المقدمة - ذات القبعة
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

المقدمة - ذات القبعة

جاري التحميل...

المقدمة

في هذه المدينة، الكل يسعى لشؤونه في هذه الساعة المبكرة، كبارا صغارا شيوخا و شبابا نساء و رجالا. الكل هنا يهتم لشأنه ولا أحد يتدخل في شؤون الآخر حتى لو شهدوا جريمة أمام اعينهم "تعبير مبالغ فيه ، فالناس هم الناس و صفة الفضول تبقى اقوى صفات الانسانية". اسرعت في مشيتي و أنا اتلفت خلفي عللي المحه لكن لا يوجد، لقد أضعته حتما. تنفست الصعداء ثم سحبت هاتفي كي ارى الساعة. شهقت مرتعبة عندما وجدت أن وقت الدخول قد قارب على الانتهاء، شغلت المحرك "التربوني" للمرة العاشرة اليوم كي اصل بسرعة. واستكمالا لهذا اليوم المتعب وجدت الباب مغلق، هناك ايام تمر بي كهذا اليوم؛ متعبة من الدقيقة الأولى لاستيقاظي حتى الدقيقة الأخيرة. و هناك أيام... الله... يمشي كل شيء بسلاسة تثير الاستغراب لكن أنا لا اشتكي على أي حال. تقدمت لأنظر من ثقب الباب فلمحت الحارس جالسا على الكرسي و رأسه معقوص كما صوت شخيره يطرب الآذان.

تحميل الفصول...
المؤلف

مقدمة...
كانت تلعب داخل بركة الماء المتكونة اثر ليلة شتوية ماطرة، زمهرير الرياح الباردة لم يمنعها من الاستمتاع بما تفعل فكانت تقفز داخلها تارة ليتناثر الماء عليها فتنطلق في ضحكة طفولية تسلب الألباب؛ و أخرى تعبث بالطين المتشكل على حافة البركة فتصنع منه اشكالا غير مفهومة. في ذلك الوقت من النهار كانت السحب الداكنة تغطي عين الشمس فيستحيل الصباح إلى وقتٍ للغروب في جو صقيعي يدعوا للدثر و النوم. كانت الصغيرة تلهو غير عابئة بالأصوات العالية التي تخرج من داخل المنزل حتي رفعت رأسها بغتة عندما سمعت صرخة ألم شجّت فؤادها الصغير، ولمحت من مجلسها  شخصا قادما من بعيد لم يظهر منه شيء غير رداء أحمر طويل. ظلت ترقبه في وجل حتى وصل ليتبين لها أنها امرأة، استغربت وقوفها امامها و حاولت رفع رأسها كي ترى وجهها لكن لم تستطع، عيناها لا ترتفعان عن الرداء كأنما هناك قوة عظيمة تجذبها للنظر له رغم مقاومتها المستميتة لتفعل. امتلأت عيناها بالدموع لعدم مقدرتها تفسير هذا التوق لرؤية وجه  صاحبة الرداء الأحمر و نزلت دموعها لما استسلمت بيأس و اخفضت نظراتها لتسكن على يديها الملطختين بالوحل.
 فجأة جمدت مكانها كتمثال حجري و اتسعت عيناها دهشة من الإحساس العارم الذي لفها و رفعت عينيها ببطء لتستقر على الكتفين اللي احاطت بها و احتوتها بشيء من القوة... لم تستطع تفسير ما يحدث، لكن داهمها إحساس عارم بالأمان،  كأمان الجنين في رحم أمه و شوق عتيق متأصل لا ينتهي و لا  يموت، هو شوق ممتزج بحب لشيء لم تره في حياتك لكن تعرف أنه موجود. و كما زارها الأمان فجأة انتُزع منها فجأة ليبقى الشوق حارقا واعدا بليال مظلمة كثيرة و مليئة بالكوابيس المرعبة ... 
*******
إلى مذكرتي الغالية:- لا أدري حقا لما اريد كتابة ما أمر به خلال يومي، و ما المغزى من تكرار احداث مررت بها و لا اريد تذكرها حقا...أغلبها على الأقل؟! 
