ظل الأمس | الفصل الثالث: ما لم أكن أراه
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

ظل الأمس | الفصل الثالث: ما لم أكن أراه

جاري التحميل...

الفصل الثالث: ما لم أكن أراه

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

كانت جالسة أمام مرآتها تمشط شعرها وهو يطالعها من خلفها مباشرة، تمعن ملامحها جيداً لكنها لم تلحظ وجوده، وهو بدوره لم يلحظ ذلك فقد كان لا يرى إلا هي أمامه.
سمعا صوتاً ينادي عليها من خارج الغرفة فنهضت سريعاً وقالت بصوتها الرقيق: "قادمة!".
كان يطالعها باستغراب حين التفتت فهي لم تنظر إليه كأنه لم يكن بالغرفة، نادى عليها باسمها لكنها فتحت الباب واتجهت لمصدر الصوت، سار خلفها غير مصدق لما يرى وعلى لسانه كلمة واحدة: "انتظري".
مد يده ليمسك ذراعها، مرت يده من خلالها، وقف في مكانه مصدوماً وتحرك حتى وصل أمامها وهي تتحدث مع والدتها. ظل يلوح بشدة ليلفت انتباهها، التفت وحاول إسقاط أي من الأطباق أو الأكواب فمرت يده خلالها كما مرت من ذراعها، أصاب الجنون عقله بينما يقلب نظره بينها وبين يده.
تركهما على حالهما وذهب للصالة لتذكره ذلك اليوم من ردائها ذا اللون القرمزي، توجه للنتيجة المعلقة على الحائط ونظر بصدمة للتاريخ: الثالث من مايو لعام 2005.
ذلك اليوم هو اليوم الذي سيأتي إلى بيتها، اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. سريعاً نظر للساعة المعلقة على الحائط، الرابعة وخمسون دقيقة ما يعني أن الوقت المتبقي لوصوله عشرة دقائق فقط.
سمع صوت خطوات سريعة فالتفت ليجدها تسير نحو غرفتها وبيدها "صندوق" به هدايا جاء بها إليها من قبل فاستغرب وأمعن النظر جيداً. بعد أن دخلت غرفتها لحقتها والدتها بهدوء.
تبعهما إلى داخل الغرفة وأنصت لحديثهما الذي بدأته الأم قائلة:
- متى أخبركِ أنه سيصل؟
أجابت مسندة ظهرها لكرسيها:
- سيأتي في تمام الخامسة، هو ملتزم بمواعيده.
جلست الأم على سرير ابنتها وقالت بنبرة متسائلة:
- هل أنتِ متأكدة من قراركِ؟ هل تريدين حقاً أن تتركيه؟
صُعق آدم في تلك اللحظة، هو يتذكر ذلك اليوم كأنه صار بالأمس. وقف ولم يقو على الحراك والعبرات تتجمع داخله، لكن لا أحد يراه أو يشعر بوجوده.
أجابت ضاحكة:
- بالتأكيد!
ثم أكملت باستهزاء:
- لقد أخذت منه ما يكفي، أيضاً دعينا لا ننسى أن مستقبله بلا ملامح.
ابتسمت الأم بازدراء وقالت:
- الأفعى تزداد سمًا.
ثم ضحك الإثنان بصوتٍ عالٍ وآدم يتمزق من الصدمة جوارهما. سقط على ركبتيه أمامهما ودق جرس الباب مع تمام الخامسة في تلك اللحظة فهدأ الاثنان ورسمت الأم وابنتها هدوءاً وحزناً زائفاً على وجهيهما. قام الاثنان ونظرت الأم لابنتها مخبرة إياها أن تفتح هي الباب بينما تذهب هي للمطبخ.
فتحت الباب واستقبلت آدم، حين كان شاباً في الخامسة والعشرين. بيده علبة من الشوكولاتة وابتسامة متسعة لاءمت شعره المهذب وملابسه البيضاء المكوية.
