الفصل ١٧ و١٨ و ١٩ - رواية لست قلبي
الفصل ١٧ و١٨ و ١٩
.........
لست قلبي... الفصل السابع عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أحيانًا لا يكون القرار شجاعة بل هروبًا مقنعًا بثوب العقل.
بعد أن نطقت دعاء بما ظنته خلاصها لم تشعر بالراحة بل بسكونٍ مخيف، كأن قلبها توقف عن المقاومة واستسلم لثقل الحقيقة.
كانت تسير بثباتٍ زائف، تُقنع نفسها أن الاختيار الصعب هو الصحيح دائمًا، وأن الألم المؤجل أهون من ألمٍ يتكرر كل يوم.
لكن كيف لقلبٍ ذاق الحب أن يعود فارغًا دون أن يصرخ؟
أما مالك، فلم يكن الفقد بالنسبة له كلمة، بل فراغًا هائلًا في صدره، نبضٌ يعمل... وقلبٌ مكسور لا يعرف لمن ينبض.
لأول مرة أدرك أن أقسى الهزائم هي تلك التي نخسر فيها دون أن نُخطئ.
وفي المنتصف، تتحرك خيوط لم تُشد بعد، عيون تراقب، ونوايا تنتظر لحظة الانقضاض فما حدث لم يكن نهاية وما كُسر لم يمت بعد.
ليل محمل بالآهات، طويل لا ينقضي، أكاد أجزم أني أحصيت عدد النجوم بالسماء وأنا أترقبها بعيون متعلقة بها تدعو الله أن تتراجع عن قرارها.
كيف أرفض ذلك القلب وهو سبيلي في الحياة؟ هل استغنى عنه وأموت بين ذراعيكِ أمانًا، أم أستمر بها وأنا أرى ذلك الكره في عينيها؟ فإن كنت أحيا بحبك فالموت في سبيلك هو الحياة بالنسبة لي.
وبين قلب يأن بألم الفراق هناك قلب آخر يتراقص بسعادة، ليس لإنه قد وصل إلى حالة عشقه المنتظر؛ إنما سعادةً باقتراب موعد حصد غنائم تلك الزيجة.
وبين القلبين؛ هناك قلب معذب بين حبيبان، يرفض الاقتراب من نفس القلب بجسد آخر، يعذبها كونه سرق قلبه ولم يكتفي بل أراد أن يسرق عشقها أيضًا.
كانت سعادة عاصم غامرة واتصل بحاتم على الفور واتفقا على موعد لقاء غدًا بأحد المطاعم.
حين علم حاتم بالأمر وأبلغ هاجر أن الخطة قد نجحت، طلبت منه أن يتم الزواج سريعًا، حتى لا تعرف نيرة بالأمر أولًا، وسرعة تنفيذ الخطة كاملة.
كانت سارة تقف عند الدرج وتوقفت عندما سمعت التهليل والسعادة التي غمرتهما، عرفت بأن دعاء قد وافقت على الزواج من حاتم، تعجبت كثيرًا فكان مالك يتحدث بثقة بالغة بأنها تصدقه، بل رأت أيضًا نظراتهما لبعضهما البعض، وبرغم ذلك الألم الذي احتلها عندما رأت الحب يخط حروفه على ملامح وجه الرجل الوحيد التي أحبته، بل وأصبح ملكًا لغيرها توجها على عرشه الذي أبى إن يضعها بداخله، إلا أنها رضت بأن تتركه ينعم بتلك السعادة، ثم تحولت ملامحها إلى الغضب عندما سمعت حديث هاجر عن تلك الخطة المجهولة.
اقتربت منهما وقالت: إنتو بتتكلمو عن إيه؟!
نظرته لها هاجر بفزع وتحمحمت وهي تنظر إلى حاتم؛ تبحث عن كذبة جديدة تبعدها عن الشك، فقالت: أنا... قصدي على حكاية مالك ودعاء، خلاص عرفنا نفرقهم وأخوكي هيتجوزها.
سارة بحزن: ليه بتعملو كده؟ مالك ودعاء بيحبو بعض.
هاجر بغضب: بس أخوكي بيحبها وعايزها.
سارة: وهترضى يا حاتم تتجوز واحدة وهي بتحب واحد تاني؟!
حاتم: هي اللي وافقت يا سارة، عشان عرفت حقيقته اللي إنتي مش عايزة تصدقيها، إن مالك ده عايز كل حاجة، سرق شغلي وعايز يسرق حبيبتي، وفي الآخر كان هيتخلى عنها زي ما عمل معاكي.
عقدت سارة ذراعيها أمام صدرها ونظرت له بتحدي وقالت: متأكد إن مالك اتخلى عني، ولا أنت اللي فهمته إني شيلته من دماغي لما عرفت إنه مريض؟
حاتم بتعجب: جبتي الكلام ده منين؟!
سارة: عرفت كل حاجة، عرفت إنك رحت الجامعة تاني يوم وقولتله إني مش بحبه عشان تجرحه وتفهمه إنه مرفضنيش ولا حاجة، إنت حاولت تداري على الإحراج اللي حسيت بيه، لكن مكنش فيه داعي تعمل ده، هو مأذنيش في حاجة عشان تجرحه كده وتحسسه بعجز مرضه.
ضرب حاتم كفيه متعجبًا وقال: أنا مش فاهم إنتو إزاي مش شايفين مالك ده على حقيقته؟! اللي متعرفهوش إن مالك سرق قلب ليث وعايش بيه، الملاك اللي إنتو شايفين جنحاته بترفرف حواليه اتكشف على حقيقته ودعاء عرفتها، عقبالك يا أختي العزيزة لما تفتحي عينك وتشوفي ده.
سارة بتردد: لأ... مالك ميعملش كده، مالك مش حرامي، أنا عارفاه كويس، أكيد في حاجة غلط.
ثم شردت أمامها تنظر إلى الفراغ وقالت بهمس: عشان كده حب دعاء؟!
تجاهلت هاجر ما تقوله سارة ونظرت إلى حاتم وقالت: اسمعني بقى وركز معايا، لازم تخلص الحوار كله بكره.
حاتم: حاضر، متقلقيش يا ماما، آخر الأسبوع هتكون دعاء منورة البيت هنا.
ثم قال محدثًا نفسه: وقريب أوي كل حاجة هتبقى ملكي.
