الفصل الثالث " أوتار مشدودة " | رواية خارج حدود الفترة
الفصل الثالث " أوتار مشدودة "
.........
"لا يُخيفني عدوٌ يجلس في الطرف الآخر من الطاولة، بل ذاك الذي يجلس بجانبي ويملأ لي الكأس وهو يتمنى أن تغصّ به أنفاسي؛ فالخراب الحقيقي يبدأ من اليد التي تظنها سنداً."
لفّ السكون أرجاء غرفة مريم وهي تفرغ من صلاتها، متشبثة بتلك اللحظات الربانية التي سبقت اقتحام الضجيج لعالمها. سجدت طويلاً كأنها تستمد من رطوبة الأرض ثباتاً لمواجهة "مغربٍ" لا يشبه غيره، غير مدركة أن الصخب كان يتربص بها فوق منضدتها الصغيرة.
كان هاتفها يرتجف بإلحاح محموم، يمزق وقار الصمت برنين لا يهدأ. وحين انتهت مريم وسلّمت، التقطت الهاتف لتجد اسم "نور" يسطع على الشاشة للمرة الخامسة؛ تردد نبضها قليلاً، فندوب الأمس لم تزل دامية، وكلمات نور الجارحة لم تتوقف عن الطنين في أروقة ذاكرتها، لكن شيئاً ما في تواتر الاتصال أجبرها على سبر أغوار المكالمة.
لم يكد صوت مريم يخرج بالتحية، حتى باغتها سيل من النحيب المرير، صوت يقطر ذلاً وانكساراً كأن الروح تخرج مع كل شهقة:
"مريم.. استحلفتُكِ بالذي غرس الصدق في قلبكِ ألا ترفضي. أنا أتفتت.. أنا أحترق بنار لم أحسب لها حساباً! هاجر أوصدت في وجهي أبواب روحها، وأقسمت ألا يجمعنا حديث، وأنا ما عدت أقوى على التلفت في فراغ صمتها المميت."
حاولت مريم أن تستجمع ثباتها وقالت بنبرة هادئة مشوبة بالحزم:
"يا نور، ثقوب الأمس أعمق من أن تُردم بمكالمة، واليوم يحمل من الثقل ما تنوء به جبال صبري..."
قاطعتها نور بصراخ متهدج يمتزج فيه اليأس بالتوسل:
"أرجوكِ يا مريم.. اذهبي إليها الآن، ائتي بها إلى منزلي بعد قليل. قيدتني الجدران التي تضيق بي، وما عدت أجرؤ على مواجهة العالم بوجه كسته الخيبات. مريم.. أنا لا أقوى على خسارة عمر وهاجر في كفة يوم واحد! لقد انفرط عمر من يدي، فلا تتركي هاجر تضيع في تيه جفائي.. ائتي بها لأجل أيام مضت، ولا تتركيني أموت غصّة بذنبي وحده."
أغمضت مريم عينيها، واضعة يدها على جبينها المثقل، تشعر بوطأة هذا الاستجداء المباغت، وتتساءل في سرها: أهو ندم حقيقي يسعى للترميم؟ أم أنه فصل جديد من فصول ذاك "الخراب" الذي ينمو في كف من اعتبرناه يوماً مأمناً وسنداً؟
حسمت مريم أمرها، ليس ضعفاً أمام استجداء نور، بل رغبة في إغلاق ثغرات الماضي قبل أن تفتح صفحة مستقبلها مع "المغرب". قامت مسرعة، وارتدت ثياب خروجها بهدوء يشوبه التوتر، ثم توجهت نحو الصالة حيث كان إسماعيل جالساً يراجع بعض أوراقه. وقفت أمامه وقالت بصوت حاولت جاهدة أن يبدو طبيعياً:
"أبي.. سأخرج قليلاً لزيارة صديقتي نور، لن أتأخر، سأكون هنا قبل الموعد الذي حددته."
رفع إسماعيل عينيه عن أوراقه ونظر إليها بنظرة فاحصة، كأن وقاره يقرأ ما وراء كلماتها. هز رأسه بالموافقة وقال بهدوء:
"اذهبي يا ابنتي.. لكن لا تنسي أن قلوبنا الليلة على موعد مع قرار كبير، كوني بخير."
في تلك اللحظة دخلت مها، وبمجرد سماعها اسم "نور"، قطبت حاجبيها باستنكار لم تستطع إخفاءه، وقالت بنبرة حادة:
"لنور؟ في هذا الوقت يا مريم؟ ألم تكن زياراتكِ لها قد انقطعت منذ زمن؟ وما الداعي لهذا الاستعجال واليوم هو يومكِ المنتظر؟"
ساد صمت ثقيل. لمحت مريم ارتعاشة خفيفة في عين والدها، وكأن كلمات مها قد زرعت بذور شك أو تساؤل كان يحاول كتمانه. نظر إسماعيل إلى مريم بصمت طويل، ثم أشاح بوجهه عائداً لأوراقه، كاتماً استغرابه خلف قناع الحكمة، لكن مريم شعرت أن موافقته الصامتة باتت مثقلة بالتساؤلات.
خرجت مريم، والتحقت بها هاجر التي وافقت على مضض بعد إلحاح مريم الشديد بأنها "تحتاج للهواء الطلق وللحديث معها بمفردها". كانت هاجر تظنها مجرد جولة للتنفيس عن ضيق الصدر.
خرجت مريم من منزلها وهي تحمل في صدرها ثقلاً لا تراه الأعين، والتقت بـ هاجر عند ناصية الطريق. كان السلامُ بينهما قصيراً، مشوباً بحذرِ الصديقة التي تشعر بضيق رفيقتها. لم تُضع مريم وقتاً، فأشارت لإحدى سيارات الأجرة التي كانت تمر بالمكان. انحنت مريم نحو نافذة السائق، وبصوتٍ خافتٍ كوشوشة الريح همست له بالوجهة: "حيّ.. منزل نور". أومأ السائق بتفهم، فالتفتت مريم إلى هاجر قائلة بابتسامةٍ باهتة: "اركبي يا هاجر، نحتاج لمكانٍ هادئ نتحدث فيه بعيداً عن عيون المارة".
ما إن استقرتا في المقعد الخلفي وانطلقت السيارة، حتى بادرت هاجر بكسر حاجز الصمت كأن سؤالاً كان ينهش قلبها منذ ليلة الأمس:
"مريم.. منذ أن رأيتكِ حزينة بالأمس وأنا أتساءل، تلك الرسالة التي قلبت حالكِ، ماذا كان يحوي سواد حبرها؟ وما الذي حدث؟"
وجدت مريم في هذا السؤال "طوق نجاة" لتشغل به انتباه هاجر عن الطريق. تنهدت بعمق وبدأت تقصُّ عليها الحكاية من مبتداها؛ حكت لها عن كلمات عبد الرحمن التي كانت كبلسمٍ وُضع فوق جرحٍ قديم، وعن اعترافه الذي جاء في وقته، ثم انتقلت لوصف حال البيت..
مريم (بصوتٍ منخفض يمتزج فيه الأمل بالخوف):
"أتصدقين يا هاجر؟ أبي وافق.. لقد رأى في عبد الرحمن رجلاً يليق بأن يُؤتمن على ابنته، حتى إخوته سيخبرهم اليوم. أما أمي.. فأنتِ تعرفين قلقها المزمن، هي تراه غريباً، لكن أبي حسم الأمر؛ واليوم عند المغرب، سأسمع صوته لأول مرة في مكالمة رسمية يباركها الجميع."
استرسلت مريم في وصف تفاصيل "رأي أهلها" وتقلبات مشاعرهم، كانت تراقب بطرف عينها ملامح هاجر التي اندمجت تماماً في القصة، ناسيةً مراقبة الشوارع التي تمر من خلف النافذة. كانت هاجر تسأل وتستفسر، ومريم تجيب بإسهاب، حتى بدأت السيارة تتباطأ أمام ذاك الزقاق المألوف.
توقفت السيارة تماماً. نظرت هاجر من النافذة وفجأة ساد صمتٌ حاد كشفرة سكين. تلاشت حماسة الحديث عن عبد الرحمن، وحلت مكانها صدمةٌ جمدت ملامح هاجر وهي تدرك أنها تقف أمام بيت نور.
هاجر (بنبرةٍ اهتزت من فرط المفاجأة):
"مريم! لماذا نحن هنا؟ هل كنتِ تقصين عليَّ حلمكِ لتقوديني إلى كابوسي؟"
لقد نجحت خطة مريم في إيصالها للباب، لكن المواجهة الآن أصبحت حتمية. تصلَّبت هاجر في مقعدها، ويدُها تقبض على مقبض الباب كأنها تحاول منع الواقع من الاقتحام. التفتت إليها مريم ووجهُها يحمل مزيجاً من الذنب والإصرار، وهمست بنبرةٍ مُلِحَّة:
"هاجر، أرجوكِ.. دقيقة واحدة فقط. لا يمكنني أن أقف مكتوفة الأيدي وأنا أرى خيوط حياتنا تنفرط هكذا. انزلي معي، لنخسر معركة المواجهة خيراً من أن نعيش في هزيمة الهروب."
كانت هاجر تهز رأسها برفضٍ قاطع، والدموع تحتقن في عينيها:
"لا يا مريم، لقد خدعتِني.. كنتِ تدركين أنني لن آتيَ بمحض إرادتي!"
