الفصل الثامن: رواية يوما ما
الفصل الثامن
.........
أمسكت قلبي و أنا جالسة أنتظره، فعلى بعد دقائق قليلة سأراه ..سأرى من بقيت أفكر فيه .
سأرى قيصري و أخيرا.
لا ادري لماذا ربطت ياء الملكية بإسمه ، بالنسبة لي تلك الياء التي لا حول لها و لها كل القوة في قلبي وُجدت فقط لتقترن بحروف اسمه لتصبح ملكه و ملكي ايضا.
حينها انتبهت لسكرتيرته ، كم هي محظوظة لأنها تراه في الصباح و في المساء و أنا أراه مرة واحدة فقط ،عند هذه أحسست بوخزة مؤلمة في قلبي و بنار بدأت بالتأجج داخلي , فتلك الممرضة تبدو أكبر منه قليلا و تبدو لي أيضا من النوع الذي لا يهتم بشيئ.
لكن في بعض الأحيان في العلاقات قد تكون المرأة هي سيدة العلاقة و تصبح ناجحة في الأخير و تنتهي و بالزواج، لكن ليست كلها ناجحة ، فهي لا تنجح غالبا و لا يقبل الرجال بنساء أكبر منهم الا اذا عشقها و أفنى في حبها.
فإنتبهت ليديها و هي تقلب الاوراق فلاحظت الخاتم الموضوع في يدها اليسرى , فتنهدت تنهيدة كلها راحة , و كأن أنفاسي قد كانت محبوسة داخلي و تحررت فور ايجادها مخرج,
ما بالك يا توليب هل تشعرين بالغيرة من سكرتيرة اكبر منه وقد تكون متزوجة؟ّ!
لكن حتى لو كانت متزوجة فهذا يعطيها افضلية و انصافا أكثر مني , و كيف يكون انصافا و أنا أراه ثلاثون دقيقة واحيانا أربعون دقيقة و مرة واحدة في اليوم و هي أربع وعشرين ساعة و سبعة أيام بالتمام و الكمال ، هذا ليس عدل على الإطلاق, فقلبي له السلطة المطلقة بالتحكم في جميع أعضائي الداخلية و الخارجية منها ..فكيف اذا سأسيطر عليه و هو ما ينفك ينادي بإسمه بربط الياء في اخرها ،و يرفض أن يكون له شريك على قلبه غيره هو .. حتى المتزوجات منهن.
فنفضت عني هذه الأفكار فاليوم سأراه و لن أدع أحد يعكر مزاجي .. حتى هي و بالتحديد اليوم , فإنتبهت لها فوجدتها تنظر لي و تبتسم و هي تقول :
-هل أنتِ توليب عوض ؟
فإبتسمت بإرتباك و قلت لها :
- نعم لكن كيف عرفتِ ؟
- أنظري حولكِ لم يتبق أحد هنا ؟
فنظرت حولي و ابتسمت بحرج و قلت لها بخجل :
-لقد كنت مستغرقة في أفكاري و لم أنتبه .
فضحكت بمرح و قالت :
- لا عليكي أنا أرى ، تفضلي الآن إنه بإنتظارك .
فحملت حقيبتي و إبتسمت لها بإرتياح و شكرتها و كلمة " بإنتظارك " كان لها وقع مربك لذيذ على قلبي ، فدخلت فإذا بصوته العميق يقول :
- مساء الخير توليب.
شعرت أن أنفاسي قد سلبت و أن الغرفة خالية من الهواء .. فلم أعد أعلم هل أهتم بنبض قلبي السريع أو برجفة يدي التي فقدت السيطرة عليها و كل ذلك بفضل خمس حروف خرجت بصوت عميق من شفتيه, فأجبته بإقتضاب و بصوت منخفض و مرتعش :
-مساء الخير .
فرفعت رأسي و نظرت اليه فوجدته ينظر لي نظرة باردة و غامضة ، وقد كانت كفيلة بجعلي ارتجف و لم أعلم السبب ، لكنني أعلم على الأقل أنه يوجد خطب ما به لدرجة انني لم استطع اخراج الكلمات المتبقية و تحريك قدمي و الجلوس ,لا أدري هل بسبب المشاعر التي بدأت تعصف بي بسببه ؟ أم أنه هناك خطبا ما به حقا؟.
