شبح المؤامرات | الفصل الأول
جاري التحميل...
الفصل الأول
أمسك المخلوق بالكتاب الأسود المحترق بيده اليمنى، ومدّ يده اليسرى المرعبة نحو الغطاء.
في غرفةٍ غارقةٍ في العتمة، لا يُبصر فيها شيء، سوى خيطٍ ضعيف من ضوء القمر يتسلّل على استحياء عبر نافذة الغرفة، كأنّه آخر مقاومةٍ يائسة في حربٍ خاسرة ضد الظلام. في إحدى الزوايا التي بلغها ذلك البصيص الشاحب، جلس فتىً على كرسيٍّ خشبيٍّ مهترئ، يحتضنه الصمت، بينما يرسم ضوء القمر حدود وجوده بخفوت. كان ساكنًا تمامًا، يحدّق في مرآةٍ موضوعة أمامه، تعكس هيئة شابٍّ شاحب، أبيض البشرة على نحوٍ غير طبيعي، نحيل الجسد، يبدو كأنّ الحياة قد سُحبت منه قطرةً قطرة. شَعره مموج، لا طويل ولا قصير، أسود قاتم إلى حدٍّ يوحي بأنّه يمتص الضوء المحيط به، كسواد ثقبٍ كونيٍّ لا يُفلت شيئًا من جاذبيته. غير أنّ ما يبعث القلق الحقيقي في تلك الصورة... كانت عيناه. عينان قرمزيتان، حمراوان على نحوٍ غير مألوف، تشبهان نجمين محتضرين، ينبعث منهما وهجٌ خافت، لكنه ثقيل، خانق. انتبه الفتى فجأة من شروده. ثم رفع يده اليسرى ببطء، وقلبها أمام عينيه متأملا إياها . كانت كفّه خالية تمامًا... لا خطوط، لا تعرّجات، لا أثر لتلك العلامات التي تميّز أيدي البشر. فارغة، ملساء، باستثناء خطٍّ واحدٍ فقط. خطٍّ غريب، منفرد، يقع أسفل الخنصر بنحو سنتيمترين، وينطلق مستقيمًا كحدّ السهم، يعبر راحة الكفّ مارًّا أسفل السبابة، كأنّه يشقّ اللحم شقًّا متعمّدًا، محاولًا الالتفاف نحو ظهر اليد... لكنه يتوقّف عند الحافة، كأنّ قوةً خفيّة منعته من الاكتمال. غارقًا في تأمله، بدأت يده ترتجف بلا إرادة. ضيق الفتى عينيه باستغراب، يحاول فهم ما يحدث. وفجأة- قبل ان يستوعب مايحدث . اشتعل الخط . نارٌ سوداء، بلا دخان، بلا لهبٍ مألوف، كأنّ الظلام نفسه قد احترق. اتّسعت عينا الفتى رعبًا، وقفز واقفًا، وصرخ بجنون: «جدي!... جدي!» اندفع نحو باب الغرفة، لكن قبل أن تصل يده إلى المقبض، دار المقبض وحده. بدأ الباب ينفتح ببطءٍ مقيت، مصدِرًا صريرًا حادًّا يخترق السكون. «جدي-» قالها بفرحٍ مرتجف. لكن حين انفتح الباب على مصراعيه... لم يكن هناك أحد. لم يكن سوى ظلامٍ أعمق، أكثف، كأنّه كيانٌ حيّ. تسارعت أنفاسه، وقبل أن يستوعب ما يحدث، امتدّت من العتمة يدٌ سوداء كالفحم، ذات أظافر طويلة حادّة، تمسك كتابًا أسود يشتعل بنارٍ سوداء، مطابقة لتلك المشتعلة في كفّه. «م... ما هذا؟» تراجع مذعورًا، تعثّر بالسرير وسقط فوقه، وسحب الغطاء محاولًا الاحتماء. ثم سمع خطواتٍ ثقيلة... غير بشرية. انكمش تحت اللحاف، يرتجف، وقلبه يكاد ينفجر، وهو يصرخ: «جدييي!... جدييي!» مرّت ثواني و لحظاتٌ بذت كأنها ابدية . ولكن لم يكن هنالك صوت . لا شيء. بعد بعض التردد حاول الفتى مرتجفا اختلاس نظرة من تحت الغطاء. فبدأت نظراته الخائفة