الريزيكان - البوابة النجمية
البوابة النجمية
هل تخيلت يومًا أن خطوة واحدة خاطئة قد تغير قدرك كله؟ فتاة عادية تعبر بوابة نجمية بالصدفة لتجد نفسها بين عالم مختلف وممالك غامضة وأسرار تخبأ خلف الجدران
في إحدى مناطق مصر السكنية، تحديدًا داخل شقة من يراها من الخارج يظن أنها لأسرة مرموقة الحال، لكن دعونا نطرق الباب ونرى ما بداخلها:
لا يوجد أحد بالداخل،سوى فتاة وحيدة،يتيمة،
تبدوا في العشرين من عمرها، استيقظت من نومها على صوت رنين هاتفها يعلن تمام الثامنة،
وفي نفس الوقت سمعت صوت طرقٍ متواصل على الباب، فعلمت أنها صديقتها رُقيه، فلا أحد يزورها غيرها،
حتى عمها الذي من المفترض أنه واصيً عليها بعد وفاة والديها، متكفل بها ماديًا فقط، خوفًا من زوجته وأبنائه:
نهضت راسيل من مكانها وقامت بفتح الباب وسرعان ما وجدت رُقية تدخل بسرعة وهي تصيح كالعادة:
_ أي يابنتي لسه ماخلصتيش؟! يلا هنتأخر.
مسحت راسيل على وجهها بتعب ثم جلست على الاريكة وهي تتنهد ببطء ثم قالت.
_ رُقية ياحبيبتي أنتِ كيمياء وأحياء، وأنا فيزياء وفلك، يعني محاضراتك مش في نفس ميعاد محاضراتي، مش كل يوم هقولك الكلمتين دول،ركزي بقى الله يكرمك.
اقتربت منها رقية وهي تعبث بخصلات شعرها الشرقاء ثم جلست بجانبها وقالت.
_ أيوا مانا عارفة، بس هقولك زي كل يوم إني بحب امشي معاكِ،يلا بقى خلصي واجهزي علشان منتاخرش.
ترددت راسيل قليلًا فيما ستقوله فهي تشعر بشيء ثقيل على قلبها، كانه يحذرها بخطورة ما ستخوضه، فركت اصابعها بتوتر، ثم نظرت الى رقية وقالت.
_ أنتِ نسيتي أني مش رايحة النهاردة ؟!
تذكرت رُقية فورًا أن راسيل سوف تذهب اليوم إلى الأهرامات لتكمل بحثها عن البوابات النجمية التي يمكنها نقلك إلى زمان أخر أو بعدٍ أخر، تنهدت وقالت لها بنبرة ساخرة بعض الشيء:
_ إنتِ بتتكلمي جد؟! بوابات نجمية إيه إللي هتعملي بحث عنها؟ يا حبيبتي الناس كلها راحت الأهرامات وما شافتش حاجة. إنتِ بقى إللي هتكتشفيها؟
استهدي بالله كده ويلا نروح الجامعة، وشوفي بحث تاني، وبعدين دي آخر سنة لينا، خلينا نخلصها وإحنا لسه بعقلنا!
_ روكا يا حبيبتي، إنتِ عارفة إني دخلت فيزياء وفلك لأني بحب الغموض والطاقة والأشياء الغير مرئية، وبعدين ده مجرد بحث عادي، كلها كام ساعة واخلص واجيلك علي طول...
ثم تنهدت تنهيدة طويلة عندما لمحت الدموع داخل عيون صديقتها، وأكملت
غير كده، قولتلك إني عاوزة اروح العراق اعمل البحث عن البوابات النجمية إللي هناك، لكن إنتِ رفضتي. أنا مش عاوزة أبعد عنك، وإنتِ كمان مش عاوزة تسيبيني. إنتِ صاحبتي الوحيدة وأختي وكل حاجة ليا،ما تزعليش بقى وتصعبيها عليا،هو انا ماسفرة دي كلها كام ساعة.
_ ايوا بس انا قلبي مش مطمن، لو ماما مش مريضة كنت روحت معاكي، بس مش هينفع اسيب امي طول،انتِ عارفة اني بخلص الجامعة وارجعلها بسرعة.
_ ما تقلقيش يا روكا مش هتاخر عليكي، وبقولك اي اعملي حسابي في الغدا ياستي، اما اخلص هاجي اطمن على ست الكل واكل معاكم.
قامت رُقية باحتضان صديقتها،و أومأت له ببسمة خفيفة ، لكن قلب راسيل كان يؤلمها بشدة. لم تعرف السبب، لكنها أحست لوهلة أنه كان عناق وداع.
