ظل القمر (كاملة)
ظل القمر
"في مدينة لا تنام، هناك جرائم لا تُدفن.. وهناك رجال يختارون العيش في الظل ليمنحوا الآخرين الضوء." تبدأ الحكاية بليلة قاهرية ممطرة وجريمة "مستحيلة" في فيلا طبيب مرموق؛ دماء غزيرة تغطي المكان، غياب تام للجثة، وصمت يطبق على الشهود. لكن هذه لم تكن سوى قمة جبل الجليد. بين ذكاء المقدم يوسف سرحان الميداني، والتحليل النفسي العميق لـ الدكتور جاد سعيد، تنكشف خيوط مؤامرة تتجاوز حدود الجريمة التقليدية لتصل إلى كيانات خفية تلاعبت بمصائر البشر لسنوات. لماذا تقرأ هذه الرواية؟ غموض يحبس الأنفاس: لغز "الجريمة بدون جثة" سيجعلك تلهث خلف الصفحات لفك الشفرة. غوص في النفس البشرية: الرواية لا تبحث عن "القاتل" فقط، بل تبحث في "لماذا يقتل الإنسان؟" وكيف يتحول الضحية إلى جلاّد. عالم الظل: ستتعرف على "المعهد"، ذلك الكيان الغامض الذي يعمل في صمت بعيداً عن الأضواء، حيث العدالة لها ثمن باهظ وقوانين خاصة. "ظل القمر" ليست مجرد رواية بوليسية، إنها رحلة في كواليس الفساد، وصراع الأخلاق، وفلسفة التضحية. هي قصة الذين قبلوا أن يكونوا "ظلاً" ليعكسوا النور في عتمة الليل. هل أنت مستعد لاكتشاف ما يخفيه الظل؟
رواية
ظـل القمـر
رواية بوليسية
دم علي الرخام
الفصل الأول
ليلة الجريمة
الساعة الثانية وخمس وأربعون دقيقة فجراً
كان المطر يضرب زجاج نافذة السيارة بإيقاع لا يعرف الرحمة، وكانت شوارع القاهرة في تلك الساعة المجنونة قد تخلت عن كل ادعاءات الحضارة وعادت إلى ما كانت عليه قبل آلاف السنين، مجرد أرض مبللة تمتد تحت سماء لا تشبع من البكاء.
جلس المقدم يوسف سرحان خلف عجلة القيادة وهو يحدق في الطريق الممتد أمامه دون أن يراه حقاً، كان يفكر في كوب الشاي الذي تركه يبرد على المكتب قبل أن يرن هاتفه، وفي الورقة التي كان يكتب عليها طلب الإجازة قبل أن ينقطع صوت نقيب أشرف بجملة واحدة قطعت عليه ليلته من جذورها.
"جريمة في فيلا الدكتور ممدوح الخولي، سيدي. في المعادي الجديدة. وهي... مش عادية."
لم يكمل أشرف الجملة ولم يحاول، لأن الذي رآه في تلك الغرفة جعل الكلام يتعثر في حلقه كأن أصابع غير مرئية تطبق عليه. وهذا وحده كان يكفي ليعرف يوسف أن الليلة ستكون طويلة.
توقفت سيارته أمام البوابة الحديدية الضخمة للفيلا، وكانت شعلتان من ضوء الكشافات تحرقان الظلام في كل الاتجاهات، وأمام البوابة يقف ثلاثة من رجال الشرطة في صمت لا يشبه صمت الانتظار بل يشبه صمت من فقدوا رغبتهم في الكلام من الأساس.
نزل يوسف من السيارة ببطء، أشعل سيجارة وهو ينظر إلى الفيلا من الخارج. كانت من النوع الذي يؤكد أن أصحابه يؤمنون بأن المال يمكن أن يشتري كل شيء بما فيه الذوق، لكنها تبدو الآن تحت المطر والأضواء الزرقاء لسيارات الشرطة كأنها مجوهرة سقطت من يد حاملها في بئر مظلمة.
"يافندم" تحرك نقيب أشرف نحوه وهو يضغط على نفسه ليبدو هادئاً أكثر مما هو عليه.
"حكيلي" قال يوسف دون أن يرفع عينيه عن الفيلا.
"الدكتور ممدوح الخولي، جراح مشهور، صاحب مستشفى الأمل في المعادي. زوجته اسمها هانم فريد خليل، من عيلة تعرفها. الخادمة بتاعتهم، سيدة إثيوبية اسمها ليلى، جت الصبح الباكر عشان تجهز الفطار زي كل يوم ولقت الباب الخارجي مفتوح والضوء مضاء في الصالون. دخلت وهي خايفة ولقت..."
توقف أشرف مرة أخرى.
"لقت إيه؟" قال يوسف وهو يدعس بسيجارته على الأرض المبللة.
"لقت الدم، يافندم. في كل حتة."
مشى يوسف نحو البوابة.
دخل إلى الفيلا وأول ما لفت نظره رائحة الورد. كانت رائحة غريبة في هذا السياق، عطر ورد ثقيل ومتعمد كأن أحداً أفرط في رش الغرفة به قبل ساعات، لكن تحت رائحة الورد كان هناك شيء آخر، ذلك الشيء الذي لا يمكن إخفاؤه بأي عطر في الدنيا، رائحة الدم وهو يجف.
صالون الفيلا كان فارغاً من البشر لكنه لم يكن فارغاً من الحكايات. وقف يوسف عند مدخل الصالون دون أن يخطو خطوة واحدة داخله، فقط ينظر. كان ينظر بالطريقة التي تعلمها على مدار اثنين وعشرين عاماً في العمل، الطريقة التي تجعل عينيه كاميرا ترصد التفاصيل ومخه يحللها في نفس اللحظة.
الصالون كان يتحدث.
الأريكة الرئيسية كانت تعاني من انحراف طفيف في وضعها، مليمترات فقط، لكنها كافية لتقول إن ثقلاً ما وقع عليها بقوة أو شيئاً ما سُحب من أمامها. الكوب الفضي لقهوة تركية كان على الطاولة المنخفضة ولا يزال يحتفظ بآثار قهوة لم تُشرب كلها. الستائر الحريرية الثقيلة كانت مسحوبة بالكامل وراء نوافذها ولا تترك أي فرصة لعين خارجية أن ترى ما بداخل الصالون. وفوق كل ذلك، كانت بقعة الدم.
لم تكن بركة. كانت مسار.
بقعة كبيرة تبدأ عند منتصف الصالون تقريباً ثم تتحول إلى خطوط متقطعة تسير نحو الجانب الأيسر من الغرفة وتختفي عند حافة السجادة الكبيرة المفروشة. وعلى السجادة نفسها كانت هناك بقع أصغر، منتظمة في توزيعها بشكل يكاد يكون متعمداً.
انزلق يوسف إلى الداخل بحذاء مغطى بالأكياس البلاستيكية التي يحتفظ بها دائماً في جيبه الداخلي، وقرفص بجانب أكبر بقعة دم دون أن يلمسها. أخرج مصباحه الصغير وأضاءه عليها.
الدم لم يكن طازجاً. كان بدأ يتصلب على الحواف لكن مركزه لا يزال يحتفظ بشيء من اللزوجة، ما يعني أن الجريمة وقعت قبل أربع ساعات على أقل تقدير، ربما أكثر. وحجم البقعة كان يشير إلى كمية دم كبيرة جداً، أكبر بكثير من أن تكون نتيجة جرح عابر.
نهض يوسف وأدار ظهره للبقعة ونظر في الغرفة من زاوية مختلفة.
"فين الجثة؟" قال دون أن يلتفت لأشرف.
"ما فيش جثة يافندم."
ثانية صمت.
"ما فيش جثة؟"
"لا يافندم. لقينا الدم بس. ومش قادرين نلاقي لا الست هانم ولا جوزها الدكتور ممدوح في الفيلا."
دار يوسف ببطء ونظر في وجه أشرف نظرة تقرأ فيها ما وراء الكلام.
"وإيه الكمية المتوقعة للدم اللي بتشوفها هنا؟"
"الطب الشرعي جاي يافندم لكن بالنظر بس... أكتر من أربع لترات."
"يعني الشخص اللي نزف ده المفروض... ميت."
"ده اللي المنطق بيقوله يافندم."
مشى يوسف نحو الجانب الأيسر من الصالون حيث تختفي آثار الدم عند حافة السجادة ونظر بعناية في الأرض. كانت هناك أثر صغير جداً لا يراه من لا يبحث عنه، أثر يشير إلى أن شيئاً ما كان يُجرّ على الأرض باتجاه الباب الجانبي الذي يؤدي إلى الحديقة.
"الباب الجانبي ده بيودي فين؟"
"للجراج يافندم، ومن الجراج في باب يودي للحديقة الخلفية."
"روح جيبلي التسجيلات من كاميرات الأمن من الساعة عشرة مساء امبارح لحد دلوقتي."
"حضرتك عارف إن كاميرات الأمن اتعطلت يافندم؟"
رفع يوسف رأسه ببطء وكان في عينيه شيء يشبه الاهتمام الحقيقي للمرة الأولى منذ وصوله.
"اتعطلت ولا اتعطّلت؟"
لم يحتج أشرف لثانية ليفهم الفرق بين الكلمتين.
"لازم نعرف يافندم. الجهاز موجود لكن السيرفر اللي بيسجل عليه اتمسحت بياناته."
"من قبل ما الجريمة تحصل ولا بعدها؟"
"ده اللي لازم يتحدد."
أومأ يوسف برأسه وتحرك نحو الباب الجانبي.
في الجراج وجد سيارتين، مرسيدس بيضاء حديثة وBMW رمادية أقدم منها بسنوات. السيارتان موجودتان، ما يعني أن من كان في الفيلا لم يغادر بأي من السيارتين.
أو أن من غادر لم يكن بحاجة إلى سيارة.
أو أن من غادر حمله شخص آخر معه.
فتح الباب المؤدي إلى الحديقة ووجد نفسه في هواء مفتوح يحمل رائحة التراب المبلل والأشجار المعمرة التي كانت تقف في ظلام الحديقة كأنها شهود صامتون. وجّه المصباح نحو الأرض.
آثار أقدام. واضحة في التربة الطرية المبللة بالمطر. أحجام مختلفة. ثلاثة أشكال مختلفة على الأقل.
وبجانب آثار الأقدام، في منتصف الممشى المؤدي إلى البوابة الخلفية، كانت هناك خطوط طويلة متوازية في التراب، كأن شيئاً ثقيلاً وطويلاً كان يُسحب.
وقف يوسف في المطر الخفيف ونظر في تلك الخطوط طويلاً.
ثم نظر نحو البوابة الخلفية التي وجدها مفتوحة.
"أشرف"
"يافندم؟"
"فوراً. الطب الشرعي، فرقة التحقيق الكاملة، وخبير البصمات. ومحدش يلمس حاجة في الحديقة دي. محدش حتى يمشي فيها."
عاد يوسف إلى الداخل وجلس على كرسي في الردهة بعيداً عن الصالون وأشعل سيجارة ثانية. كان المطر لا يزال يضرب النوافذ وأضواء الكشافات في الخارج كانت تلعب على الجدران بلون أزرق متقطع.
فكّر.
الدم كثير جداً. لا جثة. سيارتان موجودتان. كاميرات أمن ممسوحة. ثلاثة أشكال أقدام مختلفة على الأقل. وجثة كان لابد أنها سُحبت إلى البوابة الخلفية.
هذا لم يكن قتلاً عابراً ولم يكن جريمة عاطفية. هذا كان تخطيطاً. وكل من يخطط بهذه الدرجة من الدقة عنده سبب يستحق الدقة.
لكن لماذا لم يُخفوا الدم أيضاً؟
ضغط على السيجارة ورمى قفازيه البلاستيكيين في كيس.
إما لأنهم لم يجدوا وقتاً كافياً. أو لأنهم لم يهتموا.
والأخطر هو الثاني.
الفصل الثاني
الرجل الذي لا يطرق الأبواب
وصل الدكتور نبيل عمار في الساعة الرابعة إلا ربع صباحاً وهو يرتدي معطفاً رمادياً فوق بيجامته، ما يعني أنه نهض من نومه مباشرة ولم يجد وقتاً للتغيير الكامل، لكن على رأسه كانت قبعته الجلدية السوداء التي لا يخرج بدونها حتى لو كان الأمر يستحق الخروج بالبيجامة.
كان الدكتور نبيل يختلف عن كل من يتخيلهم الناس طبيباً شرعياً. كان في الخامسة والخمسين من عمره، قصيراً وممتلئاً، يضحك بصوت عالٍ يملأ الغرفة ويتكلم عن الموتى بالاسم الأول وكأنه يتحدث عن أصدقاء قديمين. يقول دائماً إن الموتى هم أصدقاؤه الأفضل لأنهم لا يكذبون عليه ولا يخفون منه أي شيء.
"يوسف يا حبيبي" قال الدكتور نبيل وهو يدخل يده في يد يوسف ويهزها بحرارة غير متوقعة لهذه الساعة من الليل. "بقالك قد إيه هنا؟"
"ساعة تقريباً."
"عيش يا مظلوم. وأنا بنام زي الطفل الصغير." أخرج نبيل نظارته من جيبه وضعها على أنفه ونظر إلى الصالون من البعيد. "بقوليك إيه، الكمية دي من الدم في الغالب بتاعة ست. الراجل لو اتجرح بالكمية دي يعدي سريع جداً قبل ما تحصل بقع كبيرة. الست بتنزف بشكل مختلف."
"ليه؟"
"لأن عندها نسبة دهون في الجسم أعلى وضغطها في الغالب أقل، يعني الدم بيجي أبطأ. بتموت أبطأ. ومدة النزيف أطول." قال ذلك ببساطة كأنه يشرح طقس الأسبوع. "كمان الرائحة دي." شمّ الهواء بعيون مغمضة. "الدم زي بصمة الصوت، له طعمة خاصة في كل حد."
"مش وقت شعر يا دكتور."
"أنا مش بتشعر يا عم يوسف، بقولك معلومة. تعال بص هنا." تقدم نبيل بحذر شديد نحو البقعة الرئيسية وانحنى بحجمه الكامل بصعوبة ظاهرة. "شيف إزاي الدم اتوزع من نقطة واحدة؟ ده مش حادث سقوط ومش حادث ضرب. ده جرح في مكان واحد أو اتنين على الأكتر وترك ينزف."
"ترك ينزف؟"
"معناه إن في غالب الأمر في جرح عميق في منطقة فيها شريان كبير. الرقبة، الفخذ، البطن. والجسم اتحرك بعد الجرح مسافة قصيرة وبعدين استقر." أشار نبيل إلى خط الدم المتقطع. "شايف الخط ده؟ ده مش جر. ده شخص ماشي وهو بيخسر دم. بعدين هنا" أشار إلى نهاية الخط عند حافة السجادة "هنا وقع أو اتحمل."
"وبعد ده اتنقل للحديقة؟"
"على الأغلب. بس الشخص ده في الغالب كان فاقد الوعي أو ميت. لأن لو كان واعي كان عمل مقاومة وكان هيبقى في الدم آثار تانية."
وصلت فرقة التحقيق الكاملة في نفس الوقت تقريباً، أربعة أشخاص يحملون حقائبهم التقنية ومضوا للعمل في صمت محترف. ووصل أيضاً شخص لم يكن يوسف يتوقعه في هذا التوقيت.
رجل في الثلاثين من عمره تقريباً، ضعيف البنية، شعره الطويل مشعث بشكل واضح، يرتدي جلاباً داكناً فوقه سترة من الجينز. وجهه فيه شيء لا يمكن وصفه بدقة، كأن عقله لا يتوقف أبداً عن الحركة ويجعل ملامحه دائماً في حالة من الترقب الخفي.
"مين ده؟" قال يوسف بهدوء لأشرف.
"ده الدكتور جاد سعيد يافندم. من قسم التحليل السلوكي في وزارة الداخلية. الباشا بعته."
"الباشا بعث حد من التحليل السلوكي لجريمة ما اتأكدنا إنها جريمة أصلاً؟"
"ده اللي قاله يافندم."
تحرك يوسف نحو الرجل الجديد وهو يدرسه بعينين لا تفوتانه شيء. الرجل لم ينتظره ولم ينظر إليه، كان يقف عند مدخل الصالون وينظر إلى الداخل دون أن يدخل، ويداه في جيبيه وعلى وجهه تعبير يشبه الاطمئنان التام وهو أغرب ما يمكن أن يراه أحد على وجه من يقف أمام غرفة فيها هذا القدر من الدم.
"الدكتور جاد سعيد؟"
لم يلتفت الرجل فوراً، ثانية واحدة أضافية كانت مقصودة.
"أيوه." صوته كان هادئاً جداً، أهدأ مما ينبغي لهذا الوقت والمكان.
"المقدم يوسف سرحان. مسؤول التحقيق في القضية دي."
"عارف." الرجل لم يمد يده للمصافحة ولم يبتسم ولم يعبر عن أي نوع من المجاملات الاجتماعية المعتادة. "إنت واقف على الجانب الغلط من الصالون ده."
يوسف توقف.
"إيه؟"
"الزاوية اللي واقف فيها دي بتخليك بتشوف الصالون من منظور بتاع حد دخل من الباب الرئيسي. بس الجريمة ما بدأتش من الباب الرئيسي. اوقف هناك." أشار جاد بإصبعه نحو الجانب الأيمن من الصالون حيث يوجد نافذة كبيرة.
نظر يوسف إلى الإصبع ثم إلى الوجه الهادئ أمامه.
لو كان هذا الكلام من أي شخص آخر لكان رده مختلفاً. لكن شيئاً ما في نبرة الرجل أجبره على أن يمشي بالفعل نحو الناحية الأخرى. ووقف في المكان الذي أشار إليه جاد.
والصالون اختلف.
من هذه الزاوية كان المنظور مختلفاً كلياً. خط الدم كان يبدأ من الناحية اليسرى وينتهي في الناحية اليمنى، وليس العكس. والأريكة المنزاحة كانت في اتجاه مختلف عما تخيله في البداية، كأن ثقلاً وقع عليها من الجانب الآخر.
"الجريمة بدأت هنا." جاء صوت جاد من خلفه. "مش من جهة السجادة. الضحية كانت واقفة هنا أو قريبة من هنا وتعرضت للضربة الأولى. بعدين تحركت نحو منتصف الصالون لأن غريزة الهروب وانتقلت إلى السجادة واستقرت هناك."
"كيف عرفت دي نقطة البداية؟"
"البقع الصغيرة الموزعة على السجادة. دي مش بقع من جسم بيجري. دي قطرات فارطت من شيء في يد شخص كان واقف هنا فوق الضحية. حد كان واقف في المنطقة دي وفي إيده شيء مضرب بالدم."
يوسف نظر للسجادة من مكانه الجديد. البقع الصغيرة كانت موجودة بالفعل. وكانت موزعة بشكل يناسب تفسير جاد تماماً.
"إنت شغلتك إيه بالظبط؟" قال يوسف.
"أحلل السلوك."
"ده معناه إيه بالعربي؟"
"معناه إن أنا بشوف إيه اللي عمله الجاني وبحاول أفهم ليه عمله على الطريقة دي بالذات، مش الطريقة التانية. الجريمة مش بس حدث وقع، هي قرارات اتخذت. وكل قرار بيقول حاجة عن صاحبه."
"وإيه القرارات اللي شايفها هنا؟"
جاد دخل الصالون أخيراً، بخطوات بطيئة وحذرة، بعيداً عن كل آثار الدم، ينظر لأعلى قبل ما ينظر لأسفل.
"القرار الأول هو الوقت. الجريمة دي محتاجة وقت كبير ومحتاجة صبر. ما بتعملهاش حد متسرع. ما بيجيش يضرب ويمشي. في حاجة جت معاه وفي حاجة اخدها معاه وفي حاجة حصلت كلها في الصالون ده في وقت معين في الليل وبعدين انتقلت للحديقة."
"قادر تحدد الوقت؟"
"بين التاسعة مساءً والحادية عشر. في المنتصف من أغلب الأحيان."
"على أساس إيه؟"
"الكوب ده." أشار جاد إلى كوب القهوة على الطاولة. "القهوة بردت وعليها طبقة رفيعة من الدهون الجامدة. ده بيحصل في المتوسط بعد ست ساعات في درجة حرارة الغرفة دي. اللي يعني إنها اتعملت حوالي الساعة عشرة مساء." توقف عند الكوب ونظر إليه بعناية. "كمان الكوب ده اتعمل لشخصين بس في الغرفة في كوب واحد بس. ده معناه حد من الاتنين ما كانش بيشرب قهوة."
"ليه ما كانش بيشرب؟"
"لأنه كان شغال."
الفصل الثالث
أسرار الدم
في الحديقة الخلفية وقف يوسف وجاد وأشرف ودكتور نبيل في صف غير منتظم ينظرون إلى الأرض المبللة بضوء الكشافات التي نصبها فريق التحقيق. كان الصبح لم يطلع بعد لكن السماء بدأت تتخلى عن أشد درجات سوادها وتتحول إلى رمادي داكن.
آثار الأقدام في التراب كانت واضحة وكانت فرقة التحقيق قد التقطت صوراً لها من كل الزوايا قبل أن يقتربوا.
"تلاتة أشكال مختلفة" قال يوسف.
"على الأقل." صحح جاد وهو قرفص بجانب أكبر أثر قدم. "الأثر ده بتاع حذاء رجالي مقاس ثلاثة وأربعين تقريباً. رجل كبير الجسم ووزنه فوق التسعين كيلو على الأغلب. شايف العمق؟ الأثر عميق بشكل غير عادي في التراب."
"والتاني؟"
"أصغر. مقاس تسعة وثلاثين أو أربعين. ده أثر جري. الشخص كان متسرع أو خايف."
"والتالت؟"
"ده الغريب." قام جاد ومشى نحو مجموعة الآثار الثالثة. "شايف إزاي الأثر ده غير منتظم؟ الكعب عميق جداً والأصابع خفيفة أو مش موجودة في بعض الخطوات. ده معناه حد كان بيشيل حاجة ثقيلة ومالت على كعبيه."
"كان بيشيل الجثة."
"أو جسماً بنفس الوزن، أيوه."
تابعوا خط آثار الأقدام نحو البوابة الخلفية. البوابة كانت من الحديد المشغول الثقيل وعليها قفل عادي لا إلكتروني.
"القفل اتكسر؟" سأل يوسف.
"لا" قال أشرف. "القفل اتفتح بمفتاح. مفيش خدوش."
"المفتاح ده في إيد مين؟"
"في الغالب جوزها الدكتور ممدوح." أجاب أشرف. "بس ممكن يكون في نسخة من أي حد."
وراء البوابة الخلفية كانت هناك حارة ضيقة تمتد بين جدران الفيلا والمباني المجاورة. وفي الحارة لم يجدوا شيئاً. الأرض رصف وليس تراب، والمطر كان قد محا أي آثار.
"وصلوا لعربية؟" قال يوسف.
"أكيد" قال جاد. "ما كانوش هيشيلوا جثة على أكتافهم في شوارع المعادي."
"كاميرات في الشارع ده؟"
"في كاميرا على ناصية الشارع دي مع الشارع الرئيسي" قال أشرف. "بكره نعرف منها حاجة."
عادوا إلى داخل الفيلا. وفي الردهة وجد يوسف محقق الأدلة الجنائية ينتظره بوجه ينبئ بأنه وجد شيئاً.
"إيه فيه يا عاطف؟"
"حاجتين يافندم." فتح المحقق عاطف حقيبته وأخرج منها كيسين شفافين. "الأولى دي: شعرة واحدة لقيناها على مسند الأريكة الرئيسية. بنية اللون، طولها تقريباً تمانية وأربعين سنتيمتر. مش بتاعة أي حد من أهل البيت لأن الست هانم شعرها قصير حسب الصورة اللي لقيناها، والدكتور ممدوح بيحلق رأسه."
"والتانية؟"
"دي الأهم." رفع الكيس الثاني. "أثر من مادة دهنية على إطار النافذة الجانبية. المادة دي مش بتاعة الفيلا. في الغالب نوع من أنواع الشحوم المستخدمة في الصناعة الثقيلة أو الميكانيكا."
"معناه حد شتغل في آلات" قال يوسف.
"أو بيعرف كويس الميكانيكا" قال جاد من خلفه.
التفت يوسف إليه ووجده واقفاً ينظر إلى صورة معلقة على الجدار. صورة عائلية كبيرة لرجل في الخمسين وامرأة في الأربعين وبينهما فتاة في الثلاثين ربما وولد في العشرينيات. الرجل كان شخصاً فارع القامة ذا ملامح حادة وابتسامة تبدو مدربة أكثر من كونها طبيعية. المرأة كانت جميلة بشكل لافت، أجمل مما توحي به ملابسها المحتشمة، وعيناها فيهما شيء صعب التحديد، شيء بين التعب والتحدي.
