حبيسة قلبه المظلم (الفصل الأول)
حبيسة قلبه المظلم
هو رجل يشبه الظلام .. رجل طعنه القدر بقسوة ولم يتبقَ منه سوى بقايا روح ترفض الحياة .. أما هي فأتت وإخترقت حياته المظلمة بالصدفة البحته .. بقلب نقي بريء وروح لا ترغب بشيء سوى الأمان وجدت نفسها عالقة بين ظلماته المخيفة .. وأخرى لم تدرك شيئا سوى إنها تعشقه بجنون إمرأة ولدت بقلب ينبض لرجل واحد .. هي حكاية رجل تائه في ظلماته التي تخصه وحده .. ظلماته التي لا تنتهي .. رجل عالق بين إمرأتين .. الأولى ملكت قلبه والأخرى امتلك هو قلبها ..!!
يقف أمام مرآته يعدل ربطة عنقه وشعور السعادة يسيطر عليه بالكامل ..
إنتهى من تعديل ربطة عنقه ليحمل عطره المفضل ويرش الكثير منه قبل أن يتجه نحو السرير حيث يحمل سترته ويرتديها لينظر للمرة الأخيرة الى هندامه الأنيق والذي يليق به كونه العريس هذه الليلة ..
اليوم هو أهم أيام حياته حيث سيرتبط رسميا بحب عمره بعد سنوات من العشق والهيام ..
اليوم سيتوج عشقهما بخاتم خطبة يوثق كل لحظات حبهما الذي بدأ من الطفولة حيث كانت هي مجرد طفلة صغيرة جذبت إنتباهه بشعرها الأشقر الطويل وإبتسامتها الرائعة لتكبر أمامه تدريجيا ويكبر هو معها ويزداد هيامه به حتى اكتشف إن مشاعره متبادلة وإن عشقه لم يكن من طرف واحد بل كان عشقه متبادلا من طرفها أيضا فإجتمعت القلوب أخيرا بإخلاص وحب يتوج اليوم بعد سنين انتظار ...
سمع صوت طرقات على باب الغرفة يتبعها دخول والدته وهي تهتف بسعادة :-
" بني كل شيء جاهز والجميع ينتظركما .."
ثم تقدمت نحوه تتأمله بعينين فرحتين وهي تردد :-
" ماشاءالله يا بني .. ليحمي الله شبابك ووسامتك يا روح والدتك .."
مازحها بخفة :-
" لا تبالغي يا صباح هانم ..."
ثم انحنى نحوها مقبلا جبينها لتربت على كتفه بحنو وفرحة مرددة :-
" عروسك جاهزة يا بني ... اذهب إليها حتى تهبطان سويا الى الأسفل كي يبدأ الحفل .."
أغلق بعضا من أزرار سترته ثم اتجه نحو باقة الورد وحملها معه ليخرج من غرفته متجها إليها ..
..........................................................................
وقف أمامها يتأملها مقطوع الأنفاس من ذلك الجمال الخالص الذي كان وسيظل ملكا له وحده ..
بدأت عيناه تتأمل شعرها الطويل المصفف بعناية منسدلا على جانبي وجهها بخصلات شقراء مموجة رائعة ثم مقلتيها الفريدتين بذلك العسل الخالص الذي يملأهما ويشع بريقا يشبهها...
وجهها المنحوت بملامحه المرسومة بدقة خالصة تجعله لا يرى سواها وتلك الإبتسامة الخجولة المشوبة بفرحة خالصة ..
فستانها المميز بقماشة من الدانتيل الأبيض والذي يليق بشده على بشرتها ناصعة البياض ..
تقدم منها مأخوذا بذلك الجمال الأوروبي والملامح الثمينة مقدما لها باقة زهور التوليب التي تعشقها بشدة ..
حملت الباقة وهي تمنحه إبتسامة رقيقة وصوتها يخرج مبحوحا :-
" شكرا ..."
ابتسم بهدوء عاشق ربح جائزة عشقه أخيرا ليهتف وعيناه تتأملان وجهها الصبوح بشغف :-
" لو تعلمين مدى سعادتي اليوم .. "
قاطعته بصوت شاعري :-
" ليس بمقدار سعادتي يا نديم .."
ثم أردفت وهي تقبض على كفه بينما كفها الأخرى ممسكة بالزهور خاصتها :-
" ألن تقول شيئا عن إطلالتي اليوم ..؟!"
عاد يتأملها بنفس الشغف لينطق لسانه بما يعتمل داخل قلبه :-
" الليل ياليلى يعاتبني ... ويقول لي سلم على ليلى
الحب لاتحلو نسائمه ... إلا إذا غنى الهوى ليلى "
ثم عاد يكرر وإبتسامتها تتسع والدموع تترقرق داخل عينيها :-
" الحب لاتحلو نسائمه ... إلا إذا غنى الهوى"
" أحبك .."