نظرت لها نظرة مطولة ولم تقدر على النطق بحرفٍ آخر
تركتها رقية وذهبت حتى لا تتأخر وهي تتهرب من امامها حتى لا تبكي، قامت راسيل باغلاقالباب ومن ثم ولجت الى الداخل قامت بتبديل ملابسها ومن ثم اقامت صلاة الصبح، وقفت قليلًا تتامل صورة والديها المعلقة داخل اطار كبير في غرفتها، مسحت دمعة هبطت منها بسبب اشتياقها اليهم، ثم ذهبت الى مصيرها.
بعد فترة من الوقت، كانت راسيل تسير بجوار الأهرامات، تمسك التابلت الخاص بها، تلتقط الصور أحيانًا وتدون الملاحظات أحيانًا أخرى، كانت الشمس شديدة الحرارة في هذا الوقت، مما ادى إلى قلة عداد السياح في هذه المنطقة، كان الهواء ثقيلًا بعض الشيء،
وبينما هي تخرج زجاجة المياه من حقيبتها انجرح اصبعها في البرجل الخاص بها وصارت الدماء تقطر من يدها على الرمال امامها التي بدأت تمتصه كأنه متعطشة للمزيد، ولا تعلم ان هذا الخطأ سيغير حياتها
فجأة، وفي نقطة بالمنتصف بين الأهرامات وأبو الهول،مكان وقوفها مباشرةً رأت بقعة سوداء. رفعت نظرها إلى الأعلى، فوجدت الشمس تتعامد على تلك البقعة مباشرة.
انحنت قليلًا، وبدأت برسم رموز رياضية لتدوين ملاحظاتها. و فجأة وجدت البقعة تتسع بشكل مخيف،ومن ثم أحست بشيء يسحبها للأسفل، كأنها تغوص في بئرٍ عميق... صارت تقاوم وتحاول الصراخ كي ينقذها اي احد لكن فجأة ساد الصمت والظلام.
في سرعة الضوء وجدت نفسها تغوص في أعماق البحار، كانت المياه باردة جدًا والظلام يسود حولها
بدأت بالسباحة إلى الأعلى بينما كان هناك اشياء تسحبها الى الاسفل كانها تريد اغراقها،شعرت وقتها انها هالكة لا محالة،ظلت تقاوم حتى وصلت إلى سطح الماء، ثم تابعت السباحة نحو الشاطيء القريب، لكن البحر كان لونه غريب حقًا، وما رأته بالاسفل لم يكن ظلام، بل كان لون البحر الاسود.
أرخت جسدها على الرمال، مستلقية وهي تلتقط أنفاسها وتحاول استيعاب ما حدث.
ظلت على حالها دقائق لا تعلم عددها ، ثم وقفت ببطء وهي تفكر: ما الذي حدث لها؟ هل انتقلت إلى زمنٍ آخر؟!
هي تعشق الفلك والروحانيات، وكانت تبحث عن البوابات النجمية، لكنها لم تصدق يومًا أنها حقيقية.
كانت دائمًا تعتبر بحثها مجرد دافع للمعرفة والفضول، وسبيلاً لملء حياتها الفارغة... لا أكثر.بدأت بالسير لعلها تجد أي شيء يدلّها على مكانها...
وفجأة، اتسعت عيناها بذهول مما رأت.
أين هي؟ وكيف ستتصرف؟
وهل ستستطيع العودة إلى عالمها من جديد...؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في مكانٍ آخر، في يقبع هذا العالم … عالم الريزيكان
كان هذا الملك يجلس على عرشه بكل قوة، نظرته قادرة على تدمير حصون أعدائه.
الجميع يهابه ويخشاه... الملك كيران، ملك مملكة الكان.
سمع صوت أحد كبار وزرائه - أقربهم إليه - يطلب إذن الدخول.
القى نظرة على باب القاعة الملكية، ثم قال بصوته الجهوري.
_ يمكنك الدخول مهاب. تعلم أنك لا تحتاج إذنًا.
دلف وزيره الى الداخل بخطوات بطيئة ومترردة مما جاء من اجله، وضع يده على صدره ثم انحنى انحناءة بسيطة احتراما للملك، فاشار له كيران بالاعتدال، اعتدل في وقفته واذدرد ريقه بصعوبة ثم قال.
_آسف مولاي إن جئت في وقتٍ غير مناسب، لكن يجب أن نتحدث فيما يجب أن نفعل. المحاصيل الزراعية أوشكت على النفاد، وجلالتك... الشعب هكذا سيموت جوعًا.
تنهد كيران ببطئ، وقال له ببرود، كأنه لا يستطيع فعل شيء.