"عيلة الدكتور ممدوح؟" سأل جاد.
"أيوه" أجاب أشرف. "الست الكبيرة دي زوجته هانم. واللي جنبها ابنته نرمين جوزها عند أسرته في الإسكندرية. والولد ده اسمه باسم ابنه."
"باسم فين دلوقتي؟"
"مش عارفين يافندم. بنحاول نوصله."
وقف جاد أمام الصورة وعيناه على وجه المرأة هانم.
"إنتي جميلة" قال بصوت منخفض كأنه يكلم الصورة.
نظر إليه يوسف بغرابة.
"وجميلة بالطريقة دي المش ممكن تخبيها. والملابس دي مش مناسبة لجسمك. ده معناه إنك بتحاولي تخبّي حاجة." ثم استدار إلى يوسف بنفس الهدوء. "الست دي عندها تاريخ طويل من إخفاء نفسها. وده في الغالب مش اختيارها."
"إنت بتحكي كلام مبني على إيه بالظبط؟" قال يوسف بصوت فيه حد خفيف.
"على الصورة دي. ولغة الجسد. والتعبير ده في عينيها." ثم أضاف بعد ثانية. "وعلى التقارير النفسية اللي قرأتها عن الدكتور ممدوح الخولي."
"في تقارير نفسية؟"
"في شكاوى قديمة. إيذاء جسدي. اتسحبت كلها." قال جاد بنفس النبرة الهادئة التي لا تتغير. "دايماً بتتسحب."
الصمت في الردهة صار أثقل.
"يعني إنت عارف في الكيس ده أكتر مما بتقول؟" قال يوسف.
"لا. أنا عارف حاجات بتبين ناحية. بس الناحية دي ممكن تكون ناحيتين. هانم ضحية الجريمة أو هانم اللي دفعت حد ينفذ الجريمة."
"ومنين هتعرف الفرق؟"
"من الابن باسم."
الفصل الرابع
الابن
وصل باسم الخولي إلى الفيلا في الساعة السادسة وعشر دقائق صباحاً. كان ضابط الشرطة الذي ذهب لإحضاره قد أخبره فقط أن والديه في حادثة وأن عليه أن يأتي فوراً، دون تفاصيل أكثر من ذلك.
دخل من الباب الأمامي وأول ما رآه كانت عيناه تلتقطان البقعة الحمراء الكبيرة في الصالون قبل أي شيء آخر، وعلى وجهه ظهر شيء لم يكن يوسف يتوقعه تماماً.
لم يكن الشيء على وجه باسم هو الذعر أو الرعب أو حتى الدهشة. كان شيئاً أشبه بالتأكيد المؤلم. كأن شخصاً ما كان ينتظر خبراً سيئاً منذ وقت طويل وأخيراً وصل.
"باسم الخولي؟" تقدم يوسف.
"أيوه." صوته كان متحكماً في نفسه أكثر مما ينبغي لشخص رأى للتو مثل هذا الكم من الدم في بيت والديه.
"المقدم يوسف سرحان. أنا المسؤول عن التحقيق. ممكن نتكلم؟"
"أيوه." لم يطرح أي سؤال. لم يسأل عن أمه ولا عن أبيه ولم يسأل عن أصل الدم. جلس على أقرب كرسي في الردهة ووضع يده على ركبته وانتظر.
هذا لفت نظر جاد الذي وقف في الزاوية البعيدة وكان يراقب الشاب بعينين لا تفوتانه حركة.
باسم الخولي كان في الواحد والعشرين من عمره. طويل ونحيل بشكل مبالغ فيه يوحي بقلة الأكل لا بالطبيعة الجسدية. ملابسه كانت نظيفة وبسيطة، لا مظهر الثروة الواضح في كل شيء في الفيلا. وعيناه كانتا مثل عيني أمه في الصورة، فيهما شيء بين التعب والترقب.
"إمتى آخر مرة شفت والديك؟" سأل يوسف.
"إمبارح الظهر. جيت آخد بعض هدومي وروحت عند صاحبي في المعادي."
"اسم الصاحب وعنوانه؟"
"كريم ناصر. شارع الكورنيش رقم سبعة عشر، شقة خمسة."
"بتسكن مع والديك؟"
ثانية صمت صغيرة.
"لا. بسكن براحتي من تمانية أشهر."
"إيه السبب؟"
باسم رفع عينيه ونظر في وجه يوسف بنظرة ما فيهاش خوف ولا حتى تحفظ. كانت نظرة شخص قرر بالفعل أنه سيتكلم.
"مش قادر أعيش مع أبويا. وده مش سر."
"ليه؟"
"لأنه راجل عنيف. وأنا مش قادر أشوف ما بيعمله في أمي من غير ما أعمل حاجة. وحيث إنني مش قادر أعمل الحاجة دي، بعدت."
المكان صمت. حتى الأصوات من الخارج بدت أبعد.
"ماما بتاريخها الطبي فيه إيه؟" قال يوسف بهدوء.
"كسر في ثلاثة ضلوع في مرتين. وكدمات." قالها بنفس الهدوء وكأنه يقرأ تقريراً طبياً. "وكلها بتبقى حوادث. أو بقع."
"وإنت ما عملتش شكوى؟"
"عملت شكوى مرة وهي رجعت فيها." نظر للأرض للمرة الأولى. "قالت ده أبوكي وده بيته وده بيتنا وما ينفعش."
"وأمك دلوقتي فين يا باسم؟" قال يوسف بصوت أكثر ليونة.
"ما أعرفش. بس قلبي بيقولي إنها موجودة." رفع رأسه ونظر في يوسف. "وإنت تعرف إنها موجودة كمان أو كنت سألتني بطريقة تانية."
حاد هذا الشاب.
"أبوك فين؟"
"مش عارف."
"بتكره أبوك؟" سأل يوسف مباشرة.
"أيوه." بلا تردد.
"وماما؟"
"بحبها أكتر من أي حاجة في الدنيا."
وقف جاد في زاويته ولم يقل شيئاً لكن في عيناه كان معادلة تتشكل.
"باسم" قال يوسف. "محتاج تعرف إن ده مش تحقيق بس. إنت من الممكن تكون في الصورة."
"عارف." ولأول مرة ظهر على وجه الشاب شيء يشبه الألم الحقيقي. "وإنت شايل دلوقتي في دماغك السيناريو ده. ابن كاره لأبوه. أمه اتأذت. يمكن هو اللي عمل حاجة."
"الكلام ده وارد."
"أيوه وارد. بس مش صحيح." وقف باسم من كرسيه. "أنا مع كريم من الثانية بعد الضهر إمبارح لحد إنت اتصلت بي الصبح. وكريم وزوجته وأطفاله التلاتة كانوا معايا طول الوقت."
"هنتأكد من ده."
"اتأكد. وفي نفس الوقت" قال وهو يمشي نحو باب الفيلا "ابحث عن اللي بيعمل أبويا من شغل في ميناء القاهرة وسأل عن الديون اللي عليه. لأن أبويا مش طبيب بس. أبويا عنده أسرار تانية."
ووقف عند الباب.
"وإذا لقيت ماما، فكرني. من فضلك."
وخرج.
دار يوسف نحو جاد الذي ظل في مكانه ينظر إلى الباب الذي خرج منه باسم.
"رأيك؟"
"الولد ده عنده ألم حقيقي" قال جاد. "والألم الحقيقي صعب يتمثل بالطريقة دي. لكن ده مش معناه إنه مش ضالع. الألم الحقيقي ممكن يبقى دافع هو نفسه."
"بس؟"
"بس اللي قاله عن أبوه وعن الميناء والديون... ده كلام حد عنده معلومات مش كلام حد بيكذب."
"يعني الدكتور ممدوح مش بس جراح."
"في الغالب لا." مشى جاد نحو باب الصالون ووقف عنده من جديد ينظر إلى الدم الجاف. "يوسف، في الجريمة دي في حاجة مش طبيعية. مش طبيعية بالمعنى الأعمق. الجريمة دي عندها توقيت ومعناها إن في حد ما كانش ينتظر عدد من الأيام أو الأسابيع. كان ينتظر هذا اليوم بالذات."
"ليه اليوم ده بالذات؟"
"ده السؤال اللي لو عرفنا إجابته هنلاقي الجاني."
الفصل الخامس
ما خلفه الرجل
كان مكتب الدكتور ممدوح الخولي في الطابق الأول من الفيلا. غرفة كبيرة تجمع بين ما يريد صاحبها أن يظهره وما يحاول إخفاءه. الجدران مغطاة بشهادات أكاديمية مؤطرة بعناية وصور مع شخصيات مهمة، ومكتب من خشب الجوز الداكن الثقيل تجلس عليه أكداس من الأوراق المرتبة. لكن في زاوية الغرفة وراء الكرسي الجلدي الكبير كان هناك خزينة حديدية مثبتة في الحائط وراء لوحة زيتية.
"هنا." جاء صوت أشرف من داخل الغرفة.
دخل يوسف وجاد ليجدا أشرف يقف أمام مكتب الدكتور ممدوح ويشير إلى درجه الأسفل.
"اللاب توب ده مش محمي بباسورد، يافندم. وفيه إيميلات غريبة."
جلس يوسف خلف المكتب وفتح اللاب توب. شاشة البريد الإلكتروني مفتوحة بالفعل على آخر إيميل مُرسل. كان مؤرخاً قبل ثلاثة أيام وكان نصه:
"الكمية الجديدة جاهزة. الموعد ثابت كما اتفقنا. لا تتأخر هذه المرة."
المرسَل إليه كان بريداً إلكترونياً مكوناً من أرقام وحروف لا معنى لها تنتهي بـ proton.me.
"حسابات بروتون ميل" قال يوسف. "مشفرة ومجهولة الهوية."
"في إيميلات تانية؟" سأل جاد وهو يقترب وينظر على الشاشة من فوق كتف يوسف.
قلّب يوسف في البريد الإلكتروني. كان هناك سلسلة من الإيميلات على مدار ثلاثة أشهر. كلها بنفس الأسلوب. كلها تتكلم عن "كميات" و"مواعيد" و"أسعار". لا اسم. لا تفاصيل صريحة. لكن لغتها كانت واضحة لمن عرف كيف يقرأ.
"ده مش كلام عن دواء طبي" قال جاد.
"لا." وافقه يوسف. "الكمية دي وطريقة الكلام عنها ده كلام تجارة."
"تجارة في إيه؟"
"هنعرف." أغلق يوسف اللاب توب ونظر للخزينة خلفه. "الخزينة دي..."
"محتاجين خبير" قال أشرف.
"جيب."
بينما كانوا ينتظرون خبير الخزائن مشى جاد في أرجاء الغرفة بعيون مسح كل ركن. وقف أمام رف الكتب الكبير وأمرّ أصابعه على ظهور الكتب. توقف عند كتاب واحد.
أخرجه. كان رواية عادية، لكنه حين فتحه وجد بداخله ليس صفحات بل تجويفاً في الكتاب يحتوي على مفتاح صغير.
"مفتاح ما." رفعه في ضوء المصباح. "مكتوب عليه رقم. مئة وسبعة."
"رقم خزنة؟" قال يوسف.
"أو خزانة في مكان ما." نظر جاد إلى المفتاح بعيون ضيّقت قليلاً. "المواصفات دي بتبقى في الغالب مفاتيح خزائن إيداع في البنوك. أو في الأماكن الخاصة."
في نفس الوقت وصل خبير الخزائن، رجل صغير في الخمسين اسمه أبو زيد، عمل عشرين سنة في وزارة الداخلية وقبلها عشر سنين في مجال لا يتكلم عنه.
جلس أبو زيد أمام الخزينة ووضع أذنه على الباب وبدأ يشتغل. مرت أربع دقائق بصمت تام ثم سمعوا صوت النقر.
الخزينة انفتحت.
وقف يوسف وجاد وأشرف خلف أبو زيد الذي تحول الى جانب وهو ينظر إليهم.
داخل الخزينة كانت هناك ثلاثة أشياء. الأول كان مبلغ كبير من المال النقدي، يورو وليس جنيهات. والثاني كان ورقة مكتوب عليها بخط يد واضح قائمة بأسماء وأرقام. والثالث كان صوراً.
أخرج يوسف الأشياء بعناية بقفازيه. فتح الصور أولاً وهو يعرف نفسه على أنه سيرى شيئاً لن يريحه.
الصور كانت لنساء. عشر صور على الأقل. نساء في مواقف مختلفة لكن في كلها كان واضحاً أنهن لا يعلمن بأنهن يُصوَّرن.
مسك يوسف الأوراق وبدأ يقرأ. القائمة كانت جدولاً. أسماء أولى فقط في العمود الأول. وفي العمود الثاني أرقام تبدو كأرقام الديون. وفي العمود الثالث كلمة واحدة متكررة: "مسدّد" أو "قيد السداد".
"تجارة." قال يوسف ووضع الأوراق بعناية في كيس الأدلة.
"لكن مش تجارة بضاعة" قال جاد بصوت خفيض جداً وهو ينظر إلى الصور من بعيد. "ده تجارة بشر."
الصمت كان كاملاً هذه المرة.
"الدكتور ممدوح الخولي الجراح الشهير" قال يوسف ببطء "بيعمل إيه بالظبط؟"
"في الغالب ده مش بس دكتور ممدوح." رد جاد. "في الغالب ده شبكة."
"شبكة لإيه؟"
"ده اللي المفتاح ده هيقولنا عنه." أشار جاد إلى المفتاح الصغير في إيد يوسف.
الفصل السادس
المستشفى والأسرار
مستشفى الأمل في المعادي كان يعمل بشكل طبيعي في الصباح. الممرضات في ملابسهن البيضاء والأطباء في معاطفهم والمرضى والذوي في حالة الانتظار اللانهائية التي تعرفها المستشفيات في كل مكان في العالم.
لكن حين دخل يوسف وجاد إلى مكتب المدير الإداري، رجل في الستين اسمه الدكتور حمدي رشوان، وجداه يعرف بالفعل. شيء في عيناه حين رآهما يقول إنه كان ينتظر هذه الزيارة.
"دكتور حمدي" قال يوسف بعد الجلوس. "إنت في المعرفة بإيه اللي بيحصل مع شريكك في المستشفى الدكتور ممدوح؟"
"شريكي؟" قال الرجل بدفاعية خفيفة. "أنا المدير الإداري. هو الطبيب والمؤسس."
"أنا عارف. بس المستشفى دي اسمها عليكم الاتنين في وثائق التأسيس."
"ده صح لكن..."
"دكتور حمدي" قاطعه يوسف بهدوء. "الدكتور ممدوح اتخطف أو قُتل في بيته امبارح في الليل. وزوجته مش موجودة. وعندنا أدلة بتشير لأن في حاجة بتتم في المستشفى دي أكبر من مجرد عمليات جراحية."
انسحب لون الوجه من رشوان. لكن في نفس الوقت في عيناه كان يوسف يرى شيئاً آخر. ارتياح. كأنه يسمع خبراً كان يخشاه ويتمناه في نفس الوقت.
"في ناحية تانية في المستشفى؟" قال يوسف.
الرجل نظر لأسفل. نظر لأعلى. ثم نظر ليوسف.
"في جناح." قال بصوت خفيض. "جناح في الطابق السفلي. مش مسجل في وثائق المستشفى الرسمية."
"بيتعمل فيه إيه؟"
"أنا مش عارف كل التفاصيل." كلامه فيه صدق لكن فيه أيضاً اختيار متعمد لما يقال وما لا يقال. "بس عارف إن في ناس بيجوا الليل في الغالب. وممدوح كان يمنع أي حد من طاقم المستشفى يقرب من الطابق ده."
"وإنت ما سألتيش؟"
توقف.
"سألت مرة."
"قاللك إيه؟"
"قاللي إنه أبحاث. وإن الأبحاث دي ستفيد المستشفى كتير. وإن مصلحتي إني أبعد." قاله بطريقة تكشف إنه فهم التهديد الضمني جيداً.
"الجناح ده نقدر ندخله؟"
"عندكم أمر تفتيش؟"
"هنجيب. بس في الوقت ده، إنت شخصياً هتسهّل لنا الدخول."
لم يكن سؤالاً. ووجه الدكتور حمدي رشوان أخذ تعبير من قرر أخيراً أن يرمي حملاً كان يشيله وحده من وقت طويل.
"تعالوا معايا."
قادهم إلى الطابق السفلي من المستشفى عبر سلم خلفي لا يستخدمه الموظفون في الغالب. وصلوا إلى ممر طويل مضاء بأضواء باهتة. في نهاية الممر كان باب حديدي ثقيل مقفول بقفل إلكتروني.
"الكود؟" قال يوسف.
"ما معيش الكود." قال رشوان. "بس ممدوح كان بيكتبه في ورقة في مكتبه دايماً خشية ما ينساه."
"عرفنا." أخرج أشرف تليفونه وطلب قسم الأدلة في الفيلا.
بعد سبع دقائق وصل الكود وفُتح الباب.
ما رآه يوسف وراء الباب جعله يقف ثانية كاملة قبل أن يتحرك.
كان جناحاً طبياً من كل النواحي، أسرّة وأجهزة ومعدات. لكنه كان جناحاً للنساء فقط. وكانت هناك على الأسرة ملفات طبية. وعلى الجدار كان هناك جدول زمني.
وفي مكان واحد في الزاوية الخلفية كانت هناك غرفة صغيرة مغلقة بابها.
فتح الباب.
امرأة. جالسة على كرسي بيد مقيدة برباط طبي بلاستيكي بالكرسي. عيناها مفتوحتان. حية. ترتدي ملابس خاصة بالمستشفى ووجهها فيه آثار ما ليس بكاء بل شيء أعمق من ذلك.
وحين رفعت عينيها ورأت يوسف، قالت بصوت متهدج:
"أنا هانم. أنا زوجة ممدوح. أنا هنا من امبارح."
الفصل السابع
صوت هانم
أُطلق رباط يدها وأُحضر لها ماء وجلست هانم الخولي في الغرفة مقابل يوسف ومعهم جاد الذي وقف في الركن بعيداً بعيون ترصد كل شيء.
هانم كانت في الثامنة والأربعين من عمرها لكن التعب في وجهها كان يضيف إليها سنوات لا تستحقها. شعرها المتوسط الطول كان مبعثراً وعلى معصمها اليسار أثر احمرار من الرباط. لكن عيناها، حتى في تلك الحالة، كانتا عيني امرأة لم تفقد عقلها.
"إيه اللي حصل يا هانم هانم؟" قال يوسف بأكثر صوت لديه ليونة.
"إمبارح الليل" بدأت ببطء وكأنها ترتب الأحداث في رأسها قبل الكلام. "كنت في الصالون وعملت قهوة. ممدوح كان في المكتب. الساعة كانت تقريباً عشرة. دخل التليفون عليه. سمعته بيتكلم بصوت واطي. بعدين نزل من المكتب ووجهه وجه مختلف."
"ازاي يعني مختلف؟"
"خايف. ممدوح ما بيبانش خايف. بس إمبارح كان خايف."
"وبعدين؟"
"قالي: إنتِ هتمشي معايا دلوقتي. قلتله: فين؟ قاللي: مش شغلتك. قلتله: أنا مش هروح." توقفت وأخذت نفساً. "وبعدين..."
يوسف انتظر.
"وبعدين دخل التليفون تاني. وهو بيتكلم لقيت حد من ورايا. ضرب في رأسي بحاجة. وصحيت هنا."
"شفتيه؟ اللي ضربك؟"
"لا. ما شفتيش وجهه. بس حسيت بيده. كانت إيد كبيرة."
"وممدوح إيه اللي حصله؟"
"مش عارفة. صحيت هنا لوحدي. محدش جاش هنا من امبارح."
"هانم هانم، في بقعة دم كبيرة في الصالون في البيت."
وجهها لم يتغير بالطريقة التي يتوقعها الناس. لم تصرخ ولم تبكي فوراً. غمضت عينيها ثانية. ثم فتحتهما.
"الدم بتاع مين؟"
"مش عارفين بعد."
"ممدوح في الغرفة اللي كنت فيها بالبيت معايا قبل ما أُضرب؟"
"أيوه."
"يعني ممكن الدم بتاعه."
قالتها بطريقة فيها قليل جداً من الحزن أكثر مما هو متوقع. وجاد لاحظ ذلك.
"هانم هانم" قال يوسف بنفس الهدوء. "إيه اللي ممدوح بيعمله في الطابق ده من المستشفى؟"
صمت طويل.
"مش عارفة كل حاجة."
"عارفة إيه؟"
"عارفة إن في ناس بتيجي للمستشفى في الليل. وعارفة إن ممدوح عنده علاقات مع ناس ما ينفعش يكون عنده علاقات معاهم. وعارفة إن الفلوس اللي بيجي في البيت أكتر كتير من الفلوس اللي المستشفى المفروض تجيبها."
"وعملتي إيه بالمعرفة دي؟"
نظرت في وجهه بعيون تقول أشياء كثيرة.
"عملت اللي بتعمله الست اللي بتعرف إنها لو تكلمت هتاخد أكتر من كدمات بكتير."
"يعني سكتي."
"سكتي وأنا كل يوم شايلة في قلبي ثقل الصمت ده." وللمرة الأولى ظهرت في عينيها دموع. "لكن يوسف بيه، الصمت ده تعبني بطريقة ما حدش عرف يتعبني بيها. حتى هو."
"في ناس من الصور اللي في الخزينة بتاعته في البيت. تعرفيهم؟"
وعلى وجهها ظهر تعبير كان يوسف يراه للمرة الأولى في تلك التحقيقات. كان الخجل. لكن لم يكن خجل الذنب. كان خجل الإنسان الذي تعرض لشيء مهين ولم يستطع أن يحمي نفسه منه.
"الصور دي... معناها إن في ناس تانية مثلي. ست ستات تانيات عارفين إن ممدوح عنده عليهم حاجات بيستخدمها عشان يسكتوهم. أنا واحدة منهم."
يوسف وضع يده على الطاولة بينه وبينها.
"هانم هانم. إنتي آمنة دلوقتي. ومحتاجة تقوليلي كل حاجة عارفاها."
الفصل الثامن
الشبكة
جلس يوسف وجاد وحدهما في مكتب صغير في المستشفى وعلى الطاولة بينهما أوراق وصور ومعلومات.
"خلينا نرتب اللي عندنا" قال يوسف وأشعل سيجارته رقم خمسة في هذا اليوم وكان الصبح بلغ العاشرة.
"الدكتور ممدوح الخولي جراح. لكن بجانب كده عنده شبكة. الشبكة دي في الغالب بتتعامل بثلاث حاجات: إما بالجنس، أو الابتزاز، أو الاتنين معاً. الصور اللي في الخزينة بتوضح الجانب الابتزازي. والجناح السري ده بيضيف بُعد تاني."
"الإيميلات بتكلم عن كميات" قال جاد.
"أيوه. والكميات دي ممكن تكون دواء أو ممكن تكون حاجة تانية."
"في سياق الجناح السري ده، محتاج حد من الفريق الطبي هنا يتكلم."
"إيه اللي يربط الجناح ده بالجريمة؟"
وقف جاد وبدأ يمشي في الغرفة الصغيرة بخطوات بطيئة. كان يفعل هذا حين يفكر.
"اللي أنا شايفه في القضية دي إنها مش جريمة فردية. ده مش زوج اتشقق أو خناقة انتهت بدم. ده إعدام مخطط له أو اختطاف مخطط. والفرق بين الاتنين ده مهم."
"ليه مهم؟"
"لأن لو إعدام، الجاني عارف إن ممدوح مش هيتكلم تاني. ولو اختطاف، معناه إن ممدوح عنده حاجة الجاني عاوزها. وحاجة بالقيمة دي مش هتبقى معلومة أو دليل. هتبقى وصول لحاجة أكبر."
"الوصول لإيه؟"
"لرؤوس الشبكة. ممدوح مش الرأس، ده واضح. ده وسيط. والوسيط عنده اسماء وأماكن."
"يعني الجاني ده اللي خطف ممدوح عاوز يوصل للناس الكبار؟"
"في الاحتمال ده، أيوه." وقف جاد وأشار ليوسف. "بس في احتمال تاني: إن الناس الكبار هم نفسهم اللي أوفدوا حد يتخلص من الوسيط اللي بدأ يبقى عبئاً."
"الوسيط المحروق."
"بالظبط. في التجارة القذرة لما الوسيط يبقى خطر، بيتشال."
يوسف أطفأ سيجارته.
"المفتاح اللي لقيناه في الخزينة. مئة وسبعة."
"ده هيقودنا لحاجة." أكد جاد.
"بس لحد ما نعرف مفتاح إيه. النهارده هنحتاج نعمل حاجتين: الأولى، نرسل المفتاح ده للتحقيق الجنائي ونعرف نوعه ومصدره. والتانية..."
"التانية" قاطع جاد "الإيميلات. الحساب ده مشفر بس مش مستحيل. عندنا فريق في الوزارة قادر يتتبع الـ IP حتى لو بروتون ميل."