- هل ستبقين واقفة في مكانك أم ستتفضلين بالجلوس ؟
انتفضت اثر سؤاله المباغت و شعرت بالخجل الشديد لأنني كنت أحدق به كالبلهاء ، فكل ما أتمناه في الوقت الراهن أن تمضي هذه الجلسة بسلام.
أنا لا أعلم ماذا حدث لكنني أعلم على الأقل أنه هناك شيء مختلف .. حتما مختلف.
- آسفة سأجلس أنا فقط كنت أفكر . قلتها بصوت منخفض .
فأجابني بصوته الواثق :
- في ماذا تفكرين ؟ هل أنا ضمن هذه الأفكار ؟.
حينها خفق قلبي بقوة لدرجة أنني لم أكن قادرة على التنفس لأنني رأيت في عينيه شيء مختلف.. تلك الثقة التي لا حدود لها و التأكد الذي لا شك فيه, مما جعلت هالته فيها شيء من الغرور و الثقة المطلقة .. لا أعلم مصدرها .
لكن الشيء الذي جعل قلبي ينتفض أنه عرف أفكاري كمعرفة الضال للطريق الصحيح , لقد قرأني ككتاب مفتوح لا يحتاج الشرح و التفسير , حينها أدركت أنه أخطر مما توقعت فهو لم يكن ينظر لي بل ينظر لروحي.
لكن الذي لا يعلمه هو أنني قادرة على التحكم في ردود افعالي و التظاهر بأن كل ما يفكر فيه هو وهم من أوهام عقله , فمظهري الذي يوحي بالهشاشة و الضعف ما هو الا قناع خلفه قوة قادرة على التغلب على اي حاجز أو عائق .. حتى لو كان قلبي , فكبريائي أعظم من مشاعر مكشوفة لا تعني شيئا. فرفعت رأسي و أجبته بابتسامة واثقة :
-لماذا سيكون طبيبي ضمن أفكاري ؟
فإبتسم بدوره ابتسامة ذات مغزى كأنه علم ما يدور داخلي , و حمدت الله كثيرا حين غير دفة الحديث و وضع قناع الطبيب اخيرا و قال :
- هل نمتي جيدا ؟
- نعم نمت جيدا.
- هل مازلتي ترين الكوابيس ؟
- نعم لكنها قلت في الآونة الأخيرة . فإبتسمت وقلت بهمس لا يسمع بسببك .
فغمغم بكلمات غير مفهومة ثم كتب شيئا في اوراقه و أخذ يفكر ثم رفع رأسه و قال:
- حسنا ! كيف تشعرين مؤخرا , هل تعانين من توتر مفرط.
- أحيانا أتوتر لكن طبعا في الأمور التي تستدعي ذلك .
اطرق برأسه و بقي يفكر بصمت ثم رفع عينيه و هو ينظر لي نظرة غريبة لم افهما ثم قال بهدوء :
- توليب سأسألك شيئا و اريدك أن تجيبي بصراحة.
فأجبت بحيرة :
- نعم سأجيب بصراحة ماذا تريد أن تسأل .
- هل راودتك يوما رغبة في عدم التبرير حين تتعرضين لموقف يستدعي ذلك ؟
فابتسمت و أجبت ببساطة :
- لا أنا لا ابرر .
- لماذا؟
- لأنني لا أشعر بحاجة للتبرير لذا أتركهم لظنونهم عني و لا أبالي.
- هل حاولتِ مرة ان تبرري لأحد أو لشخص ؟
فإبتسمت و قلت بشرود :
- حاولت أن ابرر لبعض الاشخاص و اصحح أفكارهم عني لاسيما في فترات دراستي الا أنني تغاضيت على الموضوع فهم لن يصدقوني على اي حال.