عاد النظر إليهما وقال: أنا بقى هطلع أنام عشان عندي شغل مهم الصبح.
تركهما وصعد إلى غرفته، وحين أغلق الباب اتصل على الفور بسامر وقال له: بقولك يا سامر، فاكر الحبوب اللي كنت قولتلك تجهزها، عايزك تجيبها معاك بكرة ضروري، هنبدأ تنفيذ على طول.
سامر: هي دعاء وافقت ولا إيه؟
حاتم: اه وافقت خلاص، وهنتمم الجواز على طول، بس الأول طمني؛ إنت أتأكدت إنها بتعمل قصور في القلب؟
سامر: أيوة سالت ٣ دكاترا وقالوا الدوا ده مينفعش ياخده مريض قلب، تأثر عليه وتموته.
حاتم: حلو أوي، نبدأ نحط واحدة واحدة، هو أصلًا مريض قلب وعشان الموتة تيجي طبيعي وبراحتها، على الأقل أخد يومين حلوين شهر عسل مع العروسة.
سامر: طيب نقول مبروك على الجوازة والورث.
حاتم: الله يبارك فيك، خلي بالك عايز كمان أغير عفش الاوضة ديه.
سامر: بكرة هيبقى عندك مجموعة لأوض النوم تفرجها للعروسة وهي تختار، وتاني يوم هتبقى عندك في البيت.
يظنون أن هناك من يعد لحياة وبيت مستقر، لا يعلمون أن هناك نية مبيتة أخرى قد تودي بحياتها إلى الجحيم.
في الصباح، لم تذهب دعاء إلى العمل ولم يضغط عاصم عليها، تركها ترتاح قبل الزواج وأيضًا خوفًا من أن تلتقي بمالك ويجعلها تتراجع عن فكرة الزواج.
أما مالك، قد ذهب إلى العمل وهو يتملكه الغضب الشديد، وقد أفرغ ذلك الغضب في صياحه بالموقع بين العمال، حاول يامن تهدئته ولكن ما يشعر به كان فوق الاحتمال، يبحث عنها بكل اتجاه، يتمنى أن تظهر أمامه، بعد أن لاحظ ما يفعله ابتعد عن الجميع، وامسك هاتفه يتصل بها مرارًا، ولكن دون جدوى، ظل يرسل لها الرسائل علها تراها حين تفتح هاتفها ربما ترحم ضعفه وعشقه البائس.
بعد وقت، ذهب إلى المشفى كي يبحث عن الطبيب الذي أجرى تلك العملية له، ربما يشهد أمامها أنه لم يسرق شيء بل لم يطلب ذلك نهائيًا.
بعد الظهيرة، كان عاصم يجلس مع حاتم في أحد المطاعم، وقد استقالا بعيدًا عن الناس بغرفة خاصة، قال عاصم: مش كنت تيجي إنت وهاجر وسارة ونتكلم في التفاصيل في البيت عندنا.
حاتم: يا عمي إحنا عيلة واحدة، وكده كده هنيجي طبعًا، بس أنا حبيت أتفق مع حضرتك بيني وبينك عن كل حاجة، وأنا كل اللي تأمر بيه تحت أمرك، من جنيه لعشرة مليون.
عاصم: يا ابني أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تاخد بالك منها، تحافظ عليها وتحميها، دعاء ملهاش غيري وإنت عارف أنا تعبان وصحتي مش زي الأول.
حاتم باندفاع: بعد الشر عليك يا عمي، ربنا يخليك ليها وتجوز ولادنا كمان بس أنا ليا طلب واحد، عايز نتمم الجواز على طول، الصراحة خايف ترجع في كلامها وأنا ما صدقت وافقت بعد سنين العذاب ديه كلها.
عاصم: وماله يا ابني، طالما كل حاجة جاهزة يبقى نتمم الجواز على طول.
حاتم بسعادة: يبقي الشبكة وكتب الكتاب والدخلة آخر الأسبوع.
عاصم: خير البر عاجله، ربنا يتمم بخير.
كان سامر يقف عند الباب من الخارج، وعندما اقترب النادل وهو يحمل أكواب المشروبات، أخذها سامر وقال: استنى، البهوات مش عايزين حد غريب يدخل، أنا هدخل الحاجة ديه.
تركها النادل بين يديه وذهب، ثم أخرج سامر حبة دواء من معطفه ووضعها داخل كوب عاصم، وقام بتحريك الكوب قليلًا حتى اختفى الدواء بداخلها، ثم أدخل المشروبات إلى الغرفة.
خرج مالك من المشفى وهو خائب الأمل، علم أن الطبيب قد ترك المشفى بعد العملية، بل سافر إلى الخارج للعمل، وأصبح التواصل معه صعب.
كان يقود سيارته وهو يغلق عينيه كي يرى ملامحها التي حفرها داخل مخيلته، يشتاق إليها حد الجنون، ينظر إلى الرسائل في انتظار أن تفتح هاتفها كي تقرأهم، وحين تسلل اليأس بداخله قرر أن يذهب إليها، عازمًا على أن يجعلها تعود إليه وإن كان التوسل سيجدي نفعًا... سيفعله.
يقف أمام منزلها، ينظر إليه من الخارج يتأكد أن عاصم ليس بالداخل، نظر إلى الوقت فوجده باكرًا ومن المؤكد أن عاصم بالعمل، فاقترب من المنزل وطرق الباب طالبًا في مقابلتها ولم يُفصح عن اسمه حتى لا ترفض مقابلته.
جلس بالبهو ينتظر نزولها، يترقب الدرج الذي ستهبط من عليه، والتوتر جالي على جسده المطالب بالقرب منها كي يهدأ بين راحتيها، نزلت أمامه بهدوء الذي تحول إلى غضب عندما وجدته ينتظرها بالأسفل، اقتربت منه كالريح العاصف وقالت: إنت إزاي تتجرأ وتيجي لحد هنا؟!
نظر إليها يبحث عن ملامحها العاشقة له، وجدها اختفت تمامًا، فقال والحزن يعتلي وجهه: وحشتيني، مش قادر أتخيل إنك خلاص مبقتيش ليا.
نظرت له بتحدي، ثم هدأت وقالت: بجد... اممم، وإيه كمان.
