ملوك الظلال - الفصل الأول
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

ملوك الظلال - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الأول

كانت لينا في تلك اللحظة تعيش صراعا داخليا، ففكرة مواجهة كائنات غير مرئية في عقر دارها- إن كانت القصة حقيقة - تثير الرعب في نفسها، وقالت في ذهنها إن هذا الكلام يبدو مستحيلا ولا يمكن لعقل أن يصدقه.

تحميل الفصول...
المؤلف

امتلأت السماء بسحب رمادية كثيفة ثقيلة، حجبت ضوء الشمس تماما ومنعته من المرور إلى الأرض، فصار الجو كئيبا وجامدا، ولا يبشر بخير أبدا.
كانت تهب رياح باردة قوية تضرب أغصان الأشجار الجافة، وتجعلها تتمايل بعنف يمينا وشمالا، وكان الجو في مجمله ينذر بهطول مطر غزير لا يتوقف، لذلك آثرت لينا البقاء في غرفتها اليوم، وقررت ألا تذهب للجامعة.

استلقت لينا على فراشها تراقب النافذة في صمت، بينما كانت تغرق في تفكير عميق بشان الأحداث الأخيرة التي قلبت موازين حياتها رأسا على عقب، وكان أول ما تناهى إلى مسامعها هو صوت زخات المطر وهي تتساقط برتابة وتصطدم بزجاج النافذة، مما أعاد إلى مخيلتها صورة ذلك الصديق الغريب الذي ظهر في حياتها خلال الآونة الأخيرة.
لقد كان طبعه يثير في نفسها حيرة لا تنتهي، ففي بعض الأحيان كان يجلس بجانبها على مقاعد القاعة الجامعية، ويبدأ في شرح أفكار فلسفية غامضة ومعقدة لا تبدو لها أي صلة بالعالم الواقعي الذي تعيشه، وفي لحظات أخرى كان يغير نبرته تماما ويطلب منها بصدق وتواضع أن تعلمه المزيد عن طباع البشر وكيفية تفاعل أحاسيسهم، وكأنه يكتشف هذا العالم لأول مرة.
ورغم تلك الغرابة الشديدة التي كانت تشعر بها في حضرته، إلا أنه كان دائما صريحا في حديثه، محبا في تعامله ومساعدا لها في أدق تفاصيل حياتها، بل كان الشخص الوحيد الذي استطاع بكلماته الساحرة أن ينتشلها من همومها وينسيها أحزانها، لكن هذا الصديق انقطع عنها فجأة وغاب لسنة كاملة دون سابق إنذار، قبل أن يظهر من جديد بشكل مفاجئ منذ أيام قليلة.

غير أن الظروف لم تسمح لها باللحاق به أو سؤاله عن حاله وسبب غيابه الطويل، فقد توارى عن الأنظار بسرعة بين الأزقة الضيقة، واختفى تماما وكأنه تبخر في الهواء.

كانت لينا تتقلب في فراشها والقلق ينهش روحها، وضربات قلبها تتسارع كلما فكرت في كيفية مواجهة شيماء وشرح الحقيقة المرة لها، فقد كانت تقسم في سرها أنها لم تكن تملك أدنى فكرة عن هوية الخاطب، ولم تتخيل يوما أن الصدفة ستقود الرجل الذي سكن قلب صديقتها سرا ليكون هو نفسه الشخص الذي فرضته عليها إرادة والدها القاسية، وكانت تتساءل بمرارة عن سبب صد شيماء لها، ورفضها الاستماع لأي تبرير، وكيف استطاعت سنوات الصداقة الطويلة أن تنهار في لحظة ظن وتخوين، وشعرت بدموعها الساخنة تحرق وجنتيها وهي تنحدر بغزارة، فمسحتها بكف مرتعشة وحاولت الغوص تحت غطائها هربا من واقعها الذي بات يضيق عليها.

وفي هذه اللحظة، رن هاتفها فجأة ليقطع سكون الليل وحبل أفكارها المشتتة.