نزلت مريم من السيارة، ووقفت عند الباب المفتوح تستجدي صديقتها بنظراتها، لكن هاجر ظلت متسمِّرة، تكاد تأمر السائق بالتحرك، لولا أن اليأس بدأ يتسرب إلى قلب مريم. وفجأة، وقبل أن تنطق مريم بكلمة الوداع الأخيرة أو تستسلم لرحيل هاجر، انشقَّ صمت الزقاق بصوت مفصلات الباب الحديدي وهي تُفتح على مصراعيها. لم تكن "نور" هي من ظهرت، بل كانت "منى"، والدة نور.
وقفت منى على العتبة بوجهٍ تظهر عليه آثار التعب والقلق، وما إن وقع بصرها على الفتاتين حتى انفرجت أساريرها بابتسامةٍ باهتة لكنها دافئة، وقالت بصوتٍ متهدج:
"مريم؟ هاجر؟.. يا لبركة هذا اليوم! كنتُ أشعر أن قلبي سيقف من حزن نور في الداخل، وكأن الله أرسلكما الآن لتُعيدا الروح إلى هذا البيت."
تسمَّرت هاجر مكانها؛ فوجود "منى" بوقارها ومحبتها القديمة لهما جعل من التراجع فعلاً يتجاوز حدود الأدب. لقد قُطع طريق العودة تماماً، فكيف تهرب من يدٍ طالما أطعمتها، ومن امرأةٍ تعتبرها ابنةً ثانية؟ نظرت مريم إلى هاجر نظرةً اعتذاريةً صامتة كأنها تقول: "لقد فُتح الباب، ولا مجال للالتفات إلى الخلف الآن."
ترجَّلت هاجر من السيارة بخطواتٍ مثقلةٍ بالرصاص، وعيناها معلَّقتان بالأرض، بينما كانت منى تفتح ذراعيها لاستقبالهما، غير مدركةٍ أن خلف هذا اللقاء صراعاتٍ قد تحرق ما تبقى من وُدّ. ما إن وطئت أقدامهما صالةَ المنزل، حتى باغتتهما نور ووالدتها بهجومٍ عاطفيٍّ موحَّد؛ أمسكت منى يدَ مريم بلهفةٍ مصطنعة، بينما ارتمت نور في ذات اللحظة على كتف مريم، وانطلق صوتاهما في آنٍ واحد باعتذارٍ منسَّقٍ ومريب كأنَّ لسانيهما يتحرَّكان بخيطٍ واحد:
"سامحينا يا مريم.. سامحي ابنتي، لقد كانت غيمةٌ سوداء غطَّت بصيرتنا، ونحن ندرك أن فضلكِ وصبركِ كانا أكبرَ من طيشها.. اعذرينا يا ابنتي."
كان هذا الاعتذار الجماعي المتزامن كفيلاً بأن يمتصَّ شطرَ غضب هاجر؛ فالحياءُ من انكسار الكبار يُخرس الألسنةَ الحادَّة. سكنت ملامح هاجر قليلاً، بينما انفصلت نور عن مريم وتقدَّمت نحو هاجر بخطواتٍ متعثِّرة وصوتٍ يقطر ذلاً:
"هاجر.. أنا لا أعتذر فقط عن الكلمات، بل عن تلك الغيرة الحمقاء التي أعمتني. لقد كسر عمر قلبي يا هاجر وتركني حطاماً، فظننتُ واهمةً أن إشعال النار فيمن حولي سيُدفئ بردَ روحي. أنا آسفة.. أقسم لكِ أنني آسفة."
تحوَّل الحوار إلى دفَقاتٍ من الشجن، وانسحبت منى بهدوء لتتركهنَّ في عزلتهن، لكنها لم تبتعد؛ بل وقفت خلف الباب، تدفن أذنها في خشبه بملامحَ تخلو من الطيبة، تتنصَّت بخبثٍ مريب لكل همسةٍ ونأمة، وكأنها تُحصي ثغراتهنَّ لاستخدامها في فصلٍ قادم. استغلَّت هاجر رحيلَ الأم فالتفتت إلى نور، ونبرتها ما زالت تحمل آثارَ العتب اللاذع:
"الوجع لا يمنحنا الحقَّ في ذبح الآخرين يا نور.. عمر اختار رحيله، لكنكِ أنتِ من اخترتِ خسارتنا."
بينما كانت نبرات التوبيخ والمصالحة تختلط في هواء الغرفة، زاغت عينا مريم نحو الأرض حيث لمحت قصاصةَ ورقٍ مهملةً بجانب منضدةٍ منزوية. كانت صورةً فوتوغرافيةً التهمت النارُ أطرافَها، وتفحَّم وجهُ الرجل الظاهر فيها تماماً. انحنت مريم ببطء والتقطت الصورة بأطراف أصابعها وهي تشعر بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لم يكن الوجه ظاهراً، لكن تلك الوقفة.. ذلك الجسد الممشوق برزانةٍ معيَّنة، وتلك الثياب.. كلُّ شيءٍ في هيئة هذا الرجل المحترق كان يصرخ في ذاكرتها بالألفة.
مريم (تحدِّث نفسها بذهولٍ صامت):
"أنا أعرف هذا الرجل.. هذه الوقفة لا تخطئها عيني. لكن من يكون؟ ولماذا صورتُه محترقةٌ هنا، وتحت قدمي نور؟"
لم تكن مريم وحدها من استرقت النظر إلى تلك القصاصة البائسة؛ فقد لمحت هاجر الصورة وهي ترتعش في كفِّ مريم، فقطَّبت حاجبيها وسألت بنبرةٍ امتزج فيها الفضول بالشك:
"مريم.. ماذا تحملين؟ ما هذه الصورة؟"
قلبت مريم الصورة ناحيتهما ببطء كأنها تفتح باباً لسرٍّ لم يحن أوانه. في تلك اللحظة، فرَّت نظرةٌ مريبة من عيني نور؛ نظرةٌ خاطفةٌ مرتجفةٌ ومحمَّلةٌ بذعرٍ حاولت وأده سريعاً قبل أن تستجمع شتات صوتها وتقول بنبرةٍ خافتة:
"كانت هذه لعمر.. أحرقتها لأحرق معها كل ما يربطني به."
وقعت الكلمة على مسامع مريم كطنينٍ مسموم: "عمر؟". مريم التي لم تلتقِ به يوماً ولم تعرفه إلا صدىً باهتاً في حكايات نور، وجدت نفسها أمام تناقضٍ ينهش ثباتها. ارتجفت يدها وهي تحدِّق في الجسد الممشوق والوقفة الرزينة المحترقة، وسألت نفسها في جنونٍ صامت: "إذا كان هذا عمر حقاً كما تزعم نور.. فلماذا أشعر تجاهه بكل هذه الألفة؟"
الألفة لا تُخلَق من العدم، والتعرُّف الروحي لا يضلُّ طريقه؛ فكيف لغريبٍ لم تلمحه عيناها قط، ولم تسمع عنه سوى قصص الخذلان، أن يبعث في روحها هذا الفيض من السكينة والتعوُّد؟ شعرت مريم بالغرابة تنهش روحها؛ فالألفة لا تُصطنع إنما تبقى كوشمٍ في الذاكرة، وهذه الوقفة المحفورة في الورق المحترق كانت تهمس لروحها بلغةٍ تعرفها جيداً، لغةٍ لا تنتمي لأحاديث نور عن عمر المزعوم.
أشعل هذا التناقض ظنوناً محمومةً في نفس مريم، وشعرت بأن الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً بوجود منى خلف الباب وصدى كذبة نور أمامها. غامت الرؤية في عينيها واهتزت ملامحها وهي توشك على الانفجار بكاءً؛ ليس وجعاً، بل رعباً من هذا التعرُّف الغامض الذي يربطها بجسدٍ محترقٍ في بيتِ صديقتها. لكن صديقاتها، وبدافعٍ من القلق، سارعْن إلى إشغالها بالحديث. بدأت نور تفيض في سرد تفاصيل رحيل عمر، وراحت هاجر تواسيها بكلماتٍ مبعثرة في محاولةٍ منهما لردم الهوة التي فتحتها تلك القصاصة، بينما ظلت مريم حاضرةً بجسدها، وعقلُها يسأل في ذعر:
"كيف للألفة أن تخونني؟ ومن يكون هذا الذي يرتجف قلبي لوقفته وهو غريبٌ عني؟"
وسط ضجيج الكلمات المبعثرة التي حاولت بها نور وهاجر ردمَ هوَّة الصمت، وبحركةٍ خاطفةٍ بلغت ذروةَ الحذر، انسلَّت أصابعُ مريم لتطوي تلك القصاصةَ المحترقة وتواريها في عتمة حقيبتها؛ وكأنها لا تُخَبِّئ ورقةً، بل تدفن سرّاً قد يُغيِّر وجهَ الحقيقة إلى الأبد. لم تمضِ دقائقُ على ذاك الوجوم، حتى انشقَّ سكونُ الصالة بصوتٍ جهوريٍّ يفيض ابتهاجاً مباغتاً؛ إنه عمُّ أحمد، والدُ نور، الذي دخل المنزل مهلِّلاً يرنُّ صوته في الأرجاء كوقع البشارة وهو ينادي زوجته:
"يا منى! أين نور؟ أين أنتِ يا ابنتي؟"
تسمرت الأجساد داخل الغرفة، وانعقدت الألسنة في انتظار المجهول. وقبل أن تستجمع نور شتاتَ أنفاسها، اندفع الأب نحو الغرفة بزهوٍ غريب واقتحم الباب بابتسامةٍ عريضة غطّت تقاسيم وجهه وهو يهتف بنبرةٍ هزت أركان المكان:
"يا نور عيني.. استعدي، فسأزفكِ عروساً لـ..."