مالك: ياريت تبطلي الأسلوب ده، أنا عارف إنك بتحبيني، عارف إن الكلام اللي إنتي قولتيه ده من ورا قلبك، إنتي بتحبيني بس زعلانة عشان فاكرة إني سرقت قلب ليث، صدقيني لأ، وقريب هجيبلك الدليل.
دعاء: هتجبلي دليل ولا تحاول تعمل دليل على براءتك، وبعدين إنت جبت الثقة ديه منين إن الكلام اللي قولته من ورا قلبي؟! لأ يا بشمهندس أنا مش بحبك والدليل على كده إني وافقت أتجوز حاتم.
تحولت ملامحه إلى الصدمة الممزوجة بالغضب وقال: تتجوزي مين؟! إنتي بتقولي إيه؟ الجوازة ديه مش هتم.
دعاء: لأ هتم، وحاتم عرف وأكيد دلوقتي بيجهز للجواز، على الأقل أنا عارفاه وعارفة هو عايزني أد إيه واستنى أد إيه عشان يوصلي.
مالك: وأنا؟ مش عارفة أنا عايزك أد إيه؟! مش عارفة حبك في قلبي عامل إزاي؟
دعاء بغضب: مش قلبك، إنت حاسس بحب ليث ليا وبس، لكن مالك مش بيحبني.
مالك: بحبك... بحبك أكتر من نفسي ومش عارف أعيش من غيرك ولا أتخيل إنك هتبقي لحد غيري، طب هغير القلب ده خالص عشان تتأكدي من حبي ليكي.
دعاء: تاني.... عايز تسرق تاني، إنت إيه... مش عارف أنا حاسة بإيه وأنا شايفة إنك عايش بقلبه هو، خليت الدكتور يفتح صدره وهو ميت ويسرق قلبه منه عشان تعيش بيه، حاول تفكر في إحساسي وإنت هتعرف أنا شيفاك إزاي.
مالك برجاء: طيب.... طيب بلاش ترجعيلي، لو مش قادرة تتقبلي فكرة القلب ديه خلاص، بس بلاش حاتم يا دعاء.... بلاش حاتم عشان خاطر... عشان خاطر ليث، مش هقولك عشان خاطري أنا، عشان خاطر قلبه اللي بتقولي إنه لسه فاكر حبك، بلاش حاتم.
قاطع حديثهما دخول عاصم الذي يبدو عليه التعب، ولكن تبدلت ملامحه إلى الغضب عندما رأى مالك يقف بمنتصف المنزل أمامها، فاقترب منهما على الفور وقال: إنت بتعمل إيه هنا، إيه اللي جابك هنا؟!
مالك: بعد إذنك يا بشمهندس أنا جيت أتكلم معاها شوية.
عاصم: آخر مرة تقرب منها، خلاص دعاء هتتجوز آخر الأسبوع، تشيلها من دماغك خالص، وقدامك كام يوم لو مسلمتش المرحلة الأولى في المعاد هشوفك في المحكمة، أطلع برا.
نظر لها راجيًا، ولكن صفعته بنظرة الرفض، خرج من المنزل محطمًا، قد انتهى الأمر وبأسوء النهايات، ستتزوج من غيره... من عدوه اللدود، عاد إلى سيارته باكيًا منتحبًا، يعلو صدره ويهبط بألم بارح، ليس بالقلب العليل، بل بالألم المميت ينتشر بجسده كاملًا.
حين غادر وقع عاصم على الأريكة متألمًا، وصرخت دعاء بجواره بفزع، أنهياره كان آخر نقطة فيما تملكه من قوة تحمل، فقد وعيه بين يديها وهي تصرخ بجواره.
تُرى... هل انتهت قصة العشق أم هناك أمل جديد؟
يتبع...
رباب حسين
لست قلبي.... الفصل الثامن عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
اه من عذابًا لم يكن لي، وذنبًا لم اقترفه، وفراقًا لا أرغب به.
لو كنت معافيًا ما كنتِ لترفضي قلبي المتيم، لو كنت ليثًا لكنتِ بين ذراعيّ الآن، لو كنت ماكرًا لكنت أجواركِ في ليلة الزفاف، لو كنت كارهًا لتركتك تمضي بعيدًا؛ لا داعسةً على رماد عشقي.
سقط قناع كرامتي، أصبحت أواري قسمات روحي بهذا القناع المزيف من الجمود، خسرت كل أسلحتي أمامك وبت أشدو في سماء عشقكِ باكيًا، سقطت دموعي ويا ويحي من ألمي، ليت الألم ينتهي... ليت الحب يمضي، لكنكِ باقية أمد الدهر، محتلة ذاك الخافق بقوة.
تظنين أن الحب يأتي من القلب ونسيتي أن الروح تعشق قبل العين، ولكن إلى أين؟ فقد رأيت رفضكِ في صوتكِ... وجهكِ... جسدكِ المنتفض... خسرتها.... يلا حسرتي! بت على قارعة الطريق أبكي ولا أحد يرى دمعي.
عاد مالك إلى المنزل محطم الخطى، يرسو على صدره ألم يأبى الانتهاء، وحين دخل المنزل وقفت حسناء أمامه فضمها يستمد منها القوة. أحملي ألمى عني يا أمي... أجعليه يصمت، هل هناك سبيلٌ في مواساتي؟! هل أعذرها في قتل أملي؟ هل ذنبها أم ذنبي؟
هدأ بين يديها قليلًا ثم جذبته من يده وأجلسته على الكرسي وقالت وهي تنظر إلى وجهه الحزين: أول مرة أشوفك بتتهاون مع حد داس على كرامتك، للدرجة ديه يا مالك حبيتها؟
أغنض عينيه ولم يجيب فأردفت: بس هي استغنت عنك يا مالك واتهمتك من غير حتى ما تتأكد ولا تديك فرصة تدافع عن نفسك، انا عارفة إن جرحك صعب عشان أول مرة تحب لكن إفتكر إنك مغلطش في حاجة، هي اللي غلطت في حقك وفي يوم من الأيام هتعرف الحقيقة وتندم.
مالك: لو ندمت ورجعت هسامحها، بس ترجع.
كانت دعاء تبكي وهي تركض بجوار السرير المتحرك داخل المشفى، هي تنظر إلى عاصم الفاقد للوعي أمامها بخوف، تصيح باسمه بكل قوتها لا ترحل... لا تتركني وحيدة.