نظر لي نظرة اختلج لها قلبي و قال بصوته الواثق :
- أحيانا يكون الامتناع عن التبرير في مواقف معينة هو نداء خفي للأشخاص بأن تُفهمي بدون كلام و هذا ما تشعرين به أليس كذلك؟
لقد عرف لكن كيف ؟ كيف له القدرة على معرفة داخلي بدون أن أتكلم؟ كبف لي أن أكون ككتاب مفتوح بالنسبة له في حين انني لاطالما كنت ذلك الكتاب ذو الشيفرة المعقدة , فلم اجبه و بقيت أنظر له نظرة طويلة ممتنة و كأنه فهمِ ما قلته بعيني, فتابع و هو يغير السؤال:
- اخبريني عن الكوابيس قليلا ماذا ترين؟
حينها شعرت بارتجاف لا إرادي في جسدي، فتذكرت مجددا مشهد والديَّ فأغمضت عيني لا اراديا لكي لا يري ضعفي و ألمي لأنني تعودت أن أخفي حزني و لا أظهره، ثم فتحتهما و نظرت اليه و ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت :
-الكوابيس ماهي الا مرآة تعكس حياتنا جميعا ، و ليس بالضرورة ان تكون معاناتنا فقط هي من تتجسد على شكل كوابيس كئيبة ، في بعض الاحيان تكون روتينية الحياة هي الكابوس و المعاناة التي نراها في الحقيقة ملونة و عادية لدرجة أننا لا نشعر بسوداويتها الا حين يسدل الليل ستائره ، فتتجلى لنا الحقيقة المطلقة لحياتنا على شكل احلام وهمية باللونين الابيض و الاسود.. ليست الكوابيس و الحوادث من تجعلنا عالقين في دوامة لا نور و لا نهاية لها في الحقيقة الامر كله يبدأ بتدابير الحياة و القدر،و بينهما خيط رفيع يتحكم في سير الأحداث و الأيام,.. فتغيُرنا ناتج عن البقاء في مكان نخاله من فرط ألمنا آمن و هو في الحقيقة وحش يلتهم لهفتنا نحو حياة جديدة.
ثم تابعث ممازحة :
- يجدر بك تغيير سؤالك ايها الطبيب أم أن أساليبك في معرفة الاجابة قد أصبحت قديمة الطراز.
فأطرق برأسه للأسفل و ابتسم ابتسامة ساحرة خطفت قلبي لثواني قليلة ثم قال:
- اذا هل تقولين بأن أساليبي قديمة يا توليب؟
- قل لي اذا أساليبك الجديدة ؟
- ستتعرفين عليها مع الوقت لكن قبل هذا هل تجيدين الكتابة؟
- الكتابة ؟!
- التعبير عن ما في داخلكِ بالكتابة.
-فأجبت ممازحة :
- لماذا أذهب ليدي و أنا لدي فم أعبر عنه، لكن لأصدقك القول لم أجرب ابدا .
فنظر لي نظرة عميقة غامضة لم استطع ان أفك شيفرة معانيها، ثم فتح درج المكتب و أخرج منها مفكرة بنفسجية اللون و عليها زهور التوليب بتدرج لون البنفسج و الاسود الانيق , ثم ناولني اياها ثم قال:
- لم لا تعطين الأمر محاولة ؟.
لم أستطع اخفاء ذهولي و ارتجاف قلبي الذي جعلني غير قادرة على التنفس كيف سأتنفس مجددا و هذه أول هدية أتلقاها و مِن من ؟.. حسنا هي ليست هدية بمعنى الكلمة فهذه احدى الطرق لعلاجي أعلم .
لكن قلبي لم يفهم انها وسيلة بسيطة لا تُسمن و لا تغني الا أنها في الاخير اغنت قلبي و جعلته خائر القوى ،فقام بتفسيرها على أنها الهدية الأولى مما جعل انفاسي عالقة داخلي , فنظرت اليه و لأول مرة بقلبي لا بعيني هاتين و كل تلك الثقة و اللامبالاة التي ارتديتها سقطت بنظرة واحدة من عينيه.
فقلت بكلمات مشتتة أضاعت طريقها:
- لكنني.. لم أجرب من قبل.. أعني.. أن أعبر عن .. نفسي بالكتابة .
حينها كانت القشة التي قسمت قلبي الى نصفين حين وقف و تقدم نحوي و عينيه المركزتين على عيني جعلتا من قلبي لا يطيق صبرا للخروج حيث هو.
فإبتسم ثم وضع المفكرة في يدي و قال :
- نحن لا ننجح من المحاولة الأولى كما أن سر النجاح لا يكمن في سهولته بل بصعوبة محاولاته و لأصدقكِ القول اشعر أن لديك الموهبة، فإغتنميها و حاولي.
