لست قلبي: الفصل ١٦
الفصل ١٦
.........
لست قلبي... الفصل السادس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
كيف لحبٍ دفنته بيديها أن يعود حيًا في صدر رجل آخر؟
وقفت دعاء أمام مشاعرها عاجزة عن تصنيفها؛
أهذا الحنين الذي عاد فجأة؟ أم خيانة للذكرى التي حاولت أن تتجاوزها؟
كانت تنظر إلى مالك، فتراه هو... ثم ترى ليث.
تسمع صوته فتتذكر همسًا قديمًا ظنت أنه مات للأبد، نبضًا كان آخر وداع وعندما سمعته في صدر آخر تعلقت به.
تشوشت... تفاجأت ولكن ما هو أصعب أن ثقتها تزعزعت، ليس فقط لأنه سرق قلب ليعيش به بل سرق القلب الوحيد الذي أحبها.
ارتبكت الحقيقة داخلها، واختلط الحب بالذنب والشوق بالخوف، وأدركت أن أصعب الفقد ليس أن يموت من نحب بل أن يعود إلينا بطريقة لا نملك معها حق الفرح ولا القدرة على الهروب.
لم تقف في هذه اللحظة كثيرًا، بل ركضت من أمام الطبيب وذهبت إلى موقع العمل، وقفت تبحث عنه كمن تبحث عن فريستها للانقضاض عليها، تقف تتلفت حولها بغضب يحرق كل شيء من حولها، وحين وقعت عينيها عليه، لم تهبأ بمن بالمكان بل ركضت نحوه وجذبته من يده، ليلتفت مالك ويرى تلك النظرة التي لم يرى مثلها يومًا، عقد حاجبيه على الفور؛ كيف تبدلت النظرة في ساعات من عشق وهيام لكراهية مميتة؟!
نظر داخل عينيها القاتلة وقال: فيه إيه يا دعاء؟!
أجابت بصوت يخنقه البكاء: سرقته؟! إنت إزاي؟! إزاي تعمل كده؟
مالك بتعجب: سرقت إيه مش فاهم؟!
نظرت إلى قلبه وامتلئت الدموع داخل مقلتيها وقالت: ده، غيرت قلبك إمتى يا مالك؟!
لم يفهم مالك لما هذا السؤال بهذه الطريقة وهذا الوقت تحديدًا ولكن أجابها بهدوء كي يعرف ما تفكر به: من ٣ سنين.
دعاء ببكاء: فيه يوم المطر صح؟!
مالك: اه، بابا عمل حادثة اليوم ده ومات، مقدرتش استحمل الخبر ورحت على المستشفى في ساعتها، ولما فوقت لقيتهم غيرو القلب، بس ليه مش فاهم برده؟!
دعاء: يا سلام على البراءة! متعرفش خدت قلب مين؟!
بدأ مالك يتفهم الوضع ولكن هناك رفض بداخله جعله لا يصدق هذا فقال: لأ... معرفش، بجد معرفش.
تحدثت من بين دموعها وقلب قد فقد هويته بينهما قائلة: مكنتش أعرف إنك بتعرف تكدب، ولا صح صح... ما أنت سرقت، مش صعب تكدب، سهلة... كل حاجة بعد كده سهلة، بس هكمل معاك على كدبتك عادي وهقولك اللي بينبض جواك ده قلب مين... ليث، إنت عايش بقلبه، بقلب كان ملكي، سرقته منه... وجاي بمنتهى البساطة تسرق البنت اللي حبها، تسرق خطيبته منه. عرفت ليه إنت حبتني؟!
كان يسمعها وعيناه تراقب ملامحها الباكية، يكاد يجزم بأنها على وشك الإنهيار، لأول مرة لم يهبأ بكرامته التي تدهسها الآن بكل شجاعة، لم يأبه بنعته بالسارق والكاذب، ترك عقله ونفسه خلفه وكل ما كان يرغب به في هذا الوقت هو تهدئتها، حاول أن يحتوي تلك الحالة التي تمر بها فقال: أنا محبتكيش عشان عايش بقلبه هو...
قاطعته قائلة: أنا حبيتك عشان سمعت النبض ده فيك، لما قربت منك في العربية وإحنا رايحين نتيجة المناقصة سوا وانهارت وحاولت تهديني... سمعته، سمعت نبضه هو اللي كان آخر حاجة سمعتها منه قبل ما يضحي بنفسه عشاني، ولأ يا بشمهندس... إنت حبتني بقلبه هو، حبيت دعاء حبيبة ليث، قلبه فاكرني مش هينساني، فا متحاولش تقنعني إنك إنت اللي حبتني، وحتى لو كدبت على نفسي وصدقت ده... عمري ما هنسى إنك سرقت قلبه وهو ميت، عمري ما هنساها أبدًا.