حتى دخل غرفة العناية المركزة وفصل بينهما ذلك الباب الذي ظلت تنظر إليه وهي تبكي بانهيار، تتلفت حولها تائهة لا تعلم بمن تتصل كي يساعدها، لم تجد سوى حاتم، اتصلت به على الفور وأبلغته بالأمر، نظر أمامه بسعادة لم يظهرها في صوته وقال: متخافيش يا حبيبتي أنا جي حالًا، استني مكانك متخافيش أنا جي.
أنهى المكالمة ونظر إلى سامر وقال: هي الحباية هتخلص عليه بدري بدري ولا إيه؟!
سامر: ممكن قلبه مش مستحمل، بس لو تعبان كده يبقى قوله أنا عايزك تبقى معايا وتجوزهالي بنفسك، وهو هيوافق عشان يطمن عليها، ومفرقتش يعني النهاردة من الخميس.
حاتم: طيب كلم شركة الآثاث خليهم يبعتو أوضة جديدة على البيت عندي.
سامر: تمام، خلينا نضمن فلوس بقى عشان نخلص من زن معلم جلال، كل شوية عمال يرن ويهدد خلينا نخلص.
حاتم: ده أصلًا كويس إنه ساكت لحد دلوقتي، بس عشان أول مرة تحصل معايا حاجة زي ديه، كله من الزفت علاء، كان زماني مسلم البضاعة وواخد الفلوس، مكنتش أتزنقت الزنقة ديه، وكمان الزفت مالك خد مني المناقصة، كان عندي أمل تسد معايا شوية، إنت بس لو اتصل بيك قوله كلها كام يوم وابعتلك الفلوس كلها.
سامر: عارف لو وصلنا بس لعلاء مش هسيبه غير وهو مقتول، لهف ٢٠ مليون وخلع.
حاتم: الجوازة ديه هتعوض كل الخسارة، وهتنقذ الشركة وكل حاجة هتتحل، هنزل أنا أروح لدعاء خليني أخلص من الحوار ده.
بعد وقت، وصل حاتم إلى المشفى، وذهب مباشرةً إلى دعاء ووقف أمامها وهو يتصنع الحزن، وحين رأها تبكي رتب على كتفها بحنان مزيف يهدأ من خوفها، وظل بجوارها حتى خرج الطبيب وأبلغها أن حالة القلب غير مستقرة.
فقالت دعاء: طيب خليني أشوفه يا دكتور أرجوك.
الطبيب حسن: شوية بس وأدخلي شوفيه، بس مطوليش.
بعد وقت، دخلت دعاء ونظر لها عاصم بإعياء شديد، حاول جاهدًا أن يخرج ابتسامته كي يهدأ من خوفها ثم قال: متخافيش... أنا كويس.
ارتمت على صدره تحتضنه وقالت: هتقوم يا حبيبي، مش هتسيبني.
رتب على ظهرها ثم أومأ إلى حاتم كي يهدئها، جذبها حاتم وقال: متخافيش يا دعاء، وعكة صحية وهتعدي.
عاصم: كويس إنك جيت يا حاتم.
حاتم: وأنا هعرف إنك تعبان ومش هاجي يا عمي، وبعدين ده أنا جيت جري لما سمعت دعاء بتعيط في التليفون، معرفش وصلت إزاي هنا من الخوف عليها وهي لوحدها.
عاصم: خلاص مبقتش لوحدها، أنا كده اطمنت عليها.
حاتم: طبعًا في عينيا، بلاش بس نفكر في الكلام ده دلوقتي، قوم بس كده بالسلامة عشان تبقى موجود في كتب الكتاب يوم الخميس.
نظرت له دعاد بصدمة وقالت: يوم الخميس؟!
حاتم: هو.... بابا مقالكيش؟
عاصم: ملحقتش، بس أنا مش ضامن هخرج يوم الخميس من هنا ولا لا.
حاتم بحزن: يعني حضرتك عايز تأجل الجواز؟
عاصم: لأ، مش عايز تأجيل، بس هنكتب الكتاب وأنا هنا إزاي؟!
حاتم: طيب ما خير البر عاجله يا عمي، أنا أجيب المأذون هنا ونكتب الكتاب، والعروسة تبقى معايا في بيتها معززة مكرمة، حتى تبقى مطمن عليها، ولما تخرج بالسلامة نعملها أحلى فرح.
كانت دعاء تسمع لما يقولان وهي مصدومة، لا تنكر أنها وافقت على الزواج ولكن لم تتوقع أن يتم بهذه السرعة فقالت: مش بسرعة أوي كده يا بابا؟
عاصم: يا بنتي وإحنا لسه هنعرفه، ده حاتم متربي في وسطنا وإنتي عارفاه من زمان، وأنا شايف إن معاه حق، خليني اطمن عليكي قبل ما أموت.
دعاء ببكاء: بعد الشر عليك يا حبيبي.
حاتم: أنا شايف نعمل اللي يريحه عشان يبقى مطمن، القلق والتوتر في الحالة ديه مش كويس عشانه، ولو عايزة يبقى كتب كتاب بس ونستنى الدخلة بعد ما عمي يخرج مفيش مشكلة، بس على الأقل تيجي تقعدي معانا في البيت.
صمتت، لم تجد عذر يخرجها من هذا المأذق، ولم تجد سبيل للهروب وكل ما كانت تخشاه هو أن يشعر والدها بالخوف عليها أو القلق.
وبعد وقت، كانت تخط بيدها على وثيقة عقد القران بينها وبين حاتم، كان هناك ألف صوت بداخلها يمنعها، وعلى رأسهم صوت مالك الذي كان يرجوها: بلاش حاتم يا دعاء.
ولكن لم تسمع، وانتهى كل شيء بمجرد أن وضعت اسمها على هذه الورقة.
انقضت مدة الزيارة وذهبت دعاء مع حاتم إلى المنزل لتحضر ثيابها.
ذهبت نيرة إلى الشركة حيث أنها علمت بأن هناك إجتماع للإدارة، وعندما وصلت تفاجأت بأن الإجتماع قد التغى، سألت موظف الإستقبال عن الأمر فقال: بشمهندس عاصم كان في إجتماع برا والمفروض كان يرجع عشان إجتماع الإدارة، بس للأسف حس بتعب واتصل وبلغنا نلغي الإجتماع.