دخلا معاً للصالة وجلسا سوياً وآدم لا يزال على ركبتيه وغرفتها أمامه ونفسه السابقة وهي معاً خلفه على الأريكة.
قال آدم بانكسار:
- كنت أحمقاً طوال هذه السنوات، وذلك الغبي خلفي بحبها متمسك...؟
قالت لنفسه القديمة خلف طيفه:
- آدم هناك ما أريد إخباره لك.
ابتسم وهو يرتشف بعضاً من عصيره ثم قال:
- كلي آذان صاغية.
أخفضت رأسها ثم رفعتها ببطء وقالت:
- هناك منحة دراسية في كندا قدمت لها طلباً وقد تم قبوله. سأسافر إلى هناك ولكن لن أستطيع رؤيتك خلال هذه المدة.
حزن آدم في داخله لكنه لم يرد منعها من الارتقاء في حياتها، قال لها بابتسامة صادقة:
- على الأقل أستطيع مراسلتك.
قالت بنصف ابتسامة حزينة:
- أخشى أنني لن أستطيع، الدراسة هناك صعبة وسمعت أن الهواتف غير مسموح بها.
شعر بضيق يعتصر قلبه لكنه قال:
- الأهم أن تكوني سعيدة.
ابتسمت بخفة فأكمل مبتسماً:
- متى موعد ذهابك؟
بعد أسبوع من الآن.
انتهى ذلك الحوار وبدأ الاثنان حوارات عديدة بينما طيف آدم لا يزال مكانه، مصدوماً، مصفوعاً.
قال طيفه:
- إنها الدراما! العودة للماضي مشاهدًا، في هذا الوقت تحديداً.
نهض بتثاقل وعيناه لا تخلو من الثقل، ذلك الثقل الذي تكاد الجفون تُغلق منه.
سار طيفه الأصغر وعيناه ناظرتان للأرض من آثار الصدمة، وقف بجانبه وبريق الحسرة يشع من عينه، قال:
- أما زلت تبتسم؟
كان على وشك أن يكمل لكن صوتاً أحاط المكان بأكمله قاطعه:
- قد تنظر إلى ما أنظر لكنك لا ترى ما أرى.
رفع آدم رأسه ونظر سريعاً للوجوه المتواجدة أمامه حول نظره بينهم كأنه يبحث عن إشارة لكنه لم يلق شيئاً. تحرك شيء من خلفه أصدر صوتاً ملحوظاً، فالتفت سريعاً.
كانت الأم قد قدمت واصطدمت قدمها بالأريكة، تحرك طيف آدم الأصغر نحوها ومر من خلال طيفه الأكبر تنهد وقال:
- ربما كنت أتخيل.
ثم نظر لها نظرة أخيرة جافة لا تحمل نفس مشاعره القديمة. أكمل:
- كما تخيلتك يوماً.
أتى في تلك اللحظة الصوت نفسه الذي أحاط بالمكان سابقاً قائلاً بنفس الصوت الغليظ:
- هذا ما قصد أرسطو وما قصدت أنا.
تلفت آدم حوله وعيناه القلقة تبحث عن مصدر الصوت بترقب. أكمل الصوت:
- أنت تنظر للأمر على أنه نقمة أصابتك، من منظوري، لقد تمت نجدتك.
قال آدم بشيء من الهلع وطيفه يمر من خلال ما حوله:
- من أنت؟
قال الصوت وآدم لا يزال يتلفت:
- ألم تتساءل، كيف لك أن تقف على الأرض الصلبة وطيفك يمر كل شيء خلاله؟
سقط آدم لحظياً هاوياً للأسفل، صمت وتسارعت أنفاسه من شدة السرعة التي كان يسقط بها، السواد كساه من كل الاتجاهات وشعور السقوط لا يزال حاضراً.
عاد الصوت بعد اختفاء يسير:
- الخوف.. المحرك الأساسي للبشر أجمع، ذكرياتك مليئة بما لا يُحمد عُقباه من الخوف، دائماً كنت خائفاً يا آدم.
توقف السقوط وتدلت أطراف آدم للأسفل ورأسه كذلك. شهق آدم فقد انقطعت أنفاسه لثوانٍ. أتى الصوت مرة أخرى:
- ما الذي أنت منه خائف.. آدم؟
نهض آدم سريعاً وفي أنفاسه شيء من الهلع، أنفاسه مضطربة متقطعة، وضع يديه على وجهه يتفحص. تحسس ملامحه فلم يجد القناع ملتصقاً.