لكن سأفعلها على أي حال و في أي وقت يُتاح لي للكتابة، هذا إن لم أملّ بسرعة و اترك الأمر كله...
في الأخير هي مجرد خربشات...خربشات ولكن!!
١
بسمة...يا بسمة!!
جُذبتُ من عالم الأحلام بواسطة هذا الصوت النزق فتأففت متقلبة في فراشي متجاهلة نداء جدتي. لا أدري حقا ماذا تريد مني في هذا الصباح الباكر.
بسمة...تنهضين أو آتي كي أحممك بدلو ماء بارد، تعرفين كم احب أن أفعل.
أوه "*****".
شتيمتي الحانقة لم تكن موجهة لجدتي بشكل خاص فلا داعي للتكلم عن تربيتي المعدومة، الوقت لا يزال مبكرا على أي حال.
انتفضت من فراشي واقفة، ترنحت اثر الدوار الذي اجتاحني فأغمضت عيني قليلا حتى اتوازن. تبا لعادتي الغريبة، لا أطيق الجلوس في الفراش بعد الاستيقاظ، ما إن أفتح عيني حتى أقف مباشرة. فكرت... ربما كنت سابقا اتبول في فراشي ليلا فلا اطيق لمسه بعد أن أفيق في الصباح؟!! أقول ربما... لست متأكدة، رغم أنني لا أخجل من فعل كهذا فهو إن دل على شيء فهو يدل على أنني عشت طفولتي حتى آخر قطرة، فلسفة غريبة أليس كذلك؟ استعدت رشدي سريعا لأخطو خارج الغرفة قاصدة الصالة حيث تضع جدتي مائدة الفطور؛ بطني تزقزق و إن لم آكل حالا س...آح؟!
جدتي؟؟!! لماذا فعلت ذلك؟
لأنك لم تقومي منذ أول نداء، و لأنك لم تغسلي وجهك حتى و تريدين الهجوم على الأكل كأنه سيهرب.
ناظرتها ممتعضة و أنا أحك الضربة التي خلفتها الملعقة على رأسي.

-“سليم!! تعال إلى هنا، هناك شجرات تحتاج إلى السقي أكملها عني، قد تأخرتُ فعلا عن السوق.
سمعت نداء جدي العالي من خلف البيت فتأففت بنرفزة لم استيقظ بها و رددت بدون صبر:- جدي أرجوك ليس كل يوم هذا الموال، أنا أيضا متأخرة عن المدرسة و علي تجهيز نفسي و قبل هذا كله يجب أن يدخل بطني شيء من "المم" و إلا سأفقد الوعي عليكم. أنا أخبرك هه..
توقف عن البربرة الغير مفيدة و تعال انه عملك قبل أن تذهب إلى المدرسة.
تأففت بانزعاج للمرة الثانية ثم تقدمت خارجة من البيت قاصدة الجهة الخلفية لمزرعتنا. وقفت عند الباب هنيهه أفتح صدري للهواء العليل في هذا الصباح الندي بقطرات مطر خريفية هطلت مساء الأمس ثم اكملت سيري و عيناي تجولان على المكان. مزرعتنا تعتبر من أكبر المزارع في المنطقة، تحوي العديد من أشجار الفواكه و أيضا الكثير من غرس الخضر ويوجد أيضا حقل للقمح في الخلف، لكن ليس مسيجا كبقية المزروعات بل محدد بحجارة تفصله عن الحقول الأخرى المجاورة له لكبره. بيتنا يقع تحديدا في وسط المزرعة بغرفتين و صالة صغيرة مفروشة بفراش عربي و مطبخ و حمام، كما بجانبه يقع بئر مغطى نستخدم ماءه لسقي المزروعات. و على ذكر ذلك تقدمت بخفة أحمل انبوب الماء على كتفي قاصدة الأشجار المراد سقيها. و على ذكر الأمر أيضا، جدي حبيبي يناديني دوما باسم "سليم" لأنه لا يعترف بأنني أنثى، خبر صادم أليس كذلك، من يسمع قوله يفكر أنني معدومة الخرائط الأنثوية وعلى الأغلب أشبه "جعفر العمدة"!! ربما لكن!... دقيقة واحدة... أنا حقا لا أعرف كيف أصف نفسي لذا أكتفي بقول أنني أنثى. و اتناسى عقدة جدي الذي أنجب فتاة واحدة طوال حياته التي تفوق السبعين عاما، لتأتي بالأخير و تنجب هي أيضا فتاة واحدة. صدمة مضاعفة أدت لنكرانه هذه الحقيقة  ليلقبني ب "سليم" بعدها لأنه سمعه من مكان ما و أحبه.