نيرة بخوف: خير يارب، هيكون فيه إيه.
أمسكت هاتفها واتصلت على الفور بعاصم، واستقبلت المكالمة أحد الممرضات وقالت لها: صاحب التليفون في العناية المركزة.
نيرة بصدمة: في العناية؟! ليه خير؟
الممرضة: فيه قصور في القلب.
ركضت نيرة خارج المشفى سريعًا وهي تتحدث عبر الهاتف وتسأل عن عنوان المشفى، عادت إلى سيارتها وذهبت فورًا، وحين وصلت طلبت من الطبيب أن يسمح لها بالزيارة، بعد إلحاح منها وافق الطبيب ودخلت لتراه، جلست بجواره لتطمئن عليه وهي تلاحظ مرضه الشديد، ثم نظرت حولها وقالت: هي دعاء روحت لوحدها، كانت جت قعدت عندي.
عاصم: لا... مش لوحدها، كتبت كتابها على حاتم عشان لو ربنا خد أمانته أبقى مطمن عليها.
وقفت أمامه بصدمة وقالت: إيه؟! إتجوزت حاتم! ليه يا عاصم كده؟ تغصبها ليه على الجواز منه؟
عاصم: أنا مغصبتهاش، حاتم كان طالب إيدها من فترة، وهي وافقت بإرادتها.
نظرت إلى الفراغ بصدمة، وقد فهمت الآن لما كان حاتم يساعدها ليبعد دعاء عن مالك، وقد نجح في مبتغاه.
أخذت حقيبتها وتوجهت فورًا إلى المنزل حاتم، بذات الوقت الذي كان حاتم يتجه إلى منزله مع دعاء، كان ينظر إليها وهي تجلس بجواره ويبدو عليها الضيق، فقال: عارف إنك بتحبيه، بس تفتكري ده سبب كافي؟
دعاء: مش بحبه، كانت مرحلة وعدت في حياتي مش عايزة أفكر فيها، ولو سمحت منتكلمش فيها تاني؟
حاتم: ممكن، بس عايزك. تطمني خالص، محدش هيحافظ عليكي قدي، إحنا عارفين بعض من زمان وأصحاب وفاهمين بعض كويس، وأنا معجب بيكي من زمان واستنيتك كتير، ومش هتندمي على جوازك مني.
أومأت له بالإيجاب ونظرت إلى النافذة بجوارها بصمت.
خرجت سارة من غرفتها متعجبة من الأصوات بممر الغرف، وجدت أن العمال يغيرون آثاث غرفة حاتم، هبطت الدرج تسأل هاجر عن الأمر، وجدت هاجر مبتسمة بسعادة فقالت: هو إيه اللي بيحصل؟
هاجر: تعالي... تعالي إعرفي الأخبار الجديدة، أخوكي إتجوز دعاء النهاردة وجاية معاه في الطريق دلوقتي، وبنغير الأوضة عشان العرسان.
سارة بصدمة: معقول؟! يعني سابت مالك خالص؟
هاجر بضيق: يادي مالك اللي مش بيخرج من دماغك ده.
ثم لمحت سيارة حاتم تدخل حديقة المنزل، وقفت تستقبل دعاء بسعادة وهي تنظر حولها بصدمة ثم قالت: مش عارفة أقولك مبروك ولا ألف سلامة على بابا يا حبيبتي.
دعاء: إن شاء الله هيخف ونقول كلنا مبروك.
حاتم: إدخلي يا دعاء واقفة ليه؟
دخلت دعاء وجلست بالبهو وهي تنظر إلى العمال، لاحظت هاجر نظراتها فقالت: ده عفش الأوضة بتاعتك يا عروسة، حاتم لما قالي على كتب الكتاب جهزلك الأوضة في ثواني عشان تنوريها.
قاطعها صوت نيرة الغاضب بعد أن سمعت ما قالته هاجر فصاحت عاليًا: تنورها؟!
نظرت لها هاجر بصدمة وركضت نحوها كي تمنعها من الحديث أمام دعاء حاولت دفعها بالخارج وهي تقول: نيرة... حبيبتي، نورتي، تعالي بس نتكلم برا سوا شوية.
دفعتها نيرة بغضب وقالت: بقى تتفقو معايا وتعملي فيها صاحبتي وحاسة بيكي يا قلبي، اه فاهمة إنك شايفة فيها ليث ومش عايزاها تبعد عنك! وإنتي كل ده بتخططي لجواز حاتم منها، تستغلي الكلام اللي قولته عشان توقعي بينها وبين مالك وتجوزيها لابنك المحروس.
وقفت دعاء بصدمة اقتربت منهما وقالت: إنتو بتقولو إيه؟
لحقت بها سارة ووقفت تسمع ما يدور بينهن، قالت نيرة: بقولك الحقيقة، أنا مكنتش عايزاكي تتجوزي مالك، مكنتش قادرة أشوفك مع حد تاني غير ابني لإن ببساطة كنت بشوفك وبحس إنه عايش وإنتي قدامي، وهما ضحكو عليا، هاجر قالت إنها بتكره مالك وعارفة إنه مش كويس وهيأذيكي عشان كده قولتلهم على موضوع القلب ده...
قاطعها حاتم غاضبًا وقال: ما خلاص بقى يا ولية إنتي، إنتي داخلة البيت وعمالة تزعقي ولا كأنه بيت أبوكي، اطلعي برا.
نظرت له دعاء بتعجب من هذه الطريقة التي يتحدث بها ثم قالت: أنا اللي محتاجة أفهم، كملي لو سمحتي، إيه حوار القلب ده؟
حاتم بغضب: وأنا قلت مش هتكمل كلام، ولا أنا مليش كلمة في بيتي.
دعاء: والمفروض إنه بقي بيتي، وماما نيرة ضيفتي ومش مسموحلك تطردها، كملي لو سمحتي.
سارة: أنا كمان عايزة أعرف الحقيقة.
رمقتها هاجر بنظرة قاتلة ولكنها لم تبالي، قد طفح بها الكيل مما يفعله حاتم وهاجر ولم تعد لديها القدرة على إلتماس العذر لهما بعد الآن.
