عائلة مونتكلير - الفصل الأول {رواية الاختيار الاخير | the last choice}
عائلة مونتكلير
حين فتح الباب , ظهرت خلفه فيكتوريا التي كانت جميلة كاسمها : قصيرة القامة , شعرها بني يصل لمنتصف ظهرها , عيناها خضراوان فيهما لمعة غريبة , بشرتها بيضاء كالثلج و شامة تزين عنقها , تلبس فستانا أزرق بتصميم بسيط و أكمام تصل إلى منتصف مرفقيها تزينه شراشف بيضاء على حوافه . وقفت مبتسمة و شبكت يديها ثم قالت : " أهلا بك عمتي ... و بالضيف الذي جاء معك "
لم يكن اسم " مونتكلير" مجرد اسم عائلة ، بل كان جدارًا صامتًا يفصل بين من يملك السلطة ومن يطلبها. في هذه المدينة، لم يكن السؤال: من يحكم؟ ... بل: من يجرؤ على معارضة مونتكلير؟ على الورق، كانت العائلة مثالًا للنظام والنجاح: شركات مزدهرة، صفقات قانونية، حضور دائم في الأماكن الصحيحة و لمعان أمام الكاميرات , أما في الحقيقة، فقد بُني هذا المجد على قرارات لا يعلم عنها أحد، وعلى صمتٍ اشتُري بثمنٍ مناسب. لم تكن مشكلة عائلة مونتكلير في ما تملكه…بل في ما لا تستطيع التخلي عنه , لم تكن عائلة حاكمة بالمعنى الحقيقي لكن كلمتها كانت الأعلى و لها السيطرة على كل شيء . هذه السيطرة التي يسيرها الظلام الذي يتوارثه الأجيال جيلا بعد جيل ظنا منهم أنه قبضة الحكم لكنه أساس الطريق نحو الهلاك . و لطالما عدت عائلة " مونتكلير " نفسها بطلة الجميع : بدء من الناس الذين تزعم انقاذهم من الفقر بتشغيلهم في شركاتها و حتى قصرها الفاخر . أولئك الناس الذين يعرفون أساس هذه الثروة لكن الخوف من الفقر يبقى اليد التي تغلق أفواههم . مع هذا تبقى عائلة مونتكلير تخفي صراعها الأزلي الذي تعيشه منذ سنوات . قبل خمس و عشرين عاما , كانت العاصمة غارقة في هدوء غير طبيعي كأنه يخفي خلفه كارثة لن يحل بعدها صمت , كان والد ويليام يغادر الشركة بخطوات بطيئة محسوبة و عيناه تراقبان المحيط حوله كأنه يترقب شيئا ما يخشاه لأول مرة في حياته . كان يفكر في القرار الذي اتخذه مؤخرا و الذي كان يعلم أنه الأنسب له و لعائلته و لم يصارح به لأحد ¸ لم يرَ الضوء القادم ... ولا الصوت ... ولا اللحظة التي انطفأ فيها كل شيء. هنا انتهت حياة السيد ادوارد مونتكلير رابع أقوى وريث لهذه العائلة بعد حادث اصطدام سيارته بشاحنة كبيرة في الطريق الرئيسي و احتراقها و الذي نفذه ابن عائلة بلاك ويل المسمى كارل , سجل الحادث عند الشرطة التي كانت تعلم خلفياته على أنه حادث عرضي لكنها لم ترغب بالتدخل في الصراع الذي كان بين عائلتين قويتين مثل عائلة مونتكلير و عائلة بلاك ويل لكن هذا لم ينه عهد عائلة مونتكلير التي توعدت بانتقام كبير . بعد أجواء الحداد التي زادها الحقد اشتعالا جهزت عائلة مونتكلير ابنها الأصغر ويليام ليرث مقام والده رغم صغر سنه لأن شقيقه الأكبر رفض هذا , ويليام مونتكلير لم يرث فقط ذكاء والده بل ورث أيضا ملامحه الهادئة و رجاحة عقله إضافة إلى الحقد الذي زرعته فيه والدته السيدة "غابرييلا أندارا " على عائلة بلاك ويل . تسيطر عائلة مونتكلير على جزء كبير من العاصمة , تعيش في منزل أقل ما يقال عنه أنه فاخر : كان عبارة عن مبنى من ثلاث طوابق