مددت الأنبوب على إحدى الشجيرات ثم عدت إلى الحنفية لأفتحها، غسلت وجهي منها ثم ركّبت طرف الانبوب الآخر و أسرعت بعدها للبيت كي أحصل على نصيبي من الفطور.  أنا أعرف جدتي جيدا و متأكدة أنها لن تترك شيئا فوق المائدة بعد الانتهاء من الأكل بل فورا تخزنه في صندوقها الحبيب أو في الثلاجة صاحبة القفل و لن أطول منه "فتفوته". وصلت أخيرا بسرعتي القياسية على طبق البيض المقلي و بجانبه سلة الخبز التي بقي فيها رغيفان بالعدد، هممت ان اسحب الصحن لكن سبقتني الجدة مبعدة اياه عن يدي، امسكت سلة الخبز لأخطف منها رغيفا ثم مددت يدي آخذ الطبق بزمجرة جائعة.
اتركيه يا جدة أنا لم أفطر بعد.
ليس ذنبي أنك لم تستيقظي باكرا، لقد حذرتك لكن لم تستمعي الي؛ هه... ابقي جائعة لكي تتعظي.
 جدتي... لقد رأيتني عندما استيقظت حتى أن ملعقتك علّمت على رأسي، ثم إن جدي هو من ناداني ...تكلم يا جد دافع عني.
نظرت إلى جدي مستجديه و بطني لم ترحمني فصوت قرقرتها أقلق الجيران. أعدت عيني إلى حيث يوجد الطبق بعد أن تأكدت أن جدي لن ينجدني أبدا إذ سحب الجريدة و شرع يقلبها باستمتاع متجاهلا ما يحدث متناسيا أنه عليه الذهاب الى السوق كما تشدق قبل قليل. صغرت عيني على الطبق احاول اقتناصه فيما تقول جدتي بأريحية:- لا يهمني يا صغيرة...للفطور وقت محدد و لا أحد يمكنه أن يخالفه، و أظن أنني أعدت هذا الحديث في كل مرة يفوتكِ الفطور، و سأعيده في المستقبل كلما لزم الأمر.
هتفت بوقاحة نتجت عن غضبي من تبريرها:- آه يا جدة!! لو فقط تتوقفين عن تكرار الأعذار الواهية و اعترفي لمرة واحدة أنك تقتصدين في الأكل حتى نكاد نفنى من الجوع بسبب عقدة مزمنة تكونت داخلك إثر عام المجاعة الذي أصابكم، و الذي بالمناسبة كان عام ألف و خشبة ..
“سليم"!!.
ماذا يا جد؟ أخبرها أن تعيد لي طبقي في الحال و إلا سأتمرد و ترون وجهي الثاني.
نطقت هذه الكلمات و عيني تكاد تطفر بالدموع من الجوع ليرد بصراخ ضاربا المائدة بيده حتى كادت سلة الخبز تقع من فوقها و كاد قلبي يقع في رجلي:- لا تهدد يا أحمق و انت يا عجوز ضعي الطبق و اذهبي لقد ضاع ماء السقي هباء و هو لا يزال يجلس منتظرا أن يتسمم.
نظرت إلى جدتي مبتسمة بانتصار فوضعت الطبق بقوة على المائدة ثم انصرفت تبرطم بحديث لم نسمعه و على الأغلب كان سباب لكلينا.