نيرة: مالك دخل المستشفى في نفس اليوم بتاع حادثة ليث، كنت أنا هناك وعرفت إنه خلاص يا حبيبي في الساعات الأخيرة من حياته، وأنا قاعدة بعيط برا على الباب لقيت حسناء بتعيط جنبي ومنهارة، فجأة أغمى عليها بعد ما الدكتور كلمها بشوية، خدني الفضول أسأل عن السبب لأنها صرخت بابني وهي بتعيط، عرفت من الدكتور إن مالك حالته حرجة وبيموت، وإن جوزها مات في نفس اليوم، صعبت عليا أو حسيت بيها، ما زي زيها، بعد شوية الدكتور جيه قالي إن ليث نفس فصيلة دم مالك وأنا عارفة إن فصيلة دمه نادرة، فهمت ساعتها هو عايز إيه، بس متكلمتش فضلت وافقة مستنية ليث يمكن ربنا يرجعلي الأمل تاني بس للأسف كان مات، ساعتها كنت بعيط واصرخ من الوجع وسامعة حسناء بتصرخ وتعيط زيي، بس حسناء كان عندها أمل، لكن أنا خلاص، رحت للدكتور وقولتله لو قلب ليث هينقذ مالك أنقذه، على الأقل يبقى حتة منه لسه عايشة، بعدها مندمتش أبدًا عشان حسيت إني أنقذت حياة واحد زي ابني بالظبط وقلب ليث لسه بينبض في الدنيا، لكن مكنتش أعرف إن حبك لسه عايش جواه، لما عرفت اتجننت وقولت لهاجر اللي طبعًا ما صدقت إنها توقع بينكم، وكل ده عشان تجوزك لحاتم.
كان حاتم ينظر إليها بجمود، هو قد حصل على كل ما يريده، أصبحت بين يديه ولن يتركها إلا عندما يأخذ منها كل شيء يريده منها، ولا أحد يستطيع تخلصيها من بين مخالبه بعد الآن، فنظر لها ببرود وقال: خلصتي؟! برا.
نظرت سارة ودعاء إليه بغضب وقالت سارة: أنا خلاص، قرفت منكم، نفسي أفهم إنتو معملوين من إيه، تخلوني أكدب عليها ولما منفعش رحتو زورتو حكاية القلب ديه وطلعتوه حرامي عشان دعاء تبعد، هتعملو إيه تاني؟! بتعملو فيه كده ليه؟
طفح بحاتم الكيل فصاح غاضبًا: خلاص بقى، خلصنا، كل كلامك عن مالك مالك وبس، لو سمعتك بتجيبي سيرته تاني مش هتقعدي في البيت ده لحظة واحدة، هطردك في الشارع وشوفي مين هيصرف عليكي، اسم مالك ميتذكرش هنا تاني، ودعاء بقت مراتي خلاص واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل.
نظرة له سارة بغضب وتركته وصعدت إلى غرفتها، عازمة على ترك المنزل.
نظر حاتم إلى نيرة وقال: وإنتي، مش قولتي اللي عندك وخلصنا، اطلعي برا دلوقتي.
دعاء: مش هتطلع لوحدها، طلقني يا حاتم.
حاتم: اطلقك إيه! إنتي اتجننتي؟ مش لسه قايلة من شوية إنك مش بتحبيه؟
دعاء: قبل ما أعرف القذارة اللي إنت عملتها ديه، مش مصدقة إن كلكم اتفقتو عليا عشان تبعدوني عنه، وإنتي يا ماما نيرة، إزاي تسمحيلهم يعملو فيا كده، وكمان تديهم الطريقة اللي يكسرو بيها قلبي، ده إنتي اللي مربايني ولا نسيتي ده عشان أنانيتك وحبك لابنك اللي خلاكي عايزاني جنبك وخلاص.
كادت تتحدث والدموع تملء مقلتيها ندمًا على ما فعلت ولكن منعها حاتم ودفعها بقوة نحو الباب، لتسقط أرضًا بالخارج تحت نظرات دعاء المصدومة، ثم أغلق حاتم الباب بقوة، وجذب دعاء من يدها عنوة وجذبها إلى الداخل، ظلت تقاوم ولكن لم تقوى على دفعه.
ترُى هل ستستطيع الهروب من بين يديه ام ستظل بذلك السجن الذي دخلته بإرادتها؟
يتبع....
رباب حسين
لست قلبي.... الفصل التاسع عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
انقلب كل شيء بلحظة واحدة، حين كانت تستمع إلى ما تقوله نيرة؛ كان يتردد بداخلها صوته فقط، كيف كان يرجوها أن تصدقه، أن ترحم هذا العشق الذي يأن بداخله، وبرغم قسوتها كان يفكر بها فقط، كان يريد حمايتها منه.
والآن قد صدقت، رأت الوجه الحقيقي لحاتم، زال القناع الذي كان يضعه أمامها، واكتشفت حقيقة ما كان يخطط له من البداية.
فقدت قوة شخصيتها أمامه، لم تستطع أن تفلت من يديه حين جذبها عنوة خلفه وصعد بها إلى الغرفة، أوصد الباب من الداخل ورمقها بنظرة باغضة.
ها هي تقف أمامه، داخل غرفة موصدة من كل الجهات، الخوف يتسلل إلى قلبها رويدًا رويدًا، مع كل نظرة لها... كل خطوة، كانت بمثابة إعلان لناقوص حرب؛ حرب معلوم نتيجتها، قد خسرت مالك والآن ستخسر كل شيء.
خرجت سارة من غرفتها وهي تحمل حقيبة ملابسها ونزلت إلى أسفل، رأتها هاجر وهي تغادر فأمسكت بيدها وقالت: إنتي رايحة فين؟!دفعت يدها بعيدًا وقالت: ماشية، هغور بعيد عنكم وعن حياتكم اللي كلها مؤمرات وقرف، حاولت كتير استوعب اللي إنتو بتعملوه بس خلاص مش قادرة، وياريت تقولي لابنك العزيز يحاول يلحق نفسه ويطلق دعاء ويسيبها تمشي، كفاية إهانة لحد كده.
تركتها وذهبت، فصاحت هاجر: غوري، جربي العيشة في الشوارع، بكرة ترجعي وتقولي سامحوني.