"هيحتاج وقت."
"أيوه. بس في حاجة تانية ما عنديناش وقت فيها."
"إيه؟"
"لو ممدوح لا يزال حياً، كل ساعة بتعدي بتقلل الاحتمال ده."
يوسف أمسك جاكيته من على الكرسي.
"روح نفهم الميناء."
وقبل أن يخرجا دخل أشرف بوجه مختلف.
"يافندم. الكاميرا على ناصية الشارع الخلفي. لقينا إيه اللي بحثنا عنه."
"إيه؟"
"عربية نقل صغيرة. وقفت في الشارع الخلفي الساعة الحادية عشر وأربعين دقيقة. طلع منها تلاتة رجال. ودخلوا من البوابة الخلفية للفيلا. وبعد تلاتة وأربعين دقيقة طلعوا وهم بيشيلوا شيء ملفوف في بلاستيك سود. وركبوا وراحوا."
"رقم العربية؟"
"بنحاول يافندم. الكاميرا بعيدة والصورة مش واضحة."
"اتصل بكاميرات المرور في كل الشوارع المحيطة. العربية دي لازم اتصورت في مكان تاني."
"تمام يافندم."
"وأشرف. الرجالة التلاتة. في أي وصف عنهم من الكاميرا؟"
"واحد كبير الجسم كتير. واحد طبيعي. والتالت" توقف. "التالت بيشبه واحد شايلة في البنادق كتير لكن ما قادرش أقول بالظبط."
"معناه عسكري أو تدريب عسكري سابق."
"ده اللي بيبانلي يافندم."
الفصل التاسع
ميناء القاهرة
ميناء القاهرة النهري كان في حالة حركة مستمرة لا تتوقف. البضائع والعمال والمراكب والعربات في خلطة متواصلة تبدو من بعيد كأنها فوضى لكن من داخلها كانت تسير بنظام خاص بها. يوسف كان يعرف الميناء. زار بعض قضاياه هنا وكان يعرف إن الأماكن الفوضوية بالظاهر في الغالب فيها نظام خفي لحماية مصالح من لا يريدون الظهور.
وصل هو وجاد إلى مكتب مدير الميناء، رجل اسمه حمزة السيد في الخمسة والخمسين، يرتدي ملابس تشير إلى رجل اعتاد على العمل الجسدي قبل أن يصل إلى المكتب.
"الدكتور ممدوح الخولي" قال يوسف مباشرة دون مقدمات. "بيتعامل مع الميناء بأي صفة؟"
حمزة السيد تجمد للحظة واحدة ثم استعاد نفسه.
"ما أعرفش الراجل ده."
كان يوسف ينتظر هذا الجواب. المشكلة إن حمزة قالها بسرعة صغيرة زيادة عن اللازم.
"حمزة بيه." قال يوسف بهدوء تام. "أنا مش جاي هنا بتحقيق في الميناء. أنا جاي عشان راجل اتخطف أو قُتل امبارح. وأنا محتاج أعرف مين كان بيتعامل معاه هنا عشان أحمي باقي الناس دول لو كانوا في خطر."
ثانية صمت. ثانيتان.
"الخولي كان بيستأجر مستودع هنا في الميناء." قاله حمزة بصوت أخفض. "مستودع رقم تمانية وأربعين في القسم الغربي. العقد على اسم شركة وهمية لكن الكل هنا عارف إن الراجل ده وراه."
"بيخزن فيه إيه؟"
"والله أنا ما دخلتوش يوماً. بس كنت بشوف إن في ناس بيجوا يلقوا بضاعة فيه في الليل في الغالب. ونادراً جداً في النهار."
"النوع؟"
"صناديق. ولفات. أحجام مختلفة."
"ناس من الميناء بيساعدوا؟"
"مش هقدر أقول."
"ده معناه نعم." قال يوسف بهدوء. "وده معناه إن في ناس من هنا جزء من الشبكة دي. وده معناه إن لو في خطر هييجي هيييجي على الناس دول كمان."
حمزة نظر لأسفل.
"عامل اسمه إبراهيم طه. بيشتغل في القسم الغربي. هو اللي كان بينسق."
"فين إبراهيم طه دلوقتي؟"
"بييجي الشفت التاني. بعد ظهر النهارده."
"هنستنى." قال يوسف. ثم أضاف: "وبعدين هنروح للمستودع رقم ثمانية وأربعين."
"محتاج أمر تفتيش."
"هيبقى معايا قبل الظهر."
خرجا من المكتب وقفا في الهواء الطلق بجانب النيل الذي كان يجري في هدوء لا يعرفه شيء في حياة يوسف هذه الأيام.
"إيه اللي بتفكر فيه؟" سأل جاد.
"بفكر إن القضية دي أكبر بكتير مما بدت في الأول." وقف يوسف يحدق في الماء. "جريمة في فيلا دكتور كبير. لقينا دم وما لقيناش جثة. لقينا مختطفة محبوسة في مستشفى. لقينا شبكة. ولقينا ميناء. ده مش قضية جنائية عادية."
"لا." وافقه جاد. "ده قضية بتمس ناس كتير في أماكن كتير."
"وده بيخليها خطرة."
"أيوه. على إحنا الاتنين."
التفت يوسف إليه.
"عارف إنك ممكن تطلع من القضية دي. التحليل السلوكي مش مطلوب بإلزام في كل..."
"يوسف." قاطعه جاد بنفس هدوءه الثابت. "أنا قضيت خمس سنين بادرس كيف عقل القاتل بيشتغل. وفي كل ما درسته ما لقيتش قضية بتشبه القضية دي. مش هسيبها."
"ليه؟"
"لأن فيها حاجة مختلفة." وقف جاد ونظر للنيل هو الآخر. "الجاني في القضية دي مش بيتصرف من غضب ومش بيتصرف من جشع. بيتصرف من مبدأ."
"مبدأ إيه؟"
"ده اللي لازم نفهمه قبل ما نلاقيه."
الفصل العاشر
المستودع رقم ثمانية وأربعين
وصل أمر التفتيش في الساعة الثانية عشر والنصف. ومعه وصل أشرف ومعه فريق صغير. توجهوا جميعاً إلى القسم الغربي في الميناء.
مستودع رقم ثمانية وأربعين كان في آخر صف من المستودعات، بعيداً عن حركة الناس الرئيسية. بابه حديدي ضخم مقفول بسلسلة وقفل كبير.
قُطع القفل.
وحين فُتح الباب الضخم دخل يوسف أول واحد.
المستودع كان مظلماً ورائحته كانت مزيجاً من الرطوبة والمواد الكيميائية وشيء آخر لا يمكن وصفه بدقة لكن يوسف عرفه من أول لحظة. كان الرائحة التي تتركها الحياة البشرية في أي مكان تُحبس فيه الحياة البشرية.
أضاءوا الكشافات.
المستودع كان في نصفه الأول مليئاً بالصناديق الخشبية والبلاستيكية من أحجام مختلفة. وفي نصفه الثاني...
أسرّة معدنية. ستة عشر سريراً. معظمها فارغ لكن بعضها فيه آثار استخدام حديث. وبجانب كل سرير كان هناك طاولة صغيرة وعليها أرقام مكتوبة بقلم على الخشب.
"يا ربي." قاله أشرف بصوت خافت.
"ده مش مستودع." قال يوسف وصوته اتشد. "ده سجن."
فحص الفريق كل ركن في المكان. في الزاوية الخلفية وجدوا دورة مياه مبنية حديثاً. وعند أحد الصناديق وجدوا ما لم يكونوا يبحثون عنه.
ملفات. ورقية. داخل صندوق خشبي مغلق. فتحوه بعناية.
الملفات كانت كل واحدة منها تحمل اسماً. أسماء نساء في الغالب. وفي كل ملف كانت هناك صورة وبيانات ومعلومات عن أصحابها. وفي بعض الملفات كانت هناك وثائق تشبه عقوداً.
"عقود!" قال أشرف وهو يقرأ. "عقود بيوع."
"بيوع إيه؟" قال يوسف وهو يأخذ الملف.
قرأ. وصوته حين تكلم كان فيه حرارة كان يتحكم فيها بجهد.
"بيع بشر. الملفات دي عقود بيع ناس."
وقف جاد في وسط المستودع وكان ينظر للأسرة الفارغة ووجهه كان هادئاً بشكل يختلف عن هدوءه المعتاد. كان هدوء غضب محبوس في قفص قوي جداً.
"ممدوح مش مجرد وسيط." قاله بصوت منخفض. "ده مشترك في شبكة تجارة بشر. وشبكة تجارة بشر لها رؤوس وطرق وأسواق. والأسواق دي مش في مصر وحدها."
"يعني الصورة أكبر."
"أكبر بكتير." ثم استدار ليوسف. "واللي خطف ممدوح، في الغالب عارف بالضبط إيه الحجم الكامل للعملية دي. ما خطفوش عشان يعاقبوه. خطفوه عشان يوصلوا لأشياء هو يعرف أماكنها."
"الرؤوس."
"والحسابات. والطرق. والأسواق." أكمل جاد. "اللي معاه ده أقل من نص الصورة."
"ومين اللي ممكن يبقى عارف باقي الصورة؟"
وقف جاد أمام السرير الأول ونظر للرقم المكتوب عليه.
"في ناس كانوا في الأسرة دي. ناس اتباعوا واترحلوا من هنا. ولو قدرنا نوصل لواحدة منهم... واحدة بس..."
لم يكمل الجملة. لكن يوسف فهم.
"نوصل للصورة الكاملة."
في نفس اللحظة رن تليفون أشرف. رد ثم نظر ليوسف.
"يافندم. إبراهيم طه، العامل اللي كان المفروض نقابله في شفت الضهر. محدش لقيه اليوم. بيته فارغ. وجاره قاله إنه شاله ليلة امبارح بحقيبة."
"طار."
"يافندم."
"تمام. حط اسمه في قوائم الأمن. وطلب ترقب ومراقبة على المنافذ."
ثم أضاف:
"والبحث عن أي عامل تاني ممكن يكون شاف حاجة."
الفصل الحادي عشر
يوسف وحده
في الساعة السابعة مساءً كان يوسف وحده في مكتبه في القسم. على مكتبه كانت صور وأوراق وملفات موزعة بطريقة تبدو للناظر من بعيد فوضى لكنها كانت في رأسه خريطة.
كان يأكل ساندويتش فول بارد ويشرب شاياً نسي متى أعده وهو ينظر في صورة واحدة من الصور التي أُخذت من خزينة ممدوح.
الصورة كانت لامرأة في الأربعينيات. لم تكن تنظر للكاميرا ولم تكن تعرف بها. كانت تجلس على كرسي في مكان لا يمكن تحديده من الصورة ووجهها فيه شيء يوسف رآه كثيراً في تحقيقاته. كان الوجه الذي يعرف إنه في ورطة ولكن لا يملك طريقاً للخروج منها.
فكر في هانم.
هانم التي قضت عمرها مع رجل يُدمرها وتختار الصمت لأن الصمت كان أقل تكلفة من الكلام. هانم التي ربت ابناً يكره أباه ويحبها أكثر من الدنيا ولم يستطع أن يفعل لها شيئاً لأنها لم تسمح له.
هانم التي كانت الليلة الماضية مقيدة في كرسي وحيدة في الطابق السفلي لمستشفى يملكها زوجها.
دق قلبه بطريقة غير معتادة. وأجبر نفسه على أن يوقفها.
يوسف سرحان في التاسعة والأربعين من عمره لم يتزوج. لم يتزوج لأنه في الخامسة والثلاثين كان في قضية أحب فيها ضحية لا محققة وفقدها قبل أن يقول كلمة واحدة. وبعدها أقنع نفسه بأن طبيعة عمله لا تسمح بأسرة.
كان يكذب على نفسه. كان يعرف ذلك.
لكنه كان كذباً أسهل من الحقيقة.
رن تليفونه.
"يوسف." صوت جاد. "لقوا إيه اللي المفتاح مفتاح له."
"إيه؟"
"مفتاح خزانة في بنك الإسكندرية فرع المعادي. الرقم مئة وسبعة. الخزانة باسم شركة أخرى غير المستودع. بس البنك عنده توكيل موثق بيربطها بالدكتور ممدوح."
"بكره الصبح. أول ما البنك يفتح."
"أيوه. بس في حاجة تانية يوسف. الخبير الجنائي اللي اشتغل على بقعة الدم في البيت جاب نتيجة أولية."
"إيه؟"
"الدم مش بتاع ممدوح."
وقف يوسف من كرسيه.
"إيه؟"
"عندنا عينة دم قديمة من ملفه الطبي في المستشفى. الفصيلة مختلفة. الدم في البيت مش دمه."
"يعني في ضحية تانية."
"يعني في شخص تاني كان في البيت وتعرض للإيذاء. شخص مش ممدوح ومش هانم."
"شخص تالت." قال يوسف ببطء.
"اللي هو بالتأكيد مش موجود في أي مكان عارفينه."
يوسف نظر للصور على المكتب.
"جاد. إيه اللي إنت مش بتقوله؟"
صمت في التليفون.
"في فرضية واحدة بتفسر كل حاجة بطريقة متماسكة." قال جاد. "إن الشخص التالت ده هو اللي نفذ العملية على ممدوح. وإن في مواجهة حصلت والشخص ده اتجرح لكنه أتم المهمة."
"يعني الجاني اتجرح."
"جرح كبير. الدم كتير. بس مشي."
"راجل محترف."
"وأكثر من كده" قال جاد بصوت فيه شيء لا يمكن تسميته بالسهولة. "راجل عنده سبب شخصي قوي جداً للقيام بده. مش بس مهني."
"ليه بتقول كده؟"
"لأن محترف بيتجنب الجرح بكل الطرق المتاحة. واللي عمله كان متقدر تقدر تتفاداه لو كان معاك وقت أكتر للتخطيط. اللي دفعه يخاطر كان دافع عاطفي مش حسابي."
"يعني..."
"يعني في الغالب حد من ضحايا الشبكة دي. أو حد قريب منهم."
أغلق يوسف التليفون ووقف في مكتبه في الليل والمدينة من ورا شباك مكتبه كانت لا تعرف شيئاً عن كل هذا وكانت تعيش حياتها بكل ما فيها من ضوضاء وضوء.
فكر في الشخص اللي اتجرح وعنده سبب شخصي.
فكر في الضحايا.
فكر في الأسرة الستة عشر الفارغة.
ومن غير إرادة فكر في هانم وعيناها.
وأغلق الملف أمامه وقرر أن يمشي في الشارع قليلاً قبل أن يرجع لمكتبه.
كان يعرف إن القضية دي لسة في أولها.
الفصل الثاني عشر
الليل يتكلم
في نفس الساعة التي كان يوسف يمشي فيها في شوارع المعادي كانت في مكان آخر في المدينة يد ترتجف وهي تضغط على جرح في الجانب الأيسر من البطن.
الغرفة كانت صغيرة وخافتة الإضاءة. سرير واحد وكرسي ومرآة متشققة على الجدار. والشخص الجالس على حافة السرير كان في الثلاثين من عمره، بنية متوسطة لكن يداه كانتا يدي شخص اعتاد العمل الجسدي. شعره كان مبللاً بالعرق.
حاول أن يربط الجرح بقماش نظيف بيده اليمنى لكن الجرح كان عميقاً أكثر مما يديره بيد واحدة.
على الطاولة الصغيرة بجانبه كان هناك تليفون صغير قديم وبجانبه ورقة مكتوب عليها رقم.
نظر للورقة. نظر للتليفون.
وفي داخله كان يدور صراع بين حاجتين متضادتين: حاجته للمساعدة الطبية وخوفه من أن أي اتصال سيكشفه.
في النهاية لم يمد يده للتليفون.
بدلاً من ذلك ربط الجرح بما أمكنه. ومد يده للكيس الصغير بجانب السرير وأخرج منه صورة.
صورة لامرأة.
لم يكن الظلام كافياً ليخفي تفاصيل وجهها ولا كافياً ليخفي الدموع التي ظهرت في عيني الرجل وهو ينظر إليها.
"هيبقى بخير" قال لنفسه أو للصورة أو للظلام. "وعدتك هيبقى بخير."
أغمض عينيه.
والمدينة من ورا الشباك الصغير كانت لا تعرف شيئاً.
...
في الصبح الباكر، قبل أي شيء آخر، وصل يوسف إلى بنك الإسكندرية فرع المعادي.
المدير كان ينتظره بعد الاتصال الرسمي من النيابة. قاده إلى قسم الخزائن في الطابق السفلي. خزانة رقم مئة وسبعة كانت في الصف الثالث.
فُتحت.
وداخلها وجد يوسف شيئاً لم يكن يتوقعه تماماً.
لم يكن مالاً. لم تكن وثائق.
كان قرص كمبيوتر صغير وبجانبه ورقة واحدة مكتوب عليها بخط يد الدكتور ممدوح:
"من وجد هذا، أنا أسلّمه طوعاً لمن يأتي به. الموجود هنا هو كل شيء. الأسماء والأماكن والحسابات والشبكة كاملة. أحتاج ضماناً وأحتاج حماية."
وفي أسفل الورقة كان هناك رقم تليفون.
نظر يوسف للورقة طويلاً.
ممدوح كان يعرف إنه في خطر. وأعد هذا كضمان. لكن الخطر جاء قبل أن يستخدمه.
أو أن الخطر كان أسرع مما حسب.
أخذ القرص والورقة بعناية ووضعهما في كيس الأدلة.
ورن تليفونه.
"يوسف." صوت أشرف وفيه إثارة واضحة. "لقينا عربية النقل."
"فين؟"
"في إمبابة. متروكة في حارة. والسائق متجاش لها من امبارح."
"روح هناك. ولا حد يلمس حاجة."
"تمام يافندم. وفي حاجة تانية."
"إيه؟"
"في شكوى وردت الصبح. رجل لقوه في بير قديم في زاوية الحمراء. متيت. في الغالب ليلة امبارح."
"التوصيف؟"
"كبير الجسم. خمسة وخمسين سنة تقريباً. مفيش أوراق."
"الكاميرا في الشارع الخلفي للفيلا قالت واحد من التلاتة كان كبير الجسم كتير."
"ده اللي بقوله يافندم. ممكن يكون..."
"ممكن." قاطعه يوسف. "روح الاتنين. إمبابة وزاوية الحمراء. وأنا جاي."
أغلق التليفون ونظر للخزانة الفارغة أمامه.
الصورة بدأت تكتمل. لكن كلما اكتملت ظهر في تفاصيلها أكثر مما يتوقع.
شبكة. وضحايا. وشخص مجهول اتجرح لكن أتم مهمته. وقتيل ثان لم يُعلن عنه بعد. وقرص كمبيوتر فيه كل الأسرار.
وفي مكان ما، دكتور ممدوح الخولي، حي أو ميت، كان يعرف الصورة كاملة.
ويوسف سرحان كان عليه أن يصل إليه أولاً.
لأن من يصل أولاً، يحدد النهاية.
والنهاية في هذه القضية ربما لم تكن من النوع الذي يتخيله ضابط شرطة في تاسع وأربعينه وهو يتناول فوله بارداً في مكتبه الصغير.
لكنه توقف أمام الخزانة الفارغة وقال لنفسه بصوت خفيف لم يسمعه أحد:
"يلا يا يوسف. الليل طويل والقضية أطول."
ومشى.
الفصل الثالث عشر
إمبابة في الظهيرة
وصل يوسف إلى إمبابة في الساعة الحادية عشر وعشر دقائق صباحاً. الشمس كانت قد ارتفعت بما يكفي لتحرق الرصيف وتجعل الهواء يرتجف فوقه بذلك الاهتزاز الشفاف الذي يعرفه المصريون جيداً في موسم الحر. الحارة التي أشار إليها أشرف كانت في أحد الأحياء القديمة من إمبابة، ضيقة ومتعرجة كأنها شُقت في وقت ما بين بنايتين تشاحنتا على الحدود منذ زمن طويل ثم وقفتا على حالهما.
العربية كانت حاضرة كما قال أشرف. نقل صغيرة لونها أبيض محوّل إلى رمادي من التراب والزمن. واقفة في منتصف الحارة وكأن صاحبها توقف لثانية ليعود للخطوة التالية ثم نسي العربية وذهب.
جلس يوسف في سيارته قليلاً قبل أن ينزل. ينظر للعربية ثم للحارة من حولها. في الشبابيك المقابلة كانت هناك وجوه تطل بفضول محسوب، الفضول الذي يقول إنك رأيت شيئاً لكنك لم تقرر بعد إن كنت ستتكلم.
نزل وسار نحو العربية بخطوات مدروسة. لم يكن معه أحد من الفريق، طلب هو ذلك. بعض الأماكن تتكلم بصوت أعلى حين تكون وحدها معها.
العربية كانت مقفلة. نظر من خلال الزجاج. في المقعد الخلفي كان هناك شيء ملفوف في قماش داكن. وعلى الأرض بجانب كرسي السائق كان هناك بقعة صغيرة بنية اللون.
دم جاف.
لكنه كان صغيراً جداً. قطرة أو اثنتان. ليس الكمية التي تقتل. كمية تقول إن في شخص اتجرح وهو هنا.
شخص اتجرح.
تذكر ما قاله جاد في التليفون الليلة الماضية. الجاني اتجرح. وهو أتم المهمة.
رن تليفونه.
"يوسف بيه." صوت جاد. "في حاجة جديدة."
"قول."
"الطب الشرعي فحص الدم من البيت. مجموعة A موجبة. ونادر. دي مجموعة بيحملها واحد من كل اثنين وعشرين شخص في مصر."
"ده بيضيق دايرة البحث."
"أيوه. وكمان وجدوا في الدم أثر لمادة مضادة للتخثر. الشخص ده بياخد دوا منظم للدم."
"مريض؟"
"أو بياخده عشان سبب تاني."
"جاد. في الدم اللي في العربية هنا أثر كمان؟"
"محتاج عينة."
"هبعتها. بس الدم في العربية صغير جداً. قطرتين."
"كافيين للتحليل."
أغلق يوسف التليفون ونظر ثانية في العربية. ثم قرر أن يتحرك في الحارة. مشى ببطء وعيناه على الوجوه في الشبابيك.
عند الباب الثالث كانت هناك امرأة مسنة بعيون حادة تقف بشكل يقول إنها لم تبق هنا صدفة.
"صباح الخير" قال يوسف بنبرة محايدة.
"صباح النور يا بيه." صوتها متماسك أكثر مما يتوقعه.
"شفتي العربية دي امتى وقفت هنا؟"
"امبارح الليل. بعد منتصف الليل بشوية."
"في حد ترجل منها؟"
توقفت المرأة قليلاً. النوع الذي يزن ما سيقوله.
"واحد. بس."
"وصفيه."
"شاب. مش كبير. ماشي زي ما في حاجة بتأخده على جنب."
"يعني كان بيعرج؟"
"مش عرج. بس ماشي محتاط في حركة معينة. زي ما بييجيني وجع في ضهري بحكّي عليه وأمشي." قالت بصراحة الكبار في السن.
"راح فين؟"
"دخل عمارة النمرة سبعة عشر. الدور التالت أو الرابع ما قدرتش أحدد."
"شكراً يا حاجة." وأضاف بصدق. "شكراً أوي."
مشى نحو عمارة رقم سبعة عشر. بناية من الخمسينيات، أربعة طوابق، المدخل مفتوح والسلم ضيق وعتيق. صعد ببطء ينظر في كل دور.
في الدور الثالث كان هناك باب واحد فقط موصد وعلى عتبته كان هناك أثر صغير جداً من شيء بني اللون كاد يكون غير مرئي لو لم يكن يبحث.
وقف أمام الباب.
طرق مرتين بهدوء.
لا صوت.
طرق مرة ثالثة.
من وراء الباب جاء صوت خفيف. حركة. ثم صمت مرة أخرى.
"مش شرطة." قال يوسف بصوت خافت ومتعمد الهدوء. "أنا هنا بس عشان أساعد."
صمت طويل.
"اللي جواك محتاج طبيب. والجرح ده لو ما اتعالجش كويس ممكن يبقى مشكلة حقيقية."
لا شيء.
"اسمعني. أنا عارف إنك مش قادر تثق في حد دلوقتي. ومش محتاج تثق. بس قلبك بيقولك إن جسمك محتاج حاجة إنت لوحدك مش قادر تعمله. وده مش ضعف. ده حقيقة."
ثانية. ثانيتان. ثلاث.
سُمع صوت مفتاح.
فُتح الباب بمقدار إصبعين فقط وظهر من خلاله عين واحدة، عين ترقب وتزن وتقرر.
"مش هتجيب حد معاك؟" قال الصوت.
"لا."
"وعدك؟"
"وعدي."
فتح الباب.