لكنه فجأة وبشكلٍ مباغت صمت، وكأن الكلمة قد غصّ بها حلقه حين وقع بصرُه على مريم وهاجر. اعتراه ارتباكٌ مفاجئ، فاعتذر باقتضاب وسحب نفسه بوجلٍ متراجعاً نحو ردهة المنزل، وكأن الكلمات التي حبسها في صدره كانت أثقل من أن تُنطق في حضور الغرباء. غير أن نور لم تترك له مساحةً للفرار؛ إذ ركضت خلفه بلا حسبان متجاهلةً وجود صديقتيها اللتين تراقبان الموقف بذهول، وقد صار الفضول في صدرها ضيقاً يزداد أجيجاً مع كل خطوة. لحقت به عند زاوية الصالة، فقبض الأب على كتفيها وعيناه تلمعان ببريقٍ متهدج، وأكمل بصوتٍ ملأ الفراغ رعباً ودهشة:
"لعمر.. لقد عاد يا نور، عاد ليطلبكِ اليوم."
كانت مريم تراقب المشهد بذهولٍ شلّ أطرافها، وبينما كانت نور تغرق في لجة ذهولها واندفاعها خلف والدها، تبدلت ملامح منى في لحظةٍ خاطفة؛ فاستحالت تلك الطيبة المصطنعة إلى حنقٍ مكتوم، واشتعل وجهها بامتعاضٍ لم تملك حيالَه ستراً. كانت نظراتها تفيضُ بالضيق لأن أحمد قد ألقى بهذا السر أمام آذانٍ لم يكن يُفترض بها أن تسمع، فنظرت إلى مريم وهاجر بنظراتٍ حادة كأنها تطردهما بوقع أجفانها قبل أن تنطق بكلمة. أما نور، فقد غابت عن الوجود تماماً، ومضت في تجاهلها التام لصديقتيها، وكأنَّ حبال الود التي كانت تفتلها قبل دقائق قد انقطعت عند عتبة اسم عمر.
هنا، شعرت هاجر بوطأة الموقف، وأدركت أن كرامتهما باتت على المحك تحت نظرات منى التي تقطر تطفلاً مسموماً وشعوراً بالامتعاض جلياً. لم تنتظر هاجر كلمةً أخرى، بل قبضت على يد مريم بقوة وسحبتها نحو الباب في مشيةٍ تفيض أنفةً، لتخرجا من ذاك الجو المشحون قبل أن يبتلعهما شعور التطفل. خرجتا من الدار والكرامةُ تسبق خُطاهما، تاركتين خلفهما منزلاً يضجُّ بعودة الغائبين، بينما كانت مريم تسير كالمغيبة؛ يدٌ تقبض عليها هاجر لتقودها نحو الطريق، ويدٌ أخرى تضغط داخل الحقيبة على الصورة المحترقة، وكأنها تقبض على جمرةٍ من الحيرة لا تنطفئ.
استنشقت مريم هواءَ الشارع البارد، وكان مغيبُ الشمس يزحف على الأفق بخجل، بينما ينهش الشكُّ يقينها: أيُّ حقيقةٍ تلك التي عادت مع عمر؟ احتراق الورق وعودة الغائبين الذين ظنت أنهم رحلوا للأبد. كان وقعُ خطواتهما على رصيف الطريق الشاحب كوقع طبولٍ تدق في الفراغ. سارت هاجر بخطىً حثيثة ونبرة صوتها تتصاعد بحدةٍ تعكس غليان صدرها، بينما كانت مريم تجرُّ خطاها كجسدٍ بلا روح، تومئ برأسها آلياً لتجاري ثورة صديقتها، بينما كان عقلها يحترق في مكانٍ آخر تماماً.
قالت هاجر وهي تلوح بيدها في الهواء بذهول:
"أرأيتِ يا مريم؟ هل رأيتِ ملامح منى كيف تبدلت في لحظة؟ كأننا أصبحنا غريباتٍ في الدار التي لم تجف بعد دموعنا فيها مواساةً لهن! والخبر.. أيُّ عودةٍ هذه التي يتحدث عنها عم عاصم ؟ كيف لعمر أن يعود هكذا فجأة وبلا مقدمات كأن شيئاً لم يكن؟"
لم تُجب مريم، بل اكتفت بهزة رأسٍ باهتة، فاستطردت هاجر بحدةٍ أكبر:
"والأدهى من ذلك، كيف لنور أن تنسى وجودنا في طرفة عين؟ ركضت خلفه وكأننا لم نكن يوماً سنداً لوجعها. أهذا هو عمر الذي ذبلت عيناها من أجله؟ ما هو السر الذي خلفه هذا الرجل وراءه ليعود بمثل هذا الجبروت ويقلب الدار رأساً على عقب؟"
كانت كلمات هاجر تمرُّ عبر أذني مريم كأنها صدى بعيد، فقد كان السؤال الذي ينهش لُبّها أشد ضراوة: "لماذا وقفتُه؟". كانت تتذكر ملامح الصورة المحترقة في حقيبتها، تلك الوقفة الرزينة التي لم ترَ عمر فيها يوماً، ومع ذلك كانت روحها تهمس لها بأنها تعرفها.. تعرفها بأكثر مما ينبغي.
قطعت هاجر حبل أفكارها وهي تقول بسخرية مريرة:
"لكن الصدمة الحقيقية ليست في عودته يا مريم.. بل في 'الخبر'. سأزفكِ عروساً لعمر! هكذا قالها أحمد بملء فيه. أيعقل أن يتقدم لها اليوم؟ في ذات اللحظة التي كنا فيها نعزيها على ضياعه؟ كيف تجرأ؟ وما الذي فعله ليجعل والديها ينسيا غدره القديم ويرحبان به هكذا؟"
جمدت مريم في مكانها للحظة، وشعرت بقشعريرة باردة تسري في عمودها الفقري. جارت هاجر في سيرها بصعوبة، وصورة "الوقفة" في الحقيبة بدأت تكتسب وزناً أثقل من الجبال. لم تكن الصدمة من تقدم عمر لنور هي ما يؤرقها، بل صدمتها في نفسها.. في ذلك التعرف الروحي الذي لا تجد له تفسيراً.
قالت مريم بنبرة خافتة كأنها تستحث نفسها على البقاء في الواقع:
"ربما.. ربما كان لديه عذر يا هاجر، لا نعلم."
ردت هاجر باستنكار:
"عذر؟ أيُّ عذرٍ يبيح هذا العبث؟ مريم.. أنتِ لستِ معي! يبدو أن صدمة الخبر قد شلّت تفكيركِ أيضاً. انظري إلى الشمس.. لقد أوشكت على المغيب، وكأن العالم ينتظر شيئاً آخر ليُكمله."
لم يكن في بالها حينها سوى الهروب من ثرثرة هاجر ومن لغز الصورة، لتستقبل صوتاً آخر قد ينزعها من هذه الدوامة. قطعت هاجر سيل تساؤلاتها حين أبصرت سيارة أجرة تلوح في الأفق، فرفعت يدها بحزم لتوقفها وسحبت يد مريم خلفها وهي تدفعها داخل السيارة كأنها تسابق شبحاً يطاردهما. استقرت هاجر في مقعدها وألقت بعنوان منزل مريم للسائق باقتضاب، ثم التفتت لتستأنف حديثها بنبرة يملؤها الحنق:
"تلك المرأة.. منى لا تُطاق! أرأيتِ كيف كانت تطعننا بنظراتها؟ وكأننا نحن من اقتحمنا خلوتها، لا نحن من جئنا لنضمّد جراح ابنتها."
مضت هاجر في بثِّ شكواها ممتعضةً من نظرات الأم وغدر الموقف، بينما كانت مريم تركن برأسها إلى زجاج النافذة تراقب أضواء المدينة الباهتة وهي تنزلق في صمت، محاولةً الهروب من ثرثرة صديقتها إلى فوضى حواسها. لكن صمت مريم لم يطل، إذ انقطع تذمّر هاجر فجأة حين اهتز هاتفها برنينٍ مباغت. لمحت هاجر اسم زوجها على الشاشة فتبدلت نبرتها فوراً إلى الجدية. ردت بكلمات قصيرة لتغلق الهاتف بوجه يحمل ريبةً جديدة وقالت:
"إنه زوجي.. يقول إنه ينتظرني في المنزل، وأن هناك أمراً يودُّني فيه على عجل."
خيم الصمت داخل السيارة هذه المرة ثقيلاً ومحملاً بتوجساتٍ لا تُقال. وما هي إلا دقائق معدودة حتى توقف التاكسي أمام عتبة منزل مريم. ترجلت مريم بملامح متجهمة وودعت صديقتها بكلمات مقتضبة وجافة، فغادرت هاجر في عجلها تاركةً خلفها مريم وحيدة أمام بابها. وقفت مريم في مواجهة سكون منزلها تقبض على حقيبتها التي تسكنها تلك الصورة الغامضة، بينما كان الغسق قد أسدل ستائره تماماً. وفي تلك اللحظة، وسط وجوم ملامحها وتلاطم ظنونها، بدأ هاتفها يعلن عن قدوم "مكالمة المغرب".. المكالمة التي جاءت لتطرق باب قلبها في أكثر اللحظات اضطراباً.