_ ماذا سأفعل يا مهاب؟ دارين هو من بدأ بالغدر والخيانة عندما أرسل إليّ محاصيلٍ مسمومة. لم أصدق أنه فعل هذا، وانتظرت أن يأتي لتوضيح الأمور، لكنه لم يأتِ ولم يرسل لي شيئًا. وما أكد خيانته أنه لم يرسل أي محاصيل أخرى. ورد فعلي كان أني امتنعت عن إرسال الأدوية والمواد الصناعية لهم، اطمئن لن يمضي وقت كبير حتى يرسلوا إلينا،فهم بحاجة الأدوية كما أننا بحاجة الطعام.
استغرب مهاب بشدة من هذا البرود الذي يدعيه الملك، فهو يعلم جيدًا انه ليس بالملك الظالم الذي سيترك شعبه يموت جوعًا، بالتاكيد لديه خطة، لكن صبرًا حتى يخبره هو بنفسه كل شيء.
استأذن منه ثم غادر حتى يكمل بقية اعماله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد ان نهضت راسيل من مكانها
كانت تَسير لعلها تجد شيئًا يدلها على مكانها، بشر او طيور او اي شلكن اتسعت عيناها بذهول عندما رأت بستانًا كبيرًا من زهورٍ غريبة الشكل.
جزء كبير منها مُدمر، ويبدو أن تدميره نتج عن مواد كيميائية.
وبجانب الحقل كان هناك محاصيل زراعية لشجرٍ يشبه محاصيل عالمها، فرأت شجرةً بثمارٍ تشبه التفاح، لكنها ذات لونٍ أزرق. كانت الفاكهة كثيرة لكن معظمها مُتضرر.
ورأت طيورًا غريبة الشكل لا تبدوا مالوفة لها منها من لديه رأسان ومنها من لديه ثمانية ارجل ومنها من يبدوا جسده كالشفاف.
إذن هي ليست في الماضي، فهذه الفاكهة لم تُذكر في كتب التاريخ، ولا حتى هذه الطيور الغريبة ولا سمع بها أحد. هل هي في المستقبل إذًا؟
لا، فالمنازل القريبة تُشبه منازل عالمها، وليس فيها طائراتٍ أو عربات معلقة في السماء مثلما نرى في أفلام الخيال العلمي عند السفر إلى المستقبل.
هل هي في الفضاء؟ بالطبع لا. هذا ليس الفضاء.
وعند هذه الفكرة، تمنت أن يكون ما تمر به مجرد وهم، هل يعقل أن تكون انتقلت إلى بُعدٍ موازي؟!
اذن هذا شكل البحر وهذه اشكال الطيور، ترى ما اشكال بقية المخلوقات الموجودة هنا، هل هي بعالم الجن؟! ام بعالم مصاصين الدماء؟! ام بعالم مخلوقات اخرى اكثر رعبًا؟!
فأُخِذت من شرودها بصوتٍ بجانبها:
ـ هل هي جميلة لهذه الدرجة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في عالم الأرض - أو كما يُطلق عليهم هنا "سكان الأرض" - كانت رُقية تبكي في أحضان والدتها.
_ راسيل اتأخرت كتير يا أمي، وموبايلها مش بيرد خالص.
_ اهدي يا بنتي، أكيد لسه ما خلصتش البحث. بكرة تروحي ليها، وإن ما لقيتيهاش ندور عليها، بس بإذن الله تكون بخير.
_ خايفة جدًا عليها يا أمي، هي ملهاش حد غيرنا.
_ بإذن الله يا حبيبتي تكون بخير.
حاولت رقية ان تطمئن نفسها، من الممكن ان تكون لم تنهي بحثها بعد، ومن الممكن ان يكون نفذ شحن هاتفها، هي اكيد بخير وستعود قريبًا.
هكذا قالت في نفسها
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتفضت راسيل بشدة عندما سمعت هذا الصوت، تجمد جسدها لا تريد الالتفاف حتى لا ترى ما تخشاه وتجد مخلوقًا غير بشريًا، لكنها التفتت ببطئ عندما سمعت الصوت مرة اخرى.
وما ان رأتها ووجدتها فتاة مثلها، حتى صارت تبكي بشدة لا تصدق انه يوجد هنا بشر مثلها، قالت وهي تمسح دموعها وشفاها ترتجف.
_ الحمدلله انا كنت خايفة جدًا، انتِ انسانة زيي صح؟ طب انا فين.
استغربت هذه الغريبة من بكائها وطريقة كلامها فاقتربت منها وقالت بلطف.
_ انا لا افهمك يا فتاة، هل من الممكن ان تتحدثي معي بنفس اللغة التي احدثك بها.
