رجل القانون - الفصل الأول
الفصل الأول
حصل لو هان بعمله الجاد الاحترافي على لقب "محقق الأمة الأول" وهو الآن في صدد تلويث سمعته بيديه.. ولكن لماذا؟
في استديو واسع مضاء بأنوار ساطعة مهيبة جلست مذيعة حسناء ذات حضور قويّ وطلّة ملفتة على أريكة جلديّة حمراء، تقابلها طاولة زجاجيّة ارتفاعها يوازي مستوي ركبتها التي تعلو أختها وكانت لتتلاحم معها لولا الحذاء الجلديّ الأسود طويل السّاق الذي يتخطّى فخذيها ويكاد يغطّي طرف الرّوب الثّمين المقدّم من إحدى العلامات التّجاريّة الرّاقية والرّائجة في جميع أنحاء المعمورة تقريباً.
لم تكن الإعلاميّة الثلاثينيّة النّاجحة والمتفرّدة في مهنتها؛ ولا البرنامج ذائع الصّيت في موسمه الخامس على التّوالي، لم يكونا ما استقطب شركة الأزياء العالميّة وجعلاها تبرم اتفاقيّة قصيرة الأمد معهم _للمرّة الأولى منذ أن تمّ إنشائها_، بل كان الضّيف الميمون هو مَن استقطبَها مع وابل من الشّركات الأقلّ أهمية منها. بالرّغم من كلّ الشّروط المدسوسة بجشع من قِبَل القائمين على المحطّة وداعميهم ومموّليهم.
نصّت الاتفاقيّة سارية المفعول لخمسة أيام، على تزويد الطّاقم كاملاً سواء أكانوا يعملون أمام آلات التّصوير أم خلف الكواليس بأحدث منتجات الشّركة، مع إضافات من عدّة شركات صغيرة مُساهمة، بحيث تكون اللّمسات النّهائية والأكثر بهرجة من نصيب اليوم الأخير، أنّى سيظهر الضّيف الموعود. وذلك يكون اليوم تحديداً.
-
المتواجدون الآن في الاستديو؛ وفي مبنى المحطّة الفضائيّة ككلّ، انتظروا هذا اليوم بتلهّف وعملوا من أجله بالكثير من الجهد والمثاليّة، وهم يعلمون أن هذه اللّيلة ستغدو نقطة إيجابيّة مشتركة تُميّز سِيَرهم الذاتيّة المهنيّة وقد ترفع بعضهم نحو القمّة بسرعة رهيبة لم يتخيّلها حتى أكثرهم طموحاً وشغفاً للشّهرة والأضواء.
في هذه اللّحظة والتي تطابق الدّقيقة الثّامنة من عمر الحلقة، سُلِّطت ومضات الآلات بعد طول انتظار على الضّيف الموعود، وقبل هذه اللّحظة حظيت المذيعة الشّابة بشرف رؤيته دوناً عن غالبيّة العاملين، وجميع المشاهدين بطبيعة الحال. علماً أن البرنامج يُبَثّ في أربعة أقمار اصتناعيّة وعشرين إذاعة رادويّة موزّعين على كامل سطح الكوكب، وبالتّأكيد على مواقع عديدة بقلب العنكبوتية الضّخمة.
للدقائق السّبع الماضية اقتصر البثّ على تقرير بصريّ يختصر عدة مراحل من حياة المحقق لو هان.
تضمّن التّقرير تمثيلاً حيّاً لأحد مشاهد الذّروة في الرّواية البوليسيّة 'جريمة عازف'، تعاون العديد من الممثلين والفنيين المعجبين بالمحقق الشّهير في إنجاز هذا العمل بهدف إهدائه إيّاه بحب خالص~
«نرحّب بكم أعزّائي الحضور في حلقة جديدة من برنامجكم قلب بيجين. أرجئوا أشغالكم لساعة واحدة فأنا أضمن لكم المتعة، سواء أكنتم من محبّي محقّقنا الوسيم أم أنكم لم تحظوا بفرصة التعرف إليه بعد، فإنّ ذلك لن يؤثر في حقيقة أنّ صحبة هذا الرّجل ممتعة، مثيرة وعليلة مثل نسيم الرّيف.»
«أعزائي المشاهدين. أعزائي المستمعين. رحّبوا معي بمحقق الأمة الصّينيّة الأول لو هان.»
بدأ التّصفيق ذو عمر اللّحظات يتعالى. وكان ردّ المحقق هو أن وقف من مقعده وانحنى للجمهور مبتسماً مع طيف من اللّون الوردي صبغ وجنتيه، حاول مُداراته بتركيز بصره على إحدى الحضور لبعض الوقت، وهذا دفع مدير التّصوير لأن يوجّه مصوّريه إليها، استقبلت السّيدة ومضات الكاميرات بوجه بشوش ولكنّه جامد تلقائي؛ فقد اعتادت الأمر.