بالكاد استطعت النظر الى وجهه و اخراج الكلمات, فأخذتها بأيدي مرتعشة و بقلب مرتجف من قربه قلت :
- ش..شكرا لك سأحاول .
- حسنا اذا.
قالها باقتضاب و هو يعود الى مكتبه و على وجهه امارات الارتياح، و قد ذهبت برودة ملامحه ليحل محلها ابتسامة دافئة سعيدة و كأن الكائن البارد و الغامض الذي لمحته اول مرة حين دخلت قد تبخر ، و هذا التحول الرهيب و التناقض قد جعلاني اقع فيه اكثر فأكثر .
فقلت له بصوت منخفض بالكاد سمعه :
- ما سر هذه السعادة ؟
-لأنني أدركت أن كل ما تحتاجينه في الوقت الراهن مكان خاص بك وحدك لتفرغي فيه ما بداخلك .. فتخيليها فقط دلو فارغ و أنت بصدد ملءه بكلماتك فالمفكرة بدون أفكارك لا أهمية لها، و هي أيضا الوسيلة الفعالة لحالتكِ للتخلص من شحنة الأفكار السلبية التي تؤرق لياليك, فحاولي على الأقل أن تكتبي خمس أو سبع جمل في اليوم و مع الوقت سوف تشعرين بأنك فارغة و مرتبة داخليا .
- هل سأشفى؟
فإبتسم بتلقائية و قال بثقة طبيب :
- لا وجود لأمراض غير قابلة للشفاء نحن من نقرر اذا كانت قابلة للشفاء ام لا , لست أتحدث عن الأمراض الجسدية بل النفسية , فالنفس تكون حبيسة مواقف مؤلمة و كلمات جارحة و نحن نجعل تلك المواقف و الكلمات شيئا عكسيا قابل للإلتئام.. مثل الصبار, فاذا ما اهتممنا به و رعيناه سيتمرد و يخرج في الاخير زهرة تريد المحاربة رغم الأشواك المحيطة بها.
- هل تخبرني بأنك الماء الذي ينبت الورود ؟
- بل الذي يسقيها و يهتم بها حتى تقاوم الحياة و تكون قادرة على التأقلم.
ثم تابع بهدوء :
- حسنا لقد انتهينا لليوم .
فنظر الى التقويم اليومي و قال:
-سأراك يوم الثلاثاء على الساعة الرابعة مساءا هل يناسبك ؟.
فنهضت و حملت حقيبتي و قلت بخجل :
-نعم يناسبني سأراك يوم الثلاثاء.
ثم وقف و نظر لي نظرة غامضة و مد يده نحوي فمددت يدي بدوري و امسكت بيده فسرت رعشة كهربائية في جسدي مجددا ثم ضغط على يدي برفق و قال:
-اهتمي بنفسك و لا تنسي أن تكتبي في المفكرة.
خرجت فلفحني الهواء البارد ، فسارعت بإحكام أزرار معطفي العلوية و مضيت و أنا خارج وعيي تماما.. فكيف سأعود لوعيي و هو أصبح واقعي البحت و العالم بفصوله الثلاث و رابعه شتاء لقاءنا؟ كيف سأعود و أنا أصبحت أعيش في زمن الخرافات و الخيال و الأحلام الوردية.
فالواقعية لم تعاد تلائمني حتى و إن كانت ضئيلة .
و هذا كله بسببه.
كيف استوطنني واحتل كياني بهذه الطريقة؟ كيف سرقت قلبي سريعا يا قيصر؟ فأنا لم أشعر بهذه المشاعر من قبل .. لا اشعر بها الا حين اكون في سطوة حضوره.
كيف سأخفي ما بداخلي و أنا كل يوم أفقد السيطرة على نفسي و بنظرة واحدة من عينيه ؟ كيف سأخفي نفسي منه و هو يقرأ نفسي أكثر مني؟.. ستكون مسألة وقت فقط ليعرف ما بداخلي فنظرته اليوم أكدت لي و كانت خير دليل على ذكائه بمعرفة ما يجول داخل كل شخص.
لماذا أشعر أن له ماضي كئيب و معاناة بقيت أثرها لليوم؟ .. فعيناه اليوم كانت باردة و لامبالية لدرجة أن قلبي شعر بها.. فلماذا كل هذا التغيير في شخصيته؟ لماذا أشعر تارة بأنه قريب و تارة اخرى بعيد جدا لتطاله يداي.