كان رنين الهاتف في كفها صوتاً عادياً يطالب بحقه في وقتها. رفعت مريم السماعة وهي تضع قدمها على أولى درجات السلم نحو الطابق الثاني، وكان نهج أنفاسها يشي بتعب الرحلة، لتسمع صوتاً رزيناً نطق بكلمة واحدة سبقت كل شيء:
"آنستِ.."
ثم أتبعها بهدوء ولباقة: "السلام عليكم ورحمة الله."
ردت مريم وهي تحاول موازنة حقيبتها وهاتفها وصوتها يخرج خافتاً يقطر جهداً وتشتتاً: "وعليكم السلام ورحمة الله."
على الجانب الآخر، لم يكن صوته يحمل سحراً أسطورياً، بل كان صوتاً عادياً، رجولياً بوقارٍ هادئ. اعتذر بنبرة شعرت فيها ببعض القلق وهو يكمل:
"أعتذر إن كان اتصالي قد صادف وقتاً غير مناسب، لكن صوتكِ يبدو مجهداً.. مجهداً جداً يا مريم، وكأنكِ غارقة في زحامٍ من الأفكار. هل أنتِ بخير؟"
بلغت مريم عتبة شقتها، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل دون أن تضيء الأنوار، جلست على طرف المقعد وهي لا تزال تمسك الهاتف بأذنها، بينما انسلّت يدها الأخرى لتخرج تلك "القصاصة المحترقة". بسطت الورقة أمام عينيها وراحت تتأمل تلك الوقفة المألوفة تحت ضوء الشارع المتسلل من النافذة، بينما كان عبد الرحمن يتحدث بكلماتٍ منتقاة محاولاً جس نبض صمتها. أجابت مريم وهي تغيب في تفاصيل الصورة متجاهلة بروتوكولات التعارف الأولى:
"لست بخير.. هناك ضجيج في رأسي لا يهدأ، وأشياء لم أعد أفهمها."
كان يتحدث بلباقة لا تتجاوز حدود الأدب محاولاً استيعاب تخبطها، بينما كانت هي غائبة عنه تماماً؛ أذن تستقبل صوتاً غريباً تعتبره مجرد فرصة قد تكتمل أو تفشل، وعين ترصد وقفة رجل في ورقة محترقة؛ وقفة تعرفها جيداً وتجهل أين ومتى التقت بها. عبر أثير الهاتف، انسلَّ صوته بلطفٍ حذر وهو يسأل بنبرةٍ لامست مكامن تعبها:
"ما الذي يُرهق روحكِ بهذا القدر يا مريم؟"
سكت قليلاً ثم أردف بصراحةٍ يغلفها التوتر:
"أخشى أنني -وبطريقةٍ ما- كنتُ عبئاً إضافياً على يومكِ، أو أن طرقي لباب حياتكِ هو ما أورثكِ هذا الشتات."
ساد صمتٌ قصير كانت مريم فيه تلملم شتات نفسها. تنفست بعمق ثم أجابت بوقارٍ هادئ:
"أعتذر.. ليس للأمر علاقةٌ بشخصك، واطمئن.. فأنت لست السبب كلياً فيما أنا عليه الآن."
التقط عبد الرحمن طرف الخيط بذكاءٍ لم يخلُ من دعابةٍ رصينة وقال:
"كلياً؟ إذن أنا جزءٌ من هذا التشتت بطريقةٍ ما!"
ضحك بخفةٍ لا تخدش وقاره، ثم انطلق يفتح أبواب الحديث بجسارةٍ مهذبة مسترسلاً في تعريف نفسه. كان يتحدث بوضوحٍ ينمُّ عن شخصيةٍ تعشق النور، يسرد ما يحب وما يكره بأسلوبٍ يخلو من التكلف؛ فتحدث عن ميله إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة، ونفوره من الأقنعة، وعن شغفه بالتفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الرجال مواقفهم.
في تلك اللحظة، أعادت مريم الصورة إلى عتمة حقيبتها بيدٍ حازمة كأنها تُغلق فصلاً من الغموض لتتفرغ لمهمةٍ أكثر واقعية. بدأت تُنصت إليه بتركيزٍ حاد، تُفصِّل صفاته التي كان ينثرها في الهواء؛ تزن كلماته بميزان عقلها، وتمرر قناعاته على مصفاة مبادئها. كانت تبحث في ثنايا حديثه عمّا يتسق مع تطلعاتها وما ينفر منه وجدانها، محوِّلةً المكالمة من مجرد تعارفٍ عابر إلى عملية "تشريح" دقيقة لشخصيةٍ قد تكون الملاذ، أو مجرد محطةٍ أخرى في طريق رحلتها الطويل.
بدأ عبد الرحمن يسردُ تفاصيل شخصيته بنبرةٍ غلفتها خفةُ ظلٍ باغتت رصانة مريم، قال وهو يضحكُ بتهكمٍ على نفسه:
"انظري يا مريم، لكي أكون صادقاً معكِ، أنا رجلٌ أعاني من ميزةٍ فادحة هي في الحقيقة 'عاهةٌ اجتماعية'؛ أنا صبورٌ بشكلٍ مرعب. صبري هذا قد يجعلكِ تظنين أنني تمثالٌ من الرخام، لا يهتزُّ لي جفنٌ لو قامت القيامة في المطبخ مثلاً! أستطيع انتظار قطارٍ فاته الأوان بعشر سنوات دون أن أشعر بالحنق.. أليس هذا صبراً أيوبياً يُحسد عليه؟"
ابتسمت مريم لا إرادياً، وأرخت كتفيها المشدودتين ليردف هو بسرعةٍ قبل أن تستعيد صمتها:
"أما عن عيبي الذي سيسحبُ تلك الميزة إلى الهاوية، فهو العناد. أنا لا أعاند الآخرين فحسب، بل أعاند نفسي أحياناً! إذا قررتُ أن الطريق المسدود هو الطريق الصحيح، فربما سأحاول اختراق الجدار برأسي لمجرد أنني قلتُ ذلك. أنا من النوع الذي يضيع في الصحراء، ويرفض استشارة الخريطة لأنني 'أعرفُ قلبي أين يتجه'، وغالباً ما يتجه قلبي نحو أقرب منحدر!"
لم تتمالك مريم نفسها، فأطلقت ضحكةً خافتة تكسرت بها حدةُ التجهم التي سكنت وجهها طوال المساء. كان وصفه لنفسه بهذه الكوميديا السوداء، وبطريقةٍ لا تُجمِّل القبح بل تسخر منه، قد جعلها ترى فيه إنساناً حقيقياً لا يرتدي أقنعة الخطّاب التقليديين. أجابت مريم بنبرةٍ رقيقة شابتها مسحةٌ من المرح:
"إذن أنت تجمعُ بين صبرِ الحكماء وعنادِ الأطفال.. ألا تخشى أن يسحقَ أحدهما الآخر؟"
قهقه عبد الرحمن وقال:
"بلى، يسحقان بعضهما يومياً، وأنا أقفُ متفرجاً بانتظار من سيفوز! لكنَّ الأهم يا مريم أنني لا أدّعي الكمال، فالكمالُ مُمل، وأنا رجلٌ يفضلُ أن يكون 'مكسوراً' بطريقةٍ ممتعة على أن يكون 'كاملاً' بطريقةٍ كئيبة."
في تلك اللحظة شعرت مريم أن ثقل "الصورة المحترقة" في حقيبتها قد خفَّ قليلاً، وكأنَّ حيوية هذا الرجل الواقعي الذي يتحدث معها الآن قد بدأت تسحبُ البساط من تحت أقدام ذاك الغامض القابع في ذكرياتٍ مجهولة. أدركت مريم أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وأن هذا الرجل قد سحبها من منطقة الوجوم إلى منطقةٍ أكثر رحابة. تنفست بعمق، ولأول مرة منذ ساعات، تخلّت عن دور "القاضي" لترتدي ثوب "المتهم" بذات السخرية اللاذعة التي بدأها هو.
قالت مريم بنبرةٍ غلّفتها ضحكة مكتومة:
"بما أننا فتحنا دفتر العيوب والميزات بروحٍ رياضية، فإليك اعترافي.. أنا يا عبد الرحمن أعاني من ميزةٍ هي في الواقع 'مرض مزمن'، وهي قوة الملاحظة. أنا لا أرى الأشياء فقط، بل أرى ما وراءها، وما وراءَ الوراء! قد أجلس معك في مطعم وأنشغل بتحليل زاوية ميلان ربطة عنق النادل، ولماذا اختار هذا اللون تحديداً، وهل يكره حماته أم لا.. وبحلول الوقت الذي أعود فيه إليك، تكون قد أتممت طعامك ودفعت الحساب، وأنا لا أزال عالقة في تحليل شخصية النادل!"
ضحك عبد الرحمن بصدق، فاستطردت مريم وهي تزداد حماساً وخفة:
"أما عيبي الذي يكسر هيبة تلك الميزة، فهو الشرود الهيستيري. أنا من النوع الذي قد يبدأ قصةً مشوقة وفي منتصف الجملة ألمح فراشةً تمر، فأتبعها بعقلي وأنسى تماماً أنني كنت أتحدث معك! قد تجدني صامتةً تماماً فتظن أنني غارقة في التفكير في مستقبل البشرية، بينما أنا في الحقيقة أحاول أن أتذكر اسم الشخصية الثانوية في كرتون شاهدته عام 1998."