وتلك الكلمة كانت جوابا كافيا ليرد عليها بقبلة طويلة يبثها من خلاله عشقه وشغفه ..
....................................................................
وقف عمار أمام النافذة يتأمل الشوارع المظلمة بأنوارها الخافتة بملامح جامدة لا يتحرك بها شيئا ..
شعر بيد تلمس كتفه بينما صاحبتها تسأل :-
" ألن تذهب الى خطبة شقيقك يا عمار ...؟!"
إلتفتت نحوها بعينين إشتعل بهما وميضا ناريا يعبر عما يدور داخله .. وميضا سرعان ما اختفى وهو يرد :-
" سأذهب بالطبع .. هل يعقل ألا أحضر خطبة أخي الوحيد ..؟!"
خرجت جملته الأخيرة بتهكم أدركته فزفرت نفسها وهي تخبره :-
" أنت لن تفتعل أي مشكلة هناك .. أليس كذلك ..؟!"
رمقها بنظرات حادة جعلتها تشعر بالرهبة لتسمعه يقول بحزم :-
" لست ذو عقلٍ صغير لأقوم بشيء كهذا .."
ثم تركها واتجه نحو غرفته ليرتدي ملابس مناسبة للذهاب الى ذلك الحفل وفي داخله رغبة عميقه بعدم الذهاب إلا إنه مضطر لذلك ..
.......................................................................
في منتصف الحديقة التي يقام بها الحفل ..
كان نديم يقف وذراعه تحيط بليلى يستقبلان التهاني من الموجودين بحبور بالغ ..
تقدم شاب وسيم الطلعة منهما يردد ببهجة صادقة :-
" مبارك لكما الخطبة أحبائي .."
ضحك نديم رابتا على ذراعه وهو يرد :-
" شكرا يا أكرم .. العقبى لك ..."
" اللهم آمين .."
قالها أكرم وهو ينظر بعينيه إتجاه مريم أخت ليلى الصغرى التي تقف بجانب إحدى ضيفات الحفل ليغمز له نديم بخفة فيهمس له أكرم :-
" العقبى لي وأصبح صهرا لك .."
آمن نديم على دعائه بينما استأذن أكرم متجها نحو مجموعة من رفاقه لتتقدم مريم بعد مدة منهما وهي تسألها بسرور :-
" هل تحتاجان شيئا ما ..؟!"
ثم أكملت بسعادة وحب :-
" تبدوان قمة في الروعة والجمال ..."
توقفت عن حديثها وهي تنتبه الى إختفاء إبتسامة نديم وتوتر ملامح ليلى لتلتفت نحو الخلف فتجد عمار يقترب منهما وهو يرسم على وجهه إبتسامة وديعة ...
نظرت إليه وهو يمد يده نحو أخيه الأصغر مرددا :-
" مبارك لك الخطبة يا نديم ..."
رد نديم وهو يلتقط كفه بصلابة :-
" شكرا يا عمار .. العقبى لك .."
" مبارك لكِ أيضا عزيزتي ليلى ..."
قالها بنفس الدماثة لتبتسم ليلى وهي تجيبه برقة :-
" شكرا يا عمار .. العقبى لك ان شاءالله .."
ابتسم بعدم اكتراث قبل أن ينظر نحو مريم ويحييها بتكلف ثم ينسحب متجها الى احد أركان الحفلة متأملا الجميع بجمود قبل أن تتقدم نحوه أخته الصغرى غالية بسعادة فيمنحها إبتسامة مشدودة بينما تحتضنه هي بحب فيحيط جسدها بذراعيه بصعوبة لتبتعد عنه بعد لحظات وهي تسأله عن أحواله بإهتمام صادق
........................................................................
في صباح اليوم التالي ...
هبط نديم درجات السلم بحماس ليجد والدته أمام تأمره :-
" لا خروج قبل تناول طعام الإفطار ..."
قال بجدية :-
" لقد تأخرت على الصيدلية ... أعدكِ إنني سأتناول إفطاري هناك .."
" ولكن .."
" لا يوجد لكن صباح هانم .. أراكِ مساءا .."
قالها بعدما قاطعها بقبلة على وجنتها ليخرج مسرعا من الفيلا متجها نحو الكراج الملحق بها ..
ركب سيارته الحديثه وقادها خارج الفيلا ليتوقف عند الباب محييا البواب :-
" أسعد الله صباحك يا عم فاضل .."