منذ طفولتهما المُبكّرة، أنقذ الصّغير الخجول نفسه بتحويل عدسات الاهتمام عنه وإلى صديقته 'مو نا'.
وبمرور السّنوات ألفَتْ مو نا نفسها في الكثير من بقع الاهتمام آنيّة التّشغيل، في البداية اقتصر الأمر على المعلّمين وبعض أصدقاء والديه، ولكنّ وبعد أن انغمس لو هان في معارك حقيقيّة، أُجبِرتْ على أن تلعب دور حجر ماصّ للاهتمام المفاجئ، ثم سرعان ما سيمَلّ الناس ابتسامتها المُصطنعة فيعودون بنظراتهم وأفعالهم إلى مَن سيكون قد سيطر بنجاح كالمعتاد على الموقف؛ مخبّئاً شخصيّته الخجولة خلف أقنعة عديدة متراكمة من الغرور، غرور يليق به.
«إنّه لشرف كبير لنا؛ أن يرسو اختياركَ علينا دوناً عن الجميع لنساعدكَ في التواصل مع مَن أفنيتَ سنوات طويلة من وقتك الثّمين في حماية عالمهم من الجريمة وتبعاتها.» قالت المذيعة متوجّهة في كلامها إلى ضيفها الذي يبعد عنها عدّة إنشات كافية ليصله صوتها مُزعِجاً من خلال مكبّر الصّوت.
ولكنّه كافح شعور الانزعاج، ليردّ لها الابتسامة بواحدة ألطف، وتحمل من الامتنان القَدْر الكبير.
«في الحقيقة لا وجود لهذا العدد الضّخم الذي أشرتي إليه ليكونوا خيارات مناسبة إلى جانبكِ. ليس لديكِ العديد من المنافسين. أشكّ أنّهم تخطّوا الثّلاثة.» قال لو هان بنبرة أقرب إلى المجاملة.
مو نا هي الوحيدة التي تعلم أنّه يعني كلّ كلمة تفوّه بها.
أمّا الإعلاميّة فقد اكتفت بأن ردّت على المجاملة كغيرها من المجاملات بابتسامة ودودة وبضع عبارات لبقة، مغيّرة دفّة الحديث برشاقة لطالما وسَمَتْ الإعلاميين النّاجحين.
«منذ زمن طويل، وكلّما سمعتُ خبراً عن إنجازاتك، خطر لي ذات السّؤال -هل تحاول إثبات شيء؟. هل لديكَ رسالة من نوعٍ ما؟- وبما أن لقبك الثاني هو *الغامض* بقيتْ هذه الأسئلة دون إجابات، ولذلك وعندما تأكّدتُ من إقرار الحلقة، كان عليّ اقتناص الفرصة.»
أتبعتْ كلماتها بضحكة تشاركتها مع ضيفها.
فور انحسار ضحكته، اعتدل لوهان في جلسته مجيباً واللّمعة الحالمة في عينيه لم تخفى عن أحد: «سأروي لكم قصة. منذ سنوات طويلة، وقعت جريمة مرّوعة في أحد مصانع الأغذية، راح ضحيتها رجل بريء، _لم يكن بمفرده بطبيعة الحال _، هذا الرجل كان والد أعزب وحيد لطفلة صغيرة، عند مقتله تُرِكت هذه الطفلة ذات الثمانية أعوام لتواجه الحياة بغير كنف والدها المُحبّ لتعتمد عليه. كبرت الفتاة لتحقق العدالة لوالدها. نعم هذه هي قدوتي 'سيلا'.»
عندما لاحظ لو هان أمارات عدم الفهم تحتل أوجه جميع مَن وقع نظره عليهم، أكمل قوله: «حسناً ليس بالأمر ما هو مُلفت. سيلا هي محققة نمساوية، في طفولتي المُبكّرة شاهدتُ برنامجاً وثائقياً تحدّث عن حياتها إبّان وفاتها، أحببتُها، وقررتُ أن أتمثّل بها. هذا كلّ مافي الأمر. لا يوجد رسالة عظيمة.»
بانت الخيبة جليّة على ملامح المذيعة. ولكنّها قالت: «حسناً. محقق الأُمّة الصّينيّة الأوّل لا يحمل رسالة.»
صفّق لو هان مؤيّداً مع إيماءة سريعة آليّة.
وبين الجمهور الحائرين، هزّت مونا رأسها بيأس. هي حقاً لا تعلم ما الذي يدور بداخل رأس صديقها الأحمق!.