الرجل كان في الثلاثين من عمره كما تخيله يوسف. بنية متوسطة لكن كتفيه عريضتان بطريقة تكشف تدريباً جسدياً منتظماً. وجهه كان شاحباً بشكل يتجاوز التعب ويصل للاستنزاف الحقيقي. وعلى جانبه الأيسر كان القماش المربوط عليه مبللاً بلون داكن.
"اسمك إيه؟" قال يوسف وهو يدخل ببطء.
نظر إليه الرجل.
"لازم تعرف اسمي؟"
"لا. بس عايزك تختار إنت إذا عايز تقوله أو لا."
توقف الرجل ثم قال: "سامي."
"تمام يا سامي. الجرح ده محتاج خياطة على الأقل. وأنا هطلب طبيب موثوق بيجي هنا. ومحدش غيره."
نظر سامي فيه نظرة طويلة.
"وبعد ما يخيط إيه؟"
"بعدها هنتكلم. وهتقول لي إيه اللي تقدر تقوله. ومش هتقول حاجة مش عايز تقولها."
"وإذا ما وثقتش في الكلام ده؟"
"في حقك تمشي في أي وقت." قال يوسف. وأضاف بهدوء: "بس الجرح ده لازم يتعالج يا سامي. مش عشاني. عشانك."
الفصل الرابع عشر
سامي يتكلم
جاء الطبيب، صديق قديم ليوسف من أيام الجامعة، في أقل من نصف ساعة. رجل في الخمسين اسمه زياد، طبيب عمومي تعلم أن لا يطرح أسئلة حين يطلب منه يوسف عدم طرحها. عالج الجرح بمهنية كاملة. سبع غرز. وقال بعدها بصوت منخفض: "ما ابتعدش عن المستشفى أكتر من كده." ثم خرج.
بقي يوسف مع سامي في الغرفة الصغيرة. أحضر كوبي شاي من مطبخ الغرفة الصغير وأعطى أحدهما لسامي الذي جلس على حافة السرير.
"مش هسألك عن الفيلا ولا عن الدكتور ممدوح." قال يوسف وهو يجلس على الكرسي المقابل. "هسألك عن إيه اللي خلاك تعمل اللي عملته."
سامي رفع عينيه.
"بتفرق؟"
"أيوه. بتفرق كتير."
ثانية صمت. ثانيتان. ثم سامي نظر للأرض وبدأ يتكلم بصوت أهدأ بكثير مما كانت ملامحه الشاحبة تبشر به.
"أختي اسمها نورا. تسعة وعشرين سنة. كانت في إجازة مرضية من شغلها وكان دكتورها وصّاها إنها تراجع متخصص. جارتنا عارفة دكتور ممدوح الخولي وقالتلنا إنه من أحسن الجراحين. راحت نورا المستشفى." توقف ومسح فمه بيده. "وما رجعتش."
"يعني إيه ما رجعتش؟"
"رجعت في الأول بعد الكشف. قالتلنا إن الدكتور كان لطيف جداً وإنه طلب منها فحوصات إضافية. وراحت تاني مرة للفحوصات. وبعد الفحوصات قالتلنا إنه قال ليها محتاجة عملية بسيطة. وراحت للعملية. وما رجعتش."
"ما رجعتش يعني...؟"
"يعني أنا استنيت وأمي استنينا. وبعد يومين اتصلوا بينا من المستشفى وقالوا إنها ماتت. ظروف طارئة في العملية. وإنهم آسفين." قالها بنبرة فيها شيء أبعد من الحزن بكثير. "وسلّموني الجثة في كيس."
يوسف لم يقل شيئاً.
"عملت شكوى في النقابة. قالوا محتاج تثبت الإهمال. اتصلت بمحامي. قاللي القضايا دي صعبة والدكتور كبير. اتكلمت مع أناس كتير. كلهم قالوا حاجات كتير ومعملوش حاجة. وبعدين..." توقف وأخذ نفساً عميقاً. "ولقيت حاجة."
"إيه؟"
"لقيت إن في بنت تانية عندها نفس القصة. راحت لممدوح بشكوى بسيطة وما رجعتش زي ما كانت. وتالتة. ورابعة. وكل مرة بتسأل أكتر بتلاقي أكتر." وللمرة الأولى ظهر في عينيه شيء يشبه ناراً خفيفة. "ممدوح مش دكتور بس. ده بيستخدم المستشفى واجهة. والناس اللي بتيجيله بتتقسم: إما بياخد منهم فلوس ورا أوضة وإما..."
"وإما بيبيعهم."
سامي رفع عينيه ونظر فيه.
"إنت عارف."
"عرفنا امبارح. المستودع في الميناء. والجناح السري في المستشفى."
أغمض سامي عينيه ثانية واحدة. تعبير على وجهه يصعب تفسيره، ربما ارتياح أن شخصاً آخر عرف، وربما حزن إضافي لأن المعرفة جاءت متأخرة.
"نورا في المستودع ده؟" قاله بصوت لا يكاد يُسمع.
"مش عارفين. بحثنا ومش لقيناها في القائمة. بس القائمة مش كاملة."
"معناها ممكن تكون..." لم يكمل.
"سامي." تحرك يوسف للأمام قليلاً. "إنت عملت حاجة خطيرة. والقانون مش هيعدي عليها. بس إنت كمان لقيت شيء حقيقي. والحاجة الحقيقية دي هتساعدنا نكمل."
"ممدوح فين دلوقتي؟"
"مش عارفين. اتاخد من البيت."
"من مين؟"
"ده السؤال اللي بنحاول نجاوب عليه."
صمت سامي وكان واضحاً إنه يفكر في شيء.
"في حاجة ممكن تساعدكم." قاله ببطء. "لما كنت بحقق لوحدي لقيت اسم. اسم بيتكرر في كل ما بحثت فيه. مش اسم ممدوح. اسم تاني."
"إيه الاسم؟"
"ما أعرفش هو اسم شخص أو اسم مكان أو حاجة تانية. بس الكلمة دي بتتكرر في كل ما له علاقة بالشبكة دي."
"قولها."
"الفرات."
الفصل الخامس عشر
جاد وحده
في الوقت الذي كان فيه يوسف في إمبابة، كان جاد سعيد في مكتبه الصغير في وزارة الداخلية يفعل ما يفعله حين لا يكون في ميدان التحقيق.
كان يكتب.
ليس تقارير. ليس ملاحظات رسمية. كان يكتب بخط يده في دفتر أسود غير مسطر، الكتابة التي لا يريد أحداً أن يقرأها. وفيه كانت قضايا كثيرة بدأت وانتهت وبعضها انتهى بطريقة أرضته وبعضها ترك فيه بقايا لا تحترق.
كتب في الدفتر:
"القضية رقم ١١٤. فيلا المعادي. المقدم يوسف سرحان. قضية من النوع الذي لا يُغلق بسهولة لأنه ليس له قاع واضح. كلما حفرنا ظهر تحتنا عمق جديد.
الجاني: سامي، أخ يبحث عن أخته. دافعه عاطفي ونقي في مصدره لكن وسائله تجاوزت الحدود. هذا النوع من الجناة الأصعب تصنيفاً لأنك حين تنظر إليه تجد إنساناً وليس مجرماً. لكن الفرق بين الاثنين في المحاكم هو الفرق بين السجن والحرية.
الضحية: ممدوح الخولي. رجل بنى حياة مزدوجة بمهارة استمرت سنوات. هذا النوع من الناس لا يبني الحياة المزدوجة من فراغ. هو بُني من محيط لا يُحاسب فيه من يملك. من قوانين تحمي الأقوياء أكثر مما تحمي الضعفاء. هو ثمرة لنظام وليس مجرد شخص.
يوسف سرحان: رجل يعمل داخل هذا النظام ويؤمن بإمكانية تصحيحه. أكثر تعقيداً مما يبدو. يحمل وحده أكثر مما ينبغي. ويخفي تحت هدوئه المهني شيئاً لم يُعالجه من وقت طويل."
أغلق الدفتر.
نظر في السقف.
كان جاد سعيد يعرف عن نفسه أنه يرى الناس بطريقة لا يراهم بها الناس عادة. يرى الطبقات. الشخص الظاهر والشخص الحقيقي والشخص الذي يريد أن يكونه. ثلاث طبقات في كل إنسان على الأقل وأحياناً أكثر.
وكان يعرف أيضاً أن هذه القدرة لها ثمن. حين ترى الناس بهذه العمق يصعب أن تسمح لأي منهم أن يقترب منك بنفس العمق. لأنك تعرف بالضبط كم يمكن أن يؤلمك ذلك.
رن تليفونه.
رقم لا يعرفه.
ترك الرنين يكمل. ثم رن ثانية. رد.
"دكتور جاد سعيد؟" صوت امرأة. هادئ لكن فيه توتر مُحكم السيطرة.
"أيوه."
"أنا محتاجة أتكلم معاك. مش مع يوسف بيه. معاك إنت تحديداً."
"مين معايا؟"
توقف قصير.
"نرمين. نرمين الخولي. بنت ممدوح."
جلس جاد مستقيماً.
"نرمين هانم. كنت بتقولوا إنك في الإسكندرية مع جوزك."
"كنت. رجعت الصبح لما سمعت. بس مش قادرة أروح البيت. والبوليس بيدور عليا."
"فين إنتي دلوقتي؟"
"مهم؟"
"مهم لو عايزاني أجيلك."
ثانية تفكير.
"قهوة البستان في المعادي الجديدة. أنا قاعدة في آخر الصالة."
"هجيلك."
"وحدك؟"
"وحدي."
وقف جاد وأمسك معطفه وخرج.
القهوة كانت هادئة في هذا الوقت من الصباح. عدد قليل من الزبائن وموسيقى خفيفة كانت تحاول إضفاء جو لا يشعر به أحد في الغرفة.
نرمين الخولي كانت في الثلاثة وثلاثين من عمرها. أكبر من صورتها في البيت بسنوات قليلة لكن أصغر بكثير من التعب الذي كان على وجهها. كانت ترتدي ملابس سفر وعلى كتفها حقيبة يد. عيناها كانتا تراقبان باب القهوة وهي تشرب قهوتها.
حين رأت جاد وقفت نصف وقفة ثم جلست.
"شكراً إنك جيت."
"تكلمي." جلس جاد دون مقدمات.
"أبويا عمل حاجات وحشة." قالتها مباشرة. "وأنا عارفة بجزء كبير منها."
"عارفة من امتى؟"
"من سنتين."
"وعملتي إيه بالمعرفة دي؟"
أحنت رأسها.
"ما عملتش حاجة. وده اللي مش قادرة أتعايش معاه."
"ليه ما عملتيش حاجة؟"
"لأنه أبويا. ولأن أمي مستنية حاجة أعملها. ولأنني خفت." كل كلمة كانت واضحة ومؤلمة بوضوحها. "والخوف ده معملوش حاجة غير إنه عاش جواي كتير جداً وبقى أثقل من طاقتي."
"جيتي دلوقتي. ليه دلوقتي تحديداً؟"
"لأن أبويا اختفى ومش عارفة هو بخير أو لا. ولأن ستهم امبارح بيضوا من وجهه وهو بيروح يعمل حاجة لأختي وأنا خليته يروح لوحده."
جاد نظر إليها بعيون لا تتغير.
"نرمين هانم. إنتي جيتيلي عشان تتكلمي ولا عشان تعرفي حاجة؟"
نظرت فيه مباشرة.
"الاتنين."
"تمام. إتكلمي."
أخرجت من حقيبتها ورقة مطوية.
"ده عنوان. اتصل بأبويا منه على تليفوني من شهر. رقم مش مسجل. حاولت أعرف منين. ما قدرتش."
أخذ جاد الورقة ونظر في العنوان. منطقة في مدينة نصر.
"ليه بتقدمي ده لينا دلوقتي؟"
"لأنني قررت إن الصمت مش بيحمي حد. بيحمي فقط اللي بيستاهل الحماية الأقل."
وقف جاد ببطء.
"شيء تاني؟"
"أيوه." ترددت ثانية. "الاسم الفرات. إذا سمعته في التحقيق، ده مش شخص ومش مكان. ده مصطلح بيستخدموه في الشبكة. معناه الدفعة. الشحنة الجديدة."
جاد لم يغير تعبيره لكن في داخله شيء استقر في مكانه.
"شكراً يا نرمين هانم."
"هتلاقوا أبويا؟"
"هنحاول." ثم بعد لحظة أضاف: "والشرطة هتحتاج تكلمك."
"عارفة. أنا مستعدة."
خرج جاد من القهوة واتصل بيوسف فوراً.
الفصل السادس عشر
مدينة نصر
العنوان في ورقة نرمين كان يقود إلى شارع جانبي في مدينة نصر، في منطقة تمزج بين المحلات التجارية والمساكن بطريقة لا تميز بين النهار والليل كثيراً. البنايات كانت قديمة بما يكفي لأن لا يلتفت إليها أحد ولا جديدة بما يكفي لأن تلفت النظر.
وصل يوسف وجاد إلى المكان في الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر وقد مضى على يوسف نهار كامل بلا نوم كامل. كان يشعر بذلك في عيناه لكنه أقنع نفسه منذ سنوات طويلة أن التعب ليس عذراً لتأجيل الأسئلة الملحة.
"الشقة دي في الدور الثاني" قال جاد وهو يحدق في البناية.
"ممدوح موجود هناك؟"
"مش عارف. بس العنوان ده مش بيتاع أي حد في قائمة معارفه الرسمية. معناه حد كان بيخبيه حتى عن المقربين."
"طلبنا تغطية؟"
"أشرف في الشارع التاني ومعه فريق. بس يوسف..." توقف جاد.
"إيه؟"
"لو ممدوح موجود هناك ومعاه ناس، ده مش مكان للقوة. ده مكان للكلام."
"وإذا ما كانش ممدوح وكان في حد تاني؟"
"يبقى هنحتاج القوة. بس خلينا نشوف الأول."
صعدا السلم الداخلي في صمت. الدور الثاني، شقة واحدة. بابها عادي لا يختلف عن باقي الأبواب في الدور. لكن تحت الباب كان هناك خط رفيع من الضوء يدل على إضاءة في الداخل.
وقف يوسف على جانب الباب وجاد على الجانب الآخر.
طرق يوسف.
الضوء تحت الباب انطفأ فجأة.
"اسمعوا." قال يوسف بصوت واضح ومتحكم. "أنا المقدم يوسف سرحان. في البيت ده شخص محتاج مساعدة طبية. مش هنا عشان حد يتمسك. هنا عشان الشخص ده يبقى بخير."
صمت تام.
"لو مش عايزين نفتح الباب مش هيتكسر. هنستنى على السلم لحد ما تقرروا."
ومشى يوسف فعلاً إلى السلم وجلس على الدرجة. وتبعه جاد وجلس بجانبه.
خمس دقائق. سبع. عشر.
ثم سُمع صوت قفل.
انفتح الباب.
ظهر في المدخل رجل في الأربعينيات، قصير الشعر، وجهه فيه تجاعيد لا تأتي من العمر بل من الحياة الصعبة. يداه كانتا في جيبيه لكن عينيه كانتا تراقبان كل شيء.
"تعالوا."
دخلا.
الشقة كانت صغيرة ومفروشة بأثاث لا يمت بصلة لأثاث فيلا المعادي. أريكة بسيطة وطاولة وكراسي وعلى الأرض بطانية. وعلى الأريكة...
الدكتور ممدوح الخولي.
كان على الأريكة، عيناه مفتوحتان لكن جسمه كان يقول إنه مر بشيء عنيف. وجهه فيه آثار ضرب واضحة وإحدى يديه مربوطة على صدره.
لكنه كان حياً.
"الدكتور ممدوح" قال يوسف وتقدم ببطء.
أغمض ممدوح عينيه ثم فتحهما. في عيناه كان خوف حقيقي لكن فيهما أيضاً شيء يشبه الارتياح.
"أنت الشرطة."
"أيوه."
"يعني بقيت آمن."
"أيوه." ثم يوسف نظر للرجل الآخر. "وإنت مين؟"
"اسمي طارق. أنا اللي خبّيته هنا."
"وعلاقتك بيه؟"
نظر طارق في ممدوح ثم في يوسف.
"أنا من الناس اللي كان شغال معاهم. وقررت في لحظة إن ده بقى أكتر من اللي قادر أشيله. حاولت أوقفه هو. ما نفعش. فأخدته من الناس التانية اللي كانوا هيتخلصوا منه."
"الناس التانية. الفرات؟"
ارتجف طارق للحظة.
"تعرف الاسم ده؟"
"لقيناه."
جلس طارق ببطء وكأن جزءاً من الثقل الذي يحمله أُذن له أخيراً بالنزول.
"الفرات مش شخص ومش مكان. هي مجموعة. بتشتغل في أكتر من بلد. ومصر واحدة من مراكزها. وممدوح كان الواجهة هنا."
"وإنت كنت إيه؟"
"كنت لوجستي. اللي بينظم الحركة والنقل." قالها بصوت فيه حسرة حقيقية. "ولما قررت إن كفاية، كانوا هيتخلصوا مني قبل ما أتخلص منهم."
"وعملت إيه؟"
"أخدت ممدوح. لأن ممدوح عنده كل حاجة. الأسماء والحسابات والعناوين. وقلت في نفسي لو سلّمته للشرطة بكل ما عنده، يمكن يكون ده التوبة اللي ما أعرفش أعملها بطريقة تانية."
صمت في الغرفة.
"والدم في البيت؟" سأل يوسف.
"ده دم إبراهيم. إبراهيم طه. الواحد اللي ناشط في الميناء. كان جاي مع الفرات يأخد ممدوح. حصل شجار. وإبراهيم اتجرح وهرب مع الباقيين."
"إبراهيم الدم بتاعه اللي في العربية كمان؟"
نظر طارق فيه.
"على الأغلب. الراجل كان بيتعالج في العربية وهم بيمشوا."
"وإبراهيم دلوقتي فين؟"
"ما أعرفش. بس لو كان بخير هيروح لمكان واحد. المركز الرئيسي."
"المركز الرئيسي للفرات؟"
"أيوه." أحنى طارق رأسه. "وأنا عارف مكانه."
الفصل السابع عشر
هانم وحدها
بينما كان يوسف وجاد يواجهان ممدوح وطارق في شقة مدينة نصر، كانت هانم الخولي جالسة في غرفة في المستشفى الذي رتّب لها فيها يوسف مكاناً آمناً وشرطياً خارج الباب.
كانت أمامها صينية طعام لم تمسها. وعلى يدها كان الأثر الأحمر من رباط إمبارح. وفي رأسها كان يدور عالم كامل لا يعرفه أحد.
فكرت في باسم.
ابنها الذي يشبهها في العيون وكثير من المواقف لكنه يختلف عنها في شيء واحد مهم جداً. باسم لم يتعلم الصمت. باسم تعلم الكلام لكن من النوع المتأخر، الكلام الذي يأتي حين يكون القرار قد اتُخذ بالفعل.
وفكرت في ممدوح.
كانت تحب ممدوح. هذه الحقيقة لم تزل صحيحة حتى مع كل ما تعرفه. أحبته في الأول لأنه كان واثقاً من نفسه بطريقة لم تعرفها في أحد قبله. وظلت تحبه بعدها لأن الحب حين يُزرع في قلب يصعب اقتلاعه حتى حين يثبت العقل إنه يجب اقتلاعه.
لكنها لم تعذر ما عمله.
كانت تحبه وتعرف إنه ظالم في نفس الوقت. وهذا التناقض كان الشيء الأصعب، لأن الناس يريدون أن يكون الظالم شراً كاملاً حتى يسهل عليهم كراهيته. لكن ممدوح لم يكن شراً كاملاً وهذا كان يجعل كل شيء أصعب بكثير.
دخل باسم.
لم ينتظر إذناً ولم يطرق. دخل كما كان يدخل منذ طفولته، بوجود كامل وهادئ في آن واحد.
"ماما." جلس بجانبها.
"باسم." مدت يدها ومسحت وجهه بكفها. "إيه اللي إنت عامله في نفسك يا حبيبي؟"
"وحده اللي عايزك تشوفيه؟"
"هاخد بالي منك إنت كمان. مش الدنيا بس."
جلس باسم وأحنى رأسه.
"ماما. أبويا بيعمل حاجات وحشة. أنا عارف."
"عارف من امتى؟"
"من سنة تقريباً. لقيت حاجات بالغلط في مكتبه لما كنت بدور على ورقة." توقف. "حاجات عن ناس. وعن مدفوعات."
"وعملت إيه؟"
"ما عملتش حاجة." قاله بمرارة واضحة. "خفت. وبعدين غضبت من خوفي وعملت حاجة تانية: ابتعدت. كأن الابتعاد هيوقف إنه موجود."
"ما وقفش."
"لا. ما وقفش."
أمسكت هانم يده.
"باسم. أنا آسفة."
"إنتي آسفة على إيه؟"
"على إنني صمت واعتقدت إن صمتي هيحميك. والصمت ما حمى حد أبداً. بس بقينا اتنين بنحاول نحمي بعض بطرق ما بتشتغلش."
نظر إليها باسم ثم أحنى رأسه على كتفها.
"هيبقى بخير أبويا؟"
صمتت هانم ثانية.
"مش عارفة. بس الشرطة بتدور عليه دلوقتي."
"وبعدين؟"
"وبعدين" قالت ببطء "في حاجات كتير هتحتاج وقت طويل. وهنشيلها سوا. ومش هيبقى حد منا بيشيل لوحده تاني."
أحنت رأسها على رأسه.
والغرفة كانت هادئة بطريقة نادرة في أيام مليئة بالضوضاء.
في نفس اللحظة كان يوسف في شقة مدينة نصر يستمع لطارق يعطيه عنوان المركز الرئيسي للفرات. وكان جاد يكتب الاسم والعنوان بخط يده في دفتره الصغير. وكان ممدوح على الأريكة يتنفس بصعوبة لكنه كان حياً.
والقضية كانت لا تزال تفتح أبوابها واحداً تلو الآخر.
وكل باب كان يكشف خلفه عالماً لم يكن يوسف سرحان مستعداً له تماماً، مهما كانت سنواته في العمل ومهما كان يظن إنه رأى كل شيء.
لأن بعض الأشياء في الحياة لا تكتمل رؤيتها إلا حين تقف فيها وسطها.
وهو كان في وسطها الآن.
الفصل الثامن عشر
الخيط الأول
في الساعة الخامسة مساءً جلس يوسف وجاد في مكتب صغير في المستشفى حيث كانت هانم ونظّما كل ما في أيديهما.
على الطاولة كان هناك قرص الكمبيوتر من الخزانة البنكية. وورقة نرمين بالعنوان. وتقرير طارق الشفهي عن المركز الرئيسي. وشهادة سامي. وشهادة طارق. وشهادة ممدوح نفسه الذي بدأ يتكلم بعد أن أُحيط بالشرطة وأدرك إن الخيار الوحيد الذي يضمن حياته هو التعاون الكامل.
"نعمل إيه بكل ده؟" قال أشرف الذي دخل معهم.
"في حاجة واحدة مهمة قبل أي حاجة" قال يوسف. "الناس اللي في المستودع. اللي في قائمة ممدوح. لازم يتلاقوا أولاً."
"ده محتاج تنسيق مع الإنتربول يافندم."
"هيتنسّق. بس جزء كبير منهم ممكن لسه في مصر. والأسماء اللي على القرص ده هتساعدنا نبدأ."
"وممدوح؟" سأل أشرف.
"ممدوح هيتقدم للنيابة وهيتكلم بكل ما عنده. وده شرط سلامته." قالها يوسف بهدوء وفيه شيء لم يكن ارتياحاً ولم يكن رضا. كان القبول البراغماتي بأن بعض الحلول تتطلب تنازلات لا تُريحك.
"وسامي؟" قال جاد.
توقف يوسف.
"سامي حد يقرر فيه النيابة. أنا مش قادر أمسح ما عمله. بس أنا هقدم للنيابة كل السياق. وهحاول."
"وطارق؟"
"طارق شاهد. وتعاون مهم. وده هيكون له وزن."
جاد أشعل كمبيوتر المكتب وأدخل القرص. فتحت الملفات.
كانت هناك أسماء. ليس أسماء عادية. أسماء مرتبطة بمناصب ومؤسسات وأرقام حسابات في بنوك في أكثر من دولة. وعناوين في دول مختلفة. وجداول زمنية لعمليات.
"ده أكبر من قضية." قال جاد ببطء.
"أيوه."
"ده ملف. ملف كامل."
"أيوه." وقف يوسف ومشى للنافذة ونظر للخارج. كان المساء بدأ يلوّن السماء بالبرتقالي الداكن، اللون الذي يحب يوسف في الغروب لأنه اللون الوحيد الذي يبدو صادقاً في كل المدن. "وده معناه إن إحنا مش هنقفل القضية دي بنفسنا. هنحتاج ناس أكبر."
"الباشا؟"
"الباشا ولا يكفي. المدعي العام. وربما أكبر من كده."
"وطول ما الكلام بيتصاعد في المستويات الكبيرة، في ناس في الشبكة ممكن يطيروا."