رد فاضل بسعادة :-
" وصباحك يا بني .. مبارك خطبتك بني ... "
" أشكرك يا عم .. "
قالها نديم بسماحة ثم أدار مقوده نحو الطريق الخارجي متجها نحو صيدليته ...
وصل بعد مدة الى هناك ليجد سيارة الشرطة تقف بجانب الصيدلية وشرطيين يقفان أمام الباب فتتغضن ملامحه بحيرة وقلق وهو يركن سيارته جانبه ويخرج منها ..
تقدم نحويهما يسألهما بعدما ألقى التحية :-
" ماذا يحدث هنا ..؟!"
سألهما بدهشة ليسأله احد الضباط :-
" أنتَ نديم الخولي ...؟!"
اومأ نديم برأسه ليسمع صوت الضابط الذي خرج من داخل الصيدلية مع احد العاملين :-
" سيد نديم لدينا أمر بالقبض عليك ..."
" لماذا ...؟! ماذا يحدث بالضبط ..؟!"
سأله بعدم إستيعاب ليرد الضابط بما صدمه :-
"أنت متهم ببيع أدوية مخدرة ضارة بلا رخصة ..."
........................................................................
صرخت صباح بعدم تصديق بعدما سمعت حديث أحد أصدقاء نديم الذي جاء يخبرها بما حدث ...
ركضت غالية نحوها مسرعة تحاول معرفة ما يحدث لتخبرها صباح ببكاء :-
" إعتقلوا أخاكِ .. إعتقلوه يا غالية .."
" لماذا ..؟! ماذا فعل ..؟!"
قالتها وهي تستدير نحو صديقه تسأله ليجيب :-
" يقولون إنه يبيع أدوية مخدرة بلا رخصة .."
صاحت غالية بإنكار :-
" مستحيل .. نديم لا يفعل شيئا كهذا ... أخي لا يفعل هذا أبدا ... مستحيل ..."
أيدها صديقه قائلا :-
" بالطبع نديم لا يفعل شيئا كهذا لكن علينا أن نتصرف الآن ونجد محامي جيد .."
ركضت غالية نحو غرفتها تجلب هاتفها وهي تردد :-
" عمار .. يجب أن يعلم بما حدث .."
ثم رنت عليه ليجيبها بصوت ناعس :-
" ماذا هناك يا غالية ..؟! لماذا تتصلين باكرا هكذا ..؟!"
صرخت غالية باكية :-
" إعتقلوا نديم يا عمار .. الشرطة إعتقلته..."
سمعت صوته يقول بسرعة :-
" انا قادم حالا يا غالية ..."
أغلقت الهاتف وعادت تبكي قبل أن تخرج مسرعة نحو والدتها تخبرها بقدوم عمار رغم معارضة الأخيرة لذلك فهي لا ترغب بأي مساعدة منه ..
.......................................................................
في احدى المناطق الشعبية وتحديدا في بيت صغير قديم للغاية متهالك نوعا ما ..
عندما تدلف الى داخله تجد المكان بسيطا لكنه دافئ ومليء بالهدوء والسلام ..
في تلك الأثناء كانت حياة تجلس على المكتب الخشبي الموضوع في أحد أركان غرفتها الصغيرة حيث تذاكر آخر مادة لها في الإمتحانات النهائية ..
سمعت صوت باب المنزل يفتح فأدركت إن والدها عاد أخيرا من عمله ..
نهضت مسرعة تستقبله بسعادة كعادتها مساء كل يوم ..
إرتمت بين أحضانه بفرحة فيشدد هو من إحتضانها براحة تنعم بقلبه الذي ما زال يقلق عليها لبقائها وحيدة طوال اليوم ..
" كيف كان يومك صغيرتي ..؟!"
سألها والدها بحنو شديد لتبتعد عنه وهي تخبره بثرثرة معتادة :-
" جيدا للغاية .. لقد أنهيت المادة وبدأت في مراجعتها ..."
ثم بدأت تخبره عن سهولة الفصول الأخيرة من المادة وكيف أكملتها في سويعات قليلة ..
كانت تتحدث بحماس شديد قبل أن تنهي حديثها وهي تقول :-
" سأعد لك طعام العشاء حالا ..!"
عارضها والدها وهو يقول :-
" لا تتعبي نفسك صغيرتي .. سأعده أنا .. أما أنتِ فعودي الى مذاكرتك او إرتاحي قليلا .. "
إلا إنها رفضت بشدة :-
" لست متعبة أبدا يا أبي .. دعني من فضلك أعد لك طعامك .. "
وقبل أن يعترض من جديد كانت تركض نحو المطبخ لتجهيز الطعام له ..