قد ابتعدت عن كل هذا، راغبة بأن تبدأ حياتها بعيدًا عن أموال حاتم التي تلوثت بالكذب والخداع، فقد تأكدت الآن أن حاتم قد تزوج دعاء طمعًا بها.
صعدت هاجر على الفور إلى غرفة حاتم وطرقت الباب بقوة، لتمنع حاتم الذي بدأ يقترب من دعاء التي تجمدت أوصالها، ابتعد عنها وذهب إلى الباب وهو يزفر بقوة، لتتنفس دعاء براحة، ثم تذكرت مالك وانقبض قلبها بشدة، لم تشعر ودموعها تتساقط كشلال ينساب ببطء على وجنتيها.
نظر حاتم إلى هاجر بقلق عندما لاحظ غضبها وقال: فيه إيه يا ماما؟!
هاجر: أختك سابت البيت.
عقد حاتم حاجبيه وعيناه تحولت إلى اللون الأحمر من شدة الغضب وقال: يعني إيه سابت البيت؟!
هاجر: يعني خدت هدومها ومشيت، مش إنت طردتها وهي ما صدقت.
حاتم: هتروح فين يعني، سيبيها هتلف وترجع تاني.
خرجت سارة من المنزل ووقعت عيناها على نيرة التي تتأوه بقوة من دفعت حاتم لها، والعمال يحاولون مساعدتها لتصعد داخل سيارتها، اقتربت منها سارة بغضب وقالت: كنتي عايزة تحافظي عليها صح! دلوقتي تعمل إيه الغلبانة ديه جوا، حرمتيها من اللي بتحبه وبيحبها ورميتيها في إيد واحد مش عايز غير فلوسها، وبالمناسبة قولي للشركة بتاعتك باي باي، عشان حاتم لو حط إيده عليها مش هيخليكي تحطي رجلك فيها.
تركتها وذهبت، تركت فقط الندم يسيطر عليها والحسرة تنهش بقلبها، أما حاتم فعاد إلى الغرفة ونظر إليها ليعود الرعب متسللًا وقال: من زمان وأنا كنت عايز أخدك من ليث، مش عشان بحبك... لأ، عشان فضلتيه عليا.
فاكرة لما طلبت منك زمان في ثانوي عام تيجي معايا نتعشى سوا، ساعتها قولتيلي لأ، أنا مش هقدر أخرج، إتفاجأت تاني يوم لما لقيت ليث جي بيتنطط من الفرحة ويقولي أنا ودعاء كنا مع بعض إمبارح واعترفنا بحبنا لبعض، كان بيحكي عنكم قدامي بمنتهى البجاحة، وأنا كاتم غضبي جوايا.
فضلت سنين مستحمل الوضع وبقرب منك حبة حبة بس عشان أخد فرصة، يمكن تبعدو، يمكن تسيبيه، لكن محصلش.
لحد ما ربنا بعتلي فرصة من عنده، تيجي بقى حضرتك في الآخر تروحي تقربي من مالك، لأ وعايزة تتجوزيه، كأني مليش وجود في حياتك.
دعاء بخوف: أنا مكنتش أعرف إنك بتحبني.
حاتم بتهكم: وديه الحجة يعني؟! طيب ما أنا جيت قولتلك وطلبت إيدك للجواز، عملتي إيه؟! فضلتيه عليا.
دعاء: عشان جيت قولتلي متأخر، كنت حبيت مالك...
اقترب منها بغضب وصفعها على وجهها وقال: إياكي تجيبي سيرته تاني، إياكي تنطقي بكلمة بحب ديه غير ليا أنا.
تأوهت ببكاء، وانهمرت دموعها بغزارة وهي ترجوه: لو كنت أعرف إنك بتحبني من بدري كنت وافقت عليك، أنا دعاء يا حاتم... صاحبة عمرك كله، معقولة بتعمل فيا كده؟! وكل ده غصب عني مش بإيدي، مش هتحكم في قلبي يحب مين، أرجوك يا حاتم طلقني وسيبني أمشي، مش هقدر أعيش معاك كزوجة وأنا قلبي مش ملكك.
انقض عليها كالفريسة، قيد حركتها بقوة، ودفع جسدها الضئيل على الفراش، حاولت أن تتملص منه، ترجوه بدموعها أن يتركها. ولكن كانت تلك الكلمات التي اخترقت سمعها بمثابة حكم إعدام عاجل التنفيذ: أنا هخليكي ملكي، لو قلبك مش عايز يحبني ومش قادرة تتحكمي فيه؛ جسمك هيبقى ليا.
اقترب منها كالوحش، لم يترك لها المجال لتبتعد عنه، سلبها أعز ما تملك وهي تبكي بدماء قلبها، من ينقذها؟! من يخرجها من هذا السجن، لم تجد سوى هو، نطقت باسمه بين دموعها، صرخت باسمه باكية: ماااالك.
ليغمض هذا الحزين عينيه بحزن دفين، غصة اخترقت صدره وصل ألمها إلى قلبه، لا يعلم لما يشعر بهذا القدر من الألم، عذاب كنيران تلتهمه من الداخل. هل اشتياق؟! أم صرخة حبيبة تطلب مساعدته وقد سمعها بقلبه؟
قاطع ذلك الألم صوت طرقات الباب، فتح مالك ليجد حسناء تقف أمامه وتحولت نظراتها إلى الحسرة على ملامح وجهه التي انطفئت، ثم قالت: سارة مستنياك تحت وعايزة تقابلك.
تعجب من الأمر، ولكن حاول رسم الجمود على وجهه كي لا يبدي ضعفه أمامها، فكبريائه لا ينهار سوى أمام عيون دعاء.
نزل إلى أسفل ونظر إلى سارة التي تقف بجوار حقيبتها وقال متعجبًا: إيه الشنطة ديه؟! إنتي مسافرة ولا إيه؟!
سارة: لأ، أنا جاية أقولك على حاجة مهمة أعتقد لازم تعرفها.
أشار لها كي تجلس وجلس أمامها وحسناء بجواره، قصت له سارة عن هذه المؤامرة التي قام بها حاتم وهاجر ونيرة، فقالت حسناء: نيرة عملت كده؟!
سارة: معرفش قدرت تعمل في دعاء كده إزاي؟! أنا لما شفتها قدامي معرفتش أسكت، قلت كل حاجة في قلبي، وكفاية أصلًا اللي حاتم عمله معاها، طردها من عندنا من البيت ووقعت في الأرض وشكلها اتصابت.