فنفضت عني هذه الأفكار التي غيرت مزاجي السعيد ثم ذهبت الى كرسي فارغ أمام البحر وجلست عليه و أنا أراقب السماء الرمادية و الأشجار العارية و الأمواج المتمردة كتمرد مشاعري أمامه ،و أنا أراقبها بهدوء تذكرت المفكرة فأخرجتها من حقيبتي و رحت أتأملها و شبح ابتسامة متمردة ارتسمت على شفتي فتذكرت نظرته و لمسته الدافئة الرقيقة على يدي و همسه المحبب لقلبي .
فإنتبهت و لأول مرة لزهرة التوليب في المفكرة بدقة تفاصيلها و بتدرج لوني المفضل.. و هذا يعني انها كانت مقصودة و ليست عابرة مثل ما كنت افكر ، لقد كنت غبية جدا! نعم غبية لإنتباهي المتأخر و لإدراكي البطيء.
حينها أدركت بأنني بدأت احب زهرة التوليب البنفسجية و المفكرة و صاحبها.
عند اعترافي الأخير شعرت بقطرات مطر خفيفة تنزل .. فأرجعت المفكرة للمحفظة لكي لا تبتل، و وقفت و أنا أنظر للسماء و هي ترسل خيوطها الرقيقة فإبتسمت بملء فمي و رفعت يدي اتحسس قطراتها و لم أعلم بـأنني أصبحت أحب المطر إلا الآن لأنني أراه فيه ، فكيف لا و لقائنا كان مليئ به.
لم أكن أعلم أن الله يحبني لدرجة أن يرسله لي ليهطل في روحي.
فالفرق الوحيد بينهما أن المطر حياة لقسوة الارض و قيصر هو حياة لقلبي القاحل.
حينها تحولت القطرات الى سيول قوية و أنا ما زلت تحت تأثيرها تجذبني اليها كمغناطيس لا قدرة لي على مجابهته .. مثله تماما .
فوجدت نفسي متوجهة للبحر الثائرة أمواجه, فقمت بوضع حقيبتي تحت الكرسي لتقلل من تساقط الأمطار عليها , ثم ذهبت ووقفت امام البحر الكئيب وحدي و لا وجود لكائن غيري .
ينفرون من أول قطرة مطر و هم لا يعلمون بأنها الحياة لكل شيئ ، فنسيت أنني كنت مثلهم أنا ايضا بتقليديتي و وواقعيتي حتى قابلته و تجردت منهم .. فنظرت الى ملابسي المبتلة من رأسي لأخمص قدمي و لأول مرة في حياتي لم أهتم .
لم أهتم لملابسي المبتلة و لا للمرض .
لم أهتم لواقعيتي و منطقيتي و لا للرياح الباردة و الجو الغائم .
لم أهتم بنصائح خالتي و لا العالم .
لم أهتم بتوليب التقليدية و رزانتها .
ضربت كل شيئ عرض الحائط ثم رفعت يدي و رقصت.. نعم رقصت على ألحان الحب و الإنتظار و البحر و المطر كانا شاهدين على جنوني.. و الرياح و الامواج بدورهما تصفقان لي .. و لو كان عمالقة الفن و الموسيقى على قيد الحياة لجعلوني أنموذجا حيا للجنون و الحياة و الحب.
فتوليب التي كانت وحيدة و خاوية و كئيبة امتلئت به .. توليب التي كسرتها الحياة مرة أعاد ترميمها قدر غامض غير متوقع .. فالفتاة ذات الأسوار التقليدية المملة تحررت.
توليب العاقلة و الرزينة ترقص .
توليب ذات التفكير الجنوني المليء بالتفاصيل ترقص .
توليب ذات التفكير المنطقي البعيد عن الجنون ترقص و تتمايل على موسيقى المطر و قلبها هو القائد الذي يقود التوليفة و يرتب خطواتها .
فأنا أعلن إيماني بالحب أمامك أيها بالبحر فاشهد على هذه اللحظة.
فاشهد على امراة اتسمت بالالحاد و الأن اعلنت قوة ايمانها .