وأضافت وهي تبتسم لا إرادياً، متناسيةً كل ما مرّت به في بيت نور:
"أنا 'صيّادة تفاصيل' تضيع في التفاصيل التي تصطادها! فهل تعتقد أن صبرك الذي تدّعيه سيتحمل امرأةً قد تسألك فجأة -في منتصف نقاشٍ مصيري- عن رأيك في 'ثقب الأوزون' لمجرد أنها لمحت سحابة غريبة؟"
قهقه عبد الرحمن وقال بنبرةٍ يملؤها الاستمتاع:
"إذن نحن ثنائي مثالي؛ أنا سأنتظركِ بصبري الأيوبي وأنتِ شاردة، وحين تعودين من رحلة البحث عن اسم الكرتون ستجدينني لا أزال أعاند الجدار بانتظار تكملة الجملة!"
في تلك اللحظة شعرت مريم بخفة لم تعهدها، وكأن هواء الصالة البارد قد بدأ يدفأ. سحبت يدها عن حقيبتها تماماً، وصار العالم الآن ينحصر في هذه المكالمة التي بدأت كفرصةٍ باهتة وتحولت إلى مرآة ساخرة تعكس حقيقتها دون زيف. أغلق عبد الرحمن الهاتف بكلماتٍ تقطر أدباً، تاركاً خلفه فيروزاً من الودّ تلمع في أذني مريم. ظلت شاخصةً ببصرها نحو شاشة الهاتف التي انطفأ نورها، والابتسامة لا تزال عالقةً على ثغرها كوشمٍ من الفرح، متناسيةً تماماً تلك الصورة المحترقة التي كادت أن تسمّم ليلتها.
وفي خضمّ تلك اللحظة الوردية، انشق صمت العتمة عن صوتٍ مباغت كوقع السهم حين تنحنحت مرام قائلةً بنبرةٍ ساخرة:
"شخصٌ ما هو الذي يغرق هنا يا مريم.. ويبدو أن النجاة ليست من نصيبه!"
انتفضت مريم وكأن صاعقةً ضربت أركان الصالة؛ فقد كانت تظن أن الصالة خاليةٌ إلا من حيرتها. سرت في أوصالها رعشةُ ذعرٍ امتزجت بخجلٍ قرمزي غطّى تقاسيم وجهها. ركضت نحو مقبس النور وبأصابع مرتجفة ضغطت عليه لتزيح ستائر الظلام وهي تهتف بصوتٍ متهدّج:
"مرام! منذ متى وأنتِ هنا؟"
لم تكد الكلمات تخرج من فمها حتى انطلقت ضحكة سوسن المجلجلة لترن في المكان مع تدفّق الضوء قائلةً بتهكمٍ مبهج:
"ليست مرام فقط يا عروس.. بل كلنا هنا نشاهد مراسم الغرق!"
ومع انجلاء العتمة اكتملت فصول الصدمة؛ فقد أبصرت إسماعيل جالساً بوقاره المعتاد وابنتيه اللتين كتمتا ضحكاتهما بصعوبة، وحتى سوسن التي كانت عيناها تلمعان بفضولٍ مرح. تجمّدت الدماء في عروق مريم، وشعرت بأن جدران المنزل تضحك معهم على انكشاف خلوتها الرومانسية أمام الملأ. لم تحتمل مريم نظراتهم التي كانت تقرأ خجلها ككتابٍ مفتوح، فاستدارت في لمح البصر وركضت نحو غرفتها كغزالةٍ تفرّ من سهام المزاح، تاركةً خلفها صالةً تضج بالضحك، وقلباً يخفق بين مطرقة الخجل وسندان تلك الكلمات التي آنست وحدتها قبل قليل.
بينما كانت مريم تحاول التقاط أنفاسها خلف باب غرفتها المغلق، والرجفة لا تزال تسكن أطرافها من أثر الخجل، اهتز هاتفها مرة أخرى. لم يكن عبد الرحمن هذه المرة بل كان اسم نور يلمع على الشاشة كأنها تلاحقها لتنفث في أذنها بقايا ذلك الزلزال الذي ضرب دارهنّ قبل قليل. أجابت مريم بصوتٍ حاولت جاهدةً أن تجعله مستقراً رصيناً. وقبل أن تنطق نور بكلمة، بادرتها بنبرةٍ لاهثة تفيض بالاعتذار:
نور: "مريم… أعتذر بشدة عمّا حدث. أقسم أنني لم أكن أعلم بقدومه، ولم أقصد تجاهلكما. لكن خبر عودة عمر سلبني عقلي. أردتُ فقط أن أوضح لكِ أنني…"
قاطعتها مريم بنبرةٍ حازمة، مغلّفةٍ ببرودٍ مهذّب لم تعهده نور منها:
مريم: "لا عليكِ يا نور، فالأمر لم يعد يحتاج إلى توضيح. لكنني الآن بصدد النوم؛ فغداً ينتظرني يومٌ طويل، يومٌ ممتلئٌ بالترتيبات والوعود… غداً هو يوم الاتفاق الخاص بي."
ساد صمتٌ مباغت على الطرف الآخر قبل أن يأتي صوت نور مذهولاً مشوباً بلومٍ مرير:
نور: "عبد الرحمن؟! أبهذه البساطة يا مريم؟ كنتُ أعلم بأمره، لكن أن يصل الحد إلى تحديد يوم الاتفاق ورسم المصير دون أن تهمسي لي بكلمة؟ أهكذا تُقضى الأمور بيننا؟ في اللحظة التي كنتُ أحترق فيها انتظاراً لكلمة منكِ تواسيني، كنتِ ترسمين خارطة مستقبلكِ في صمتٍ موحش! لم أتوقع أن أصبح غريبةً عن أسراركِ إلى هذا الحد."
لم تهتز مريم أمام هذا الهجوم بل أجابت ببرودٍ صقيعي:
مريم: "الأيام تدور يا نور، ولكلٍّ منّا غائبه الذي يعود، أو حاضره الذي يبدأ. نلتقي غداً لنتحدث. طاب مساؤكِ."
أغلقت مريم الهاتف بحزم محاولةً إنهاء ذلك الجدال عند حدّه. لكن الهاتف عاد يهتز في يدها كنبضٍ غاضب. نور تتصل مجدداً. ترددت مريم لثوانٍ ثم أجابت. جاء صوت نور هذه المرة أكثر حدّة وقد سقط عنه قناع الذهول ليحلّ مكانه عتابٌ فجّ:
نور: "حقّاً يا مريم؟ تُغلقين الخط في وجهي؟ منذ متى أصبح الاتفاق أهمّ من صداقتنا؟ أم أن وجود رجلٍ في حياتكِ ألغى ما بيننا دفعةً واحدة؟ يبدو أنني كنتُ أعيش وهماً اسمه الوفاء!"
ساد صمتٌ قصير. لم ترفع مريم صوتها ولم تتعجّل الرد. وحين تكلمت كان صوتها ثابتاً لا يحمل انفعالاً بل قراراً:
مريم: "الكلّ مشغولٌ بحريقه يا نور. كنتِ غارقةً في عودة غائبكِ، وكنتُ أنا غارقةً في ترتيب حاضري. غداً سيكتمل النصاب، وسأعرف إن كان هذا الطريق هو المبتغى أم لا. الآن، استبيحي لي عذراً… فأنا بحاجةٍ إلى النوم."
لم تنتظر تعليقاً. أنهت المكالمة بهدوءٍ يشبه إغلاق بابٍ لم يعد يُفتح إلا بشروطٍ جديدة. في تلك اللحظة لم تكن القسوة ما يملأ قلبها، بل اتزانٌ متأخر. لم يكن في الأمر تحدٍّ ولا انتصار، بل حدٌّ فاصل؛ حدٌّ تعلّمت فيه مريم أن بعض القرارات لا تحتاج جمهوراً بل تحتاج وضوحاً مع النفس فقط..
في الجهة الأخرى من المدينة، كان الصمت يلف شقة عبد الرحمن إلا من أنين مذياع قديم يصدح بصوت خفيض. لم يكن عبد الرحمن من النوع الذي تغلبه الحيرة، لكنه منذ أن أغلق الهاتف مع مريم شعر بأن شيئاً ما قد تغيّر في رتابة أيامه. كان يجلس في شرفته يراقب أضواء الشوارع المنعكسة على زجاج نظارته، وابتسامة هادئة -لا تشبه سخرية مكالمته- ترتسم على وجهه. تذكر نبرة صوت مريم حين حذرته من "الغرق"، وأعاد صدى ضحكتها في مخيلته مراراً؛ كانت ضحكة تحمل خلفها حزناً دفيناً لاحظه بـ"صبره" الذي ادعاه، وكأنها تخرج من تحت ركام التعب.
قام عبد الرحمن من مقعده واتجه نحو "طقمٍ" رسمي معلق بعناية، وبدأ يتفقده بتركيزه المعتاد على التفاصيل. لم يكن قلقاً من المقابلة بقدر ما كان متحمساً لاختراق الغموض الذي يحيط بمريم. تمتم لنفسه وهو يمرر يده على ثنايا القماش:
"إذن هي 'صيادة تفاصيل' وتضيع فيها.. حسناً يا مريم، سنرى غداً من منا سيصطاد الآخر، ومن منا سيعثر على طريقه وسط الزحام."
