الرسالة الأخيرة: الفصل الأول
الرسالة الأخيرة
هل ذنوب الماضي تمحو أخطاء المستقبل
كانت أصوات الصراخ تخترق أذنيها كالسكاكين. كان الدخان خانقًا، والحرارة تجعل جلدها يحترق كالنار. كانت تتراجع بخطوات متعثرة داخل المبنى، وعيناها تبحثان بيأس عن أخيها.
وفجأة سمعت صوتًا صغيرًا، صوتًا تعرفه جيدًا، ينادي:
«نور! هنا!»
التفتت سريعًا نحو مصدر الصوت، فرأت أخاها واقفًا بالقرب من باب شبه منهار، وقد ارتسم الخوف على وجهه، وانهمرت الدموع على خديه. مدت يدها نحوه وهي تقول محاولة طمأنته:
«لا تخف، أنا هنا!»
لكن قبل أن تصل إليه، اهتزت الأرض تحت قدميها، وانفجار صغير أسقط جزءًا من السقف فوقه.
صرخت بأعلى صوتها:
«لااا!»
وحاولت أن تزحف نحوه، لكن النار كانت أسرع منها. اختفى أخوها وسط الدخان واللهيب.
غمرت الدموع عينيها، وكانت دقيقة واحدة كفيلة بأن تحطم قلبها إلى الأبد.
وفجأة سمعت صوتًا آخر.
كان ضعيفًا، خافتًا، لكنه موجود:
«مساعدة… هل من أحد يساعدني؟»
التفتت نحو الصوت، فلم ترَ سوى ظل صغير في زاوية الغرفة. اقتربت بحذر، وملامح الصدمة تملأ وجهها عندما رأت يوسف، الطفل الذي كان دائمًا معها. كان صغيرًا، مرعوبًا، يخفي وجهه بين كفيه.
صرخت:
«يوسف! انهض! أنا هنا!»
رفع رأسه ونظر إليها بعينين دامعتين، لكنه لم يتحرك. كانت النار تقترب أكثر، والدخان يخنق أنفاسها، لكنها مدت يدها بكل ما بقي لديها من قوة وسحبته نحوها.
في تلك اللحظة لامست النار وجهها، فأحرقته، لكنها لم تهتم. كانت تصرخ وهي تسحبه خارج المكان، بينما صدى وداع أخيها يرن في أذنيها كطعنة لا تنتهي.