ثم تغيبت توليب عن الواقع لتعيش في عالمها الخاص .. المليء بالحب و بالمطر و به .
***
فتحت الباب ثم دلفت للداخل فوجدت خالتي تنتظرني و ملامحها تكسوها الدهشة و المفاجئة من مظهري الغير متوقع فقالت بصوت مبحوح كمن لا يصدق ما يراه:
- ما..مالذي حدث لماذا انتِ مبللة هكذا ؟
فأخفضت رأسي و لاحت على شفتاي ابتسامة حالمة حين تذكرته، فتداركت نفسي سريعا و قلت كاذبة :
- لم أحمل المظلة نسيتها لذلك تبللت لا تقلقي كل شيئ على ما يرام .
فحمدت الله في سري لأن عدم حملي للمظلة كان السبب الوحيد المبرر لجنوني، فنظرت لي مشككة ثم الى ملابسي المبللة وصاحت فجأة :
- يااا الهي تووليب !!! هيا اسرعي و غيري ثيابك لكي لا تمرضي لابد أنكِ تشعرين بالبرد هيا أسرعي و سأعد لك شرابا ساخنا لتدفئي به نفسك .
فقلت بهمس منخفض حالم :
- أنا لا أشعر بالبرد ، فتذكره فقط يجعلني أشعر بالدفئ.
- هااه ماذا قلتي ؟
- قلت سأذهب لأغير ملابسي .
ثم ذهبت لغرفتي سريعا و نزعت معطفي و ملابسي المبللة ، و قبل أن أذهب لأخذ حمام لمحت نفسي في المرآة، لم تكن أنا!.. قطعا لم تكن أنا!! .. بل كانت شخصا اخر.. شخص متورد الخدين و الابتسامة لا تفارقه , شخص كان في متاهة الأحلام
و لا يريد أن يُعثر عليه ، فإبتسمت خجلا لإنعاكسي ودخلت للحمام.
- شكرا على العشاء وعلى المشروب خالتي. قلتها بإمتنان و أنا أبتشم لها.
فبادلتني الابتسامة و قالت:
- هيا كفاكِ شكر و أشربيه كله أنت تجعلينني أشعر أنني غريبة. ثم تابعت بقلق:
- هل انتِ متأكدة أنك تشعرين بخير أقصد أعراض الحمى.
- نعم يا خالتي أنا بخير لا أعاني من أية أعراض .ثم تابعتُ ممازحة :
- ثم انني في الخامسة و العشرين لم أعد صغيرة سأهتم بنفسي لا داعي لكل هذا القلق.
حينها اخفضت بصرها و قالت بصوت عذب و بإبتسامة رقيقة:
-لكن بالنسبة لي ستبقين توليب الصغيرة التي تحتاج دائما للرعاية و الاهتمام فأنا احمد الله انكِ عدتِ لما كنتِ عليه .
حينها لاحظت التأثر في صوتها و تذكرت كيف انها اهتمت بي و لم تتركني ، و برغم كافة الآلام و المشاكل الا أنها دائما ما كانت تبتسم لي و لم تُشعرني يوما بأنني عبئ عليها أو أفتقر لأي شيئ ،فإقتربت منها و عانقتها و قلت بصوت منخفض:
-شكرا لكِ يا خالتي على كل شيئ لولاك لما عادت لي الحياة مرة اخرى .
فبادلتني العناق و قالت بصوتها الرقيق :
- انتِ كل شيئ بالنسبة لي فكيف لا افعل هذا القدر لك .
فإبتعدت عنها و قلت لها بتردد :
- خالتي هل خالي اتصل بكِ ؟
فلاحظت التغير الذي طرأ على ملامحها الفاتنة فبرغم من أنها قد تجاوزت الأربعين الا أنها مازلت تحمل خطوط الجمال على وجهها,فأدارت وجهها للناحية الأخرى لتخفي عيونها المتألمة ثم ادارتها ناحيتي و قالت بابتسامة باهتة :
- نعم يتصل بي لا تقلقي يا زهرتي .