"عارف." التفت يوسف من النافذة. "ولهذا في حاجة هنعملها الليلة قبل ما يطلع الخبر لأي حد."
"إيه؟"
"العنوان اللي جابته نرمين. المركز اللي قاله طارق. الليلة."
نظر جاد فيه.
"ده محتاج مأذونية وفريق متخصص وتوقيت مدروس."
"والليلة كل ده ممكن. أشرف."
"يافندم."
"ابدأ التنسيق. وما يعرفش حد تاني غيرنا التلاتة ومن فوقنا مباشرة."
"تمام يافندم."
وقف جاد أمام شاشة الكمبيوتر وقرأ الأسماء والعناوين والجداول بعيون لا تكل.
"يوسف." قاله دون أن يلتفت.
"إيه؟"
"من اللي شفناهم النهارده. سامي وطارق ونرمين وهانم وباسم وممدوح نفسه. كلهم في مكان ما كانوا واقفين على خط. وكلهم في لحظة ما اتخذوا قراراً بتجاوز ذلك الخط. اختلفت دوافعهم واختلفت قراراتهم. بس الخط كان موجود عند كلهم."
"قصدك إيه؟"
"قصدي إن القضية دي مش بس بوليسية. في جوهرها هي سؤال عن الخطوط. وعن اللي يخلي الإنسان يتجاوزها أو يقف عندها."
صمت يوسف لحظة.
"وإحنا واقفين على خط دلوقتي؟"
"أيوه. خط بين إحنا بنعرف وبين إحنا بنتصرف. وبعد الليلة مش هيبقى في رجعة."
نظر يوسف لجاد.
"إنت بتقولي أتأكد إني مستعد."
"بقولك تتأكد إنك واعي. الاستعداد مش بيكفي. الوعي هو اللي بيفرق."
مشى يوسف نحو الباب.
"أنا واعي." ووقف عند الباب. "وعارف إن القضية دي لو انتهت الليلة مش هتكون إلا بداية. اللي في القرص ده هيفتح أبواب تانية. وكل باب هيطلع منه عالم تاني."
"أيوه."
"وإنت هتكون معايا."
جاد ابتسم للمرة الأولى منذ بدأت القضية. ابتسامة خفيفة لكنها حقيقية.
"في أي حد تاني كنت هقولك إنك ما حتاجنيش. بس إنت يوسف سرحان الشخص الغريب اللي بيشوف الحقيقة من زاوية صح وما بيكتفيش بيها. فأيوه. أنا هكون معاك."
وخرج يوسف.
وبقي جاد يقرأ الملفات.
والليل كان يقترب ببطء.
والقضية لم تكن قد انتهت. كانت قد وصلت إلى نقطة اللاعودة. النقطة التي بعدها لا يمكن لأي شيء أن يكون كما كان قبلها.
وهذا بالضبط ما كان يخيف يوسف سرحان في الليل حين يجلس وحده ويفكر.
ليس الخطر.
بل التغيير الذي لا رجعة فيه.
لأن حين تفتح الأبواب الحقيقية لا تُغلق مرة أخرى.
والأبواب كانت تُفتح.
واحداً واحداً.
في ليل القاهرة الطويل.
الفصل التاسع عشر
الليلة التي لا تُنسى
الساعة الحادية عشر ليلاً. الشارع في المنطقة الصناعية خلف مدينة نصر كان ميتاً في هذا الوقت. لا ضوء في معظم المحلات ولا حركة إلا من سيارة عابرة بين حين وآخر. وفي الطرف البعيد من الشارع، خلف بوابة حديدية ضخمة، كانت هناك منطقة لوجستية تبدو من الخارج كمستودع عادي. شاهد على بوابتها الخارجية، كاميرا واحدة مرئية وعلى الأغلب أخرى غير مرئية. في الداخل كانت تدور حياة أخرى لا علاقة لها بالبضائع التجارية التي يوحي بها المظهر الخارجي للمبنى.
يوسف كان في سيارته على بعد مائة متر، يراقب من خلال منظار ليلي صغير. بجانبه كان جاد يقرأ مخططاً ورقياً رسمه طارق من الذاكرة وهو يتكلم، رسم فيه كل غرفة وكل ممر وكل منفذ بدقة تكشف عن ذاكرة بصرية قوية لشخص مرّ من هذا المكان أكثر من مرة.
"ثلاثة مداخل" قال جاد بصوت لا يتجاوز حجم المكان. "الرئيسي من الأمام وجانبي من يمين الشارع وخلفي للنقل الليلي. الحراسة خمسة على الأقل. مسلحون. الكاميرات داخلية أكثر من الخارجية."
"التوقيت؟"
"النقل الليلي بيبدأ بعد منتصف الليل. دلوقتي في الفرصة الأفضل."
رن الراديو اللاسلكي بنبضة قصيرة.
"يافندم." صوت أشرف محكوم في حدوده. "الفرقة الأولى في الشارع الفرعي. جاهزين."
"الثانية؟"
"في الخلف. جاهزين."
"ثلاث دقائق بعد إشارتي. الدقيقة صفر."
أغلق الراديو ووضعه في جيبه ونظر إلى جاد.
"المدخل الرئيسي. إنت في الجنب وأشرف خلفي."
"فاهم."
نزلا في صمت. الهواء كان يحمل رائحة الوقود والزيت المحترق التي لا تخطئها في أي منطقة صناعية. والليل كان لا يزال أثقل مما يجب.
الدقيقة الصفر.
تحركت الفرق الثلاث في نفس اللحظة بدقة ساعة. الباب الأمامي انفتح قبل أن يستطيع الحارس أن يصل لزر الإنذار. والفرق الأخرى أغلقت المسارب بسرعة وهدوء من يعرف ما يفعل.
في الداخل كان المستودع أكبر بكثير مما يوحي به مظهره الخارجي. منطقة أمامية تبدو كمكاتب إدارية عادية بشاشات وطابعات وكل مستلزمات الشركة العادية. ومنطقة خلفية خلف حاجز زجاجي سميك تكشف وراءه حياة مختلفة كلياً.
وقف يوسف أمام الحاجز الزجاجي.
أسرّة معدنية. نساء. بعضهن جالسات بعيون مفتوحة على المدخل. بعضهن نائمات بالقوة الإرهاقية التي لا تشبه النوم الطبيعي. وعلى أوجه المستيقظات كان هناك خليط مما لا يمكن تسميته كلمة واحدة، خوف وترقب وشيء من الأمل المتردد الذي لا يجرؤ على الظهور كاملاً.
"الجميع خارج المنطقة الخلفية." أمر يوسف بهدوء تام. "يدخل الطاقم الطبي فقط. وأحضروا المترجمة."
وتراجع خطوتين ليوسع المجال.
ووقف ينظر من خلف الزجاج.
وكان في صدره شيء يسحب لأسفل بثقل لا اسم له.
الفصل العشرين
الثمن الحقيقي
بعد أن اطمأن يوسف على النساء السبع وجلست معهن الشرطية والمترجمة والطبيب، اتجه نحو زاوية المكتب حيث وجد أشرف ينتظره.
"الرجل اللي على الكاميرات." أشار أشرف. "حواليه خمسة وثلاثين سنة. ما تكلمش لحد دلوقتي."
تقدم يوسف ووقف أمام الرجل الجالس أمام الشاشات المطفأة. كان وجهه محايداً بطريقة مصطنعة، محايد من اختار الحياد كدرع.
"اسمك."
لا شيء.
"بنعرف إنك مش الرأس هنا." قال يوسف. "ودي نقطة في مصلحتك. بس ده مش معناه إنك تقدر تفضل صامت ومش يتأثر عليك بس من الصمت. الصمت في الوقت الغلط حاجة ليها ثمن بالمثل."
وقف جاد قريباً لكن ببعد مدروس ونظر للرجل بعينين لا تحكمان.
"إنت خايف." قاله جاد كملاحظة علمية. "والخوف ده مش منا تحديداً. في حد تاني بيخوفك أكتر. وده بيقول إن اللي بيخوفك لسه طليق ولسه قادر يوصلك."
بص الرجل في جاد لأول مرة.
"بقولك حاجة واحدة." تكلم جاد بنفس الهدوء. "اللي إنت خايف منه دلوقتي بيتابع الوضع. وبيحسب. وفي حساباته إنت رقم صغير. والأرقام الصغيرة في المواقف الحرجة بتتشال بسهولة."
شيء تحرك في وجه الرجل.
"الاسم بتاعه رمضان." قاله بصوت خافت. "رمضان عبد الغفار. بييجي هنا كل تلاتة أيام. الزيارة الجاية غداً الصبح."
"وفين بيسكن؟"
"التجمع الخامس. شارع النرجس. أعرف عمارة بس مش شقة."
"ده بيكفي." قال يوسف.
---
في الخارج وبعد أن انتهى الفريق من تأمين المكان وإحضار السيارات المخصصة للنقل، جلس يوسف وجاد في سيارتهما.
"في واحدة من النساء دول اسمها نورا." قال يوسف.
جاد نظر إليه.
"أخت سامي."
"أيوه."
صمت لحظة.
"طيب." قاله جاد بهدوء وفيه شيء نادراً ما يظهر في صوته، شيء يشبه الارتياح الحذر.
"طيب." كرر يوسف.
وأشعل السيارة.
الفصل الواحد والعشرين
رجل يشبه الظل
قهوة الصفا في الساعة الثانية فجراً كانت شبه فارغة. اثنان من الزبائن العابرين وصاحب القهوة الذي كان يمسح الطاولات بذلك التكرار الذي يملأ الوقت في الساعات الصامتة. وفي الزاوية البعيدة من الصالة كان رجل وحده.
رجل في الخمسين، شعره أبيض مصفوف بعناية ووجهه ناعم الملامح بطريقة تخبئ ما هو عليه بالفعل. يرتدي بدلة رمادية داكنة لا مناسبة ولا غير مناسبة لهذا الوقت. أمامه قهوة تركية لم يلمسها.
جلس يوسف أمامه. جاد وقف قريباً بما يكفي ليسمع كل شيء.
"المقدم سرحان." نبرة الرجل مهذبة ومقيسة. "شكراً على التوقيت."
"كريم منصور." قاله يوسف بلا مقدمات. "مستشار أمني مستقل. الكلام ده بيعني إيه بالظبط؟"
"بيعني إنني بشتغل خارج الحدود الرسمية للدولة الواحدة في منطقة تتقاطع فيها مصالح متعددة. وفي هذه القضية تحديداً بيعني إنني متابعها من قبل وصولك إليها بوقت."
"من امتى؟"
"من أكثر من سنة. الشبكة دي مش مجرد ملف مصري. لها تفريعات وعلاقات وتغلغل في أكثر من منظومة."
"وإنت بتتابعها لمين؟"
"لجهة بتهتم بإيقاف التهديدات من هذا النوع." قاله بهدوء لا يعطي ما هو أكثر من هذا.
"وإيه اللي محتاجه مني تحديداً؟"
"معلومة واحدة من القرص. الاسم رقم عشرة في قائمة الشبكة الدولية. لو وصلت له بالطريق الرسمي بيختفي قبل ما يتمسك. أنا محتاج الأسبقية."
"وتعمل فيه إيه؟"
"هأوقف نشاطه بطريقة دائمة."
"وما قلتليش أكتر."
"ما هقول."
نظر يوسف في عيني الرجل أمامه. عيون رأت كثيراً وعرفت أكثر وتعلمت كيف لا تبين.
"في حاجة واحدة أريدها في المقابل."
"قل."
"الناس اللي تعاونوا معانا. رمضان وطارق وسامي وهانم وأي حد تاني. ضمانات حماية حقيقية. مش أوراق. حماية فعلية لو الموضوع اتعقد."
"ممكن. بضمانات من النيابة ومن جهتي."
"النيابة هتعملها هي. بس جهتك اللي مش رسمية هي اللي محتاجها."
"تمام."
"وعد."
"وعد."
قام يوسف.
"القرص فيه قوائم." قاله وهو يمشي. "القائمة الدولية. الاسم رقم عشرة." توقف عند باب القهوة. "بس لو الضمانات اتخرقت، هعترف بكل حاجة. من غير تردد."
"أعرف إنك هتعمل ده." قاله منصور. "وده سبب إضافي إني أحافظ على الاتفاق."
خرج يوسف والهواء البارد استقبله في وجهه.
جاد خرج معه ووقفا في الشارع.
"رأيك؟" سأل يوسف.
"رجل محترف. وصادق في حدود ما يقول. المشكلة مش فيما يقوله بل فيما لا يقوله. بس في القضية دي، ما يقوله يكفي للمرحلة دي."
"يكفي."
"يكفي." أكد جاد.
الفصل الثاني والعشرين
تجمع في الخامس
في الساعة الثالثة فجراً وصل يوسف وجاد وأشرف وفريق مختار إلى شارع النرجس في التجمع الخامس. المدينة الجديدة في هذا الوقت كانت صامتة بطريقة مختلفة عن صمت المدن القديمة. صمت يبدو فيه الفراغ مقصوداً.
عمارة رقم خمسة. في الطابق الثاني ضوء واحد خافت من نافذة واحدة.
"في سيارتين في الشارع" أبلغ أشرف بهمس. "تخليت الإنجين على الأقل في واحدة."
"إذن في حراسة خارجية."
"خفيفة. واحد أو اتنين."
"وقفوهم ببطء. بدون ضوضاء."
أحاط الفريق بالمكان. ثم صعد يوسف وجاد وأشرف.
الشقة. طرق.
"مين؟" صوت متيقظ على الفور.
"المقدم يوسف سرحان. شرطة. الاستمرار في الداخل بقى مش خيار يا رمضان. المستودع رُفع. وما اتبقاش وقت للمناورة. الباب اللي هيفتح بإرادة أحسن من اللي هينكسر."
صمت طويل.
ثم: "في ضمانات؟"
"في تعاون يُحسب. وفي نيابة بتسمع."
"ده مش ضمان."
"ده أحسن ما قادر أقوله الليلة. وإنت عارف إنه أفضل من البديل."
صوت أقدام. صوت مفتاح.
الباب فُتح.
رمضان عبد الغفار كان ينتظر بعينين قررتا فيهما شيء قبل أن يفتح.
"ادخل."
دخل يوسف. وخلفه جاد الذي وقف عند مدخل الصالون ينظر للرجل بعيون تقرأ.
"اجلس." قال يوسف.
جلس رمضان.
"في كل ما عندك عن الشبكة. بدأ من فوق."
أخذ رمضان نفساً.
"الاسم في القمة مش في مصر. شخص بيحرك من بُعد. مش بيظهر في أي وثيقة رسمية. دائماً بيستخدم وسطاء. بس له علاقات حماية في أكثر من دولة."
"اسمه."
"إذا قلت الاسم ده بتحمينا؟"
"بحاول. وهو أفضل اللي قادر أقوله بصدق."
نظر رمضان في يوسف. النظرة الطويلة التي تزن.
"حد اسمه سيف. سيف العمري. جنسية لبنانية بس بيتنقل على جوازات متعددة. آخر مكان تأكدت إنه فيه كان قبرص."
كتب أشرف.
"وعلاقته بممدوح الخولي."
"ممدوح كان موردين له في مصر. وكان بياخد منه نسبة على كل عملية. العلاقة بدأت من سبع سنين. من خلال شخص تالت كان بيشتغل في مستشفى تاني في مصر."
"الشخص التالت ده."
"مش موجود. مات من سنتين. حادثة سيارة. قالوا حادثة."
مشى جاد خطوة واحدة ووقف في وسط الصالون.
"رمضان. إنت شايل ده وحدك من امتى؟"
نظر إليه رمضان.
"من كتير."
"وما طلبتيش مساعدة لأنك كنت متأكد إن محدش يساعدك بدون ما ياخد منك حاجة تانية."
"أيوه."
"وده صح. وده غلط في نفس الوقت." قاله جاد بهدوء. "لأن الصح في إن الثقة صعبة. والغلط في إن الوحدة مش أمان. الوحدة أحياناً هي أكتر حاجة بتهددك."
صمت رمضان.
ثم قال بصوت هادئ جداً:
"عارف."
الفصل الثالث والعشرين
نورا وسامي
في الصبح الباكر بعد يوم كامل من العمل المتواصل، قبل أي شيء آخر، ذهب يوسف إلى المركز الطبي حيث كانت نورا تتلقى رعايتها الأولى.
طلب أن يرى سامي قبل أن يدخل.
سامي كان ينتظر في غرفة الانتظار منذ الفجر. وجهه يحمل آثار سهر كامل وجرح لا يزال في طور الشفاء في جانبه. لكن عيناه كانتا مفتوحتين على أقصاهما.
"يوسف بيه." قام.
"اجلس." قال يوسف وجلس بجانبه. "نورا هنا. وعندها طاقم طبي ودعم. وبخير."
بكى سامي. لم يكن من النوع الصاخب. كان بكاء الإنسان الذي حمل ثقلاً طويلاً ثم أُذن له بوضعه.
يوسف لم يقل شيئاً. جلس.
بعد دقائق مسح سامي وجهه.
"ممكن أشوفها؟"
"بعد ما الطبيبة تقول. هتعرفك إمتى."
"شكراً." ثم بعد صمت. "أنا عارف إن في قضية ضدي."
"أيوه. لكن التعاون محسوب. والنيابة شايفة السياق."
"السياق مش بيبرر."
"لا. بس بيفسر. والتفسير بيأثر على الحكم."
نظر سامي في يوسف.
"إنت إنسان كويس يا مقدم. مش بس ضابط كويس."
"الاتنين بيجوا مع بعض في الغالب." قاله يوسف ببساطة.
دخلت الطبيبة.
"سامي سعيد؟"
"أيوه."
"أختك سألت عنك. ممكن تجي."
قام سامي. ووقف ثانية قبل أن يمشي.
"يوسف بيه. أبويا كان بيقول: من يفعل الخير لا يعدم جزاء. أنا ما كنتش مصدق الكلام ده قبل كده."
"ودلوقتي؟"
ومشى سامي.
والبسمة على وجهه كانت إجابة.
الفصل الرابع والعشرين
خيارات الرجل المتعب
في مكتبه في المساء كتب يوسف سرحان تقريره الكامل. كل شيء. من بداية الليلة الأولى إلى آخر خيوط القضية. لم يحذف شيئاً ولم يتجمّل. التقرير كان التقرير الذي يستحقه الملف.
لكن قبل أن يرسله أضاف صفحة في الآخر. صفحة بخط يده، ليست جزءاً من الملف الرسمي لكنها موجودة.
كتب فيها:
"بعض القضايا لا تُغلق لأنها حين تُغلق في جانب تفتح في جانب آخر. هذه من تلك القضايا. ما بدأ كجريمة في فيلا واحدة أصبح ملفاً يمتد خارج الحدود. ما بدأ بدم على أرضية تحول إلى سؤال عن منظومة كاملة.
الناس الذين قابلتهم في هذه القضية سيظلون في ذاكرتي لفترة. ليس لأنهم استثنائيون بالمعنى الإعلامي الذي يُشاع عن الأبطال. بل لأنهم عاديون بشكل مُذهل. سامي كان يمكن أن يكون أخاً لأي منا. وهانم كانت يمكن أن تكون امرأة في أي بيت. وباسم كان يمكن أن يكون ابن أي واحد منا. وحتى رمضان وطارق كانا في لحظة ما ناساً عاديين قرروا خيارات أخذتهم إلى أماكن لم يتوقعوها.
القضية ذكّرتني بشيء كنت أعرفه لكن أنساه أحياناً. إن الشر الحقيقي لا يسكن في كائنات مختلفة عنا. يسكن في فجوات الأنظمة التي تسمح له بالنمو. ومهمتنا ليست مجرد إيقاف الأفراد. مهمتنا أن نفهم الفجوات ونعمل على سدها."
أغلق الدفتر ووضع القلم.
نظر للساعة. الحادية عشر مساءً.
فتح التقرير الرسمي وضغط إرسال.
وأغلق الكمبيوتر.
وأشعل آخر سيجارة في العلبة.
وفكر في هانم وابتسامتها الحزينة الفخورة حين تحدثت عن باسم.
وقرر إنه في الصبح سيبدأ بكوب شاي ساخن قبل أي تليفون.
لأن بعض الأشياء الصغيرة تستحق أن تصير عادة.
الفصل الخامس والعشرين
جاد وما كتبه
في مكتبه الصغير كتب جاد سعيد في دفتره الأسود المعتاد. كتب بالخط الواضح الذي يكتب به حين يفكر ببطء.
"ملاحظات على القضية رقم ١١٤ — النهاية الأولى:
عملت في هذه القضية أكثر مما أعمل في العادة. في الغالب أحلل من بُعد وأقدم استنتاجات. في هذه القضية وجدت نفسي في الميدان أكثر مما توقعت. وهذا التغيير كان بسبب يوسف سرحان وبسبب طبيعة القضية نفسها.
يوسف: رجل اكتشف خلال القضية جانباً من نفسه ما كان قادراً على رؤيته قبلها. رجل يحمل منذ سنوات ثقل خسارة لم يعالجها، وفي هذه القضية لأول مرة رأيته يقترب من شخص بطريقة عاطفية وإن لم يكن يعترف بها. أمر لافت.
هانم: امرأة في طور إعادة بناء. سيكون ذلك طويلاً وصعباً لكنها تملك من الداخل ما يجعل النجاح ممكناً.
سامي: أتوقع له مستقبلاً أفضل مما يتخيله الآن. الناس الذين يحبون بهذه القوة في الغالب يجدون طريقهم.
القضية نفسها: ستستمر على المستوى الدولي. وسيكون لكريم منصور دور في ذلك. الاسم سيف العمري سيظهر في ملفات أكبر قريباً.
أنا شخصياً: وجدت في هذه القضية شيئاً ما كنت أبحث عنه مباشرة لكنه كان موجوداً. رأيت إنني لا أحتاج فقط أن أفهم الناس. أحتاج أحياناً أن أكون بينهم. الفهم من بُعد يعطيك رؤية. لكن القرب يعطيك شيئاً لا يعوّضه الفهم وحده."
أغلق الدفتر.
ثم فتحه مجدداً وكتب جملة واحدة في الأسفل.
"يوسف سرحان: الاسم الكامل لحد بيستحق المعرفة الكاملة."
وأغلق الدفتر.
وفي الليل القاهري الطويل استمر الوقت في التحرك.
الفصل السادس والعشرين
الخيط الجديد
بعد أسبوع.
وصل إلى مكتب يوسف تقرير من قسم التقنية المختصة بتحليل القرص. كان التقرير يشير إلى ملف مخفي في الطبقة الثالثة من التشفير لم يصلوا إليه في الليلة الأولى.
ملف يحتوي على قائمة بأسماء أشخاص. لكن الأسماء هذه المرة لم تكن أسماء ضحايا أو أعضاء في الشبكة. كانت أسماء أشخاص بمناصب في مؤسسات مختلفة، حكومية وقضائية وإعلامية. وبجانب كل اسم ملاحظة قصيرة.
"ده ملف الحماية." قاله يوسف لجاد حين عرض عليه.
"أيوه. ده اللي كان يضمن إن الشبكة تفضل تشتغل. ناس في أماكن بتحمي وبتسهّل وبتسكّت."
"وده أخطر جزء في القضية."
"أيوه. لأن ده مش حاجة هتنتهي بمحاكمة واحدة."
نظر يوسف في القائمة.
"لازم يروح للنيابة مباشرة. ومحدش تاني يشوفه قبل كده."
"متفق."
"ولازم يروح لشخص في النيابة ما فيش شك في نزاهته."
"عندك حد؟"
"عندي." قاله يوسف بيقين. "واحدة بتعرفها من سنوات. مستشارة قانونية. اسمها ريهام عمار. ما تسالمتش مع حاجة بيسهّلها الفساد يوماً طول حياتها."
"اتصل بيها."
رن التليفون في نفس اللحظة.
منصور.
"المقدم سرحان. الاسم رقم عشرة قرر الحضور. بكره."
"مين جاب القرار ده؟"
"القرص. حين علم بمحتواه قرر إن التعاون أوفر من المواجهة."
"وإيه اللي بيقدمه؟"
"كل شيء عن سيف العمري. التفاصيل الكاملة. الطريقة الكاملة. والأدلة."
"هيجي فين؟"
"مكاني هو. القاهرة الجديدة. السبت."
"هكون هناك."
أغلق التليفون ونظر لجاد.
"ده تصعيد."
"أيوه." قاله جاد. "ومش هيبقى آخر تصعيد. بس كل تصعيد بيكشف طبقة. وكل طبقة بتكشف أكتر."
"وإحنا بنكشف."
"دايماً."
الفصل السابع والعشرين
حين يلتقي المتوازيان
السبت.
القاهرة الجديدة في الصبح. مبنى إداري هادئ. لوبي بسيط. وكريم منصور ينتظر بنفس هدوئه الذي لا يتغير.
وخلفه رجل آخر.