ولما أبصرت اسم شيماء يضيء شاشة هاتفها، قفز قلبها بين ضلوعها فرحا، وظنت أن ساعة الصلح قد حانت أخيرا، فتحت الخط بلهفة وسرعة، وقالت بصوت يرتجف بالأمل:

- شيماء، عزيزتي هل أنت بخير؟

ساد صمت ثقيل للحظة على الطرف الآخر، لم تسمع فيه لينا سوى أنفاس مضطربة، ثم جاءها صوت الخالة سوزان متهدجا ومخنوقا بالبكاء، ليقطع خيط الفرح الذي نسجته في خيالها، فاستغربت لينا وتغيرت ملامح وجهها، وهي تسأل بنبرة يملؤها الارتياب والقلق:

- خالتي سوزان، كيف حالك؟ هل شيماء بخير؟ ما الذي حدث؟ أرجوك أخبرني، ما بك؟

أجابت سوزان بكلمات متقطعة وهي تطلب منها الحضور فورا، لأنهم يحتاجون إليها بشدة من أجل شيماء، فارتبكت لينا وشحب وجهها تماما، وتلعثمت الكلمات في حلقها وهي تحاول الاستفسار عما أصاب صديقتها، لكن سوزان لم تزد على أن طلبت منها المجيء لترى بعينها وتكتشف الأمر بنفسها.

لم تحتمل لينا الانتظار، فقفزت من فراشها وارتدت ثيابها بعجالة شديدة، واستأذنت والديها بكلمات سريعة، وخرجت تركض في الشوارع التي لفها البرد والسكون، وكان وقع أقدامها على الأرض المبللة هو الصوت الوحيد الذي يكسر صمت الليل وهي متوجهة نحو بيت صديقتها.
عند وصولها، استقبلتها الخالة سوزان بوجوم واضح، وأخذتها مباشرة إلى غرفة شيماء، لكنها استوقفتها عند العتبة فجأة، ووضعت يدها على كتف لينا وطلبت منها بهدوء مريب أن تستعد نفسيا، وألا تسمح للخوف بأن يتملكها مهما رأت بالداخل، وهذا التحذير جعل الرعب يتغلغل في أوصال لينا أكثر، غير أن شعورها بالذنب وحبها الكبير لشيماء دفعاها لفتح الباب،  
وببطء شديد، تقدمت نحو سرير صديقتها التي كانت تبدو  مستسلمة لنوم عميق، فبلعت ريقها بصعوبة وسألت بصوت واهن وخافت:
- شيماء، هل أنت بخير؟

وفي تلك اللحظة، انتفض جسد شيماء بعنف وراح يتخبط فوق السرير بقوة غير معهودة، وفتحت عينيها بنظرة غريبة وجامدة، ثم نطقت بصوت خشن وغليظ لا يشبه نبرتها الرقيقة أبدا قائلة:
- ابتعدي من هنا أيتها الحمقاء.

سرت قشعريرة باردة في جسد لينا شلت حركتها ولسانها، وارتعشت أطرافها وهي تتراجع للخلف بذعر، قبل أن تفر خارج الغرفة وهي تحاول بصعوبة بالغة أن تلتقط أنفاسها التي ضاقت في صدرها.

سحبت الخالة سوزان لينا إلى غرفة مجاورة وهي تحاول تهدئة روعها، وقدمت لها كوبا من الماء كانت يداها ترتجفان وهي تمسكه، فتناولته لينا وشربته دفعة واحدة وكأنها تطفئ نارا في جوفها، ثم رفعت عينيها التي امتلأت بالدموع ونظرت إلى سوزان متسائلة عن سر الحالة التي وصلت إليها شيماء. 

أطرقت سوزان برأسها نحو الأرض وراحت تبكي بحرقة غطت على ملامح وجهها، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة متهدجة يملؤها الانكسار إن ابنتها وقعت ضحية لجني عنيد استغل لحظة غضبها الشديد عند عودتها من الجامعة قبل يومين، وتلبس بها بعد أن داست عليه دون قصد، وأوضحت أن الشيخ أكد لهم استحالة خروجه إلا بشرط واحد وقفوا أمامه عاجزين.

حينها ضيقت لينا عينيها باستغراب شديد وسألت بصوت منخفض:
- شرط! ما هذا الشرط الذي يتحدث عنه الشيخ؟

ترقرقت الدموع في عيني سوزان من جديد، وتقدمت نحو لينا لتضع يديها المرتعشتين فوق يدي لينا الدافئتين، وحدقت في عينيها بنظرة توسل عميقة وقالت:
- يطلب الشيخ أن يدخل شخص منا إلى مكانه ليرجوه أن يترك ابنتي، وهذا الأمر يتطلب شخصا خفيف الحركة وصغير السن لتنجح عملية النقل التي سيقوم بها، وأنت تعلمين يا عزيزتي أنني وزوجي المقعد لا نملك القوة، وابني غائب في سفره، ولم يعد لنا أحد نثق به غيرك.