«عندما تم إخبارنا بقدومك. أحبّ الجميع أن يطرحوا عليكَ بضعة أسئلة. وبقولي الجميع فأنا أعنيها. _أخرجت الإعلامية وعاء دائري مفتوح يحوي قصاصات ورق ملوّنة مطوية ووضعته أمام لو هان على الطاولة_
وقت البرنامج لا يسمح بالإجابة على كلّ هذه الأسئلة كما تعلم. ولذلك نحن نطلب منك أن تختار عشر قصاصات فقط لتجيب عليها.»
أومئ لوهان مبتسماً. سحب واحدة. كانت ورقة بيضاء بخطوط زرقاء مطوية عدّة مرات، بعد أن فتحها، تبيّن له أنها مربعة الشّكل بحجم كفّه تقريباً. في وسطها كُتِب سطر بلون أسود غامق، قرأ بصوت عالٍ نسبياً -ماهي أضخم المخاطر التي تعرّضتَ لها بسبب عملك؟-
أغلق لوهان عينيه، نظّم أنفاسه، ليجيب: «على مدى ١١ عاماً، اعترضتْ طريقي الكثير من المخاطر. ولكن أسوئها على الإطلاق هي تلك التي قد تطال أحبّائي وتُهدّد أمانهم.»
كشريط معطوب؛ أعادت ذكرى بالغة السّوء والقُبح تشغيل نفسها عدة مرات متتالية في مخيّلته.
وجُلّ ما يدور حالياً في ذهنه من أفكار يتمثّل بما يتوجّب على مونا لتواجهه في دماغها وبمفردها في هذه اللحظات..
«بقي سؤال واحد فقط.» تحدّثت المذيعة وقد تضائل حماسها إلى ما تحت النّصف _مثلها كمثل كُثُر_
حمل لو هان الوعاء الزّجاجيّ، خضّه لبعض الوقت، قبل أن يعيده إلى موضعه على الطّاولة الكبيرة، نقر بأظافره ثلاثاً على الزّجاج مبتسماً.
التقط قصاصة ورق صفراء باهتة وقرأ ما احتوته بحماس كاذب، ولو أنّ شخصاً واحداً فقط احتفظ بتركيزه الابتدائيّ مع حركات المحقق الشهير لعرف أنّه يُزيّف هذا الحماس، ولكنّ الجميع قد فقدوا هذا التّركيز بحلول اللّحظة الرّاهنة.
-أعددتَ وحرّرت عشرة كتب بغضون سنتين؛ أي منذ تقاعدك. تحدّثتَ مسبقاً أنّ هذه السلسلة مفيدة للمحققين الشّباب، هل عنيت شخصاً محدداً؟. شخص تودّ مشاركته خبرتك في المجال؟-
فور انتهائه من قراءة السّؤال، أعاد لو هان طيّ الورقة برتابة وبلطف مع ابتسامة، وضعها على يسار الوعاء بالقرب من كأس المياه الفارغ.
«نعم هناك شخص محدد أودّ أن تصله كلماتي، وأرغب بأن أقدّم له كل ما تحصّلتُ عليه خلال مسيرتي. وأظنّ أنّ رسائلي تصلهُ بالفعل.» كانت الإجابة جيدة بالنسبة للجميع، ظهر هذا في تصرّفاتهم.
وبذلك تشابهت نهاية اللّقاء مع بدايته، وبدا أنّ ما سبق هذه اللّحظة من فتور وحنق قد ولّى مؤقتاً.
بطريقة دراميّة قلبت الإعلامية الجهاز اللوحيّ الذي استخدمته خلال الحلقة قائلة: «كانت معكم ريتا من برنامج قلب بيجين. أتمنى أنكم استمتعتم مثلي بصحبة لوهان المميزة والمثيرة.»
'يا لكِ من كاذبة' تمتم لوهان تحت أنفاسه. واستقام ينوي المغادرة بأقصى سرعة يملكها.
-
أمام منزل مونا، وبجانب الباب الخشبي الكبير خمري اللّون وقف الصديقان. أخرجت مو نا مفاتيحها من جيب سترتها القطنية، وبينما تفتح الباب قالت: «أعلم أنّك ترغب بإزالة هالة المثالية التي ألصقوها بكَ على مرّ السّنين. ولكنّ طريقتك سيئة. سيئة جدّاً.»
«لا أريد أن يعدّوني ملاكاً بريئاً اليوم فقط ليحيلوني شيطاناً آثماً غداً.»
هزّت المرأة رأسها دون كلام حين تلقيها الإجابة الغير مرضية بالنسبة لها ودخلت المنزل مغلقةً الباب خلفها بهدوء، فتابع لو هان طريقه سائراً في الطريق المحاذي لأشجار الكرز باتجاه منزله والذي يبعد عدّة خطوات عن هنا.
-