلى المكان المطلوب، تجعَّد حاجباه الكثيفين أثر التقاط أنفه لرائحة كريهة بالتأكيد مصدرها جوف هذا الصندوق الذي لا يعلم محتواه.
لا يتذكر سوى أن الرجل السمين المسؤول عنهم طلب منه أيصاله إلى الحديقة ثم تفوّه بالكثير من الأوامر التي لم يعطي يعِ لها بَالاً، بل استغل الفرصة وأخذ كعادته يتفقد أرجاء المكان.
 لكنه الآن هو نادم لأنه لم ينصت جيداً له، فهو لا يدري ما الذي سيصنعه بهذا الصندوق عندما يصل إلى الحديقة.

ظهرت له بوابة الحديقة، عندها تنفس الصعَداء، لذا عبرها فوراً نحو الداخل ثم يضع الصندوق عند أقرب صفّ نباتات.

شعر براحة شديدة بعد أن أبتعد عنه ذلك الصندوق ذي الرائحة الكريهة، وأخذ يتفقد ثيابه الزرقاء المخصصة للعمل.

" هل أخبرك أحدٌ من قبل انك لم تأتِ إلى هنا من أجل الاستعراض ؟"

 فجأة صدح صوت من بعيد لرجل بدا في الثلاثينات،  يرتدي ملابس مشابهةٌ له.
علم من نبرته أنه مستاء جداً، لكنه فقط التفت نحوه وبقيت شفتاه مغلقتان دون أن يجيبه.
 سرعان ما ظهرت امرأة من خلفه ذات قوام متوسط،  وأيضا ترتدي ملابس العمل الزرقاء، تملك وجها عابسا.
 ما أن وقع نظرها نحو الشاب الذي كان يحمل الصندوق حتى أخذت تتفحص شكله، ابتداءً من عينيه الخضراوين المسحوبتين وبشرته الحنطية الخلابة، ثم لاحظت تموجات شعره البني القصير، انتهاءً بجسده ذي المنكبين العريضين وطوله الفاره.
 كل تلك التفاصيل تدل على وسامته لحد اللعنة، جعلتها تتساءل أن كان هذا الشاب في مكانه الصحيح، فلا يبدو من هيئته يصلح كعامل هنا في حرم الأكاديمية.
كانت تراقبه بفمها مفتوح، سرعان ما استيقظت من شرودها أثر نكزت خفيفة من الرجل الذي كان بجانبها، لذا ظهر عليها ارتباك جلي، ثم صححت وقفتها محاولة جمع شتات نفسها لتتحدث برسمية.
" لماذا تقف هناك كالصنم ولا تبدأ عملك ؟ "
 " ماذا افعل ؟" 
ألقى جوابه البارد بينما عيناه تراقبان الفتيات اللواتي يدخلن الحديقة كل هنيئة .
ظهر الغضب على وجه الرجل الثلاثيني، بينما هي أخذت تطالعه باستغراب. 
" كما نفعل دائماً، قم بتوزيع السماد العضوي على النباتات!" 
ما أن سمع كلمة "سماد عضوي" حتى انفرجت عيناه لحظة، ثم ظهرت على تقاسيم وجهه سحنة من الاشمئزاز و التقزز، 
وهو يحملق نحو الصندوق.
ثم التقطت أذناه صوت الرجل وهو يقول بينما يغادر برفقة تلك المرأة.
" هيا، افتح الصندوق وقم بتوزيع السماد على النباتات، فنحن لا نملك الكثير من الوقت لنضيعه، لم يتبق أمامنا سوى ساعة واحدة! " 
 وقد بدا عليه الاستمتاع حين لاحظ وجهه المتقزز،
استدار الشاب نحو الصندوق بينما يشتمه من تحت أنفاسه.
سرعان ما شدّ انتباهه الفتيات اللواتي يراقبنه بإعجاب بينما يتهامسن فيما بينهن.
" كم هو وسيم! "
" هل  تعتقدين أنه يملك حبيبة ؟" 
تجاهل كل ذلك، ثم تأكد أن تلك المرأة والرجل قد ابتعدا بشكل يسمح له أن يتجول كما يشاء، فهو من المستحيل أن يلمس ذلك الصندوق مجددا.
أخذت حدقتاه تبحث بين جموع الفتيات، وكأنه يبحث عن شخص محدد.
 مع مرور الوقت أدرك أن حاله أشبه بحال شخص يبحث عن إبرة داخل كومة قش.
سرعان ما جفلت عيناه لبضعة ثوانٍ أثر رؤيته لها،  شعر أسود حالك يشبه الليل، يعاكس بشرتها البيضاء، و عينين واسعتين عسليتين لامعتين.
لها جسدا يبدو في غاية المثالية، ترتدي بلوزة ذات لون أزرق و بنطال جينز فضفاض.
 كانت تجلس وحيدة أسفل إحدى أشجار الصفصاف، تستند بجزعها العلوي على ساق الشجرة.
 لم يستطع إنكار هيئتها المميز من بين كل الفتيات.
 بدا عليها الشرود التام، كأنها في عالم آخر لا تبالي في محيطها.