مالك: هي جت البيت وقالت كل حاجة؟! بس إيه اللي خلاها تعمل كده ما خلاص دعاء سابتني.
سارة بتردد: عشان.... عشان عرفت إن دعاء وحاتم يعني.... إت... إتجوزو النهاردة.
كلمة واحدة كانت كفيلة بأن تُسقط ما تبقى من روحه، لم يشعر بصدمةٍ صاخبة بل بهدوءٍ قاتل، كأن شيئًا انكسر في داخله بلا صوت.
توقف قلبه لحظة، لا ألمٌ حاد ولا صرخة فقط فراغٌ ثقيل تمدد في صدره... فراغٌ يشبه موتًا مؤجلًا، كان يعرف الفقد لكنه لم يعرف يومًا أن الحب يمكن أن يُسلب بهذه القسوة كانتزاع الروح من الجسد.
هي بين يديه الآن، ألهذا صرخ قلبي مودعًا؟! لا... لا تودعها، لن أتركك تفعل ذلك لن أسمح لك بالتخلي عن حبي، هي لي، وأن تركتني فأنا لها مهما طال الدهر.
لاحظت حسناء ضعفه، ألمه الجالي في عينيه فحاولت أن تشتت انتباه سارة عنه، هي تعلم أن مالك لا يحب أن تهان كرامته فقالت: وإنتي يا بنتي هتروحي فين؟
احترمت سارة ألمه، وأبعدت عينيها عنه وقالت: هدور على شغل وأشوف أوضة أقعد فيها.
حسناء: مش إنتي متخرجة من هندسة ديكور زي مالك؟ خلاص اشتغلي مع مالك في الشركة، على الأقل تبقي في مكان مش غريب، وخليكي قاعدة هنا النهاردة وبكرة نشوف شقة صغيرة ليكي، ومتحمليش هم يا بنتي الشقة عليا أنا.
سارة بإندفاع: لا يا طنط، مش هينفع كل ده.
مالك: لأ هو مينفعش غير كده، خديها يا ماما في أي أوضة فوق عشان ترتاح.
كادت تتحدث فأشار بيده قطعًا بأن لا مجال للنقاش. ثم صعدت إلى أحد الغرف في الطابق العلوي ومعها حسناء، وظل ذلك العاشق يتأوه من تلك التخيلات التي ارتسمت داخل عقله، يعلم أنها ندمت بعد أن علمت الحقيقة ولكن... ماذا بعد؟ قد سبق السيل العرم.
ابتعد عنها وهو يتنفس بصعوبة، قد قامت بضربه بقوة ولكنه لم يتركها حتى أصبحت له رغمًا عنها، إنكمشت على نفسها ببكاء، تضم ساقيها نحو صدرها بخوف، تنظر إليه وكأنه ليس بشري، لم يعد هناك صراخ، لم يعد هناك من ينقذها، قد انتهى كل شيء، ولن يقبل مالك بها حتى وإن عادت متذللة تحت قدميه.
انطفأ صوتها ولم يبقى سوى جسد ارتجف وقلب مات داخله شيء إلى الأبد.
تركها وخرج من الغرفة، ثم أمسك هاتفه وهو يبتعد عن الغرفة واتصل بسامر وقال: جهزلي الحقنة واسبقني على المستشفى.
أنهى المكالمة ثم اتصل بعادل مباشرةً وقال: أنا جي النهاردة، جهز كل حاجة، الفلوس هتبقى في حسابك بكرة.
ذهب إلى المشفى وقابل سامر عند سيارته، أخذ العقار منه ووضعه بين ثنايا ثيابه، ثم دخل المشفى بعد أن أمر سامر بالذهاب.
قابل الطبيب عادل عند الباب وهمس داخل أذنه: عطلت الكاميرات، بس مش هعرف أتأخر، قدامك عشر دقايق.
أومأ له وذهب سريعًا إلى غرفة العناية التي يمكث بها عاصم، كان يمشي بهدوء حتى لا يلاحظه أحد، انتظر قليلًا حتى أصبح الممر خالي تمامًا، ثم تسلل إلى الغرفة بخفة، وجد عاصم يغط في نومٍ عميق، فاقترب منه ببطء ويد مرتعشة، ثم حقن الدواء بالمحلول الوريدي الواصل بذراعه، ثم خرج سريعًا ولكن توقف فجأة عندما ارتطم بأحد الممرضات، حاول أن يخفي ارتباكه بمكر ثم قال: كنت قلقان عليه فا قلت أجي أشوفه.
الممرضة عليا: إنت ابنه؟
حاتم: اه.
عليا: طيب يا فندم اتفضل من هنا ده مش ميعاد الزيارة.
أومأ لها وهو يرسم الحزن على وجهه ثم ذهب من المشفى سريعًا، وعادت الكاميرات إلى العمل مرة أخرى.
أما عليا فاقتربت من عاصم لتعطيه بعض الأدوية، ولكن تفاجأت أن الأجهزة تصدر صفارات الإنذار، فركضت سريعًا خارج الغرفة لتبلغ الطبيب، ولكن توقف القلب عندما خرجت من الغرفة، ليفارق الحياة تاركًا ابنته الوحيدة بين براثن الطمع.
ليلًا، خرجت سارة تطل من خلال الشرفة على حديقة المنزل، ووجدت مالك يقف بالشرفة بجوارها، نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تأكد لها أن مالك منهار بمعنى الكلمة، رأت دمعته تنساب على وجنته، شعرت بغصة وكأن قلبها هو من يبكي، أرادت أن تحمل ألمه عنه، ولكن توقفت، هي تعلم أنها ليست سوى صديقة، والتزمت بحدود الصداقة معه، يكفي ما يفعله حاتم به.
أما هو فقد كان يتردد داخل عقله بعض الكلمات.
"رميتِ الودادَ، قهرتِ الفؤادَ
شريت العنادَ وبعتِ الوفاء
طلبتُ السماحَ، رجوتُ ركعت
وأنت تزيدين نار الجفاء"
وها أنا أقف عاجزًا وأنتي بين يديه، عاجز... بائس، عاشق... حزين.
هل ينتهي الحزن يا صديقي؟!
يتبع....
رباب حسين