لم يكن عبد الرحمن يرى في هذه الخطوة مجرد "فرصة" أو اتفاق تقليدي، بل كان يراها معركة فكرية وروحية اختارها بمحض إرادته. كان يعلم أن وراء تلك العيون التي تلمح ما وراء السحب امرأة تحتاج لمن يفهم صمتها قبل كلامها. أخرج مسبحته وجلس يسبّح بهدوء وهو يرسم في خياله سيناريوهات لقاء الغد. لم يطلب من الله النجاة من "الغرق" الذي حذرته منه، بل كان يطلب القوة ليجعل ذلك الغرق رحلة ممتعة لكليهما. وبينما كان يستعد للنوم، كانت كلمته الأخيرة لنفسه قبل أن يغمض عينيه:
"غداً.. سأعرف إن كان عنادي كافياً لترميم شتات تلك الروح."
وقف عبد الرحمن أمام المرآة يُعدّل من وضعية "الطقم" الرسمي الكحلي، ثم التقط هاتفه وصوّره بعناية فائقة لم يعهدها في نفسه من قبل. وبينما كان يهم بوضع الهاتف على الطاولة الجانبية، التفت ليجد والدته "سلوى" تقف عند إطار الباب تتأمله بصمت ممزوج بابتسامة حانية؛ ابتسامة الأم التي تقرأ في عيني ابنها ما لا ينطقه لسانه. لم تكن مجرد ابتسامة عابرة بل كانت نظرة "شامتة" بمحبة كأنها تقول بلا كلمات: "أين ذهب وقارك وبرودك الذي كنت تتباهى به يا رصين؟"
لم يستطع عبد الرحمن إخفاء ارتباكه المحبب فضحك بخفة وهو يعيد ترتيب ياقة القميص بفرط توتر مفاجئ، ثم التقط هاتفه بسرعة والابتسامة لا تزال تخيّم على وجهه ليرسل لمريم رسالة مفعمة بالشغف بعيداً عن منطق الجدل المعتاد بينهما:
"هاه.. ما رأيكِ الآن؟ أخبريني بصدق إن كان يليق؟ لقد ضبطت أمي 'سلوى' تلمحني وأنا أصور الطقم، ويبدو أنها قرأت في ملامحي شغفاً لم أكن أخطط لإظهاره بهذه السرعة!"
كانت كلماته تحمل اعترافاً ضمنياً بأنها لم تعد مجرد "ترتيبات" في حساباته، بل أصبحت هي "الوجهة". ظل ينتظر ردها وعيناه معلقتان بالشاشة، بينما كانت والدته تهمس من خلفه بدعاء خفي تبارك ذلك "الغرق" الجميل الذي اختاره ابنها بملء إرادته. بعد أن ضغط "إرسال"، وضع عبد الرحمن الهاتف على الطاولة الجانبية بسرعة كأنَّه يهرب من فعلته. حاول أن يستعيد قناع البرود الذي يرتديه دائماً، فبدأ يتحرك في الغرفة بهدفٍ مصطنع؛ يرتب أوراقاً لا تحتاج إلى ترتيب ويعدل وضع ساعة الحائط، ثم يعود ليتفقد ياقة قميصه للمرة العاشرة.
مرت دقيقتان.. لم يصل الرد. خمس دقائق.. والهدوء في الغرفة أصبح ثقيلاً كالجبال. عشر دقائق.. وبدأ نبضه يتسارع بوقعٍ مسموع. تمتم لنفسه بقلق: "أيعقل أنها غضبت من جرأتي؟ أم أنها تضيع الآن في تفاصيل الطقم كما ادعت؟". كان يتعمد الانشغال بعيداً عن الطاولة، لكن عينيه كانتا تسرقان النظر نحو الشاشة المظلمة في كل ثانية.
وفجأة انشق صمت الغرفة عن وميضٍ خاطف؛ أضاءت شاشة الهاتف معلنة عن وصول رسائل متتابعة بصوت تنبيهات متلاحقة لم يتوقف. لم يمشِ عبد الرحمن نحو الهاتف بل ركض إليه بلهفةٍ لم يستطع كبحها. التقطه بيدٍ مرتجفة وضغط على الإشعارات، لكن الصدمة كانت بانتظاره كصفعةٍ باردة جمدت الدماء في عروقه. لم يكن هناك نص، بل كانت سلسلة من الصور المتلاحقة التي تجاوزت ست صور. اتسعت عيناه خلف زجاج نظارته وهو يمرر أصابعه بذهول وقلق؛ في كل صورة كانت مريم تظهر مع رجل مختلف.. رجل واحد فقط في كل كادر. في الصورة الأولى كانت تبتسم بجانب شاب غريب، وفي الثانية تظهر في جلسة هادئة مع رجل آخر، والثالثة والرابعة والخامسة.. رجال مختلفون تماماً في ملامحهم وأعمارهم، لكن القاسم المشترك في كل تلك الصور هو مريم وجلوسها بجانب كل واحد منهم بمفردها.
تراجع خطوة إلى الخلف وسند ظهره إلى الحائط وهو يحدق في الشاشة بغير تصديق. هل هؤلاء هم "الغارقون" السابقون؟ أم أن مريم تتعمد إرسال "تاريخها" له في هذه الليلة تحديداً؟ شعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميه؛ فمن يكون هؤلاء الرجال الستة الذين يظهرون في صورها الخاصة في اللحظة التي يظن فيها أنه بدأ يلمس شاطئها؟
بينما كان عبد الرحمن غارقاً في دوامة تلك الصور ومحاولاً استيعاب ملامح الرجال الذين يحيطون بمريم في لقطات منفردة، اهتز الهاتف في يده من جديد. لم تكن صورة هذه المرة بل كانت رسالة نصية قصيرة لكنها كانت كوقع النصل البارد على عنقه، كلمات نُسجت بعناية خبيثة كأنها تحذير أخير:
"اهرب قبل أن تتورط.. فمريم بئر بلا قاع، وامرأة لا ضمان للنجاة من فخاخها، ستكون أنت الرقم القادم في قائمة الراحلين!"
تسمر عبد الرحمن في مكانه وشعر بأنفاسه تضيق. ضغط بسرعة على أيقونة الرد وتطايرت أصابعه فوق لوحة المفاتيح ليكتب بحدة: "من أنت؟ وماذا تقصد؟"، ولكن قبل أن تلامس إبهامه علامة الإرسال ظهرت له العبارة الصاعقة أسفل الشاشة: (لا يمكنك الرد على هذه المحادثة). لقد فعلها صاحب الرسالة؛ ألقى بـ"سمّه" في عروق عبد الرحمن ثم أغلق باب التواصل تماماً بحظر قاطع، تاركاً إياه في عتمة غرفته يواجه مئات التساؤلات. هل كانت تلك الصور تحذيراً صامتاً؟ وهل هؤلاء الرجال هم "أرقام" سابقة سقطت في تلك المتاهة؟
جلس عبد الرحمن على حافة فراشه بجسد أثقله الذهول وقد غطت حبات العرق جبينه رغم برودة ليل المدينة. كان صدره يعلو ويهبط في اضطراب وأصابعه لا تزال ترتجف وهي تضغط على حواف الهاتف بشدة. أغمض عينيه محاولاً طرد تلك الصور المتلاحقة التي انطبعت في ذاكرته؛ صورة رجل تلو الآخر وكلمة "الرقم القادم" تتردد في أذنه كفحيح أفعى. ظل ساكناً لدقائق يصارع رغبة عارمة في فهم هذا الهجوم المفاجئ من رقم مجهول، لكنه وفجأة سحب نفساً عميقاً ثم زفره ببطء وهدوء غريب كأنه يفرغ رئتيه من كل ذلك التوتر.
فتح عينيه ونظر إلى الهاتف مرة أخرى لكن هذه المرة بنظرة مختلفة؛ نظرة الرجل الذي "يعشق التفاصيل" ولا يرضى بالسطحية. مسح العرق عن جبينه بظهر يده وتمتم لنفسه بنبرة بدأت تستعيد ثباتها:
"اهرب؟.. هذا الكلام لا يصدر إلا عن حاقد أو مهزوم يريد لي أن ألحق به في قائمة المنسحبين. من هذا الذي يراقب خطاي ويحاول تسميم فكري قبل الفجر؟"
بدأ شريط تفكيره ينعطف نحو تبرير أهدأ؛ أخذ يتأمل الموقف بعين الفاحص لا الضحية. فكر في مريم، تلك الفتاة التي كانت تمازحه منذ قليل بذكاء، هل يعقل أن يكون لها ذنب في غلّ هذا المجهول؟ قال في سره وهو يبتسم ابتسامة واهنة بدأت تشق طريقها وسط ركام القلق:
"ربما تكون هذه الصور والرسالة هي الثمن الذي تدفعه مريم لكونها مختلفة.. ربما هناك من يطاردها ويريد كسر أي بصيص نور يقترب منها. لو كانت كما يدعون، لما جاء التحذير من مجهول يختبئ خلف شاشة ويحظرني قبل أن أنطق بحرف."
استند بظهره إلى وسادته وعاد الهدوء يسري في عروقه. قرر أن هذه الصور ليست إلا وسيلة رخيصة لزعزعة ثقته. وضع هاتفه جانباً ونظر إلى طقمه الكحلي مرة أخرى ولكن هذه المرة بعين التحدي.
"مريم.. إن كانت هذه هي العواصف التي تسبق الوصول إليكِ، فأنا لست الرجل الذي يغير وجهته بسبب رسالة من جبان. غداً سأسمع الحقيقة من عينيكِ أنتِ ولا أحد غيرك."