فأمسكت يدها و نظرت لعينيها و قلت :
- خالتي أريد على الأقل أن أهتم بك قليلا مثلما تهتمين بي , أنا أعرف أنه حدث شيئ بينكما كما انني أعلم أيضا أن هذا لا يقارن بما فعلتيه معي لكنني على الأقل سأستمع لك و أتفهمك .. هيا أخبريني ما الذي حدث؟
حينها اختفى القناع الذي كانت دائما تضعه و ظهرت نظرة الالم و الخيبة في عينيها و قالت بصوت حزين :
- لا اعلم ما الذي جعله هكذا , لقد تغير يا توليب .. تغير كثيرا .
- كيف تغير أخبريني ؟
فقالت بنبرة مليئة بالألم :
- قبل أن تموت أختي بيومين تشاجرت معه لأنني كلما اتصلت به لا يجيب و حين أسأله يضيق ذرعا .ثم ابتسمت بمرارة و تابعت :
- لأنه كما يقول أنني مزعجة و شكاكة ناحيته , و كل هذا لأنني أسأله أسئلة عادية تسألها الزوجة لزوجها و كانت حياتنا مستمرة على هذا الشكل و أنا كنت أتحمل لأنني..
- لأنكِ ماذا ؟
- لأنني أحبه .
ثم ارتسمت ابتسامة حزينة على وجهها و تابعت :
- لكن القطرة التي أفاضت الكأس كانت .. ثم سكتت .
- ماذا كانت ؟
فلاحظت تمرد دمعة مؤلمة و ساخنة سقطت من عينيها فمسحتها سريعا و قالت :
- في يوم جنازة أختي تشاجرنا حين قال إنهم اتصلوا به و يجب أن يعود فقد طرأ شيئ مهم في العمل فأخبرته بأنني لا اريده ان يذهب فأنا لا أعرف ما الذي سأفعله وحدي هنا و بأنني في حاجة اليه فقال بأنه ضاق ذرعا بي ، ثم رن هاتفه و حين أجاب سمعت صوت امرأة تحدثه و هو كان يتحدث معها و يبتسم و لا أدري عن ماذا يتحدثان ، فغضبت غضبا شديدا لدرجة أنني لم أشعر حتى كيف كسرت له هاتفه و هو مازال يتحدث معها .
ثم ترددت فحثثتها بعيني كي تقول المزيد فقالت بصوت منخفض متألم :
- فدفعني و صرخ في وجهي و قال لي انه لا يريد أن يراني ثم ذهب و تركني وحدي.
حينها صحت غاضبة :
- كيف يمكنه قول هذا لك ؟ كيف يترككِ هكذا بلا مبالاة و يذهب بدون اتصال واحد منه؟؟
فإبتسمت لي ابتسامة حزينة و قالت :
- طبعا لقد اعتذر و طلب الغفران لكنني للآن لم اسامحه و اعتقد أنني لن اسامحه ابدا فصراخه في وجهي لم انسه لليوم لقد توقعتها من الجميع يا توليب الا هو . ثم تابعت و عينيها مليئة بالخذلان :
- غادر و كان يتصل بي لكنني لم اجبه ،و آخر مكالمة كانت اليوم حين كنت استحم فلم اسمعه و لم اعاود الاتصال به .
فنظرت اليها بحزن و الذنب ينهش قلبي، كيف كانت تخفي كل هذا و تهتم بي؟.كيف تحملت و هي كانت دائمة الابتسام معي؟ . فأمسكت يدها و قلت لها بألم :
- لماذا أخفيت كل هذا داخلك ؟ لماذا لم تصارحيني ؟ .
فإبتسمت لي تلك الابتسامة التي تليق بوجهها هي فقط و قالت :
- أنتِ تعلمين ما مر بكِ و هذا يكفيك يا زهرتي ، لم أكن أريد أن أزيد همك همين. ثم تابعت بصوت رقيق مبتهج :
- لا تقلقي أنا أشعر بهدوء وبراحة كبيرة لأنني بحت بما كان يؤرقني ،ثم انظري أنها العاشرة مساءا لم أشعر بمرور الوقت هيا اذهبي لترتاحي يا زهرتي .
فإقتربت منها و عانقتها و قلت لها بهمس :
- اذا كان هناك شيئ يؤلمك أو يزعجك أخبريني به لا تكتميه داخلك اتفقنا!
-حسنا اتفقنا هيا اذهبي الان تصبحين على خير.
فوقفت و مددت اصبعي الصغير و قلت لها بنبرة طفولية :
- وعد؟
-وعد .