في الخمسة والأربعين. أنيق. وجهه يحمل ذكاءً واضحاً وتوتراً مخفياً بمهارة عالية.
"المقدم سرحان. الدكتور سعيد." قدم منصور. "هذا هو."
لم يقل اسمه. ولم يطلب أحد الاسم في تلك اللحظة.
جلسوا في غرفة صغيرة مريحة.
"إيه اللي عندك؟" قال يوسف مباشرة.
"عندي كل شيء عن سيف العمري. شبكاته وحساباته وطرق تحركه وأسماء الناس اللي بيحميه في خمس دول."
"ومقابل؟"
"ضمان. اسمي ما يظهرش في أي وثيقة رسمية. وأسرتي في أمان."
"أسرتك فين دلوقتي؟"
"خارج البلد. منذ أسبوع."
نظر يوسف لمنصور.
"الضمان ده ممكن بطريقة معينة." قال منصور. "والمعلومات اللي عنده ستُبنى عليها قضية دولية منفصلة عن القضية المصرية."
"يعني ما هيتذكرش فيها."
"في سياقها الرسمي لا."
التفت يوسف إلى الرجل أمامه.
"سؤال واحد بسألك قبل أي حاجة."
"اسأل."
"ليه دلوقتي؟ ليه قررت دلوقتي بالذات؟"
توقف الرجل. ثانية. اثنتان.
"لأن ابني اكتشف إيه اللي باعمله. من أسبوعين. ونظرته لي اتغيرت." قاله بصوت فيه شيء مختلف كلياً عن كل ما قاله قبله. "وكنت فاكر إني بعمل اللي بعمله عشانه. لما اكتشفت إن النظرة دي موجودة أدركت إني كنت بعمله عشان نفسي."
صمت الغرفة.
جاد لم يتحرك. لكن في عيناه كان شيء يشبه التسجيل الدقيق.
"ابنك عمره كام؟" سأل يوسف.
"سبعة عشر."
"وأيه اللي قاله لك؟"
"ما قالش كلام كتير. بس في لحظة نظر فيا ونظر بعيد. وده وحده كان كافي."
يوسف أحنى رأسه قليلاً.
"تمام. ابدأ."
الفصل الثامن والعشرين
الشبكة تتكشف
مضت ثلاثة أسابيع على لقاء القاهرة الجديدة.
الملف الذي قُدّم لريهام عمار في النيابة كان قد تحرك بشكل هادئ لكن منتظم. ريهام التي كان يوسف يصفها دائماً بأنها من الناس الذين يجعلون وجودهم في المكان الصحيح ضرورة وليس مصادفة، أمسكت الملف بيدين لا ترتجفان.
وفي دول أخرى بدأت تتحرك ملفات موازية.
ومنصور كان يتحرك في الفراغات التي لا تصلها الأوراق الرسمية.
وسيف العمري في قبرص أحسّ بشيء يتضيق حوله ولم يعرف بعد مصدره.
---
في هذه الفترة عاش يوسف شيئاً غير معتاد له. كان يذهب إلى عمله كل يوم لكنه كان يجد نفسه يفكر في أشياء خارج العمل أكثر مما اعتاد.
كان يفكر في هانم حين سمع صوتها في التليفون الأخير.
كان يفكر في سامي حين قال إن أباه كان يؤمن بالخير.
كان يفكر في ابن الرجل الذي نظر لأبيه ثم نظر بعيد.
كل هذه الصور كانت تسكن في جزء من رأسه لم يكن يستخدمه كثيراً في العمل.
في أحد الأيام اتصل بجاد.
"جاد. بسألك سؤال شخصي."
"اسأل."
"إنت بتفتكر في القضايا بتاعتك بعد ما بتنتهي؟"
ثانية تفكير.
"بفتكر في الناس. مش القضايا."
"ليه؟"
"لأن القضية بتنتهي. الناس بيفضلوا."
"إيه معنى بيفضلوا؟"
"معناه إنهم موجودون في العالم. وحياتهم بتكمل. وأحياناً بتكون قضيتنا معهم أثرت على الاتجاه اللي اخدته حياتهم. وده مسؤولية. مش واجب مهني. مسؤولية إنسانية."
"إنت حاسس بالمسؤولية دي؟"
"دايماً. بس في القضية دي أكتر من المعتاد."
"ليه؟"
صمت جاد ثانية.
"لأن في القضية دي التقيت بناس أكثر صدقاً في ألمهم من أي قضية تانية قابلتها. والصدق ده بيترك أثر مختلف."
أغلق يوسف التليفون وجلس في شرفته.
القمر كان في السماء مرة أخرى. هذه المرة أكثر اكتمالاً.
فكر في الاكتمال. وفكر إن القمر لا يكتمل بشكل دائم. هو دورة. ويكمل وينقص ويكمل مجدداً.
وهذا ليس ضعفاً.
هذا هو الطبيعة.
والإنسان الذي يفهم طبيعته لا يخاف من نقصانه.
لأنه يعرف إن الاكتمال آتٍ.
دائماً.
الفصل التاسع والعشرين
قبرص في الغيوم
الأربعاء. الساعة التاسعة وعشر دقائق صباحاً.
مطار لارنكا الدولي كان يحمل ذلك النوع من الضوضاء المنظمة التي تجعل شخصاً واحداً يمشي عكس التيار أسهل مما يبدو. وكان يوسف سرحان يمشي بالطريقة التي يمشي بها في كل مكان لأول مرة: ببطء كافٍ ليرى، وبثقة كافية ألا يُرى.
بجانبه كان جاد يحمل حقيبة خفيفة ويقرأ من هاتفه بعيون لا تصدق ما تقرأ بسهولة. خلفهما بمسافة مدروسة كانت هناك امرأة في الأربعين، شعرها الداكن مربوط خلفها ووجهها يحمل تعبير المسافرة التي رأت مطارات أكثر مما يحصيها أحد. اسمها نادين. كانت من فريق منصور الذي لم يُعرَّف رسمياً لكنه كان يعمل في الواقع بشكل لا تشككك فيه.
"القنصلية في نيقوسيا بعتت التأكيد." قال جاد بصوت لا يتجاوز مسافة متر. "سيف العمري في قبرص من ثلاثة أسابيع. الإقامة المسجلة باسم شركة لبنانية. شقة في ليماسول على الساحل."
"بيعرف إننا قادمين؟"
"لا. بس بيعرف إن في شيء بيتضيق حوله. منصور قال إن حركته اتغيرت من أسبوعين."
"يعني يقظ."
"أكثر من يقظ. خايف بطريقة محترف."
خرجا من المطار في الهواء المتوسطي الذي كان يحمل رائحة البحر والصنوبر، رائحة مختلفة عن رائحة القاهرة التي لا تشبهها أي مدينة في العالم. الشمس كانت موجودة لكن خلف طبقة رقيقة من الغيوم التي تجعل الضوء ناعماً بشكل يكاد يكون غير حقيقي.
استقلوا سيارة مستأجرة. يوسف في المقعد الأمامي ونادين تقود. جاد في الخلف يفتح ملفاً على حاسوبه الصغير.
"سيف العمري. ثلاثة وخمسين سنة. مولود في دمشق. أب سوري وأم لبنانية. انتقل إلى بيروت في الخمسة والعشرين. بدأ في قطاع المقاولات. انتقل للتوسع الدولي في منتصف التسعينيات." أغمض جاد عينيه لثانية. "وفي مرحلة ما بعدها، تحول نشاطه إلى ما هو أكثر ربحية وأقل قانونية."
"في ملف عليه رسمياً؟"
"ملفات في أربع دول. لا واحدة منها وصلت لمرحلة المحاكمة. في كل مرة كان في حاجة تتوقف: شاهد يختفي، وثيقة تضيع، ملف ينقل لجهة ثانية ويغرق في الإجراءات."
"ملف الحماية."
"أيوه. اللي وجدناه في القرص كان مجرد الجزء المصري. سيف العمري عنده حماية في سبع دول على الأقل بحسب ما قاله الدكتور سعيد."
سارت السيارة على الطريق الساحلي والبحر يلمع عن اليمين في خطوط متقطعة بين الأشجار. يوسف نظر فيه دون أن يراه حقاً.
"قاعدة اللعبة هنا إيه؟"
"إحنا لسنا هنا رسمياً." قالتها نادين لأول مرة. صوتها كان محايداً وواضحاً. "التنسيق مع السلطات القبرصية تم على مستوى معين لكن بشكل يضمن مرونة كافية."
"يعني لو حاجة اتعقدت؟"
"يعني إحنا موجودون كأفراد. وما حدث ما حدث."
فهم يوسف. وقبل. لأن بعض الأشياء في الحياة لا تحدث بشكل نظيف وكامل. وهو كان تعلم منذ وقت طويل أن النظافة الكاملة في بعض القضايا ترفاً لا يستطيع تحمله.
"كم وقت عندنا؟"
"منصور قال ثلاثة أيام. بعدها في تحركات بتصعّب الوضع."
ثلاثة أيام.
نظر يوسف للبحر.
وفكر في سامي في عيادة زياد وفي نورا وفي الأسرّة الستة عشر. وفي الأسرة التي لم يروا أصحابها. وفي الأسماء التي لم تُضَم لأي قائمة لأن أصحابها لم يجد من يبلغ عنهم.
ثلاثة أيام كافية.
الثلاثثين الفصل
ليماسول في الظهيرة
الشقة كانت في الطابق الثالث من بناية جديدة على كورنيش ليماسول. واجهتها تطل على البحر وكان من المنطق أن يستيقظ ساكنها كل صباح على الماء الأزرق ويعيش حياة تبدو من الخارج حياة رجل ناجح اختار الاستجمام على شاطئ البحر المتوسط.
لكن يوسف كان يراقب من سيارة مركونة على بعد مئة متر ويعرف إن الجمال الخارجي حين يكون مصطنعاً بعناية يخبئ دائماً ما هو أقبح.
"رصدنا ثلاثة أفراد حراسة." قالت نادين وهي تحدق في التلسكوب الصغير. "واحد في المدخل باستمرار. اثنان بيتبادلوا على باب الطابق الثالث."
"وهو شخصياً؟"
"يخرج مرة واحدة يومياً. في الصبح. قهوة في المقهى المجاور. وحده. الحراسة تبقى في المبنى."
نظر يوسف لجاد.
"الوحدة دي طوعية ولا إجبارية؟"
"طوعية. حين تريد رجلاً يحكم عليك لا تأتي معك حرّاسك. تأتي وحدك."
"بكره الصبح."
"أيوه. القهوة المجاورة. خمس دقائق على الأقل. وعادةً عشر."
أغلق يوسف التلسكوب ووضعه في جيب الباب.
"جاد. في حاجة مش مرتاحلها."
"قول."
"إحنا مش هنا نمسكه. مش في أيدينا مسكه. دي أرض ثانية وقانون تاني وملف دولي مش في إيدنا."
"عارف."
"يعني إيه الهدف الحقيقي من الرحلة دي؟"
ثانية صمت. جاد كان ينظر للمبنى.
"الهدف إننا نسمعه. وإننا نعطيه خيار يغير قراراته. لأن سيف العمري طول حياته اشتغل على افتراض إن في دايماً باب للخروج. ومهمتنا إننا نخليه يفتكر إن الأبواب دي بدأت تتقفل."
"ودلوقتي بتقفل؟"
"بتقفل. الدكتور سعيد أعطى كل شيء. ريهام في النيابة المصرية تمسك الملف. ومنصور يتحرك في المساحة الدولية. في ضغط حقيقي. بس ضغط بدون مواجهة مباشرة ممكن يدفعه للهرب في اتجاه أخطر."
"فنحن نوجّه الضغط."
"إحنا نخليه يختار الاتجاه الصح."
خرج يوسف من السيارة ومشى ببطء على الكورنيش. البحر كان يتحرك بذلك الهدوء الخادع الذي يبدو عليه حين تكون تحت سطحه تيارات أقوى مما تراه من فوق.
وفكر في الرجل في الطابق الثالث. رجل أمضى حياته يبني أسواراً ويظن إن الأسوار حماية. لكن الأسوار أيضاً سجن.
وبعض الناس لا يدركون الفرق حتى يقفل الباب.
الفصل الواحد والثلاثين
القهوة في الصبح
الخميس. السادسة وخمس وخمسون دقيقة صباحاً.
مقهى "إيلينا" كان يفتح أبوابه مع الفجر ويقدم القهوة لأهل الحي قبل أي زبون آخر. طاولات خشبية صغيرة على الرصيف وداخل الزجاج ضوء دافئ يخالف برودة الهواء الصباحي.
في الساعة السابعة تماماً خرج الرجل من المبنى المجاور.
يوسف رآه لأول مرة بدون منظار وبدون زجاج سيارة. رجل في الخمسين بالفعل، قامته متوسطة، مشيته بطيئة ومقيّسة. يرتدي بنطلون بيج وقميص أبيض بأزرار. بدا مثل أي رجل أعمال متقاعد ذهب ليجلس مع نفسه صباحاً.
لكن يوسف رأى ما وراء المظهر.
رأى الطريقة التي اكتشف بها الرجل زوايا الشارع قبل أن يخطو خطوة واحدة. والطريقة التي التقطت عيناه الشارع كله في لمح دون أن يدير رأسه. رجل لا ينظر من حوله لأنه خائف، بل لأنه تعلم أن المعلومة أداة والجهل خطر.
جلس سيف العمري في نفس الطاولة الخارجية التي جلس فيها بالأمس وقبل الأمس.
وجلس يوسف سرحان في الطاولة المجاورة.
لحظة صمت. ثم التفت سيف العمري.
نظرة واحدة. نظرة من قيّم فيها يوسف في ثانية واحدة. ثم نظر بعيد كأنه لا يعرفه.
لكنه لم يقم.
"صباح الخير." قال يوسف بهدوء. باللغة العربية.
توقف سيف قبل أن يرفع كوبه.
"مش هيجي الحرس بتاعك." أضاف يوسف. "جاد بيحتفظ بيهم مشغولين في الوقت ده. ومفيش سلاح على أي حد فينا. ومفيش تسجيل رسمي لهذه اللحظة. وأنا هنا بس عشان نتكلم."
صمت طويل. البحر يصل صوت موجاته الخفيفة من الخلف.
ثم قال سيف العمري بصوت أهدأ مما توقع يوسف: "مقدم سرحان."
لم يكن سؤالاً.
"أيوه."
"جاي من القاهرة."
"أيوه."
"ومعاك القرص."
"معايا اللي في القرص وأكتر من كده." قاله يوسف بهدوء. "معايا شهادات. ومعايا أسماء في الملف المغلق اللي إنت بنيته بعناية على مدار خمس عشرة سنة."
رفع سيف كوب القهوة لأول مرة وشرب منه ببطء. وجهه لم يتغير.
"كلنا عارفين إن إنت لوحدك ما تقدرش تمسكني هنا. وكلنا عارفين إن الملف المصري وحده ما يكفيش."
"أيوه." قال يوسف ببساطة تامة. "كلنا عارفين."
فاجأ الاتفاق سيف. نظر فيه.
"طب ليه إنت هنا؟"
"عشان أقولك حاجة ما حدش هيقولها لك في أي لقاء رسمي."
"قول."
"الأبواب بدأت تتقفل. مش بدي أهددك. ده تحليل. الاسم رقم عشرة في شبكتك الدولية سلّم كل حاجة. الحماية في دولتين قررت تتنحى لأن الثمن السياسي وصل لحد ما يقدروش يتحملوه. وريهام عمار في مصر بتعمل حاجة أنيقة: بتبني قضية مدنية موازية للجنائية ده معناه إن حتى لو الجنائية اتعطلت في مرحلة ما، في مسار تاني."
سكت يوسف. وانتظر.
سيف العمري نظر في البحر.
"وإيه اللي بتقترحه أنا بالضبط؟"
"ما بقترحش حاجة. بس بقولك إن في رجال في مواقفك في لحظة معينة في حياتهم اكتشفوا إن الوحيد القادر يحدد النهاية بشكل معقول هو هم. مش الناس اللي بتطاردهم ومش الناس اللي كانوا حواليهم. هم بالذات."
لحظة صمت طالت.
"ابنك." قال سيف فجأة بصوت فيه شيء لم يكن موجوداً قبله. "في المعلومات اللي عندك، ذكر اسم ابني؟"
نظر يوسف فيه.
"لا."
"إنت متأكد."
"متأكد."
أغمض سيف العمري عينيه لثانية.
"اسمه مراد. تسعة عشر سنة. بيدرس هندسة في باريس. ما يعرفش حاجة عن أي حاجة."
لم يتكلم يوسف.
"بعد خمسة أيام في هذا المقهى في نفس الوقت." قاله سيف بصوت رجع إليه قياسه. "وحدك. وأنا هعطيك إجابة."
قام يوسف من كرسيه.
"هكون هنا."
ومشى.
ولم يلتفت.
لكنه كان يعرف إن سيف ينظر في ظهره حتى اختفى عند منعطف الشارع.
وكان يعرف أيضاً إن الرجل الجالس على تلك الطاولة لم يكن نفس الرجل الذي كان يتخيله من القاهرة. لم يكن وحشاً. كان إنساناً اتخذ قرارات. ولكل إنسان اتخذ قرارات نقطة يقف عندها ويتساءل.
المسألة كانت: هل وصل إلى تلك النقطة؟
الفصل الثاني والثلاثين
جاد في الليل
في الفندق الصغير الذي اختاروه في شارع داخلي بعيد عن الكورنيش، جلس جاد وحده في الغرفة المشتركة التي كانوا يستخدمونها كغرفة عمل. أمامه ورقة بيضاء وقلم. وعلى الطاولة الصغيرة كانت قهوة تبرد ببطء.
كتب.
كتب ما لا يكتبه في التقارير. الأشياء التي يرصدها عقله المدرَّب ولا تجد مكاناً في اللغة الرسمية.
كتب: "سيف العمري لم يسأل عن الضحايا. لم يسأل عن الشبكة. سأل عن ابنه."
كتب: "هذا ليس غياباً للضمير. هذا إنسان قرر منذ وقت بعيد إن الضمير أداة لا تساعده على البقاء. لكن حين جاء يوسف بمواجهة صادقة دون تهديد مباشر، ظهر السؤال الذي كان مخبأ: ماذا يعرف أبني؟"
كتب: "الأبناء هم النافذة الأخيرة للرجال الذين أغلقوا كل النوافذ."
توقف جاد. ووضع القلم.
دخل يوسف وجلس على السرير المقابل ونظر في السقف.
"عارف إيه اللي مش عارفه؟"
"قول."
"مش عارف إيه اللي هيعمله لو قرر يتعاون. مش عارف هيفضل في قبرص ولا هيطلب ضمانات للسفر. ومش عارف قيمة ما يقدمه فعلاً بالنسبة للملف الدولي."
"بس بتوقع إنه هيجي."
فكر يوسف.
"أيوه. بتوقع إنه هيجي."
"ليه؟"
"لأنه سأل عن مراد. والناس اللي بيسألوا عن أبنائهم بيبحثوا عن باب. مش باب للهروب. باب لشيء تاني."
نظر جاد في ورقته.
"باب للخروج من اللي هم فيه."
"بالظبط."
في الخارج كانت ليماسول هادئة بالهدوء الحقيقي لمدينة تنام فعلاً في الليل. لا ضوضاء، لا ضوء مزعج، لا سيارات تملأ الشوارع بالعبث. فقط صوت البحر البعيد والنسيم الخفيف على الشبابيك.
"جاد."
"إيه؟"
"فكرت في حاجة قالهالي منصور قبل ما نسافر. قال إن في حالات التعاون الدولي، لما في شخص من مستوى سيف بيقرر يتكلم، بيكون الكلام بثمن: مش بس حماية له، بس إزالة ما يمكن إزالته مما بناه."
"يعني بيهدم شبكته بنفسه."
"يعني بيوجه إيدنا للأجزاء اللي إحنا ما قدرناش نوصلها."
"وده ممكن؟"
"منصور قال إن ده حصل قبل كده في قضايا تانية. مش شائع. بس حصل."
ثانية صمت.
"وإيه حسك يا يوسف؟ فيه غير التحليل."
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة.
"حسي يقول إن الرجل ده تعب. التعب ما بيكدبش. والتعب من نوع معين بيفتح أبواب مش بيقفلها."
مد يده للمصباح وأطفأه.
"نام. بكره يوم طويل."
الفصل الثالث والثلاثين
الأيام الثلاثة
مرت الأيام الثلاثة بوتيرة مختلفة عن أي وقت آخر في حياة يوسف سرحان.
لم يكن ينتظر. كان يعيش في ليماسول بطريقة الشخص الذي لا يعرف متى اللحظة الأهم ويصنع في كل لحظة حضوراً كاملاً.
في اليوم الأول اتصل بأشرف في القاهرة. سأله عن سامي. "سامي بخير. الجرح في مرحلة التئام. وريهام بعتت تسأل عنك."
في اليوم الثاني تكلم مع ريهام مباشرة. كانت صوتها ثابتاً وعيناها، حتى في التليفون، كانت تبدو في عقله وكأنها تقرأ ورقة وتدقق في كلمة واحدة. "الملف المصري تام. النيابة قررت تحريك الدعوى في خمسة أسماء كمرحلة أولى. ومش هيعرفوا قبل ما يُبلَّغوا رسمياً."
"والباقون؟"
"في طريقهم. أنا بتعلم إن الحيط بيتهد حجرة حجرة. ومش هيتهد بالشكل الصح إلا كده."
في اليوم الثالث جاءت رسالة من منصور. جملة واحدة: "الاسم رقم عشرة وصّل كل شيء. الملف الدولي فُتح في جنيف."
وقف يوسف في شرفة الفندق ونظر في البحر وهو يحمل هاتفه بشكل يقول إن الرسالة لم تنته بعد، إن ما حدث حتى الآن كان تمهيداً.
وفي الليل قبل اليوم الخامس لم ينم.
ليس من الخوف. ولكن لأن بعض اللحظات كبيرة بما يكفي لتحتاج سهراً.
الفصل الرابع والثلاثين
الثلاثاء. القهوة في السابعة.
مقهى "إيلينا" في الضوء الصباحي كان يحمل نفس رائحة القهوة الإثيوبية التي يحبها صاحبه. طاولات خالية في معظمها. الهواء بارد قليلاً.
جلس يوسف في الطاولة ذاتها.
وانتظر.
السابعة وخمس. السابعة وعشر.
السابعة وثلاثة عشر دقيقة خرج سيف العمري من المبنى.
مشى ببطء. لكن هذه المرة كان يمشي بطريقة مختلفة. خطوة أثقل من المعتاد. شخص حمل قراراً ليلة كاملة ووصل إليه وبات قراره محسوماً.
جلس أمام يوسف.
لم يطلب القهوة هذه المرة.
"الشبكة في ثلاث مناطق." بدأ بلا مقدمات. "مصر وشمال أفريقيا. أوروبا الشرقية. وآسيا الوسطى. وكل منطقة عندها رأس مستقل لكنهم متصلين بالمال."
"أسماء الرؤوس؟"
"هعطيك وثائق مش أسماء. الأسماء بدون وثائق مش قضية. وأنا بنيت كل حاجة بحيث الوثائق تكفي بدوني."
نظر يوسف في عينيه.
"ليه بدوني؟"
سيف العمري نظر في الطاولة لحظة. ثم رفع عينيه.
"لأني مش هعيش لأرى المحاكمات. مش بقول ده عشان تشفق عليا. بقوله عشان تفهم إن اللي بعمله ده مش صفقة. ده قرار."
صمت يوسف.
"عندي مرض. بدأ من سنتين. المرحلة الأخيرة من ثمانية أشهر. الأطباء قالوا بين سنة وثمانية عشر شهراً."
لم يتكلم يوسف.
"وفكرت كتير. وفي النهاية قلت لنفسي: لو مراد مش هيعرف كيف مات أبوه، على الأقل يعرف كيف عاش في آخر لحظة حقيقية عنده."
أخرج سيف من جيبه مظروفاً بنياً مغلقاً. وضعه على الطاولة أمام يوسف.
"ده كل حاجة. الأسماء والحسابات والمخابئ وطرق التواصل. والشيفرة اللي تفتح الملفات المشفرة."
مد يوسف يده وأخذ المظروف ببطء.
"وطلبك؟"
"طلبين. الأول: مراد ما يعرفش إن أبوه تعاون. يعرف إن أبوه مات بمرض. وبس."
"والثاني؟"
توقف سيف.
"واحدة من النساء اللي كانت في المستودع. بنت اسمها آية. من أسوان. خمس وعشرين سنة. لما يلاقوها، يقولوا لها إن في حساب باسمها في بنك لبناني. هي ما تعرفش عنه. كان الغرض منه في الأصل غلط. بس الفلوس دي هي فلوسها. عليها تاخدها."
يوسف نظر فيه.
"هعمل اللي يمكن عمله في الطلبين."