سحبت لينا يديها ببطء وهدوء، وشعرت بذهول يتملك كيانها وهي تتساءل في سرها عن منطقية هذا الكلام، وكيف يمكن لبشر أن يطأ عالما لا يراه، ثم سألت بصوت مسموع وهي تحاول استيعاب الموقف:
- هل يعقل أن يكون لهم عالم منفصل تماما عن عالمنا؟

أومأت سوزان برأسها مؤكدة، وأوضحت أن لهم بعدا خاصا بهم يمكن من خلاله رؤيتهم بوضوح والشعور بوجودهم، ثم عادت لتطلب منها بلهفة أن تتطوع لهذه المهمة من أجل إنقاذ حياة شيماء. 
كانت لينا في تلك اللحظة تعيش صراعا داخليا، ففكرة مواجهة كائنات غير مرئية في عقر دارها- إن كانت القصة حقيقة - تثير الرعب في نفسها، وقالت في ذهنها إن هذا الكلام يبدو مستحيلا ولا يمكن لعقل أن يصدقه.

لكن سوزان لم تترك لها مساحة للانسحاب، بل طلبت منها البقاء بضع دقائق ريثما يحضر الشيخ ليشرح لها التفاصيل، وبالفعل لم تمر دقائق حتى وصل رجل يرتدي ثيابا قديمة وبالية، وكان منظره مريبا لا يبعث الطمأنينة في القلوب، لكنه شرع في الحديث فور جلوسه، وبدأ يفسر الموقف بنبرة هادئة وجادة قائلا:

- إن الجني يرفض ترك الفريسة لأنه تعرض للأذى حين داست عليه وهي غاضبة، ولا بد من تقديم اعتذار مباشر له في عالمه ليقبل الرحيل.

نظرت إليه لينا باستغراب وعقدت حاجبيها وسألت:

- ولماذا لا نقدم له هذا الاعتذار هنا في عالمنا وبيننا الآن؟

حرك الشيخ رأسه ببطء، ونظر إليها بنظرة غامضة من تحت حاجبيه الكثيفين وقال بصوت عميق:
- لأن القائد الذي يملك قرار الخروج ليس موجودا هنا في غرفتها، بل يرسل أتباعه فقط لينفذوا أوامره، والاعتذار لا بد أن يصل لصاحب الشأن في مكانه الأصيل حتى يقبل الصفح.

ثم أكد للينا بيقين تام أنها لن تجد ما يرعبها في ذلك البعد الآخر إذا ما قررت الذهاب، مفسرا ذلك بأن أتباعه وأصدقائه الذين  وصفهم بالطيبين والمحبين للبشر سيكونون في انتظارها، حيث سيظهرون لها بهيئة بشرية مألوفة ليقوموا بحمايتها وإرشادها بسرعة نحو القائد لتقديم الاعتذار المطلوب.
رغم أن القصة بدت في أذني لينا كخرافة بعيدة عن المنطق، إلا أن الحيرة دفعتها لسؤال الشيخ وهي تعقد حاجبيها:

-لماذا لا تجلبون شخصا آخر للقيام بهذه المهمة؟ شخصا قويا يمتلك رباطة جأش، ولا يعرف الخوف أو التوتر، أليس ذلك أضمن لنجاح المهمة وعودة شيماء لسابق عهدها؟

في تلك اللحظة ساد ارتباك مفاجئ، فتلعثمت سوزان وحركت يديها بتوتر، بينما انشغل الشيخ بتعديل عمامته بضع مرات وهو يتبادل نظرات سريعة مع الأم، ثم قالا في صوت واحد:

- نحن نحتاج لشخص مخلص، شخص تربطه بالفتاة علاقة روحية وقرب شديد، ويجب أن يكون طيب القلب ونقيا، وهذه الصفات لا نجدها مجتمعة إلا فيك أنت.

وتابع الشيخ وهو يميل بجسده نحوها، وقد اكتست نبرة صوته بحدة التحذير:

- لا وقت لدينا للبحث عن بديل، فالحالة تزداد سوءا مع مرور الدقائق، وشيماء قد تفارق الحياة الليلة إذا لم يتم الاعتذار قبل الفجر.

هنا رق قلب لينا، واختلطت في صدرها مشاعر الأسى على صديقتها الملقاة في الغرفة المجاورة مع مشاعر القلق من هذا الغموض، وبينما كان عقلها يتأرجح بين تصديق هذه القصة الغريبة وبين الشك في صدقها، وقفت لينا وسحبت نفسها ببطء، ثم نظرت إلى سوزان والشيخ بعينين يملؤهما التعب والقرار الصعب، ولم تزد على كلمتين فقط نطقت بهما قبل أن تغادر الباب:
- سأعود الليلة.