كادت تذهب ودموعها عرفت طريقها للهروب أخيرًا ولكن لم يتركها، أيترك روحه تنساب بين يديه ويقف عاجزًا؟! جذبها لتنظر داخل عينيه التي بدأت تلمع بالدموع وقال: إنتي... بتقولي إيه؟! حبتيني... عشان سمعتي نبض قلبه بس؟! يعني إيه؟!
حاولت أن تبعد يده عنها ولكنه أبى وهي تزفر بضيق ودموعها تتساقط دون توقف فقال بغضب: مش هسيبك تمشي غير لما تجاوبيني.
نظرت له وتوقفت عن مقاومته فهدأ وقال برجاء: أنا يا دعاء... أنا حبتيني بس عشان كده، ما يعني إيه أصلًا ده؟!
دعاء: يعني إنت كنت بتعمل زيه في بعض الأوقات، بتغير عليا زيه ده حتى بتغير من نفس الشخص، حركاتك وخوفك عليا ولهفتك كلها زيه، أنا حبيت ده فيك، حبيت إنك زيه، ودلوقتي فهمت السبب، قلبه اللي بيحركك لكن إنت مين؟! إنت حد من غير القلب ده معرفوش، أنا ملك لليث وبس، أفتكرت إني نسيته وإني حبيت من جديد طلعت بحبه هو وبس برده، ما هو كده منطقي أكتر، أصل هحبك بسهولة كده إزاي؟! هحب واحد معرفوش وأنا قلبي وعقلي مش بيفكرو غير فيه هو ليه؟! كده أنا فهمت... فهمت كل حاجة.
اقتربت منه وهي تسلط عينيها داخل عينيه وقالت بصوت يحمل الكراهية: إنت مسخ، عمرك ما هتبقى ليث ولا هتعرف ترجع مالك، إنت بالنسبالي حد معرفوش ومش عايزة أعرفه.
سقطت دمعة من عينيه وقال بصوته الذي يحارب البكاء: بس حبيتك، محبتش غيرك طول عمري... متعمليش فيا كده، طيب أنا ذنبي إيه؟!
دفعته دعاء بغضب وقالت: كفاية تمثيل... إنت سرقت قلبه، أنا عرفت كل حاجة.... كفاية بقى، من النهاردة تنسى اللي بينا، إنت حد معرفوش ومش عايزة أعرفه وميشرفنيش إني أعرفه.
مالك: كفاية غلط، مش عايز أحطك في مكان مش بتاعك متعرفيش ترجعي منه، متكسريش حاجات مش هتعرفي تصلحيها بعد كده.
نظرت له دعاء بقوة زائفة وقالت: مش عايزة أصلحها.
نفضت يده وكأنها تبعد جرثومة عنها، ارتد على أثر تلك النفضة إلى الخلف وظل يراقبها وهي تترنح في الطريق باكية، لا ترى طريقها ولا تعرف كيف تسير وجسدها ينتفض من البكاء، كل خطوة تتخذها مبتعدةً عنه كأنها تزرع الحنضل في صدره، مرارة الفراق تشطر صدره بألم.
حبيبتي مرت من هنا... روتني بعشق منعمي.
زرعت الورود والأمل... وها أنا أحصد الحنضلي.
ظننت اللقاء مؤبدًا... وبالوداع وقفت بدمعتي.
رويت حبك داخلي... فزرعته بقلبه لا قلبي.
أغلقتُ الجفون على عشقٍ... وبالمرار أفتح عيني.
وارتمى العشق أرضًا تدهسه الأقدام، تُرخي الستار عن القصة دون معرفة الحقيقة، فلقد خطت كلمة النهاية بيدها دون عذرًا.
وقف تائهًا... لأول مرة يفقد خطاه، التفت حوله يحاول أن يستوعب ما حدث في لمح البصر، لم يجد سوى يامن الذي يشاهد ما يحدث من بعيد بتعجب، لم يرغب بأن يتدخل ولكن حين التفت مالك إليه ورأي نظرته المكسورة، ركض إليه على الفور، وحين وقف أمامه وسأله عما حدث... ارتمى عليه يمسك بذراعيه، أين يرتمي جسده المملؤ حزنًا وانكسارا؟ تحملني يا صديقي فقد فاض بي الألم، أغمض عينيه يحاول أن يتملك ضعفه، يعيد ثبات ذاته، يبحث عن هواء يتنفسه من حوله... كل شيء أختفى.... كل شيء انتهى.
اختل توزانه فأمسك به يامن جيدًا وتحرك به نحو السيارة على الفور، وقادها متجهًا إلى المنزل، لم يكن بحاجة إلى السؤال، فقد علم دون إجابة.... انتهى المشوار.