عادت بعد مدة وهي تحمل صينية متوسطة الحجم موضوع عليها بعض الأطعمة ..
وضعت الصينية على الطاولة أمام الكنبة التي يجلس عليها ليبدأ والدها بتناول طعامه بصمت ..
" لقد وضعت الشاي على النار .. "
كان والدها يحب شرب الشاي من يدها مساءا بعدما ينهي تناول عشاءه ..
شعرت حياة بتغير والدها وحزنه من شيء ما فسألته بقلق :-
" تبدو ضائقا من شيء ما يا أبي .. ماذا هناك ..؟!"
نظر إليها وهو يجيب :-
" نديم بك .."
سألته بقلق :-
" ماذا به ..؟!"
رد وهو يتوقف عن تناول طعامه وقد سيطر الحزن على ملامحه :-
" لقد قبضت الشرطة صباح اليوم عليه .."
" ماذا ..؟! "
صاحت بدهشة ثم أردفت متسائلة :-
" لماذا ..؟! ماذا فعل ..؟!"
رد والدها بضيق :-
" لا أعلم ما سبب ذلك بالضبط لكنهم يقولون إنه يبيع في صيدليته أدوية غير مرخصة او شيء من هذا القبيل .."
" هل يعقل أن يفعل نديم بك شيئا كهذا يا أبي ..؟!"
سألته بعدم تصديق ليجيب والدها مدافعا بشدة :-
" مستحيل .. نديم بك لا يفعل شيئا كهذا .. أنا أعرفه جيدا ... أعرفه منذ أن كان طفلا صغيرا وكبر يوما بعد يوم أمام عيني .. إنه رجل ذو أخلاق عالية لا يمكن أن يقوم بتصرف كهذا .."
كانت حياة تعلم ذلك أيضا بناء على حديث والدها الذي دوما ما كان يذكر نديم الخولي بحسن التربية والأخلاق لذا شعرت بالإستغراب عندما أخبرها بسبب إعتقاله ..
" يبدو إن هناك من يريد الإيقاع به .."
قالتها حياة بجدية ليومأ والدها برأسه وهو يهتف بدوره :-
" بالطبع يا ابنتي .. كان الله في عونه وعون والدته وبقية عائلته .."
سألته حياة بإهتمام :-
" وماذا سيفعلون عائلته يا أبي ..؟! ألن يتصرفوا ويحاولوا أن يبحثوا عن الشخص المتسبب بهذا ..؟!"
رد والدها بتأكيد :-
" بالطبع سيفعلون ... اتمنى أن يساعدهم ثرائهم ونفوذهم في إثبات براءته .."
تنهدت حياة وهو تؤمن على دعائه :-
" ان شاءالله يتم الإفراج عنه بأقرب وقت .."
ابتسم والدها بحزن بينما نهضت هي من مكانه واقتربت منه تحتضنه وتواسيه :-
" لا تحزن يا أبي .. بإذن الله سيخرج في أقرب وقت .. أعلم مدى حبك لعائلة الخولي وخاصة السيد نديم .. "
اومأ والدها وهو يرد :-
" أنا حزين لإنه لا يستحق أن يمر بهذا .."
ابتسمت حياة وهي تخبره :-
" سيفرج الله عنه بإذن الله ..."
" آمين .."
قالها والده بأمل بينما إبتعدت عنه قليلا وهي تقول :-
" سأذهب لأتفقد الشاي .. "
ثم سارت مبتعدة نحو المطبخ تاركة والدها يفكر في وضع نديم ومصيره بعد إتهامه بتهمة كهذه ..
..............................................................
بعد مرور مدة من الزمن ..
في قاعة المحكمة ..
وقف الجميع احتراما للقاضي الذي سيقول حكمة في القضية بعد لحظات ...
إلتفتت ليلى نحو نديم تتأمله بعينين لم تتوقفان عن البكاء لحظة واحدة منذ ما حدث بينما نديم ينقل بصره بينها وبينها القاضي وقلبه يرجو الله أن ينصره رغم إدراكه إن كافة المؤشرات ضده حتى بعد محاولات المحامي المستميته لأجل إثباتك براءته ..
كانت صباح تضع يدها على صدرها بوجع بجانبها تسندها ابنتها غالية يتبعها عمار الذي يقف بجموده المعتاد ينتظر حكم القاضي ...
" حكمت المحكمة حضوريا على المتهم نديم حسين الخولي بالحبس لمدة خمسة أعوام مع الأشغال الشاقة مع منعه من ممارسة مهنته بسبب عدم الإلتزام بأخلاقياتها .."
ما إن أنهى القاضي حكمه خرجت صرخة والدته عالية بينما فقدت ليلى وعيها في نفس اللحظة ...