اومأت راسيل بسرعة فهي تتحدث اللغة العربية الفصحى بطريقة جيدة الى حد ما، فقالت لها
_ من أنتِ؟ واين انا؟
_ أنا إلين. كنت أتساءل إن كانت هذه الفاكهة جميلة لهذه الدرجة، أنتِ منذ مدة شاردة بها.
_ لا... فقط هذه أول مرة أرى ثمرة بهذا الشكل. صحيح - ما اسمها؟
_ الأرضيون - أو سكان الأرض - يطلقون عليها التفاح الأزرق. يبدو أنكِ منهم!
شعرت راسيل بوخز أمل عندما سمعت كلماتها، فأجابت فورًا
_ نعم، أنا من سكان الأرض. هل تعلمين أين أنا؟ وكيف سأعود إلى عالمي؟
_ أنتِ في عالم الريزيكان.
كيف ستعودين إلى عالمك؟ لا أعلم بالضبط، لكن ربما إن جئتِ معي نجد طريقة نعيدكِ بها.
ضيقت راسيل حاجبيها باستغراب، هي لم تسمع بهذا الاسم من قبل، فترددت قليلًا ثم قالت.
_ وما الذي يجعلني أثق بكِ؟
_ لأنكِ ليس لديكِ طريقة أخرى، ولأني لا دافع لي لإيذائك.
لاح على وجه راسيل شبه ابتسامة خفيفة، ثم سارت خلفها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
داخل احدى الغرف في مملكة الكان، عند الملك كيران، تسائلت أحدى الفتيات:
_ هل ستظل هذه الصراعات طويلًا؟
تنهد بعنف، فهو ثئم من كل تلك الاسئلة، مسح وجهه بضيق محاولًا تهدئة نفسه، ثم اجابها.
_ مارسا! هو من بدأ بالغدر والخيانة، ماذا تريدين مني أن أفعل؟
اقتربت منه الفتاة وامسكت بيده برفق ثم قالت.
_ يا أخي، أنا فقط لا أحب أن يكون بينكم خلافات، بالرغم أني لم أصدق يومًا أن يفعل دارين هذا، أيعقل كيف يرسل لك محاصيل مسممة؟
_ لا أعلم يا مارسا، أنا أيضًا لم أصدق، لكنه لم يوضح شيئًا، وهو من بدأ بالغدر، فلا يلوم إلا نفسه.
_ لكنك يجب ان تذهب وتعلم الحقيقة منه، لا يصح ان تبقى هكذا في مكانك وتنتظره.
_ حسنًا، اعدك سأفكر بالامر، لا تقلقي.
_ لست قلقة، كيف اقلق ولدي اخً عظيم مثلك.
_ وانا كيف سأذهب ولدي اخت جميلة مثلك.
ضحكت بخفة، فعانقها بحنان وقبل رأسها ثم استاذن منها حتى يذهب ليرى ماذا سيفعل في هذه المشاكل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد فترة من الوقت كانت تقف مع إلين أمام بوابة قصر ضخمة.
قالت إلين بصوت قوي:
- افتحوا البوابة.
ففتحت البوابة على مصراعيها، كاشفة عن قصر خلفها أقل ما يقال عنه أنه رائع.
اتسعت عين راسيل بذهول مما ترى.فقد كان القصر مليءبالزهور مختلفه الأشكال والألوان، كان شكلُه مبهج حقًا، بالأضافة إلى الأشجار التي بها ثمار غريبة الشكل،
وجدت إلين تقول لأحد الحراس:
- أين جلالة الملك دارين؟
أجابها الحارس باحترام مخفضًا رأسه:
- في قاعة العرش مولاتي.
_ جيد، هيا راسيل.
_ هل تعرفين الملك؟
_ نعم، إنه زوجي.
_ هل أنتِ ملكه؟!
أثناء دخولهم وجدوا العديد من المرضى، منهم الأطفال، ومنهم الشباب، ومنهم كبار السن.
سألت راسيل:
- إلين، هل عندكم عدوى منتشرة أو ما شابه؟ أقصد أن هناك الكثير من المرضى.
_ ليس عدوى منتشرة بالمعنى الصحيح، هذا مرض عادي، لكن حالتهم تسوء لأنهم لا يأخذون أدوية.
_ ولِمَ لا يأخذون الأدوية؟
_ نحن عندنا فقر في الأدوية لأن هذه مملكة الريزي،المملكه الزراعيه ، بينما مملكة الكان هي المملكة الصناعية، وحاليًا بين المملكتين صراع. فنحن لا نصدر لهم المحاصيل الزراعية، وهم لا يصدرون لنا المنتجات الصناعية التي من ضمنها
الأدوية.
صُدمت راسيل مما سمعت: كيف هذا؟! هكذا سيدمر شعبان: شعب سيموت من المرض، وشعب سيموت من الجوع.