"أعرف إنك مش بتقدر تعدني بأكتر من كده."
"أيوه."
قام سيف العمري ببطء. ونظر في البحر لحظة. ثم نظر ليوسف.
"في قضية بتاعتك. الضابط اللي اشتغل عليها لثلاث سنوات وما وصلش لحاجة. أنا قلت لناس بتاعتي يحرّكوا ضده عشان تعبان. وما كانش مبرر. كان بيعمل شغله بشكل صح."
يوسف لم يتوقع هذا.
"اسمه محمود علاء. في مديرية الإسكندرية."
"هعرف."
مشى سيف العمري. بنفس الخطوة الثقيلة. ودون أن يلتفت.
وجلس يوسف سرحان في طاولة المقهى الصغيرة يحمل مظروفاً بنياً ويرى في البحر شيئاً ليس موجاً ولا ضوءاً ولا أفقاً.
كان يرى القضية. كل أجزائها.
ويرى في نفس اللحظة كيف بعض الحقائق تأتي من حيث لا تتوقعها.
الفصل الخامس والثلاثين
العودة
طائرة القاهرة أقلعت من مطار لارنكا في الساعة الرابعة مساءً والشمس كانت تميل للغرب بلون البرتقالي الداكن الذي يحبه يوسف.
جلس في مقعده والمظروف البني في حقيبته الداخلية. لم يفتحه. ليس لأنه لا يريد معرفة ما فيه، بل لأن بعض الأشياء تستحق وقتاً وجهة أكثر أماناً من ارتفاع ثلاثين ألف قدم.
جاد كان يقرأ. نادين نامت بالسرعة المدهبة التي يملكها بعض العاملين في الميدان: قرار النوم يساوي النوم فوراً. يوسف فكر.
فكر في سيف العمري وقد مشى بتلك الخطوة الثقيلة ولم يلتفت. رجل يعرف إنه سلّم آخر ما عنده. وفي هذا التسليم كان هناك شيء لا تجده في محاضر التحقيق ولا في الأدلة الجنائية، شيء يشبه القبول. ليس القبول بما فعله. بل القبول بما هو عليه الآن، في هذه اللحظة، على هذا الشاطئ، في هذا الصباح.
فكر في محمود علاء في الإسكندرية. الضابط الذي أُعيق عن قصد. سيتصل به بعد غد.
فكر في آية من أسوان. اسم لا يعرف له وجهاً بعد. لكنه سيعرف. ووعد هو وعد.
"يوسف."
صوت جاد الخفيف.
"إيه؟"
"قرأت في الرحلة الجاية تقرير عن ظاهرة نفسية اسمها التحول الأخير. بتصف الحالة اللي بيعيشها بعض الناس قبيل نهاية مرحلة مهمة من حياتهم. بيتصرفوا بطريقة مختلفة، أصدق وأوضح مما كانوا عليه طول عمرهم."
"بتقول إن سيف كان في التحول ده."
"أنا باقول إن ما شفناه الصبح كان حقيقياً. وده أهم من تصنيفه."
نظر يوسف من الشباك للسحاب الأبيض اللي يمر بهدوء.
"أيوه. كان حقيقياً."
وأغمض عينيه لأول مرة منذ ثلاثة أيام.
الفصل السادس والثلاثين
ريهام تفتح الملف
الخميس. الساعة التاسعة صباحاً. مكتب ريهام عمار في دار النيابة العامة.
المكتب كان بسيطاً بشكل مقصود. لا صور على الجدران. لا ديكور زائد. فقط رفوف مليئة بالملفات وطاولة عليها كومة من الأوراق مرتبة بنظام يعرف سرّه من اعتاد عليه. ريهام نفسها كانت في الخمسة والأربعين، شعرها قصير وعيناها لهما تلك النظرة التي لا تستريح حتى تفهم.
وضع يوسف المظروف أمامها.
فتحته بأصابع لا تتسرع. قرأت الورقة الأولى. ثم الثانية. ثم وضعت الأوراق وأخذت نفساً عميقاً.
"ده أكبر مما توقعت."
"أعرف."
"في هنا أسماء مش هتصدق إنها موجودة." لم تقل الأسماء. بعض الأسماء تنتظر حتى تصبح رسمية.
"بتصدق."
نظرت إليه.
"مصدر المعلومات."
"شخص قرر في نهاية مشواره إنه يوضح الصورة. لن تقدري تستخدمي اسمه. لكن الوثائق بتكفي لوحدها. هو بنى الأمر عن قصد بهذه الطريقة."
صمتت ريهام لحظة. ثم:
"وثائق بدون مصدر حي في المحكمة بتحتاج خبير تحقق من صحتها."
"عندي اتصال بخبير في معهد الطب الشرعي الدولي في لاهاي. منصور رتب الأمر."
نظرت إليه بنظرة تزن ما تسمعه.
"منصور."
"أيوه."
"يوسف. إنت بتشتغل في مساحة مش رسمية بشكل كبير في القضية دي."
"أعرف."
"وده ممكن يرتد عليك."
"أعرف ده كمان."
وقفت ريهام وذهبت إلى الرف خلفها وأخرجت ملفاً أزرق.
"الملف المصري المفتوح. الخمسة أسماء الأولى. القاضي وقّع على مذكرة القبض من ثلاثة أيام. بس ما اتنفذتش لحد دلوقتي عشان كنا بننتظر."
"بتنتظري إيه؟"
ابتسمت ريهام. ابتسامة واحدة، خفيفة وحادة في نفس الوقت.
"كنت بانتظر إنت. عشان لما نُنفّذ، ننفذ وإحنا عندنا كل حاجة."
فتحت المظروف ثانية وأخرجت ورقة واحدة. قرأت فيها. ثم نظرت إليه.
"اسم رقم اثنين في قائمة الحماية. ده شخص في جهة قضائية."
"أعرف."
"ومش هيكون سهل."
"أعرف ده كمان."
"بس هيتعمل."
قالتها بيقين لا يحتاج صوتاً عالياً.
"هيتعمل."
خرج يوسف من مكتبها والشمس في شارع النيابة كانت حادة بعد غياب قبرص الناعمة. ورائحة القاهرة عادت إليه كاملة: عادم وخبز وتراب وحياة مزدحمة تتنفس في كل اتجاه.
كان في البيت.
الفصل السابع والثلاثين
سامي ونورا
المستشفى الذي كانت فيه نورا لم يكن من النوع الفاخر. لكنه كان نظيفاً وهادئاً وفيه ممرضة في الليل تتفقد كل غرفة بانتظام. وهذا كان كافياً.
وجد يوسف سامي جالساً على كرسي خشبي بجانب سرير نورا. أختاه كانت نائمة. ووجهها في النوم كان يحمل شيئاً لم يكن فيه وهي يقظة في الأيام الأولى: هدوء حقيقي، ليس هدوء الإرهاق بل هدوء من بدأ يثق في أنه في مكان آمن.
جلس يوسف على الكرسي المقابل بهدوء.
رفع سامي عينيه. كان الجرح في جانبه في مرحلة التئام جيدة وفق ما قاله زياد. لكن العيون فيها شيء لا تلتئم بسهولة.
"رجعت."
"رجعت."
"وعمل إيه؟"
لم يحتج يوسف أن يسأل عمّن يتكلم.
"سلّم كل حاجة. الملف الدولي فُتح. والملف المصري بدأ."
صمت سامي لحظة.
"والناس اللي كانوا بيحموه؟"
"بيتعاملوا معاهم واحد واحد. ده مش بيحصل في يوم. لكن بيحصل."
نظر سامي لنورا النائمة.
"بتتكلم مع الأخصائية بتاعتها كل يوم. في الصبح وبعد الظهر. الأخصائية قالت إن في تقدم. بطيء لكن حقيقي."
"ده الأهم."
"أيوه." توقف. "يوسف. القضية بتاعتي أمام النيابة. القاضي حدد جلسة."
"أعرف. ريهام عمار ستقدم السياق الكامل. وأنا هكتب تقريراً بكل ما أعرفه. مش تقرير رسمي. تقرير بالظروف الكاملة."
"ده مش بيلغي إيه عملته."
"لا. ما بيلغيش. بس بيضع الصورة كاملة. والقانون مفروض يشوف الصورة كاملة."
أحنى سامي رأسه.
"أبويا كان بيقول جملة واحدة. بيقول: الحق مش بيضيع لو في حد واحد بيتعب فيه."
لم يتكلم يوسف.
"كنت بفتكرها حكاية. دلوقتي بفتكرها تعريف."
تحركت نورا في نومها. فتحت عينيها لثانية، رأت سامي، وأغمضتهما مجدداً وابتسمت بشكل يكاد يكون غير محسوس.
وقام يوسف بهدوء ومشى.
وكان في صدره شيء ليس فرحاً وليس حزناً. كان شيئاً يشبه المعنى. ذلك الشيء الذي يأتي حين تفعل ما جئت لتفعله لا لأنه سهل بل لأنه صح.
الفصل الثامن والثلاثين
محمود علاء في الإسكندرية
في الإسكندرية كان الهواء يحمل الملح دائماً. حتى في الشتاء. حتى في الليل. حتى حين لا يرى البحر لكنه يعرف إنه هناك.
قسم شرطة المنتزه. مكتب صغير في الطابق الثاني. ضابط اسمه محمود علاء، اثنان وأربعون سنة، جالس خلف مكتبه يكتب تقريراً حين دخل يوسف سرحان.
رفع محمود رأسه. لم يعرفه في البداية.
"المقدم سرحان. من قاهرة."
وقف محمود.
"تشريف يافندم. في حاجة ممكن أساعد فيها؟"
"أيوه. في حاجة ممكن أساعد فيها أنا."
جلسا. وأخرج يوسف ورقة مكتوب عليها بضع جمل. وضعها أمام محمود.
قرأ محمود. وعيناه توسعتا ببطء.
"ده يعني إن التحقيق اللي اتعطل قبل سنتين كان متعمد؟"
"أيوه."
"ويعني إن الملف اللي اتقفل بقرار من فوق كان فيه حاجة حقيقية؟"
"أيوه."
نظر محمود في الورقة.
"سنتين. سنتين وأنا باحاول أفهم ليه الملف اتقفل وليه ما حدش شافله قيمة."
"الملف كان صح. إنت كنت صح. ودلوقتي النيابة العامة بتفتح الملف من القاهرة بكل المعلومات الجديدة. والملف بتاعك في الإسكندرية هيتفتح تاني وهينضم للقضية الكبيرة."
صمت محمود.
"واللي أوقفني؟"
"واللي أوقفك اسمه في القائمة. وهيتعامل معاه."
أغمض محمود عينيه لثانية.
"أنا في أيام كتير خليت البيت وأنا حاسس إني باعمل شغل مش بيفيد. إن في حائط بيمنعني وإن الحائط ده أقوى مني."
"الحائط اتكسر." قاله يوسف ببساطة.
فتح محمود الدرج وأخرج ملفاً سميكاً. ووضعه على المكتب.
"ده كل حاجة عندي. من سنتين. ما حدش طلبه مني. بس ما رميتوش."
نظر يوسف في الملف. ووضع يده عليه.
"شكراً يا محمود."
"إنت عارف إن شكراً دي كلمة صغيرة جداً في السياق ده."
"أيوه. لكنها حقيقية."
قام يوسف وحمل الملف. وعند الباب التفت.
"ريهام عمار في النيابة العامة هتتصل بيك الأسبوع الجاي. جاوبها."
"هجاوب."
خرج يوسف وهواء الإسكندرية استقبله بالملح المعتاد. ووقف لثانية في الشارع ونظر للبحر البعيد في نهاية الشارع.
البحر. دايماً البحر في النهاية.
وفكر إن الأرض المصرية من الإسكندرية للقاهرة للمعادي للمستودع في مدينة نصر مليئة بمحمود علاء. ناس يشتغلون بهدوء ويحملون ملفات في أدراجهم ولا يرموها حتى حين يُقال لهم إن لا أمل. وهذا النوع من الصمود لا يُكتب عنه عادةً لكنه يصنع الفارق.
الفصل التاسع والثلاثين
آية من أسوان
أسوان. الشمس فيها مختلفة. ليست حادة كالقاهرة ولا ناعمة كقبرص. هي شمس تعرف وزنها وتضعه بالكامل على كل سطح تمسه.
آية كانت في الخامسة والعشرين كما قال سيف. جلست أمام يوسف في مكتب الشرطة الصغير التي وصلته برفقة أختها الكبيرة التي لم تتركها وحدها لثانية.
وجهها كان به شيء من الصعب وصفه. ليس الكسر. شيء أقرب للحذر الكامل، كمن تعلم إن الحياة تقدم مفاجآت ولا يمكن الثقة في أنها ستكون جيدة.
"في حساب باسمك في بنك لبناني." قال يوسف مباشرة. "رقم الحساب معايا. والمبلغ فيه كافي تبدئي بيه من أول."
صمتت.
"مين بعته؟"
"شخص كان جزء من اللي حصل لك. قرر في النهاية إن ده حق عليه."
"والشخص ده؟"
"ما عدش موجود بطريقة تسمح بالمساءلة."
فهمت. ولم تسأل أكثر.
"والفلوس دي حلال؟"
توقف يوسف.
"في حاجات في الحياة مش الحلال والحرام بيوصفها كويس. في حق ومش حق. والفلوس دي حقك."
نظرت للمكتب أمامها. ثم رفعت عينيها.
"كنت بدرس تمريض. وقفت في السنة التانية."
"تقدري تكملي."
"والناس هيعرفوا."
"بعض الناس هيعرف. وبعضهم هيتكلم. وده موجود ومش هيتغير." قاله بصدق تام. "بس في ناس تانية هيشوفوا ممرضة. ومش أكتر من كده."
التفتت آية لأختها. ثم رجعت ليوسف.
"تفاصيل الحساب."
أعطاها الورقة.
وأخذتها بيد لا ترتجف.
الفصل الاربعين
الدكتور نبيل يكتمل
مكتبة المعهد الطبي الشرعي. الساعة الحادية عشرة صباحاً. كان الدكتور نبيل عمار يحمل كوباً من الشاي ويقرأ تقريراً جديداً حين دخل يوسف.
رفع نظره وابتسم بذلك الابتسام الكبير الذي يملأ الغرفة.
"يوسف يا حبيبي. راجع من السياحة سالم؟"
"سياحة من نوع خاص."
"أعرف. أعرف كل حاجة. ريهام بعتتلي ملف الاستشارة الطبية الشرعية بالنسبة للوثائق."
"وشفت؟"
وضع الدكتور نبيل الكوب وأزاح نظارته على جبهته.
"شفت حاجة صعبة يا يوسف. ده اللي حصل فيه ضحايا كتير ما شافوش العدالة من زمان. وفي الوثائق دي إثبات على مسار كامل. التوقيت والمكان والطريقة."
"هتشهد في القضية؟"
"مش بس هشهد. هكتب تقرير طبي شرعي متكامل هيبقى حجة في الملف. وهطلب من زميل في باريس يشتغل على الجزء الدولي."
"جاد عنده اتصال بنفس الشخص."
"ممتاز. هنتنسق." وأعاد نظارته. "يوسف. إيه اللي بيخليك تشتغل بالطريقة دي؟"
سؤال غير متوقع.
"يعني؟"
"يعني في ناس شافوا اللي إنت شفته وساعتها قالوا مش شغلتي. وفي ناس قالوا أعمل اللي عليا وخلاص. إنت بتعمل حاجة تانية."
فكر يوسف.
"مش عارف أوصفها كويس. لكن في لحظة في أول القضية دي وقفت في الصالون بتاع الفيلا ونظرت للدم. وبدل ما أشوف جريمة شفت ناس. ولما تشوف الناس مش بتقدر توقف."
نظر الدكتور نبيل فيه بنظرة طويلة.
"ده اللي بيفرق بين ضابط وإنسان بيشتغل ضابط."
وقام يوسف وصافحه.
"شكراً يا دكتور."
"إنت اللي بتشكرني؟ أنا اللي المفروض أشكرك. إنت بتعطي الموتى بتاعتي معنى. وده أهم حاجة في الشغل." وضحك بصوته الكبير الذي يملأ الغرفة. "روح. وكل سنة وإنت طيب."
---
الفصل الواحد والاربعين
هانم
كانت قد مضت ثلاثة أسابيع على عودة يوسف من قبرص حين اتصلت به هانم.
كان في مكتبه يكتب. الهاتف رنّ والاسم كان على الشاشة. وقف لثانية قبل أن يرد. ليس من التردد. من الانتباه.
"هانم."
"يوسف. كيف الحال؟"
"بخير. وإنتِ؟"
"باشتغل." ثانية. "باشتغل في حاجة ما اشتغلتهاش من زمان. بشوف ناس وبتكلم معاهم. بمشي في الشارع بدون ما أحسب كل خطوة."
"ده كويس."
"أيوه." صمتت لحظة. "باسم بدأ جامعة من الأسبوع اللي فات. هندسة. اختاره هو."
"حلو."
"أيوه." ثم: "يوسف. بتكتب تقرير في القضية بتاعة ممدوح."
"أيوه."
"في حاجة معينة محتاجة أقولها ليك للتقرير. وما أقدرش أقولها في التليفون."
"تعالي المكتب."
"ممكن يكون في مكان تاني؟"
توقف يوسف.
"قهوة السلام في شارع المعادي. بكره الصبح. الساعة عشرة."
"هكون هناك."
أغلق التليفون وجلس. ونظر في الملف المفتوح أمامه. ولم يقرأ فيه.
لأن في لحظات معينة المكتوب في الورق يصبح أقل أهمية من المكتوب في الحياة.
في اليوم التالي كانت قهوة السلام هادئة في ضوء الصبح. يوسف وصل قبلها بخمس دقائق وطلب شاياً وجلس يحدق في الشارع بالطريقة التي تعلمها ولا يستطيع إيقافها.
جاءت هانم في الموعد. ارتدت بسيطاً. شعرها لم يكن مرتباً بعناية كما رآه في الفيلا أول مرة. كان مرتباً بالطريقة التي يكون فيها حين الشخص يعتني بنفسه لنفسه لا لأحد غيره. وهذا كان مختلفاً.
جلست.
"شكراً إنك جيت."
"إنتِ اللي بتشكريني؟"
ابتسمت.
"اللي محتاجة أقوله للتقرير: ممدوح في الستة أشهر اللي قبل الجريمة كان خايف. مش خايف الشرطة. خايف من ناس في الشبكة بدأوا يحسوا إنه هيتكلم. وده معناه إن في حد داخل الشبكة كان يراقبه وأبلغ. وهذا الشخص ما اتذكرش في أي مكان."
"عندك اسم؟"
"لا. بس ممدوح في لحظة ذكر قبل ما يغيب صوته أنه شك في شخص كان يعمل معه في المستشفى. مش جراح. إداري."
"اسمه؟"
"محسن. مش عارفة الكنية."
كتب يوسف في دفتره.
"هيتحقق فيه."
"أعرف." ثم صمتت. وكانت القهوة الآن أمامها وهي لم تلمسها بعد. "يوسف."
"إيه؟"
"في لحظة في أول القضية. حين كنت بأتكلم معاك في المستشفى. حسيت بحاجة ما حسيتهاش من زمان. إن في حد بيسمع فعلاً. مش بيسجل. بيسمع."
لم يقل شيئاً.
"مش بقول كده عشان حاجة. بقوله عشان في أوقات اللي بيعمل فرق مش بيتقال. وهو مهم إنه يتقال على الأقل مرة."
نظر يوسف في القهوة أمامه.
"وأنا كمان حسيت بحاجة. بس محتاج وقت أفهمها." قالها بصدق لا يملك له تفسيراً أكثر من هذا.
ابتسمت هانم.
"الوقت موجود."
"أيوه." وابتسم يوسف بدوره بابتسامة خفيفة لكن حقيقية. "الوقت موجود."
وشربا قهوتيهما في الصبح الهادئ بينما القاهرة بدأت تصحو حولهما بضوضائها المعتادة التي تملأ كل شيء.
الفصل الاتنين واربعين
محسن
احتاج الأمر أسبوعاً واحداً.
محسن رفاعي. سبعة وثلاثون سنة. موظف إداري في مستشفى الأمل منذ أربع سنوات. ملفه الوظيفي نظيف بشكل يثير الانتباه لمن يعرف أن النظافة التامة أحياناً أكثر إثارة للشك من خطأ صغير.
وجد جاد الخيط من مكان غير متوقع: حساب بنكي بينهما علاقة غير مباشرة عبر شركة وسيطة. ليس مبلغاً كبيراً. مبلغ صغير يُحوَّل بانتظام كل شهرين. النوع الذي يقول إن هناك خدمة مستمرة لا حادثة واحدة.
"هو مش عضو في الشبكة." قال جاد حين عرض النتيجة على يوسف. "هو مُبلِّغ. بيراقب ممدوح ويبلّغ. وكان بيتقاضى على هذا."
"يعني حين بدأ ممدوح يجمع الأدلة على الشبكة، كانوا بيعرفوا من ساعتها."
"أيوه. وده بيفسر سرعة استجابتهم. ما كانوش بينتظروا، كانوا على علم."
صمت يوسف. ثم:
"أشرف."
"يافندم."
"محسن رفاعي. عنوانه من الموارد البشرية في المستشفى. مذكرة إحضار. وما يتصلش بحد قبل ما يوصل."
"تمام يافندم."
جاء محسن في صبح اليوم التالي وجلس في غرفة الاستجواب بوجه من يعرف إن اللعبة انتهت لكنه لم يقرر بعد كيف يسلم أوراقه. رجل يعيش في المنطقة الرمادية طول عمره ويعرف جيداً كيف يتكلم بأقل ما يمكن.
لكن جاد كان في الغرفة.
وجاد لا يحتاج كثيراً حين يكون أمامه شخص يخفي شيئاً. يكفيه أن يجلس ويصمت ويترك الصمت يعمل.
بعد دقيقتين ونصف من الصمت الكامل، بدأ محسن يتكلم.
تكلم عن الطريقة، وعن جهة الاتصال، وعن المعلومات التي مررها طوال عامين. وتكلم بتفصيل يكشف أنه كان ينتظر من يسأله منذ وقت.
بعض الناس يحملون أسرارهم كأثقال. ويوم تُرفع عنهم يشعرون بخفة لا يعرفون وصفها.
هذا لا يلغي المسؤولية. لكنه يشرح شيئاً عن طبيعة الإنسان.
سلّم يوسف الملف لريهام في نهاية اليوم.
"الخيط الأخير." قالت.
"الخيط الأخير."
"الملف مكتمل."
وضعت ريهام الملف في الرف بجانب عشرين ملفاً آخر وأدارت ظهرها لهم كلهم ونظرت في النافذة.
"يوسف. لما بنقفل ملف كبير من كده بتحس بإيه؟"
فكر.
"بحس إن في ناس تانية في مكان تاني محتاجين حد يشوفهم."
التفتت.
"ده جواب الناس اللي مش هتوقفوا."
"أيوه." وأخذ معطفه من الكرسي. "وده مش عيب."
الفصل الثالث والاربعين
الجلسة الأولى
محكمة جنايات القاهرة. الثلاثاء. الساعة التاسعة صباحاً.
القاعة لم تكن مليئة. هذا النوع من القضايا لا يملأ القاعات لأن كثيراً من الناس لا يعرفون بعد ما الذي سيُقال فيها. وهذا كان صحيحاً دائماً في أول الجلسات.
على مقاعد الصف الأول من جهة اليسار كان يجلس سامي بجانب محامية شابة أوصت بها ريهام. وجهه كان هادئاً بطريقة لا علاقة لها باللامبالاة بل باليقين. يقين من يعرف إن ما فعله لا يمحوه حكم ولا يبرره، لكنه يعيش مع نفسه بما يكفيه.
في الصف الثاني كانت هانم تجلس بجانب باسم. باسم في قميص أبيض وشعره مرتب بعناية الشباب الذين يريدون أن يبدوا جادين. وهانم بمعطف بيج خفيف ويدها على يده بشكل طبيعي لا مصطنع.
في الخلف وقف يوسف وجاد. لم يجلسا. المراقبون لا يجلسون دائماً.
دخل القاضي ووقف الجميع.
وبدأت الجلسة.
قرأ كاتب المحكمة قائمة التهم. أسماء. أفعال. تواريخ. أرقام. كل شيء كان يعرفه يوسف منذ أسابيع لكن حين يُقرأ بصوت عالٍ في قاعة رسمية يصبح له ثقل مختلف. ثقل الاعتراف الجمعي بأن هذا حدث. وأنه لن يُنكر.
حين قُرئ الاسم الأول من قائمة المتهمين، تحرك سامي في مقعده بشكل لا إرادي. ثم ثبّت نفسه.
حين قُرئ الاسم الثالث، أحنى باسم رأسه.
حين قُرئت قائمة الضحايا — ستة عشر اسماً في الملف المصري وحده — كانت القاعة صامتة بصمت مختلف عن صمت الإجراءات. صمت من يسمع شيئاً ويدرك وزنه.