.
.
بعد مدة كنت قد ارتديت ملابسي و التي كانت عبارة عن سترة رياضية كبيرة تكاد تبتلعنِ تصل لتحت الفخذ بقليل و سروال رياضي مزموم عند الساق...سرحت شعري المقصوص جله، ليس لأنها صيحة من صيحات المراهقين التافهين بل قصصته فقط لأن ليس عندي الوقت لتسريحه و الاعتناء به دائما؛ هناك امور أهم اقوم بها غير ذلك. ارتديت قبعة البيسبول خاصتي و التي لا أستطيع نزعها لأنها تخفي ملامحي، ليس لأنني قبيحة لا سمح الله، لكن لأن لون عيني غريب قليلا. عين بلون بني عادي تابعة لمورثات أمي و جدي و عين مختلطة بلونين البني الفاتح و الأزرق، و هنا بالذات كانت مورثات أبي قد تشاجرت مع مورثات أمي احتجاجا على استلائها عينيّ، فكانت النتيجة غريبة تثير فضول الكثير من الناس و تنمر الأكثر و هذا ما سئمت منه و الظاهر أنه قد شكل لدي عقدة. "أجل كل العائلة معقدة فلما لا اكون". 
سرت خارجة من المزرعة و حقيبتي على ظهري بينما عقلي يسبح بعيدا في ذكريات مبهمة و كوابيس لا تنفك تتركني و أحاول فك شيفرتها لكن لم استطع. انتبهت على صوت نباح قريب فالتفت كي أرى صديقي "روكسي" قادما من بعيد، انحنيت جالسة على ركبة واحدة كي استقبله، تعلق بعنقي كطفل صغير و عواؤه أثار شفقتي كأنه يعاتبني. حبيبي لقد نسيت أن أمرّ عليه اليوم فافتقدني و الأكيد أن جدتي قد اطلقت سراحه كي يلحقني. هذا الكلب البالغ عمره ستة أشهر كنت قد وجدته صغيرا عند مجرى للمياه قريب في يوم عاصف فاعتنيت به و عطفت عليه و ها هو يعتبرني شيئا غاليا و شعوري له بالمثل. تركته ثم وقفت قبل أن أحثه على العودة فلبى و ما إن ابتعد حتى اطلقت صفيرا عاليا اعاده علي بعواء أعلى كتحية متداولة بيننا ثم اختفي داخل المزرعة. عدت أمشي قاصدة محطة الحافلات الكائنة على بعد مزرعتين من بيتنا. مشيت الهوينى شاردة حتى لاح لي الموقف فطفقت اهرول كي أجد مكانا على كراسي الانتظار لكن فجأة انتفضت امسك قلبي عندما طرق سمعي صوت كلب مزرعة السيد "مُبارك". التفت بسرعة كي أتأكد أنه لا يتبعني ثم زفرت نفسا مرتاحا عندما لم أجد شيئا، الظاهر أنه قد اشتم رائحتي فنبح معبرا عن احساسه بالغيض مني. ذلك الكلب المسكين لم اعتقه منذ تلك المرة التي قدمت فيها إلى مزرعتهم ثم ارعبني عندما هجم علي يريد عضي و لحسن حظي أنني جريت منه في الوقت المناسب، فدأبت بعدها على رد الكيل في كل مرة أمر من هنا. اطلقت نظري عند الموقف مرة أخرى فظهر لي أن الحافلة لم تصل بعد لذا قطبت حاجبي و رسمت ابتسامتي الشريرة ثم اسرعت إلى المزرعة و تحديدا عند الباب الصدئ. تقدمت بحذر لألمحه مربوطا إلى شجرة، اتسعت ابتسامتي و أنا أحمل حجرا ثم ارميه عليه بكل قوتي ليصيب رجله فيعوي بألم، منظره أثار ضحكي الذي انطلق عاليا دون قيود. حملت حجرا آخر و ما إن هممت بأن أرميه مجددا حتى خرج السيد "مُبارك" السمين الأصلع و الذي لا يمت بصلة أبدا للرئيس المصري. اللهم فقط تشابه في الأسماء. المهم... عندما رآني اسرع بكرشه كي يمسكني لكن شغلت السرعة القصوة ولم أترك سوى الغبار ورائي. 