بواجهة بيضاء و بشرفات كبيرة لكل غرفة من غرف الطابقين الثاني و الثالث , الطابق الأرضي كان مدخل المنزل به غرفة استقبال كبيرة و مطبخ كبير فيم استقرت باقي الغرف في الطابقين الثاني و الثالث مع حمام و شرفة كبيرة لكل غرفة مطلة على الحديقة الكبيرة للمنزل كان المنزل مجهزا من كل شيء و يعج بالخدم الذين كانوا أناس بسطاء منهم من تقدم بحثا للعمل و منهم من أوته عائلة مونتكلير لتستغله تحت راية الحماية . كان الصباح مشرقا في سماء العاصمة التي لا تهدأ , منزل مونتكلير كعادته يستيقظ على ضجيج الخدم المنشغلين : منهم بالتنظيف و منهم بالطبخ و منهم بالعناية بحديقة المنزل و منهم من انشغل بتنظيف سياراتي أبناء مونتكلير . كانت السيدة غابرييلا تجلس مع ابنها الأكبر ديفيد و زوجته و ابنه الصغير على مائدة الفطور تنظر إلى زوايا المنزل ثم تتلفت إلى ابنها و تسأله : " هل رأيت ويليام ؟ " - " أعتقد انه شارد في غرفته كالعادة , لا أدري فيم يفكر مؤخرا " - " هل تعتقدين أن للأمر علاقة ب كارل ؟" - " لا أعتقد ذلك , فهو أيضا مات مع والدك في الحادث " - " هذا لا ينفي أنهم لن ينتقموا له , لا بد من أنهم وعدوه بهذا " - " أحتاج لأن ألهيه عن الامر , لا أعرف كيف لكنني لا أريده أن يخاطر " فكر ديفيد قليلا و هو ينظر إلى زوجته رافييلا و ابنه اندريه ثم اقترح : " ما رأيك في أن يتزوج ؟ " - " ويليام يتزوج ؟ ليته يفعل ذلك " - " اذا اقترحي عليه الأمر مجددا , دعونا نخرج من جو عائلة مونتكلير الكئيب هذا " - " ناقشنا الامر منذ سنة , لكنه رفض . إنه في الثلاثين من عمره الآن و يضيع عمره على مطاردة هؤلاء الحمقى " - " يحتاج إلى التوقف لحظة و النظر إلى حياته قليلا , لأنه أوقفها . ما رأيك في أن تخبري جدي بهذا ؟ لعله يقنعه " - " سأحاول فقد انتهت حلولي " كعادته كان ويليام شاردا في شرفة غرفته , يفكر في ترك كل شيء خلفه و البدئ من جديد في حياة نظيفة , بعيدا عن الظلام الذي تغرق فيه عائلته لكن في كل مرة يقرر الابتعاد يجد شيئا ما يسحبه نحو هذا العالم مجددا لقد كان الانتقام . كان يريد ان يأخذ بثأر والده مهما كلفه الثمن , لكن هذا العالم كان يتعبه و يسرق كل يوم قطعة من روحه , كان يريد يدا تمتد إليه و تخرجه من هذا الظلام لكنه لم يجدها بعد . سمع دقا خفيفا على الباب , دخلت امرأة خمسينية ذات شعر بني ممزوج بالشيب الى الغرفة تحمل كوبا من الماء و تلبس ملابس بسيطة . كانت إحدى خادمات المنزل و التي أشرفت على تربية ويليام و اسمها ماري . وضعت الكأس بجانبه ثم سألته : - " ويليام فيم انت شارد ؟ " - " في المستقبل المجهول , و في مصير هذه العائلة " - " المستقبل ؟ تفكر في الغد المجهول كثيرا , لماذا لا تعيش اليوم ؟ " - " أي يوم أستطيع عيشه و هم قد يقتحمون المنزل في أي لحظة ؟ " - " هل هذا ما تعيش عليه ؟ ألا تغار من ديفيد ؟ " - " لماذا أغار من ديفيد ؟ " - " حين تراه هكذا سعيدا مع زوجته و ابنه , ألا ترغب في الاستقرار مثله ؟ " - " ليس في الوقت الحالي . لكن لدي سؤال يا خالتي " - " ما هو ؟ " - " هل تجدين السعادة في كونك تعيشين في عائلة بسيطة ؟ لأنني لا أشعر بالسعادة في عائلة ثرية كهذه " - " لا نجد السعادة في الثراء , نحن نجدها في الشعور بالطمأنينة و قد تكون تلك الطمأنينة شخصا " - " و هل لديك هذا الشخص ؟ " - " عائلتي , اخوتي و أبناءهم ... اشعر بالسعادة كلما رأيتهم , نعيش معا في منزل مثلكم , ليس بالمنزل الفاخر لكنه يشع بالسعادة " - " عائلة مجتمعة؟ تعلمين أن هذه العائلة لم تجتمع ابدا على الخير بالرغم من انهم يعيشون معا " ضحكت قليلا ثم ردت : " أنت مستقبل هذه العائلة يا ويليام لا تنس هذا , هل ترغب برؤية عائلتي ؟ " - " سيكون هذا شرفا كبيرا لي " - " متى تنوي إذا ان تزورنا ؟ " فجأة دخلت رافييلا زوجة ديفيد و اقتربت من ويليام و همست في أذنه : " ديفيد يريدك في امر مستعجل " نهض من مكانه معتذرا من ماري ثم ذهب إلى مكتب شقيقه حيث كان ينتظره , كان ديفيد قلقا و يده تنقر على المكتب دون توقف , وقف ويليام امامه و على وجهه علامات اللامبالاة ثم وضع يديه في جيوبه و سأله : - " ماذا يحدث ؟ " - " فقدنا مبلغا كبيرا من حساب الشركة , حوالي ثلاثة ملايير, يجب أن نجد حلا قبل أن يعلم جدي " لم يتفاجأ ويليام كثيرا من المبلغ و ضبط أعصابه ثم سأله : - " هل تعلم من فعل هذا أو تشك في احد ؟ " - " لا تخبر أحدا في الوقت الحالي , إنها أمي " بدت على وجهه ملامح الصدمة من الإجابة ثم سأله غير مصدق : " أمي ؟ هل أنت متأكد ؟ ... ديفيد لا تهذي " - " أنا أيضا صدمت من هذا , لا أعرف كيف و لماذا , لكننا لا نستطيع التحرك الان " - " هل أنت تمزح ؟ لقد غدرت بنا " - " ويليام ... أمي لم تفعل هذا وحدها , لديها أعوان و يد تدعمها من الخفاء , لا بد أن نعرف من وراء هذا " - " أنا لا أصدق هذا ... من يعرف بالأمر ؟ " - " أنا و أنت و ماري " - " ماري ؟ لماذا ماري ؟" - " أكثر من يستحق الثقة لحفظ هذا السر , و إن حدث شيء فنحن نحتاج إلى طرف ثالث يعلم " - " حسنا , يجب أن نتحرك بسرية تامة , يجب أن لا تعلم أننا نعلم " - " هناك شيء ما أريدك أن تتولى أمره و اترك لي أمر الشركات " - " ماذا أفعل ؟ " - " ستحقق في علاقة أمي بعائلة بلاك ويل " - " بلاك ويل ؟ كيف تعتقد أن لها علاقة بهم ؟ " - " إنها تتصرف بغرابة , أحيانا تجدها حاقدة عليهم أحيانا تجدها توافقهم على ما يفعلونه . تخطئ في الكلام كثيرا " - " حسنا سأتولى أمر مراقبتها بالرغم من أنه يعز علي فعل هذا بشخص مثل أمي و أرجو ان لا يكون لها علاقة بهم " - " مع أنني لا أتوقع ذلك لكنني أرجوه مثلك , يجب أن أتفقد حال الشركة و باشر أنت ما طلبته منك " غادر ديفيد غرفة شقيقه الذي توجه إلى الدرج الذي في مكتبه و فتحه بالمفتاح الذي يحتفظ به معه دائما و استخرج منه ورقة مطوية و اخذ يقرؤها , كان ويليام يحتفظ بتلك الورقة منذ سنوات و يقرؤها دائما و لا أحد غيره يعلم عنها شيئا و كلما رآها بكى كما لم يبك من قبل . طوى الورقة من جديد و أعادها إلى مكانها في الدرج ثم أغلقه و غادر الغرفة حيث وجد السيدة ماري تستعد لمغادرة المنزل بعد أن أنهت عملها , توقف في مكانه ينظر إليها ثم سألها : - " هل سيأخذك السائق يا خالتي ؟ " - " بالطبع كما في كل مرة , هل هناك مشكلة ؟ " - " هل يمكن أن أقلك انا ؟ " - " ألا يزعجك الامر ؟ " - " كلا , ليس لدي ما أفعل سأوصلك انا " ذهبت ماري مع ويليام إلى موقف السيارات خلف المنزل و ركبت معه سيارته السوداء الفاخرة ثم انطلقا نحو منزلها المتواضع , كان ويليام شاردا طوال الطريق يفكر في السر الخطير الذي يخفيه و الذي يرغب بالبوح به لشخص يستطيع أن يستأمنه عليه لعله يشعر بالراحة , كانت يده تضغط على المقود ثم ترتخي ثم تعود للضغط مجددا , لاحظت ماري الأمر فقالت و هي تنظر للطريق أمامها : - " ويليام يمكنك البوح بما تريد لي , ما الذي يقلقك ؟ " - " أنت تعرفين الأمر يا خالتي , الأحوال تسوء " - " ماذا فعلت والدتك هذه المرة ؟ " - " سرقت مبلغا كبيرا من حساب العائلة لفائدة عائلة بلاك ويل " - " لماذا لا تمسك بها ؟ توقف عن مراقبتها فما عاد هذا وقتا مناسبا للمراقبة " - " إذا أمسكتها فستهاجمنا عائلة بلاك ويل , لا أريد المخاطرة بأحد " - " لها علاقة بعائلة بلاك ويل ؟ كيف تعرف ذلك ؟ " - " أبي كان يعرف و لهذا قامت بتصفيته , و ستجعلنا جميعا تحت سيطرتها بعد أن تنتقم من عائلتنا , من جدي " - " لكن لماذا لم تفعل هذا أن كانت تنوي ذلك ؟ " - " ليس قبل أن تسيطر على أملاكنا لصالح بلاك ويل , ثم إنها تريد أن أتزوج. إنها تعتقد أنني أحمق لدرجة أنني سأخاطر بزوجتي وسط هذه العائلة المجنونة " - " بالرغم من أنها مذنبة لكني أرى أن فكرة الزواج هذه مناسبة , يجب أن ترى حياتك على الأقل و تهتم بنفسك و لو في ظل هذه الظروف " - " و هل ترينه وقتا مناسبا يا خالتي ؟ " - " يجب أن تتوقف عن التضحية بحياتك من أجل الآخرين , ألا ترى انهم يبنون سعادتهم على تعاستك ؟ أخرج قليلا من هذا الظلام و انظر إلى نفسك قليلا لأنه لا أحد سيعيد لك العمر إذا ضاع " - " إنني تائه يا خالتي , ضائع و لا أفكر إلا في أبي و في الوعد الذي قطعته له و في مصير العائلة" - " تذكر هذا جيدا , لا معنى لحياتك إن لم تنذرها لنفسك , بعيدا عن الانتقام و مصير العائلة هل لديك شيء قد تتنازل من أجله عن هذا ؟ هل لديك اختيار أخير ؟ " فكر قليلا فوجد نفسه ضائعا أكثر , دمعت عيناه و همس : " كلا ليس لدي , إذا انتهت قصة الانتقام هذه فلن أجد اختيارا أخيرا ... يمكن أن يكون الانتقام نهايتي " - " لا تسمح له بأن يكون كذلك , أنظر إلى مستقبلك قبل أن يضيع " ربتت على كتفه ثم نهضت مغادرة لكنها استوقفها ليسألها : - " ماري منذ متى كنت تعرفين عن علاقة أمي بعائلة بلاك ويل ؟ " حدقت في الطريق مصدومة من السؤال ثم التفتت إليه و كأنها تسأله كيف يعرف , استمر في النظر إليها بثقة و هو ينتظر منها إجابة فأدركت أنه يعلم , اعتدلت في جلستها ثم سألته : - " ماذا تريد أن تعرف عن هذا ؟ " - " كل ما تعرفينه ؟ " - " في الواقع لها علاقة , وجدت ذات مرة وثائق تحمل اسمها و لقب عائلة بلاك ويل لكنها أخذتها مني و هددتني كي لا أفشي السر " - " ديفيد أخبرني بأنك تعرفين كل التفاصيل " - " وعدته بأن لا أفشي السر لكن طالما أنه أعلمك فنعم علمت بالأمر حين وجدت الوثائق أهمها وثيقة تفيد بتغيير اسم عائلتها إلى أندارا كي تختبئ خلفه " - " و كيف عرفت بأنك تعرفين ؟ " - " وجدتني أفتش في تلك الوثائق , هددتني بفصلي عن العمل و بأن تضع عائلتي تحت الخطر اذا بحت بالأمر " - " ألم تخافي بأن اكشفك لها ؟ بحت بكل شيء لي " أجابت و هي تنظر إلى الطريق : " أنا من ربيتك يا ويليام , أعرفك اكثر من نفسك و أعلم أنك لن تخونني " ضحك قليلا ثم قال : " كنت امزح فحسب , علمت بالأمر مؤخرا و ما أزال مصدوما . لا أفهم لماذا فعلت هذا ؟ " - " سأخبرك بسر , أخبر شقيقك به و لا تدع أمك تعلم بأنني أخبرتك , أمك هي من قتلت والدك . كان الحادث من تدبيرها هي " توقف فجأة عن القيادة دون سابق إنذار حتى كاد يصدم بحافة الطريق , ثم نظر إليها متفاجئا لكنها أكملت كلامها بثقة : " إنها لا تعرف بأنني أعرف , هي من اقترحت فكرة الحادث كي لا يبدو جريمة أو تصفية , حتى الشرطة كانت تعرف هذا , ابن شقيقها كارل بلاك ويل هو من دبر الحادث و اصطدمت شاحنته بسيارة والدك لأنه قرر إيقاف التعامل معهم و الانفصال عن والدتك و أخذك أنت و شقيقك " بقي يحدق فيها بصدمة دون أن يرمش حتى , هز رأسه نافيا غير مصدق لما تقوله لكنها تابعت الكلام : " غرست فيك فكرة الحقد كي تقيم حربا مع آل بلاك ويل ثم يقوموا بتصفيتك أنت و شقيقك و تسيطر هي على ثروتكم " لم يتحرك ويليام من شدة الصدمة فقط أسند رأسه إلى المقعد ثم سألها : " كيف كنت تعرفين هذا ؟ " - " كان والدك يعرف بالأمر , أخبرني قبل الحادث بليلة لأنه خشي أن يموت السر معه و يضيع حقه و حقك انت و شقيقك " ثم صمتت و هي تتذكر الأمسية التي سبقت الحادث قبل أن تغادر منزل آل مونتكلير , استدعاها السيد ادوارد إلى الحديقة الخلفية بعيدا عن الأنظار كي يبوح لها بالسر الذي يثقل كاهله منذ أسبوع : - " سيدة ماري , لم أثق بشخص في حياتي مثلما وثقت بك , انت تعملين هنا منذ خمس سنوات و لم أرى منك إلا الخير , أشرفت حتى على رعاية الأطفال و تربيتهم تربية حسنة و أنا ممتن لهذا " - " الشرف لي يا سيدي , أنا وصلت إلى سن الخمسين و لم أتزوج في حياتي أبدا , لكن هؤلاء الأطفال كأبناء اخوتي اشعروني بالأمومة لكنني لن أكون يوما كأمهم " تنهد ساخرا ثم قال : " أمهم ؟ التي لا تستحق أن تكون يوما أمهم " - " لماذا تقول هذا يا سيدي ؟ هذا غير لائق إنها زوجتك و أم اطفالك " - " و ابنة العائلة التي تطمح إلى تصفيتي لتسيطر على ثروتي , جاسوسة دست في عائلتي و عاشرتني لتسع سنوات . لم ترحم طفلها ديفيد الذي انجبته بعد سنتين من الزواج , عمره سبع سنوات ولا ويليام ذو الخمس سنوات " - " و ماذا ستفعل الآن ؟ لا يمكنك أن تنفصل عنها دون مواجهة " - " لا بد من أن أجد حلا , مهما يكن أو مهما يحدث , الأطفال أمانة لديك . لا تسمحي لها بأن تجعلهم مثلها " - " أعدك بهذا " كان آخر واجب يؤديه ادوارد تجاه أبنائه قبل أن يغادر هذه الحياة . سردت ماري هذه القصة على مسامع ويليام , أرادت شخصا يشاركها ثقل هذا السر و شعرت أنه الوقت المناسب ليثأر أبناء مونتكلير لوالدهم , توقف ويليام في مدخل الحي الذي تسكن فيه ماري بطلب منها نزلت من السيارة ثم قالت : - " أعلم أنك تشعر بالضيق لذا طلبت منك التوقف هنا لتسير قليلا , تحتاج إلى أن تتنفس" كان ويليام يشعر بأنه مخدر , نزل من السيارة كأن هناك من يقتاده و ليس كأنه يسير بإرادته , أمسكت ماري بذراعه و أخذت تشجعه : - " ويليام يجب أن تتماسك , كنت أستطيع اخبار شقيقك لكنني اخترتك انت " - " لماذا لم تخبري ديفيد ؟ يجب أن ينتقم هو كذلك " - " أنت الاختيار الأخير يا ويليام , ديفيد متهور و تتحكم به مشاعره , سيتسبب بكارثة أكبر تودي بنا جميعا . أنت أعقل منه و أعلم أنك ستحسن التصرف " - ماذا علي أن افعل ؟ " - " خذ وقتك في التفكير . لا تدع الانتقام يلهيك عن حياتك لا تبني سعادتهم على حساب سعادتك " - " أشعر بأنني ضائع و الطريق مظلم " - " ستجد ذلك النور قريبا , هيا تعال إلى المنزل , لا يليق البقاء في الخارج هكذا " نظر ويليام إلى الحي الصغير و المنازل البسيطة المضاءة فيه , ليس شبيها بالمكان الذي يعيش فيه لكنه أكثر دفئا . اقترب معها من المنزل الذي تعيش فيه مع عائلتها ثم قامت ماري بدق الباب دقات خفيفة ثم قالت : - " يبدو أن زيارتك لنا جاءت أبكر " ابتسم دون أن يرد , فجأة سمعا صوتا أنثويا يصدر من الداخل قائلا : - " من الطارق ؟ " - " هذه أنا يا فيكتوريا , افتحي الباب " حين فتح الباب , ظهرت خلفه فيكتوريا التي كانت جميلة كاسمها : قصيرة القامة , شعرها بني يصل لمنتصف ظهرها , عيناها خضراوان فيهما لمعة غريبة , بشرتها بيضاء كالثلج و شامة تزين عنقها , تلبس فستانا أزرق بتصميم بسيط و أكمام تصل إلى منتصف مرفقيها تزينه شراشف بيضاء على حوافه . وقفت مبتسمة و شبكت يديها ثم قالت : " أهلا بك عمتي ... و بالضيف الذي جاء معك " ويليام كان شاردا في جمالها , لم ينطق بحرف واحد . كانت عيناه تتسعان و قلبه يخفق بشدة كما لم يخفق من قبل , ماري لاحظت ذلك لكنها لم تعلق بل أيقظته من شروده حين قالت له : " ويليام تفضل بالدخول " نظر إليها ثم إلى فيكتوريا و هو مذهول حينها ابتسمت ماري و قالت : " هذه فيكتوريا , ابنة أخي و كما أخبرتك تعيش هنا معنا " هز رأسها مشيرا بأنه فهم الأمر ثم هم بالدخول فيم اقتربت ماري من فيكتوريا و قالت بصوت منخفض : " يبدو أنه معجب ؟ " أشارت فيكتوريا إلى نفسها ثم سألت : " بي ؟ " - " طبعا بك , بمن إذا ؟ " - " أنا لا أعلم , لكنني استغربت من شروده , هل هو سائق العائلة التي تعملين عندهم ؟ " - " كلا بل ابنهم , هيا ادخلي لا تبقي هنا " ثم دفعتها بلطف إلى الداخل و لحقت ب ويليام , وقفت خلفه مقابلين لأفراد العائلة المتجمعين ثم قالت مشيرة إليه : - " مساء الخير جميعا , انظروا إلى من أحضرته معي " قام شقيقها الأكبر و قال : " ويليام كبرت كثيرا , أعرفك منذ كنت طفلا صغيرا و كانت ماري ترعاك و تحضرك إلى هنا أحيانا . كيف حالك ؟ " - " بخير , كنت محرجا من فكرة الزيارة هذه , لكن الخالة ماري شجعتني لهذا " - " لا داعي لأن تشعر بالإحراج , أنت فرد منا " - " أقدر هذا كثيرا , منذ صغري أشعر بالراحة و السعادة كلما آتي إلى هذا المنزل , أشعر دائما بالانتماء إليه " كان ويليام يجلس بجانب ماري ينظر إليها كيف تتحدث مع إخوتها و أبنائهم و يضحكون معا , بداخله شعور بالفراغ و الحزن و يتمنى حياة تغمرها السعادة و الطمأنينة حتى لو لم تكن وسط كل ذلك الغنى . لاحظت ماري شروده فهمست في أذنه : " أليست جميلة ؟ " رد بصوت منخفض : " من تقصدين ؟ " - " الفتاة التي نظرت إليها حين دخلنا " - " أليست ابنة اخيك ؟ " - " بلى هي كذلك , اسمها فيكتوريا و هي ابنته الكبرى " فجأة قاطعهما شقيق ماري و اسمه ألفريد كان والد فيكتوريا : - " ويليام اخبرني متى عدت من الخارج ؟ " - " حين أنهيت الدراسة قبل سنتين , و أعمل الان في شركة العائلة " - " و كيف حال المصانع ؟ هل مازالت تعمل ؟ " - " بالطبع إنها تحت مسؤوليتي " - " من الجيد أن يستقر الإنسان في هذا العمر , إنك الشخص المناسب لمسؤولية كهذه " ردت ماري : " إنه بالفعل كذلك , لكن هل تعلم ما ينقصه ؟ " - " ماذا ينقصه ؟ " - " ينقصه أن يتزوج , و انا لن أهنأ عليه حتى أختار له فتاة تناسبه " ضحك ألفريد ثم سألها : " و هل لديه اختيارات ؟ " ماري : " بل لديه اختيار أخير " ثم أشارت إلى فيكتوريا و أكملت : " و فيكتوريا هي الأنسب " أشارت فيكتوريا إلى نفسها متسائلة وسط استغراب البقية : - " أنا ؟ هل أنت جادة ؟ " - " نعم لو كان له اختيار أخير لكنت أنت , لا أعتقد أن ألفريد سيمانع أن يكون شخص مثل ويليام زوجا لابنته " ثم استدارت إلى شقيقها تنظر إليه كأنها تسأله بعينيها , التفت ألفريد إلى ابنته كأنه يوجه السؤال إليها لكنها أجابت : " ما تراه مناسبا يا أبي , أراه الأنسب " وجه السؤال إلى زوجته فهزت رأسها بنفس الرد , تنهد ألفريد ثم أجاب : " ما نناقشه الآن ليس لعبة , إنها مسألة حياة و مستقبل كامل سيبنى عليها , نحن نعرف عائلة مونتكلير منذ سنوات و هذا شرف كبير لنا " ماري : " هل هذا يعني أنك موافق ؟ " ألفريد : " في الوقت الحالي , نعم أنا موافق " شعور سريع بالسعادة تسلل إلى قلب ويليام لأول مرة منذ سنوات , أخيرا شعر بأنه حصل على شخص ينتمي إليه . شخصا يتكئ عليه و يعود عليه كلما آلمته عائلة مونتكلير . انتهت الزيارة بعد وقت قصير , لكن ويليام دخل المنزل بقلب مثقل بالسعادة لا بالألم , اتجه إلى غرفة والدته التي كان بابها مفتوحا قليلا و الإنارة تنبعث منه , دق الباب بلطف ثم قال بصوت منخفض : " أمي , هل يمكن أن أدخل ؟ " لكنه لم يلق ردا فعاود سؤالها و مع ذلك لم يلق ردا مرة أخرى ففتح الباب بهدوء و دخل , كانت والدته تقف أمام الخزانة و حين أحست به أغلقت الخزانة بسرعة و وقفت مرتبكة ثم سألته : " ويليام متى عدت ؟ " - " آسف , عدت للتو ... استأذنت و لم تجيبي فخشيت أن يكون بك شيء " - " أنا بخير , يمكنك الذهاب للنوم , تأخر الوقت " - " أردت أن أناقش معك أمرا يخصني " استغربت من سؤاله و خافت من أن يشك في شيء : " تناقشني في ماذا ؟ " - " في قرار زفافي ؟ " زاد استغرابها فسألته : " هل قررت أن تتزوج ؟ " - " نعم و أعتقد أنني وجدت فتاة مناسبة " - " بهذه السرعة ؟ من هي ؟ " - " إنها قريبة ماري , ابنة أخيها " - " ماري ؟ قريبة ماري ؟ هل جننت ؟ تتزوج من عائلة أقل منا شأنا ؟ " - " أمي إنها ليست أقل منا شأنا , إنها إنسان مثلنا " - " لن أسمح لك بأن تتزوج من عائلة بسيطة , ماري شخص جيد لكنني لن أسمح بزواج كهذا , لديك اختيارات عديدة " - " لكنها اختياري الأخير , و مهما طال الزمن أو قصر سأعود إليها " - " ما الذي يعجبك فيها ؟ " - " أنها لا تشبهني , و لا تشبه هذا المكان ... لا أريد شخصا يشبه عائلة مونتكلير , أريد شخصا أنتمي إليه " هنا رفعت والدته صوتها عليه لأول مرة : " أنا لست موافقة , مونتكلير هي عائلتك ... أنت تهين عائلتك " رد بنبرة هادئة يحاول فيها السيطرة على أعصابه : " ليس هناك خيارات أخرى لأنك تريدين بالفعل أن أتزوج " لكنها استمرت بالصراخ : - " ليس شخصا مثلها " - " أنا لن أتراجع عن قراري , إما هي أو لا أحد , تصبحين على خير " انهى ويليام النقاش مع والدته هنا , لم يرغب في أن يفقد أعصابه و يتشاجر معها بل غادر الغرفة بهدوء و في طريقه صادف شقيقه يتجه إلى غرفة والدته مستغربا فاستوقفه بسؤاله : " ما بال أمي ؟ " رد بنبرة غير مبالية : " كأنك لا تعرف أمك " و استكمل طريقه حيث مر بغرفة ابن شقيقه , كان أندريه طفلا صغيرا يبلغ ثلاث سنوات من عمره يشبه والدته إلى حد كبير , تأمل ويليام غرفته ثم همس : " إن أصبح لدي ولد ذات يوم فلن أسمح له بأن يصبح مثل مونتكلير , أريده نقيا مثل فيكتوريا " دخل ديفيد غرفة والدته حيث وجدها على أعصابها , هو الآخر كان يعاملها بجفاء و لامبالاة مؤخرا لكن يحاول مجاراتها كي لا تكتشف أمره , كانت تجلس على المقعد المقابل للشرفة ملتزمة الصمت , إقترب منها و سألها : -" ماذا حدث لك مع ويليام ؟ " -" إنه يريد أن يتزوج , و تصور بمن ... بقريبة ماري , كأن الاختيارات انتهت في هذا العالم " - " إنه حر في قراره , تعلمين أنه سينفذ ما برأسه في النهاية" - " هل توافقه أنت الآخر؟ هل تريدون أن أجن ؟ " - " أنت تجعلينه يكرهك أكثر بهذه القرارات , دعيه ينفذ ما برأسه أحسن من أن يتمرد عليك أو يؤذيك " - " لماذا لا تفهمانني ؟ إنني أحاول الحفاظ عليكما . إنها ليست مثل عائلة رافييلا " - " أمي نحن نحترم عائلة ماري حتى و إن لم تكن من مستوانا و أراه محقا في كلامه " - " أنا لا أصدقك أنت الاخر , ديفيد غادر غرفتي " - " و لكن يا أمي ... " قاطعته : " بدون لكن ... ديفيد أخرج " غادر ديفيد دون أي كلمة و اتجه إلى غرفته و أغلق الباب حيث كانت رافييلا تلعب مع ابنها على البساط المفروش في الأرض , ارتمى ديفيد على السرير ثم تنهد بضيق لكن رافييلا لم تستدر إليه بل سألته و هي تنظر إلى ابنها : - " هل تشاجرت معك أنت الآخر ؟ " - " طردتني , ما المشكلة في عائلة ماري ؟ إنها عائلة محترمة " - " أعتقد إنها تريد عائلة كبيرة مثل عائلتكم " -" اسم العائلة لا يهم بقدر ما يهم أن يكون ويليام سعيدا مع زوجته " - " أرى أن نساند ويليام في هذا , أليس كذلك ؟ " - " طالما أن هذا سيسعده فلا بأس , أنا هنا لأساعدك في أي شيء تحتاجه " - " هل تعلمين أنني أسعد رجل في العالم لأنك زوجتي " - " و أنا أسعد إنسانة في العالم لأنك زوجي " كانت هذه أول ليلة ينام فيها منزل مونتكلير على شجار بين أفراد عائلته , رغم ذلك ويليام بقي مصرا على قرار زفافه من فيكتوريا لاسيما أن عائلتها كانت موافقة لكنه تجنب إخبارهم برأي والدته التي غادرت المنزل إلى الحديقة الخلفية لتجري مكالمة مع شخص ما و نظرها موجه إلى نافذة غرفة ابنها ويليام .