أشرق وجه عبد الرحمن وهو يقرأ كلمات مريم كأن رسالتها جاءت في توقيتها لتطرد ما تبقى من غيوم الشك التي زرعها ذلك المجهول. قرأ النص مرة واثنتين وتذوق جرأة الحروف التي تعكس روحاً تأبى الانكسار. لم يكد عبد الرحمن يضع هاتفه جانباً حتى أضاءت الشاشة من جديد، ولكن هذه المرة كان الاسم هو "مريم". انقبض قلبه للحظة ثم انبسط وهو يقرأ كلماتها التي جاءت كطلقات نور في عتمة حيرته:
"لا زلت تريد المغامرة يا عبد الرحمن؟ ألا تخاف أن أكون تلك التي لا ترضى إلا بالعناد، ولا تفعل إلا ما يمليه عليها قلبها وعقلها وما تراه مناسباً؟ ألا تخاف كوني امرأة لا تروض ولا تلتزم ولا تخاف؟"
سكنت ملامح عبد الرحمن تماماً وتلاشت حمرة التوتر عن وجهه لتحل محلها نظرة إعجاب عميقة. لم تكن رسالتها تحذيراً بقدر ما كانت "ميثاقاً" للحرية كأنها تضع النقاط على الحروف قبل أن تبدأ الحكاية. زفر بهدوء وشعر بزهو غريب؛ فهذه المرأة التي تصف نفسها بأنها "لا تروض" هي ذاتها التي يبحث عنها، هي "التفصيلة" الأهم التي تجعل للمغامرة معنى. لم يعد يرى في الصور المجهولة إلا محاولات بائسة لتشويه كبرياء هذه الروح التي تخاطبه الآن. أمسك هاتفه وكتب وهو يبتسم بصدق هذه المرة:
"الخوف لا يليق برجل اختار الغرق في بحركِ يا مريم.. أما عن 'الترويض'، فأنا لم أبحث يوماً عن امرأة تلتزم بالقيود، بل بحثت عن امرأة تلتزم بصدقها. عنادكِ هو البوصلة التي سأهتدي بها، وموعدنا غداً سيثبت لكِ أنني أعشق المغامرات التي لا ضمانات فيها."
أرسل الرسالة ثم تمدد في فراشه وقد استعاد سكينته تماماً. أغلق عينيه وهو يردد في سره: "غداً.. سأواجه العالم كله من أجل هذه المرأة التي لا تخاف."
أطبقت مريم جفونها بعد أن أغلقت الخط مع نور وألقت بهاتفها على الفراش كأنها تلقي بجمرة من التساؤلات. قامت لتتوضأ وفي تلك اللحظات التي كان فيها الماء ينساب على وجهها ليغسل عناء اليوم، أضاءت شاشة هاتفها في الغرفة المجاورة بوميض لم تره. قاومت فضولها وقررت أن تبدأ صلاتها أولاً؛ ففي حضرة السجود كانت تبحث عن سكينة لا يمنحها إياها البشر. وبعد أن فرغت من صلاتها وجلست على سجادتها للحظات من السكون، اتجهت نحو الهاتف.
فتحت الشاشة لتتجمد عيناها أمام صورة الطقم الكحلي الرصين. لم تكن الصورة مجرد "قماش" بل كانت حضوراً طاغياً لعبد الرحمن في عتمة غرفتها. شعرت برجفة خفيفة في أناملها وهي تكتب له ردها، كلمات صاغتها من كبريائها وعنادها كأنها تضع حداً فاصلاً بين "الخضوع" و"الاختيار":
"لا زلت تريد المغامرة يا عبد الرحمن؟ ألا تخاف أن أكون تلك التي لا ترضى إلا بالعناد، ولا تفعل إلا ما يمليه عليها قلبها وعقلها وما تراه مناسباً؟ ألا تخاف كوني امرأة لا تروض.. ولا تلتزم.. ولا تخاف؟"
أرسلتها ثم ضمت الهاتف إلى صدرها بقوة وأسندت رأسها إلى الخلف وهي تحدق في سقف الغرفة. في تلك اللحظة هجمت عليها أطياف "الخطاب السابقين"؛ وجوه مرت في حياتها كالسراب ومشاريع حكايات تكسرت عند أول عثرة. تذكرت كيف كان كل واحد منهم ينسحب أمام قوتها، أو يفر من غموضها كأنها لغز استعصى على الحل. تساءلت بمرارة: "هل ستنجح هذه المرة؟ أم أن عبد الرحمن ليس إلا نسخة أكثر ذكاءً ممن سبقوه، سيهزمه الموج كما هزمهم؟"
بينما كانت مريم تظن أن الكلمات قد بلغت منتهاها، اهتز الهاتف في كفها مجدداً بردٍّ حمل في طياته مزيجاً طاغياً من الرقي والثبات. قرأت قوله: "الخوف لا يليق برجلٍ اختار الغرق في بحركِ يا مريم"، فشعرت لثوانٍ أن هذا الرجل يمتلك قدرةً سرية على امتصاص عواصفها، وتحويل غضبها العارم إلى دهشةٍ ساكنة. لكن وبالرغم من "لطف الشعور" الذي أغدق به على جفاف روحها إلا أن غريزة "الصيادة" داخلها استيقظت فجأة من غفوتها. تسلل إليها شعورٌ غامض بالريبة تجاه هذا الاندفاع المثالي؛ كان هناك صوتٌ خفي يحذرها من أن الأمور تسير بنعومةٍ لا تشبه وعورة واقعها وبمثاليةٍ تكاد تثير الشك.
دست توجسها خلف قناعٍ من الدلال فأرسلت له أولاً إيموجي "بعينين بريئتين" (🥺)، كأنما تحتمي بتلك البراءة قبل أن تلقي بصاعقتها. ثم وبأنامل لم تعرف التردد خطّت رسالةً مقتضبة حادة الأطراف كأنها نصلٌ بارد يختبر صلابة درعه:
"أتوريدُ حقاً خوض غمار هذه المغامرة؟ أتعرفُ أنك الرجل السابع يا عبد الرحمن؟"
أطلقت رسالتها في فضاء الصمت وألقت بالهاتف على الطاولة ببرودٍ مصطنع، بينما كانت دقات قلبها تقرع طبول الحرب. "الرجل السابع".. ذلك الرقم الذي يختصر تاريخاً طويلاً من الخيبات المتراكمة، ووجوهاً عبرت ردهات منزلها ثم انمحت كأثرٍ على الرمل. كانت تصر على إشراكه في "العبء" منذ الخطوة الأولى لترى أستصمد بوصلته أمام حقيقة أنها ليست "صفحة بيضاء" بل هي "ناجية" مثقلة بندوب ست معارك سابقة. وعلى الجهة الأخرى من المدينة وفي سكون غرفته، أضاء هاتف عبد الرحمن بهذا السؤال الذي زلزل أركان هدوئه. حدق في الشاشة بذهول ليرى الرقم "7" يلمع في العتمة كنبوءة مشؤومة، تماماً كما نفث المجهول في أذنه قبل قليل: "ستكون أنت الرقم القادم". تلاقت الحقيقتان في ذهنه؛ حقيقة مريم الصادمة، ووعيد المجهول المريب، ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام لغزٍ لم يعد يحتمل التأجيل.
أضاءت الشاشة بسؤالٍ هزّ ثباتها: "هل يخيفكِ أن أكون السابع؟"
ارتجف قلب مريم بين ضلوعها وشعرت بوخزة ذنبٍ لم تكن في الحسبان. لم تكن تخشى عليه من عنادها بقدر خشيتها من "عدالة" الموقف. ترددت ثم كتبت بصدقٍ يقطر وجعاً:
"بل أشعر بالذنب تجاهك.. أنا أحمل إرثاً من ست تجارب فاشلة، أثقالاً من خيباتٍ لا ذنب لك فيها. أليس من الظلم أن تبدأ رحلتك معي وأنا أحمل كل هذا الركام؟"
لم يتأخر رد عبد الرحمن وجاءت كلماته هذه المرة مغلفةً بذلك المزيج العجيب من الثبات والكوميديا السوداء التي يتقنها:
"ظلم؟ مريم، هل تعتقدين أني كنت أقضي سنواتي الست الماضية في الصلاة لقيام الليل؟ أنا أيضاً لدي نصيبي من 'الندوب' التاريخية. ثم إن الرقم (7) رقمٌ مبارك، ألم تلاحظي؟ أيام الأسبوع سبعة، وعجائب الدنيا سبعة.. يبدو أن الأقدار كانت تدخرني لأكون العجيبة الثامنة في حياتك، أو ربما الضحية السابعة التي ستموت 'بأناقة' على يديكِ."
ابتسمت مريم رغماً عنها وشعرت بأن ثقل الجبال الذي كان يربض على صدرها بدأ يتلاشى أمام خفة ظله. كتبت له:
"تتحدث عن الموت بأناقة وكأنك تختار لون ربطة عنقك! ألا تأخذ الأمر بجدية؟"
فأجابها ببراعته المعهودة:
"الجدية المملة هي التي أطفأت شمعة الستة السابقين يا مريم. أنا رجلٌ يؤمن بأن شرور الحياة لا تُهزم إلا بابتسامة ساخرة. لا تشغلي بالكِ بالركام، فالبناء فوق الأنقاض دائماً ما يكون أكثر متانة.. لأنه يمتلك أساساتٍ عرفت طعم الانكسار ولم تسقط."
ساد الصمت للحظات شعرت فيها مريم أن ليلها الطويل بدأ ينجلي. نظرت إلى الساعة التي تجاوزت منتصف الليل بكثير وكتبت له برقةٍ لم تعهدها:
"ألن تنام؟ لقد أرهقتُ ليلك بتفاصيلي."