ومن دون أدنى تردد، قرر الأقتراب منها.
 سار بخطوات هادئة نحوها لتتضح ملامح وجهها أكثر.
بدت سارحة الفكر بشكل غريب، وكأنها صندوق مغلق بأحكام يصعب فتحه ورؤية ما بداخله.
لكن سرعان ما لاحظ أنها تحمل في يدها زهرة بيضاء تنتف أوراقها ببطء شديد، وقد صادف وصوله حتى يقف بجوارها مع انتزاعها لآخر ورقة من تلك الزهرة.
" بإمكاني تخمين أن الورقة الآخيرة تدل على أنه لا يحبك " 
ألقى ذلك بلهجة فكاهية، ثم رآها ترفع رأسها باتجاهه بجمود من دون أن تتفاعل مع مزحته.
 ردّة فعلها تلك لم تجعله يستغرب ابداً، فهذه ليست المرة الأولى التي يلتقيان بها.
لاحظ كيف أخذت تراقب هيئته من الأعلى حتى أخمص قدميه، لذا تكلم ثانية وبمرح.
" أعلم بأنني وسيم جداً " 
" و مريب أيضاً ... لِمَ أنت هنا؟"
علم من نظراتها تلك أنها تحمل كل شيء عدا الأعجاب.
 فقد بدت حائرة و مرتابة من هيئته، وهي تتبع بحذر الوشوم التي حطت على يديه و على النصف الظاهر من رقبته.
 لكن كل ما بدر منه سوى بسط يديه على الجانبين وكأنه يقدم نفسه، ثم يقول باستمتاع بالغ،
" انا هنا فقط أقوم بوظيفتي "
" لستُ حمقاء حتى أصدقك " 
اختفت ابتسامته، ثم رفع إحدى يديه لكي يثبت قبعته الزرقاء، ثم تحدث باستفهام.
" إذن ... لم تقومي بالشكوى للإدارة عن وجود دخيل، كما هددتني في المرة السابقة؟ ... كم أنتِ فتاة مسالمة! " 
ركزت عيناها على الوَشْم ذي الشكل الغريب الذي يستقر على يده، ثم تتحدث ببرود.
" ليس الأمر كذلك ... لن أكلف نفسي حتى عناء الذهاب إليهم والشكوى ... ببساطة انا لا اهتم، وبإمكانك تركي وشأني وأكمال ما كنتُ بصددِه" 
تفاجأ من نبرتها العدوانية تلك، لكنه فسر ذلك ربما بسبب نشأتها في هذا المكان.
 بالتأكيد أنه تفسير منطقي.
راقب هيئتها المستقرة على العشب، بينما عادة تتأمل بهدوء ساق الزهرة الذي بقي بين أناملها، 
اقترب خطوة أخرى منها، ثم انحنى نحوها نصف انحناءة ثم يهمس بصوته العميق.
" وماذا لو كنتُ شخصا شريرا، وغرضي من الدخول إلى هنا هو وضع قنبلة متفجرة؟ ... ألن تشعري بالذنب حيال عدم تبليغهم عني؟"

في هذه اللحظة، رمت ساق الزهرة التي لم يتبقّ منها سوى النواة، ثم بادلته نظرة طويلة.
 أستطاع أن يلحظ مدى صفاء عينيها العسليتين الواسعتين، ثم أجابته بنفس النبرة الباردة وببساطة.
" لا ... بل سأكون مُمتنة لك على جميلك " 
لم يستطع إنكار أنها قد فاجأته بردها هذا، لكنه أدرك بعد أن وقع نظره على ساعة يده أن الوقت بدأ ينفذ، ولا يملك المزيد منه ليضيعه هنا.
 هذا عكس رغبته في إطالة الحديث معها، ربما بسبب غرابة طباعها فسر ذلك بنفسه.
 تَنحَىَ بضعة خطوات للوراء، ثم صدرت منه تنهيدة خفيفة،
تلا ذلك حديثه برسمية و من دون مقدمات.
" أريد مساعدتك"


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"