***

نظر لما حوله، إنها غرفة نومه كما اعتادها. تنفس الصعداء، لكن بعض الأسئلة أثارت الفضول بداخله.
أخرج تلك الأفكار من عقله وبقت الذكرى في عقله. هل ما رآه لامس الحقيقة؟ أم أن الهلاوس تسيطر على تفكيره مرة أخرى؟
رن الهاتف جواره، تلك النغمة يعلمها جيداً. أمسك الهاتف مستغرباً وأغلق المنبه. كان على وشك وضع الهاتف جانباً لكن عينه وقعت على التاريخ.
صُعق من التاريخ الذي رأى، الثالث من أكتوبر، اليوم الذي طُرد فيه من عمله وخسر كل شيء. الخامسة صباحاً كما اعتاد.
قال وأثر الصدمة لا يزال ملازماً:
- هل كان ذلك حلما؟ لا يعقل!
فتح قفل هاتفه وأخرج رقم روبرتس واتصل به حتى أتته الإجابة:
- صباح الخير يا آدم، لا زال الوقت مبكراً لمَ أيقظتني في هذه الساعة؟
(آدم): روبرتس، هل تم طردي من العمل؟
- ماذا؟!
(آدم): سؤالي واضح، هل تم طردي من العمل؟
أجاب بنبرة شبه يقظة بعد أن تلاعب:
- هل أيقظتني لهذا السبب؟
(آدم): أجبني يا روبرتس!
تنهد روبرتس وقال:
- لا لم يتم طردك أيها الأحمق!
أغلق آدم الخط دون كلمة إضافية وثبّت نظره على إحدى زوايا الغرفة سارحاً. قال مسترجعاً أحداث ذلك اليوم:
- استيقظتُ وأخذتُ حماماً دافئاً، وصلت للشركة في تمام الثامنة وأغرقت بالكثير من العمل الذي أتذكر تفاصيله في استراحة الغداء كانت ابنة صاحب الشركة ملاحقة لي حتى حدث ما حدث وخسرت وظيفتي.
أطرق للحظات ثم قال:
- إن كان ما رأيت حقيقة فلا بد من عودتي لذلك المكان.
توقف لسانه، كيف يعود للمكان ذاته؟
استغرق منه التفكير بعض الوقت حتى أن ساعة كاملة مضت ولم يشعر بمضيها. قام وأخذ حماماً سريعاً وتناول إفطاراً خفيفاً وتوجه للشركة.
بدأ اليوم بنفس تفاصيله، العمل الشاق ذاته بالتفاصيل نفسها، الملفات الكثيرة التي تأتي لآدم لكنه أنهاها بسرعة لعلمه المسبق بما فيها.
وحين أتى موعد الغداء كانت كل الملفات التي تلقاها آدم منتهية ومختومة. قال روبرتس بانبهار:
- أنت... غريب اليوم.
لم يجبه وأسرع لخارج الشركة للمطعم الذي ابتاع منه سابقاً. أثناء انتظاره دوره ليحجز رقمه اشتم رائحة عطر نسائي خلفه فتيقن أنها ابنة صاحب الشركة.
سحب رقمه واتجه لمقعد فارغ وكما توقع جلست جواره ومثل ما فعل سابقاً لم يبدِ لها اهتماماً.
بعد لحظات قالت بنفس النبرة الهادئة. لكن لا يعلم آدم ما الذي حدث.. عجز لسانه عن الكلام وأبى جسده أن يتحرك.. حاول جاهداً الالتفات أو تحريك لسانه، لكنه بدا وكأنه مقيد.
- اللعنة على هذا، لماذا يأبى جسدي أن يتحرك؟
انقشع المشهد كأنه ضباب وجاء الفراغ الأسود من حوله مجدداً. ثم أتى الصوت بنبرته الغليظة:
- أثناء حديثك معها، لم تكن بارداً أو جافاً، الخوف.. الخوف كان مسيطراً على أفعالك. لقد كنت خائفاً منها لكنك ظننت أنه لم يعد لديك ما تخسر فاخترت ذلك الاختيار.
عاد لآدم التحكم في جسده وطفا في الفراغ، نظر بعينيه القلقتين باحثاً عن مصدر الصوت، قال بانفعال:
- من أنت تحديدا، ما الذي تريده؟!
قال الصوت:
- كل يوم في تمام منتصف الليل يفتح المكان لك بابه، لديك فرص بالقدر الذي تشاء لتغيير ماضيك.
قال آدم:
- لا تحسبني أقوم بذلك مجاناً، كل تغيير تقوم به ثمنه ذكرياتك.
(آدم): ذكرياتي..؟
- باب الدكان لا يُغلق...
اختفى صدى الصوت تدريجياً وبدأ الفراغ الأسود ينقشع. عاد المشهد السابق، ابنة صاحب الشركة جواره، ونظره ثابت أمامه.
"أستطيع تغيير الماضي..."
فرقعت أصابعها أمامه فعاد انتباهه. لكنه لم ينظر إليها، نهض ذاهباً ليأخذ طلبه. سار باتجاه الشركة ولحقت به وسارت جواره.
قالت:
- لم تكن منتبهاً لرقمي كذلك! كنت خلفك مباشرة!
(آدم): ما الذي تريدين؟
- أريد تناول الغداء معك اليوم.
(آدم): حسنا..
نظرت إليه باستغراب، فقال:
- ماذا؟
قالت:
- لا... لا شئ.
(آدم): ظننتي أنني سأرفض أليس كذلك؟
- نعم، ما سمعته عنك أكد لي ذلك، لكن الآن...
(آدم): على الشخص النظر في الفرص المتاحة، الماضي لا يفيد بشئ.
- جرئ، وهذا يعجبني.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.