جاء رده كخاتمةٍ موسيقية لليلةٍ لن تنسى، جملة بدت وكأنها خُبئت لسنوات لتُقال لها الآن:
"أتى الأوان الذي أقول فيه الجملة التي تعجبني.. في حضرة من نطمئن به، يصبح الليل طفلاً يحبو."
ساد الصمت بينهما للحظات قبل أن تبدأ مريم في نبش تلك التفاصيل التي تؤرقها، لا كقائمة اتهام بل كحكاياتٍ تودّ إلقاءها خلف ظهرها. قالت له بنبرة يملؤها العتب القديم:
" على مثلاً كان رجلاً لا يعرف للمرونة سبيلاً. أتذكر ذات مرة أني تأخرتُ في العمل لظرفٍ قاهر، وكان هاتفي صامتاً في حقيبتي فلم أجب على اتصالاته. وحين وصلتُ إلى المنزل واتصلتُ به فوراً لأعتذر وأشرح له ما حدث، لم يمهلني ثانيةً واحدة؛ زمجر في الهاتف وتعصّب وانفعل بجنون، وكأنني ارتكبتُ خطيئةً كبرى. لم يكن يرى في تأخيري إلا إهانةً لشخصه."
ردّ عبد الرحمن بهدوءٍ واثق وكتب لها:
"يبدو أن على كان يبحث عن جنديٍّ يطيع الأوامر، لا عن شريكة حياة. صدقيني يا مريم، المشكلة ليست في تأخيركِ، بل في قلقه الهشّ الذي لم يستوعب أن للحياة ظروفاً لا تخضع لساعته. بالنسبة لي، الأمان الذي بيننا أهمّ من عقارب الساعة، ولو تكرر الموقف معي، لانتظرتُ حتى تهدئي لأطمئن عليكِ أولاً؛ فالعصبية لم تكن يوماً حلاً، بل هي مجرد استعراض قوةٍ فاشل."
استرسلت مريم في الحديث تحكي له عن آخر كان يضيق ذرعاً بطموحها وعن ذاك الذي كان يفسّر صمتها تمرّداً. كانت تسرد المواقف بمرارةٍ واقعية، وفي كل مرة كان عبد الرحمن يمتصّ حزن الحكاية بردٍّ رزين يقلب تراجيدية الموقف بلمحةٍ ساخرة تجعلها تبتسم رغماً عنها، موضحاً بأسلوبٍ مرح أنه متقبّل لكل تلك "الندوب"، بل ويرى أن من رحلوا هم من خسروا الرحلة في منتصفها.
تجاذبا أطراف الحديث لساعات تداخلت فيها الضحكات بالتنهيدات، حتى شعرت مريم أن العبء الذي حملته لسنوات بدأ يتلاشى أمام نضج هذا الرجل ورؤيته الهادئة للحياة. قبل أن ينطفئ وهج الشاشة وتُطوى صفحة تلك الليلة الطويلة، وقبل أن تنسحب مريم إلى هواجسها، أبى عبد الرحمن إلا أن يترك أثراً أخيراً في وجدانها المتوجّس. كانت الرسائل قد توقفت لكن صوته هذه المرة جاء عبر اتصالٍ قصير أراد من خلاله أن يثبّت تلك الطمأنينة بنبرةٍ حيّة تتجاوز جمود الحروف. رفع الهاتف إلى أذنه وبالرغم من المسافات وصل صوته إليها دافئاً رخيماً وبنبرةٍ تحمل من المودة ما جعل ارتباك مريم يهدأ قليلاً لتسمع ما سيقول. تمتم عبد الرحمن بكلماتٍ خافتة تليق بسكون الفجر: "مريم..."
ردّت عليه بـ"همهمة" رقيقة كانت أشبه بزفيرٍ طويل ينمّ عن إنصاتٍ تام كأنها تقول له بغير كلمات: "أسمعك... أنا هنا، منصتة بفضولٍ وحذر." ساد صمتٌ قصير غلّفه حفيف الأنفاس الهادئة قبل أن يضيف بلطافةٍ بالغة وصوتٍ يبتسم: "آنستِني يا مريم... آنستِ ليلي، وآنستِ تلك الزوايا التي كانت تستوحش الانتظار."
نزلت الكلمة على مريم كقطرة ندى مباغتة. "آنستِني" لم تكن في أذنيها مجرد كلمة شكر بل كانت اعترافاً بأن وجودها -برغم حكاياتها المريرة- كان الأنيس الذي تقبّله بصدرٍ رحب. أحسّت مريم بابتسامةٍ باهتة ترتسم على ثغرها في العتمة وشعرت أن حواراتهما التي بدأت بريبةٍ شديدة انتهت بهدوءٍ لم تألفه من الستة الذين عبروا قبل "السابع". وبنفس الهدوء البلاغي الذي غلّف حديثهما، أغلقت الخط وهي تحمل كلمته الأخيرة بذهنٍ شارد، بينما ظل هو يحدّق في هاتفه بابتسامةٍ ساكنة مدركاً أن الليل بالفعل قد أصبح -في حضرة هذا الاطمئنان- طفلاً يحبو.
في اللحظة التي استكانت فيها روحها وظنّت أن مرافئ الاطمئنان قد شرعت أبوابها أخيراً، اخترق سكونَ الليل صوتُ ارتطامٍ مفاجئٍ صلب. حجرٌ طائش أُلقي بيقينٍ غريب ليخترق عتمة شرفتها ويستقرّ عند قدميها بوقعٍ أيقظ كلَّ كوامن الفزع في صدرها. تسمّرت مريم في مكانها وشعرت ببرودةٍ تسري في أطرافها وهي تحدّق في ذلك الدخيل الصخري. لم يكن مجرد حجر بل كان يحمل في أحشائه رسالةً ملفوفةً بعنايةٍ مريبة كأنها نذيرُ شؤمٍ قطع عليها خلوتها. تراجعت خطوةً إلى الخلف وصراعٌ مريرٌ يدور بين رغبتها في الهرب وفضولٍ موجعٍ ينهش تفكيرها.
غالبت دقات قلبها المتسارعة وانحنت ببطءٍ لتلتقط الورقة بأصابع ترتجف. فتحتها بحذر لتجد كلماتٍ خُطّت ببرودٍ مرعب كأنها نُحتت من صَوّان:
"حسنًا... اللعبة ابتدأت الآن، وأنا الحكم، وغدًا أولُ جولة؛ فهل أنتِ مستعدة؟"
شحب وجه مريم وشعرت فجأةً بآلاف الأعين تراقبها من وراء ستر الظلام. تلك الطمأنينة الهشّة التي شيّدها عبد الرحمن قبل دقائق تهاوت أمام هذا الوعيد المجهول. لم تكن مجرد رسالة بل كانت إعلاناً لحربٍ لا تعرف ميدانها وتذكيراً بأن "الرجل السابع" لن يكون مجرد رقمٍ عابر بل هدفاً في مرمى قنّاصٍ مجهول. نظرت من خلف زجاج الشرفة إلى الشارع الساكن فبدا لها السكونُ غادراً والليلُ الذي كان قبل قليل "طفلاً يحبو" استحال فجأةً غولاً يتربّص بها في العتمة.
وبينما كانت تحاول استيعاب وقع الكلمات القاسية في الورقة، تسمرت نظراتها نحو الزاوية المقابلة لشرفتها، هناك حيث يبتلع الظلامُ معالم الشارع. لمحته... ظلًّا بشرياً منتصباً كأنه جزءٌ من معمار الليل. حبست أنفاسها وهي تراه يخرج من عتمة الزاوية قليلاً لا ليقترب بل ليعلن عن حضوره الطاغي. وبحركةٍ بطيئةٍ مستفزّة رفع يده مشيراً إليها بتحيةٍ باردة؛ إيماءةٌ غامضة كانت كفيلةً بأن تجعل الدماء تتجمّد في عروقها. وفي تلك اللحظة خُيّل إليها -تحت ضوء المصباح الباهت- أنه ألقى نحوها بابتسامةٍ خبيثة؛ ابتسامةٌ لم تكن تشبه الودّ في شيء بل كانت توقيعاً مرئياً على رسالته وإعلاناً صريحاً بأنها أصبحت تحت مجهر مراقبته.
انقبض صدرها وهي تراه يتراجع ببطءٍ ليتلاشى في السواد خلف المنعطف، تاركاً إياها في مواجهة رجفةٍ لم تفلح جدران غرفتها في صدّها. غابت الابتسامة التي رسمها عبد الرحمن قبل قليل وحلّ محلّها هذا الطيف الذي حوّل "الرجل السابع" من بدايةٍ محتملة إلى جولةٍ في لعبةٍ خطرة لم تختر مريم أن تلعبها، لكنها وجدت نفسها فجأةً في قلب ميدانها. أغلقت ستائر شرفتها بقوة وأسندت ظهرها إلى الخشب البارد، والورقة لا تزال مجعّدةً في قبضتها، بينما صدى تلك الابتسامة الخبيثة يتردّد في مخيّلتها كأنه يهمس لها:
"لقد انتهى وقت الأمان... وبدأ وقت المواجهة."
"من هو ذلك القناص الذي يتربص بمريم في اللحظة التي قررت فيها أن تطمئن؟ وهل "الرجل السابع" هو من استدعى هذا الظل من عتمة الماضي، أم أن اللعبة أكبر من مجرد حكاية زواج لم تكتمل؟"