لم تكن لينا قد حسمت أمرها بكلمات صريحة أمامهم، لكن عواصف التردد كانت تضرب أعماقها بعنف وهي تغادر المنزل، فمن جهة كان تأنيب الضمير ينهش قلبها ويصور لها أن هذه المخاطرة هي فرصتها الوحيدة لتكفير ذنبها تجاه شيماء ومحو أثر قصة الخطبة التي فرقت بينهما، وقررت في سرها أنها مستعدة لمد يد العون لصديقتها حتى لو كلفها الأمر حياتها لو ضاعت في دهاليز ذلك العالم الغريب، ومن جهة أخرى كان يساورها شك عميق يهمس في أذنها بأن القصة قد تكون ملفقة بالكامل، وأن كل هذا العرض المسرحي ربما ليس إلا فخا لسحرها وجعلها تنسى خطيبها أو تتركه رغماً عنها، ومع ذلك لم تشعر بالخوف من هذا الاحتمال، بل قالت في نفسها بمرارة إن كان الغرض هو سحري لأنساه أو أتركه فليكن لهم ذلك، فأنا في كل الأحوال لا أريد هذا الزواج ولا أريد ذلك الرجل الذي فرق بيني وبين أعز صديقاتي.

عادت لينا إلى بيتها والوجوم يكسو وجهها، وتوقفت عند عتبة باب غرفتها،  وأصابعها كانت ترتجف بوضوح وهي تضغط على مقبض الباب لتغلقه وراءها.

كان السكون يلف المكان إلا من صوت دقات قلبها التي بدت مرتفعة في أذنيها، فجلست على السرير، وسألت نفسها بهمس إن كانت لا تزال تحتفظ بعقلها، فكل ما سمعته الليلة كان يتجاوز حدود المنطق؛ جني عنيد، وعالم آخر، وعملية نقل بين الأبعاد. 

بدت لها هذه الكلمات كأنها محض سخافة لا يقبلها الوعي، فلو كان الأمر حقيقيا ومتاحا بهذا الشكل، لامتلأت الدنيا بأخبار تلك العوالم، ولو كان ممكنا، لما احتاجوا فتاة خائفة مثلها للقيام بهذه المهمة.

أغمضت عينيها بقوة محاولة ترتيب شتات أفكارها، وبدأ حوار داخلي مرير يعتصر ذهنها:

- ربما هو مجرد تمثيل مدبر، مسرحية أعدوها بدقة، لجعلي أنسى أو  أعترض على الخطبة.

ولكن، أيهما سيكون أسوأ علي؟ أن أتعرض للخداع في هذه الليلة الغريبة؟ أم أن أقضي عمرا كاملا مع رجل لا أريده ولا أشعر تجاهه بشيء؟

فتحت عينا لينا ببطء، ولكن الشك لم يغادرها تماما، فثمة صوت آخر في أعماقها كان يهمس باحتمالات أكثر رعبا:
- ماذا لو لم يكن الأمر خداعا؟ ماذا لو كانت شيماء تحتضر فعلا تحت وطأة ذلك المس المجهول؟ وماذا لو كانت هذه هي فرصتي الأخيرة والوحيدة لأثبت لها ولنفسي أنني لم أخنها يوما؟

شعرت بوخزة حادة في صدرها كأنها نصل بارد، وتخيلت للحظة نهايتها في ذلك الطريق المجهول، فسألت نفسها بمرارة:
-إن حدث مكروه هناك، هل سأندم لأنني وافقت على الذهاب؟ أم سأندم طوال  حياتي، لأنني  بقيت مكاني، ولم أحاول إنقاد صديقتي؟

رفعت رأسها نحو السقف، واستنشقت الهواء البارد بعمق لتستمد بعض القوة، ثم حسمت أمرها وقالت بكلمة واحدة خرجت ثابتة رغم كل شيء:
- سأذهب.

لم يكن قرارها نابعا من شجاعة خالصة أو إيمان مطلق بما قاله الشيخ، بل كان مزيجا معقدا من شعور ثقيل بالذنب، ورغبة عارمة في التمرد على واقعها، وهربا من حياة رسمت لها ولم تختر منها شيئا. 