عاد مالك إلى المنزل وحين دخله وقفت حسناء على الفور بفزع من هيئته، اقتربت منه ونظرت له بخوف وقالت: فيه إيه؟!
مالك: هو سؤال واحد... مين اللي خدت من القلب؟!
حسناء: معرفش... أنا كنت منهارة والدكتور لما جيه قالي إنه لقى قلب متطابق معاك وعملك العملية.
مالك: دكتور عادل؟!
حسناء: لأ.... عادل تابع الحالة بعد العملية بس لأن الدكتور اللي عملها سافر برا مصر.
مالك: تعرفي اسمه؟!
حسناء: لأ... هو فيه إيه؟ إيه الأسئلة ديه كلها؟! وإيه علاقة ده بمنظرك دلوقتي؟ هو القلب فيه مشكلة برده؟!
مالك: أكبر مشكلة ممكن تقابلني في حياتي، أنا عايش بقلب ليث.
نظر له يامن بصدمة وقال: قلب مين؟!
مالك: ليث... قلب حبيبها.
يامن: يعني إزاي ده مش فاهم؟!
مالك: المشكلة إنها بتتهمني إني سرقته.
حسناء: وإنت هتسرقه ليه... إزاي أصلًا وإنت كنت بتموت، يعني مش واعي باللي بيحصل.
مالك: الفكرة إنها شيفاني حرامي، كنت مستني حد أسرقه وجات في حبيبها.
تركهما وظل يجوب بالمكان وهو يضغط على يده بقوة، يمسك بخصلات شعره يجذبها بعنف وقال: أنا مش عايز القلب ده، عايز أعلم عملةي زرع تانية.
حسناء بصدمة: إنت اتجننت يا مالك؟
يامن: أيوة اتجنن، إنت فصيلة دمك نادرة ولقينا القلب بصعوبة، طول عمرك عايش بتدور على القلب ده ويوم ما تلاقيه تقول مش عايزه، عايز تموت يا مالك؟!
مالك بغضب: اه أموت... أهون بكتير ، إنتو مش متخيلين أنا حاسس بإيه، أنا هموت من القهر، مش عايز القلب ده، لو غيرته هتعرف إني بحبها، أنا اللي بحبها مش هو، مالك مش ليث، أنا بحبها يا ماما ومش هعرف أبعد، ديه الوحيدة اللي قدرت تخليني أرجع عن قراري، كسرت كل القواعد وكل الحواجز، لدرجة إني ناسي حتى إهانتها ليا وكل همي إنها تفهم إني بحبها.
ارتمى على الكرسي بضعف، وقال: اللي قاهرني كلامها... بتقول حبتني عشان حست بقلب ليث جوايا مش أكتر.
أغمض عينيه بحزن، ليتك تحسين القهر الذي يذبحني لعلك تعرفين معنى الإنكسار....
وفي الوقت الذي انهار كل شيء، كان هناك من يبتسم نصرةً وسعادة بانتهاء هذا الحب، خرجت نيرة من المشفى والابتسامة قد أنارت وجهها، أبلغت حاتم على الفور أن الخطة قد نجحت، وعندما أنهت المكالمة صعدت إلى سيارتها وبداخلها يقين أن ليث الآن قد ارتاح بأن دعاء لا تزال على ذكراه، سوف تعود عند قبره تحدثه كما كانت تفعل قبل أن يظهر مالك في حياتها، وكأنها تراه على قيد الحياة فقط في نظرة الحب التي ترتسم داخل عينيها هي، لا تعي بما تفعله بها، لم تعرف أنها تسلمها بيدها لشخص آخر... لن يتركها حتى يأخذ ما يريده بالكامل.
عادت دعاء إلى المنزل، لم تجد عاصم فصعدت إلى غرفتها، لا ترى أمامها سوى نظرة ليث لها الأخيرة، وداعه لها... تضحيته لأجلها، كيف تنسى من دفع حياته ثمن لكتابة شهادة ميلادها الجديدة.
ظلت تبكي وهي تمسك قلبها بيدها.... يعتصره ألم الفراق، لا تعلم أي فراق يؤلمها أكثر، ولكن لن تسمح لنفسها أن تعشق من سرق قلبه المضحي لأجلها، بل لن تعشق أحدًا غيره وتخون عشقه مرة أخرى.
في الليل، عاد عاصم وتفاجأ عندما وجد دعاء تنزل الدرج أمامه بثبات، لم تتحدث بالقليل بل بعض الكلمات التي أنهت كل شيء: أنا موافقة أتجوز حاتم.
كانت نهاية النعي لذلك القلب الذي ينزف دمع الفراق.
يتبع...
رباب حسين