يا "******"....يا ابنت"******" سأخبر جدك و إن لم يربيك سأفعل أنا يا "******"
ربما لم يستطع الإمساك بي لكن لسانه جلدني جلدا، العجوز الخرف. لمحت الحافلة في الموقف تقلع فأرسلت صفيرا عاليا يتبعه صراخ و جري صاروخي حتى اقتربت منتصرة و قلبي يكاد يخرج من فمي لكثرة دقاته. بهتّ عندما اكتشفت أنه يسير ببطء و الواضح أنه كان ينتظرني اصلا. صعدت بعدها مسرعة و حييت بحرج السائق الذي تذمر من تأخري ثم قصدت مكاني المعتاد، الكرسي قبل الأخير بجانب النافذة. جلست انهت بتعب عقب السباق "الماراثوني" الذي أجريته قبل قليل ثم استرخيت في مقعدي و فتحت النافذة كما عدلت قبعتي بحيث اظهر عينيْ. سهمت في المناظر التي تمر أمامي كأنها حركة سحرية تأذن لي بترتيب أفكاري المختلطة. و بدأت العملية بسلاسة تامة فيما يدي تعبثان بحقيبتي في حضني و تلك الصور الخلابة للطبيعة تمر بي الواحدة تلو الأخرى كما تترتب أفكاري الواحدة تلو الأخرى لأقرر في الأخير قرارا واحدا انتظرت تنفيذه منذ زمن بعيد. همست بإصرار و أنا أعتدل في جلستي بعد دخولنا للمدينة.
آن الأوان أخيرا...ما هذا ال"*****"تبا...
انقطع اندماجي اثر حركة النافذة التي أُقفلت فاستدرت اشتم من أقفلها لأجد فتاة تبدو غاضبة بينما تعدل ذلك المنديل الذي تضعه فوق رأسها. تكلمت بهمس حاد و بنبرة تهديد واضحة استدعت توسع عينيها:
أن لمست النافذة مرة أخرى سأجعلك تندمين على نهوضك اليوم من فراشك.
امعنت النظر فيها بشر ثم استدرت بعد أن أطلقت سبة شهقت تضع يدها على فمها على اثرها.
اعدت فتح النافذة ليصفعني الهواء البارد... الله... ثم عدت لهدفي الذي قررت اليوم بشكل مفاجئ أن اخطو نحوه، هو في الحقيقة ليس مفاجئا أبدا بل كان نتيجة حتمية لعدة عوامل و أسباب، هدف كان و لازال اساس حياتي و لن استطيع استكمالها بدون أن يتحقق، و قد آن أوان البدء فيه. انتبهت ثانية على وقوف الحافلة عند الموقف فانتظرت حتى نزل الجميع لأقف ثم اتقدم بتأني حتى وصلت عند الباب. نقدت السائق ثم التفت احسب المسافة بين الباب و الرصيف كي اقفز، حركة غبية لكن تثير استمتاعي و هي تحدي أن لا ألمس الاسفلت أثناء نزولي. عزمت الأمر و قفزت بخفة  لأحط مباشرة على حافة الرصيف حتى كدت أقع. وازنت نفسي بصعوبة ثم رفعت رأسي أعدل القبعة فوجدتني أقف تماما أمام "حائط بشري"، هذا التعبير يستفزني و يذكرني بعقدتي الثانية "قصري". أجل فطولي لا يتجاوز المئة و خمسين مترا و لا أسامح والديّ على هذا. انتبهت على شفتيه تتحركان و لم التقط غير كلمة "زمرة"
قطبت حاجبيّ مستغربة حديث هذا اللزج و انتبهت أنه ينظر إلى عيني مباشرة بنظرة حمقاء لم أعرف تفسيرها ثم قال بابتسامة اثارت اشمئزازي و ضربت قلبي بصفعة نفضته نفضا:
صباح الخير يا زمردة!! أتسمعينني الآن؟
زادت حدة تقطيبي و فكرت جديا في ركله في مكان يجعله يعتزل التملق دوليا لكن خفت، كان يبدو أضخم جثة من المعتاد لي رؤيته، و أنا لا استطيع تجاوز حدود قدراتي القتالية بالطبع، لذا استعضت بلساني اللاذع كي يلسعه بقولي:
يا حقير...يا"****" لا ادري متى تتوقفون عن هذا التملّق و تصنّع اللطف و تشمم أي فرصة للالتصاق بأي تاء مربوطة  كال"******".