تجتاح الغرفة شبرا شبرا . ثم توقّف بصره عند بقعة تسلل لها ضوء القمر. ومنها... تقدّم ذلك الشيء. كائن بحجم البشر، يرتدي عباءةً سوداء تخفي جسده بالكامل من فوق لأسفل باستثناء يديه وقدميه... لكن قدميه لم تكونا بشريتين. بل كانتا حوافر . شهق الفتى من الرعب ، وأغلق عينيه بقوّة، وانكمش تحت الغطاء، يلهث، يرتجف، يصرخ بانكسار: «جدي... جدي... جدي...» ثم اخترق صوت خطوات الحوافر السكون خطوة بخطوة حتى توقّفت عند حافة السرير. أمسك المخلوق بالكتاب الأسود المحترق بيده اليمنى، ومدّ يده اليسرى المرعبة نحو الغطاء. وحين قبض عليه- بدأ يتمتم بلغةٍ غريبة، ملتوية، كأنّها لا تنتمي لأيّ لسانٍ بشري. سدّ الفتى أذنيه بيديه، غير مكترث بالنار السوداء التي اشتعلت في كفّه، وقد بلغ الرعب ذروته. وفجأة... دوّى صوتٌ داخل رأسه. صوتٌ أجشّ، خشن، كأنّه زجاج يخدش بمشط معدني : «تـ... تـ... تيلاس...» «تـ... تـ... تيلاس...» وفي لحظة- سُحب الغطاء من فوق رأسه . فتح الفتى عينيه على اتساعهما بارتباك وهو يلهث ، وجبينه مبلّل بالعرق. وقال بصوتٍ مبحوح: «جدي؟» كان أمام خط بصره رجلٌ عجوز، شعره أبيض، بشرته شاحبة، حفرتها السنين بالتجاعيد، ينظر إليه بقلقٍ واضح ويقول: «تيلاس، ما بك؟ لقد كنتَ تناديني وأنت نائم ، هل كان كابوس ؟ » تنفّس تيلاس بعمق، ثم رد بخوف متمتما : «نعم... إنه كابوس. الكابوس نفسه الذي يراودني دائمًا.» رفع يده اليسرى بقلق، وتأمّل كفّه. لم تكن كما في الحلم. كانت مليئة بالجروح القديمة والخدوش الباهتة. وحين تأكّد من وجودها، تنفّس الصعداء. كان جدّه يحدّق فيه بقلقٍ واضح، ثم قال: «هل تؤلمك كفّك يا تيلاس؟» تردّد تيلاس قليلًا، ثم أجاب: «لا... لكنّي أحيانًا أشعر وكأنّها تحترق.» انقبض قلب العجوز، وقال بحزن: «أنا آسف يا تيلاس... إنه خطئي، لو لم-» قاطعه تيلاس بغضبٍ صادق: «جدي! لا تقل هذا. أعرف أنك فعلت ذلك لمصلحتي... لأنك كنت خائفًا عليّ.» ساد صمتٌ قصير، ثم ابتسم العجوز وقد اغرورقت عيناه: «شكرًا لك يا تيلاس.» ابتسم تيلاس بحبّ: «بل أنا من يجب أن يشكرك، يا جدي.» ربّت العجوز على رأسه ضاحكًا: «لقد أخفتني بصراخك أيها الصغير ! هيا، الفطور جاهز.» ابتسم تيلاس وقال بسعادة: «حسنًااا!» ( السلام عليكم أنا Boumargood، ويسعدني أن أقدّم لكم رواية فانتازيا مظلمة، غارقة في جو شمال افريقيا ، مليئة بالأساطير العربية، المؤامرات المعقدة، والقوى الخارقة. قد تبدو البداية بطيئة قليلًا، ذلك لأنني أحرص على بناء عالم غني ومتماسك، وأطلب منكم منحها بعض الوقت لتكتشفوا أعماقها، خصوصًا أنها ستُقسم إلى عدة مجلدات. وأود التأكيد أن هذا العمل هو مجرد خيال، ولا يقصد به تشويشكم عن عبادتكم أو حياتكم اليومية، وأنا برئ من أي تأثير سلبي قد يترتب عليه. أتمنى أن تنال الفانتازيا إعجابكم وتستمتعوا برحلتها الغامضة.)