بدأت تجمع أغراضها الضرورية في حقيبة صغيرة، ثم توجهت بعد أن انتهت نحو والديها لتودعهما، وأخبرتهما بصوت متحشرج أن شيماء مريضة جدا وتحتاج لوجودها بجانبها طوال الليل، فوافق والداها على ذهابها تقديرا لظرف صديقتها.

  ترقرقت الدموع في عيني لينا وهي تنظر إلى والديها نظرة وداع طويلة، فقد استبد بها شعور مفاجئ وقاسٍ بأنها قد لا تلتقي بهما مجددا، وأن هذه الخطوة التي ستقدم عليها قد تكون بلا عودة، وجعلتها فكرة العدول عن قرار الدخول إلى ذلك العالم المجهول تراودها مرارا وتكرارا وهي تقف على عتبة الدار، فكل غريزة بداخلها كانت تدفعها للتراجع والهرب، لكن صورة شيماء وهي تتخبط في غرفتها كانت أقوى من خوفها، فحملت حقيبتها ومضت بخطى ثقيلة نحو مصيرها المجهول الذي ينتظرها في بيت صديقتها.

عندما وصلت لينا، كانت الأجواء في المنزل قد ازدادت ثقلا وغموضا، وكان الصمت هو سيد الموقف إلا من همسات خافتة تصدر من غرفة المعيشة حيث يجلس الشيخ مع سوزان، ولم تكن الإضاءة في الرواق قوية كعادتها، بل بدت خافتة ومائلة للصفرة مما زاد من انقباض صدرها.

استقبلتها سوزان بنظرة تجمع بين الامتنان والقلق،
بينما الشيخ كان يجهز بعض المباخر والأوراق التي لم تفهم لينا محتواها، شعرت أن الهواء في المكان صار غليظا يصعب استنشاقه، لكنها لم تنطق بكلمة، بل اكتفت بهز رأسها إيذانا بالاستعداد، مدركة أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، وأن عليها الآن أن تعبر تلك الفجوة بين الواقع وما وراءه لتنقذ ما يمكن إنقاذه من شتات صداقتهما الضائعة.
بدأ الشيخ يتمتم بكلمات غير مفهومة وهو يحرك المبخرة في أرجاء الغرفة، فانتشر دخان كثيف ذو رائحة نفاذة غطى المكان، ثم طلب من لينا الجلوس على مقعد خشبي في المنتصف، ونظر إليها بعينين حادتين قائلا:

- يجب أن تغمضي عينيك الآن، ولا تفتحيهما مهما شعرت بحركة من حولك، الأتباع سيتولون نقلك، تذكري أنهم يشبهوننا تماما، وطيبين، فلا تذعري.

أغمضت لينا عينيها وهي تشعر ببرودة غريبة تسري في أطرافها وتتغلغل في جسدها، رغم حرارة الدخان المنبعث من مباخر الشيخ الذي كان يملأ الغرفة، وفجأة أحست بأن الأرض من تحتها تتلاشى وتنسحب، وصار جسدها خفيفا لدرجة أنها لم تعد تشعر بوزنها أو بملامستها للمقعد الخشبي، وفي تلك اللحظة التي اختلط فيها الواقع بالخيال، سمعت صوتا مألوفا جدا يهمس في أذنها بنبرة هادئة ودافئة بعثت في نفسها قشعريرة من نوع آخر وهو يقول:
- لا تخافي يا لينا، أنا هنا بجانبك، كما كنت دائما.

فتحت لينا عينيها رغما عنها من شدة الصدمة ومن وقع الصوت الذي تعرفه جيدا، لتجد نفسها قد غادرت غرفة شيماء تماما، واستيقظت في مكان يشبه زقاقا طويلا ضيقا لا نهاية له، كان الضوء فيه باهتا يميل للزرقة الباردة، وكأن المكان غارق تحت ماء عميق، وكان يقف أمامها تماما صديقها الغريب الذي اختفى منذ سنة كاملة، يرتدي ثيابه ذاتها التي اعتادها، ويواجهها بذات الابتسامة الغامضة الهادئة التي كانت تثير حيرتها في ردهات الجامعة.

لم تستطع لينا استيعاب وجوده في هذا المكان أو فهم كيف انتقلت إلى هنا، وشعرت برأسها يدور بقوة بينما تلاشت ملامح الصديق أمام عينيها تدريجيا، ولم تمر ثوان قليلة حتى خانتها قواها تماما، وارتخت أطرافها لتسقط في هوة عميقة من الظلام، وغابت عن الوعي قبل أن تنطق بكلمة واحدة.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"