انهيت كلماتي المنمقة ثم اختفيت من أمامه في وهلة معطية ساقيّ للريح و لم اسمع سوى صراخه المنادي علي في الخلف فاختلطت بالناس كي اتوهه.
 في هذه المدينة، الكل يسعى لشؤونه في هذه الساعة المبكرة، كبارا صغارا شيوخا و شبابا نساء و رجالا. الكل هنا يهتم لشأنه ولا أحد يتدخل في شؤون الآخر حتى لو شهدوا جريمة أمام اعينهم "تعبير مبالغ فيه ، فالناس هم الناس و صفة الفضول تبقى اقوى صفات الانسانية". اسرعت في مشيتي و أنا اتلفت خلفي عللي المحه لكن لا يوجد، لقد أضعته حتما. تنفست الصعداء ثم سحبت هاتفي كي ارى الساعة. شهقت مرتعبة عندما وجدت أن وقت الدخول قد قارب على الانتهاء، شغلت المحرك "التربوني" للمرة العاشرة اليوم كي اصل بسرعة. واستكمالا لهذا اليوم المتعب وجدت الباب مغلق، هناك ايام تمر بي كهذا اليوم؛ متعبة من الدقيقة الأولى لاستيقاظي حتى الدقيقة الأخيرة. و هناك أيام... الله... يمشي كل شيء بسلاسة تثير الاستغراب لكن أنا لا اشتكي على أي حال. تقدمت لأنظر من ثقب الباب فلمحت الحارس جالسا على الكرسي و رأسه معقوص كما صوت شخيره يطرب الآذان. 
يا حبيبي... الرجل جاء يكمل احلامه الناقصة هنا.
انزويت جانبا بعد أن ردّدت حانقة أنتظر أن يخرج احد ما كي استطيع الدخول، لأنني لا استطيع بالطبع أن أطرق الباب و اتسبب في إيقاظه فهو يتحول إلى وحش حرفيا و ليس بعيدا أن يعلقني من رقبتي عقابا لفعلتي. سمعت الباب يفتح ليخرج شخص ما فأسرعت امسكه قبل أن يغلق من جديد عندما ذهب ثم سحبته بتأني لأدخل خلسة و امر من جانب الحارس النائم بسرعة و ما لبثت حتى عدت إليه و النظرة الشريرة تحضر مجددا. وقفت أمامه ارمقه لمدة اخمن التصرف الذي سأقوم به قبل أن تلمع الفكرة في رأسي، نظرت يمينا فيسارا أتأكد من عدم وجود أحد ثم تقدمت بخفة دون أن أصدر صوت، و في خلال ثانية ضربت رجل الكرسي البلاستيكي بقدمي بقوة لتطير مبتعدة و يسقط الرجل منقلبا على رأسه. اتسعت عيناي مما حدث لكن لم املك رفاهية الدهشة لأنني اسرعت هاربة قبل أن يراني و تكون نهايتي. دخلت مبنى الفصول و أنا انهت من التعب. انحنيت أضع يدي على ركبتي و لهاثي يخرج عاليا قبل أن انفجر في الضحك و صورة الحارس الذي تكوم على الأرض تتراقص في خيالي.
 بعد مدة، كنت أمام فصلي و يدي تكتم ضحكتي بالقوة، تنحنحت للمرة الألف ثم طرقت الباب لأسمع صوت يأذن لي بالدخول.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"