وقف يوسف في الخلف ونظر في الوجوه من حوله.
هذا ما تعنيه العدالة حين لا تكون كلمة. حين تكون غرفة وقاضٍ وأسماء تُقرأ بصوت عالٍ لا يمكن لأحد أن يتظاهر بأنه لم يسمعها.
انتهت الجلسة الأولى بعد ساعة وخمس وأربعين دقيقة. حُددت موعد الجلسة التالية.
في الخروج اقترب سامي من يوسف.
"شكراً."
"مفيش داعي."
"في داعي." قاله بهدوء. "لأن الشكر مش عشان اللي عملته. الشكر عشان إنت شفت نورا قبل ما تشوف الجريمة."
لم يجد يوسف ما يقوله.
ومشى سامي.
الفصل الرابع والاربعين
جنيف في الشتاء
جاءت الأخبار من جنيف على مراحل.
الأولى في أسبوع: الملف الدولي فُتح رسمياً في المحكمة الجنائية الدولية بناءً على الوثائق المقدمة عبر منصور والمدعومة بشهادة الدكتور سعيد.
الثانية بعد أسبوعين: اثنان من الأسماء الكبيرة في قائمة الشبكة الدولية مثلا أمام المدعين العامين في دولتين مختلفتين في نفس اليوم، بتنسيق لم يُعلَن عنه مسبقاً.
الثالثة بعد شهر: تجميد أصول في خمس دول.
أرسل منصور رسالة واحدة: "القرص أنجز ما وُجد من أجله."
أرسل يوسف: "وما وراء القرص؟"
جاء الرد بعد يوم: "ما وراء القرص يأخذ وقتاً أطول. لكنه يأخذ طريقه."
أغلق يوسف الهاتف. وفكر في سيف العمري على كرسيه في ليماسول. وفكر في مراد في باريس يدرس ولا يعلم. وفي النهاية قرر أن بعض الأشياء من الأفضل أن تبقى كما هي.
الحقيقة الكاملة ليست دائماً هدية. أحياناً الرحمة هي في ما لا يُقال.
الفصل الخامس والاربعين
بةممدوح أمام النيا
حين جلس الدكتور ممدوح الخولي أخيراً أمام ريهام عمار في غرفة الاستماع الرسمية، كان رجلاً مختلفاً عن الرجل الذي وصفته له التقارير الأولى.
الرجل في التقارير كان جراحاً ناجحاً وواجهة لامعة لشبكة استغلال. الرجل أمامها كان أصغر بطريقة لا علاقة لها بالعمر. كأن كل شيء كان يحمله في الظاهر قد سقط وبقي ما هو عليه فعلاً.
أجاب على كل سؤال. لم يتهرب. لم يحاول التخفيف. ذكر الأسماء التي طُلبت منه والأماكن والتواريخ. وحين سألته ريهام عن اللحظة التي قرر فيها تجميع الأدلة، صمت لحظة طويلة.
"كانت فيه بنت. اسمها نورا. جاتلي بشكوى بسيطة وأنا كنت لازمة جهة معينة في الوقت ده." توقف. "وكانت أصغر من اللي قلبي يتحمله. وكنت أعرف إنها مش هتفهم. وكنت أعرف إنها هتوثق فيا."
لم تقل ريهام شيئاً.
"وإنا راجع البيت في الليل ده قلت لنفسي جملة واحدة. قلت: حاجة لازم تتغير. وعرفت إن الحاجة دي أنا."
كتبت ريهام ثم رفعت رأسها.
"الشهادة دي ستدخل الملف كاملة." قالتها بنبرة المهنية الكاملة. ثم، بعد لحظة، أضافت بصوت أهدأ: "والتعاون هيُذكر."
أحنى ممدوح رأسه.
وخرج.
وكان يوسف ينتظر في الممر.
مرّ ممدوح بجانبه. توقف. نظر فيه. ولم يقل شيئاً. لكن في النظرة كان هناك شيء ليس اعتذاراً ولا امتناناً. كان شيئاً يصعب تسميته. ربما الاعتراف بوجود الآخر. بأن هناك شخصاً رأى ما فعلته وقرر ألا يغض الطرف.
وهذا، أحياناً، يكفي.
الفصل السادس والاربعين
جاد يكتب
في الليل الذي سبق إغلاق الملف رسمياً، جلس جاد في مكتبه الصغير وفتح دفتره.
لم يكتب تقريراً. كتب ما اعتاد كتابته في نهاية كل قضية كبيرة. ليس للحفظ ولا للمراجعة. للفهم.
كتب:
"هذه القضية لم تكن عن الجريمة. كانت عن الخيارات. كل شخص فيها وقف في لحظة ما أمام خيار. سامي اختار الفعل من الألم. ممدوح اختار الاعتراف من الذنب. سيف اختار الكشف من المرض. محسن اختار الصمت ثم الكلام. هانم اختارت البقاء ثم المواجهة. وباسم اختار أن يعرف بدلاً من أن يتجاهل."
"ويوسف اختار في كل لحظة أن يرى الإنسان قبل الجريمة."
"وهذا الاختيار الأخير هو الذي جعل كل الاختيارات الأخرى ممكنة."
أغلق الدفتر.
ونظر في السقف.
وفكر في المرة الأولى التي رأى فيها يوسف سرحان. قبل سبع سنوات. في قضية مختلفة. حين كان يوسف لا يزال يحمل أسئلة أكثر مما يحمل إجابات. وقرر جاد حينها أن هذا النوع من الناس نادر. وأن مرافقته بعض الوقت أفضل من الاكتفاء بالنظر من بعيد.
سبع سنوات.
لا يزال النوع نفسه.
والنادر يستحق الرفقة.
الفصل السابع والاربعين
ليلة يوسف
الساعة الحادية عشرة. شرفة الشقة في المعادي.
يوسف وحده. كوب شاي بارد على الدرابزين. والقاهرة من تحته تتنفس بكل ما فيها من ضوء وضوضاء وحياة لا تعرف وقتاً لتتوقف.
فكر في القضية من البداية. من تلك الليلة الممطرة أمام فيلا المعادي وأشرف يقول "ما فيش جثة" وبقعة الدم التي لم تكن بركة بل مساراً.
مساراً أوصله إلى هنا.
وهنا ليس نهاية. هنا نقطة يقف عندها ويرى من أين جاء وإلى أين يمكن أن يذهب.
فكر في هانم. وفي القهوة الصباحية. وفي جملة "الوقت موجود" التي قالتها كأنها تعطيه شيئاً لا يُعطى في العادة.
فكر في جاد وفي الدفتر الصغير الذي يعرف يوسف أنه موجود لكنه لم يره. وفكر أن بعض الصداقات تسكن في الفراغ بين ما يُقال وما لا يُقال وهذا الفراغ هو في الواقع أكثرها امتلاءً.
فكر في الدكتور نبيل وضحكته الكبيرة. وفي أشرف الذي يتعلم كيف يرى أكثر مما يُبلَّغ. وفي محمود علاء في الإسكندرية الذي لم يرمِ الملف.
وفكر في آية من أسوان. وفي نورا التي ابتسمت في نومها.
وفكر في سيف العمري يمشي على كورنيش ليماسول بخطوة ثقيلة. ورجل ينظر في البحر ويعرف أن بعض الأشياء لا تصلح لكنها تُدفع ثمناً حين لا يبقى ما هو أثمن.
رفع يوسف كوب الشاي البارد وشرب منه دون أن يلاحظ برودته.
ونظر في القمر.
كان مكتملاً الليلة. ليس الاكتمال الذي يُعلن عن نفسه بصخب بل الاكتمال الهادئ الذي يعرف إنه سيبدأ في النقصان غداً ثم سيعود مجدداً. الدورة التي لا تتوقف والتي لا تعني بنقصانها نهاية ولا باكتمالها بداية.
فقط: حركة دائمة في ظل دائم.
كأن الكون نفسه قرر إن الأشياء الحقيقية لا تنتهي. تتغير. تتحول. تأخذ أشكالاً مختلفة. لكنها تبقى.
وكأن القضايا التي تستحق الجهد لا تُحل بالكامل. بل تصل إلى لحظة تقول فيها: أعطيت ما تملك. والباقي للوقت.
وضع الكوب. ودخل. وأغلق باب الشرفة.
وفتح ملفاً جديداً على مكتبه.
الفصل الثامن والاربعين
ظل القمر
صباح يوم الأربعاء. الساعة الثامنة وخمس عشرة دقيقة.
القاهرة بعد الفجر مباشرة لها طبيعة لا تشبهها في أي وقت آخر. المدينة التي لا تنام تأخذ في هذا الوقت نفساً عميقاً واحداً قبل أن تستأنف ضجيجها. ولمن يستطيع أن يسمع ذلك النفس، في المدينة نبض حقيقي تحت كل الضوضاء.
في قسم شرطة المعادي كان يوسف سرحان يشرب أول قهوة في الصبح. أشرف يرتب الملفات. وفي الغرفة المجاورة كان هناك ضابط شاب اسمه كريم، واحد وعشرون سنة، أول أسبوع له في العمل، يجلس ويحاول أن يبدو أكثر ثقة مما هو عليه.
دخل يوسف على كريم.
رفع الشاب رأسه.
"يافندم."
"استريح." جلس يوسف على الكرسي المقابل. "إيه اللي لفت نظرك في أول أسبوع؟"
فاجأ السؤال كريم. لم يكن يتوقع أن يُسأل. ففكر بصدق.
"اللي لفت نظري إن الناس اللي بييجوا هنا. الناس دول مش بييجوا عشان الشرطة. بييجوا عشان في مشكلة وما لاقوش حد تاني."
نظر يوسف فيه.
"ده ملاحظة صح."
"يعني إيه يافندم؟"
"يعني إن الشغل مش عن الجريمة. الجريمة بس الباب. اللي جواه هو الناس."
صمت كريم. يفكر.
"وبعدين؟"
"بعدين إنت بتشوف. وبتقرر. وكل يوم القرار مختلف."
قام يوسف.
"فيه بلاغ جديد. حادثة في شارع فيصل. روح مع أشرف وخد نظرة."
"تمام يافندم."
خرج كريم.
ووقف يوسف وحده في الغرفة لحظة. ثم أخرج من جيبه الداخلي ورقة صغيرة. ورقة مكتوب عليها بخطه: "ستة عشر اسماً." وتحتها أسماء ضحايا الملف المصري.
قرأها واحداً واحداً.
ثم طواها. ووضعها في مكانها.
لأن بعض الأشياء لا تُحفظ في الملفات. تُحفظ في الجيب الداخلي. في المكان الذي يضرب فيه القلب.
خرج يوسف سرحان إلى الشارع.
الشمس كانت قد بدأت ترتفع والهواء يحمل برودة الصباح التي ستذوب خلال ساعة. سيارة أشرف كانت تنتظر في الخارج. وفي الخلف كان كريم يضبط حزامه بالعجلة الواضحة لمن لا يريد أن يتأخر.
جلس يوسف في المقعد الأمامي.
وبينما تحركت السيارة في شارع المعادي والمدينة تصحو من حولهم، كان القمر — الذي تلاشى ببطء مع الفجر دون أن ينتبه إليه أحد — لا يزال هناك في السماء الفاتحة. غير مرئي في الضوء. لكنه موجود.
دائماً موجود.
حتى حين لا يُرى.
هذا هو ظل القمر.
الفصل التاسع والاربعين
رجل لا يُعرف عنه شيء
الساعة الثالثة وعشر دقائق فجراً.
هذه الساعة بالذات لها طبيعة مختلفة عن كل ساعات الليل. ليست منتصف الليل المسرحي الذي يحبه الكتّاب ولا الفجر المبشر بالصبح. هي الساعة التي تقع بالضبط في الجزء الذي ينسى فيه العالم نفسه لحظة. الساعة التي تحدث فيها الأشياء التي لا يجب أن تحدث.
رن هاتف يوسف سرحان.
مد يده من النوم وأجاب بعيون لم تفتح بعد.
"يوسف بيه."
"يافندم." صوت أشرف. وفيه شيء. ليس الإثارة المعتادة لجريمة جديدة. شيء آخر. شيء يشبه عدم اليقين في موضع لا ينبغي فيه عدم اليقين. "في جثة."
"فين؟"
"في فندق كارلتون. المهندسين. غرفة في الطابق الثامن."
"وإيه المشكلة؟"
توقف أشرف.
"المشكلة يافندم إن الرجل ده... مفيش عليه حاجة. لا أوراق لا أمتعة لا اسم في سجل الفندق. زي ما حد مسح وجوده من الأرض قبل ما يموت."
فتح يوسف عينيه في الظلام.
"جاي."
فندق كارلتون في المهندسين كان من النوع الذي يعرف كيف يبدو أفضل مما هو عليه. لوبي به تكييف بارد أكثر من اللازم وإضاءة تحاول أن تعوض عن سنوات الاستهلاك بلمعان مبالغ فيه. الموظف على الريسبشن كان شاباً في الخامسة والعشرين يحاول بشدة أن يبدو هادئاً وهو يفشل بشدة في ذلك.
صعد يوسف وأشرف في المصعد. الطابق الثامن. غرفة ٨١٤.
الباب كان مفتوحاً. وعند مدخله كان يقف رجل من الفريق الجنائي يكتب في دفتره.
دخل يوسف.
الغرفة كانت مرتبة. هذا أول ما لفت نظره. مرتبة بشكل غير طبيعي لغرفة فندقية يُقيم فيها شخص. السرير مفروش بعناية كأنه لم يُنَم فيه. الطاولة الصغيرة خالية تماماً. حمام الغرفة نظيف ولا أثر لأي منتجات شخصية.
وعلى الكرسي بجانب النافذة كان يجلس رجل.
أو ما كان رجلاً.
في الخمسين تقريباً. بنية جيدة. ملابس أنيقة وكاملة كأنه كان يستعد للخروج. يرتدي بدلة رمادية وقميص أبيض بدون كرافتة وحذاء لامع بعناية. جالس بشكل مستقيم ووجهه نحو النافذة التي كانت ستائرها مسحوبة وكأنه كان ينظر في الليل قبل أن يتوقف عن النظر.
لا دم. لا علامات عنف ظاهرة. لا فوضى.
رجل جلس ليرى شيئاً ولم يقم.
قرفص يوسف بجانبه دون أن يلمسه. أضاء مصباحه الصغير على الوجه. وجه لا تعرفه ذاكرته. ملامح لا مميزة بطريقة تجعلها تحديداً مميزة. وجه صُمم أو تدرب على أن لا يُتذكر.
"الطب الشرعي قال إيه؟" سأل دون أن يرفع عينيه.
"لسه ما جاش. بس الأول لفت نظره في اليد اليمنى حاجة."
وجّه يوسف المصباح ببطء.
على باطن اليد اليمنى كان هناك خط رفيع جداً. ليس جرحاً. شيء أشبه بندبة قديمة جداً لكن شكلها غير عشوائي. خط مستقيم وبجانبه نقطة صغيرة. كالعلامة التي يضعها من يريد أن يتذكر شيئاً لا يمكن نسيانه.
نهض يوسف ونظر في الغرفة مرة أخرى.
"أشرف. كاميرات الفندق."
"شغالة يافندم. بس..."
"بس إيه؟"
"الرجل ده دخل الفندق بطريقة مش مصوّرة. الكاميرا في اللوبي تغطي الباب الرئيسي. لكن في باب خلفي للمطبخ والتوريدات. ده الباب اللي دخل منه على الأغلب."
"على الأغلب؟"
"ما شفناهوش في أي كاميرا يافندم. ده مش معناه إنه ما دخلش. معناه إنه يعرف فين الكاميرات."
وقف يوسف أمام النافذة وهو ينظر إلى ما كان ينظر فيه الرجل الميت. أسطح المهندسين في الليل. أضواء متفرقة. مسجد في الخلف وعمارات سكنية متلاصقة تحكي بنائها عن عقود مختلفة بُنيت فيها طبقات فوق طبقات.
ما الذي كان ينظر فيه؟
أو: لمن كان ينتظر؟
"في حاجة تانية يافندم."
التفت.
"في ورقة. تحت الكرسي. صغيرة. زي ما سقطت من جيبه."
أشار أشرف لكيس الأدلة الشفاف. ورقة صغيرة مطوية. أخذها يوسف بقفاز وفتحها بعناية.
ورقة فارغة تقريباً.
إلا من رقمين.
رقم واحد مكتوب في الأعلى. ورقم ثانٍ أصغر في الأسفل.
الأول: ٢٢.
الثاني: ٧.
بينهما خط أفقي رفيع.
كسر. أو نسبة. أو لغز. أو لا شيء.
طوى الورقة وأعادها للكيس.
وأشعل سيجارته الأولى في الليل وهو ينظر في رجل لا اسم له ولا ماضٍ ولا مستقبل ظاهر. رجل بدا كأن الحياة كلها تعلمت كيف تتجاهله وهو في المقابل تعلم كيف يجعلها تفعل ذلك.
ورجل من هذا النوع لا يصل لغرفة في الطابق الثامن من فندق متوسط في المهندسين صدفة.
ورجل من هذا النوع لا يموت صدفة.
الفصل الخمسين
الدكتور نبيل والتفاصيل التي لا تكذب
جاء الدكتور نبيل عمار في الساعة الخامسة إلا ربعاً وهو يرتدي معطفه الشتوي الثقيل فوق ملابسه الليلية كعادته. وعلى رأسه القبعة الجلدية السوداء التي لا يخرج بدونها حتى لو كان العالم يحترق.
"يوسف يا حبيبي." قالها وهو يتفحص الغرفة بنظرة واحدة تلتقط كل شيء. "هذا الرجل اعتنى بنفسه."
"اعتنى يعني؟"
"يعني الملابس دي مش من محل عادي. والحذاء ده يد عاملة حقيقية. وهذا الجسم لشخص يمارس رياضة منتظمة من سنين وليس من أشهر." فحص الرقبة والأطراف بعيون معتادة. "لا آثار تدخل طبي ظاهرة. لا جروح حديثة. لكن..."
توقف الدكتور نبيل.
"لكن؟"
"الوضعية يا يوسف. الوضعية غريبة. إنسان ميت طبيعياً بيسقط أو بينام. هذا لم يسقط. هذا جلس ليموت. أو جُلِّس بعد موته بعناية كبيرة جداً."
"يعني في شخص تاني."
"في شخص تاني رتّب المشهد. وعنده وقت وهدوء ومعرفة بالجسم البشري تكفي لتجليسه بهذه الطريقة دون أن تظهر علامات مجهود."
نظر يوسف في الرجل الجالس مرة أخرى.
"سبب الوفاة المبدئي؟"
"لازم التشريح. لكن بالنظر الأولي لا علامات خنق ولا إصابة بالسلاح. أرجّح توقف القلب. السؤال هو: ما الذي أوقفه؟"
"حاجة طبيعية؟"
ابتسم الدكتور نبيل ابتسامة ليس فيها مرح.
"لا شيء في هذه الغرفة طبيعي يا يوسف. الرجل يعرف كيف يختفي. وجلس ينظر في نافذة في الطابق الثامن في الثالثة فجراً. وإنت هنا. لو كان طبيعياً كنا اتصلنا بعيلته وأقفلنا القضية قبل الفطار."
"بكام تقدر تكون النتائج جاهزة؟"
"اثنتان وأربعون ساعة للنتائج الأساسية. أسبوع للكامل."
"محتاجها في أسرع وقت."
"دايماً." قاله الدكتور نبيل بلهجة من يقولها للمرة الألف. "دايماً في أسرع وقت." ثم التفت إلى الجثة بنبرة أهدأ: "هنعرف يا صاحبي. مش هنسيبك من غير ما نعرف."
وبدأ عمله.
وخرج يوسف إلى الممر وجلس على كرسي بلاستيكي جلبه أحد الأفراد وأشعل سيجارة ثانية ونظر في الجدار أمامه.
رجل بلا هوية. موت بلا سبب ظاهر. غرفة مرتبة بعناية تكشف يداً واعية. وورقة فيها رقمان لا يفسران بعضهما.
٢٢ على ٧.
كسر رياضي. أو عنوان. أو تاريخ. أو شيفرة.
أو ربما: رقم طابق ورقم غرفة في مكان آخر.
قام.
"أشرف."
"يافندم."
"الفنادق في المنطقة اللي فيها طابق اثنين وعشرين. ابدأ تحصي."
الفصل الواحد وخمسين
جاد والأرقام
في الساعة التاسعة والنصف صباحاً جلس يوسف وجاد في مكتب القسم. على الطاولة كانت صورة مكبرة للورقة والرقمان: ٢٢ فوق الخط و٧ تحته.
جاد لم يتكلم في أول دقيقتين. ينظر فقط.
"الكسر ده مش رياضي." قاله أخيراً.
"ليه؟"
"لأن اللي بيكتب رقماً رياضياً على ورقة بيكتبه مختلف. الخط اللي بينهم ده خط أفقي واضح مرسوم عن قصد. ده فاصل. مش كسر."
"فاصل بين إيه وإيه؟"
"ممكن يكون فاصلاً زمنياً. قبل وبعد. أو مكانياً: مستوى فوق ومستوى تحت. أو..." توقف جاد وهو ينظر في الرقمين بالطريقة التي يعرفها يوسف، الطريقة التي تعني إنه رأى شيئاً لكنه لم يقرر بعد إذا كان يصدقه. "أو بشري. اثنان وعشرون شخص في جهة. وسبعة في جهة أخرى."
نظر يوسف فيه.
"شرحلي."
"في بعض العمليات المنظمة، خصوصاً اللي بتشتغل في مجالات بتحتاج أعداداً كبيرة، بيكون في قسمين: الجزء الكبير غير المدرك وهو الأكثر عدداً. والجزء الصغير الواعي وهو الأقل. الاثنان والعشرون هم من لا يعرفون. والسبعة هم من يعرفون."
صمت في الغرفة.
"وده بيقول إن الرجل ده كان يعرف هيكل معين."
"أو كان جزءاً منه." قاله جاد. "الرقم سبعة مش عشوائي. في شبكات التنظيم السري، سبعة هو الرقم الكلاسيكي للخلية الأساسية. كافي للعمل. مش كبير لدرجة يصعب السيطرة عليه."
"يعني إيه؟"
"يعني إننا ممكن نكون بنتعامل مع حاجة منظمة. مش جريمة عاطفية ولا حادثة عرضية. واللي مات ده ممكن يكون كان عنده معلومة أو كان عارف حاجة عن السبعة دول."
قام يوسف وذهب للنافذة.
القاهرة في الضوء النهاري كانت مختلفة كلياً عن القاهرة التي رآها في الثالثة فجراً. حية وصاخبة وغير مدركة لأي شيء يدور في الطوابق الثامنة.
"جاد. فيه حاجة إنت مش بتقولها."
لم ينكر.
"أيوه."
"قول."
أخذ جاد نفساً.
"الندبة على يد الرجل. الخط المستقيم والنقطة. ده مش عشوائي. ده علامة. رأيتها قبل كده. في ملف قديم مش تبع قسمنا."
"تبع مين؟"
"تبع قسم يعمل بهدوء ومش معروف للناس العاديين." وقف جاد. "محتاج أتأكد قبل ما أقول أكتر. بس لو تأكدت، القضية دي هتبقى مختلفة عن أي حاجة اشتغلنا عليها."
"أكتر من الجزء الأول؟"
نظر جاد فيه.
"أعمق. ومش بالضرورة أكبر. لكن أعمق بكتير."
وخرج.
وبقي يوسف في المكتب والرقمان ٢٢ و٧ يحدقان فيه من الورقة المكبرة.
وفي صدره ذلك الشيء الذي يعرفه جيداً. ليس الخوف. أعمق من الخوف. الإحساس بأن ما أمامه له جذور أطول مما تبدو عليه الأغصان.
الفصل الثاني وخمسين
امرأة في الردهة
في الساعة الثانية عشرة وخمس وأربعين دقيقة ظهراً، وبينما كان يوسف يقرأ تقريراً أولياً من المعمل، جاءه أشرف بوجه يحمل علامة استفهام.
"في ست يافندم. جية من ساعة. بتقول لازم تتكلم معاك شخصياً. بتقول إنها عارفة الراجل اللي في الفندق."
وضع يوسف التقرير.
"جيبها."
جاءت في الثلاثين وشيء. ملابس بسيطة ونظيفة. شعر داكن ومرتب. ووجه يحمل شيئاً نادراً في أوجه من يأتون لقسم الشرطة لأول مرة: لا خوف ولا توتر. حضور.
جلست.
"اسمك."
"لينا. لينا كمال."
"وعارفة الرجل إزاي؟"
نظرت فيه نظرة تقيّم قبل أن تقرر.
"كنت بشتغل معاه."
"فين؟"
توقفت.
"في مكان مش ليه اسم ثابت. وشغله مش له توصيف واحد."
رفع يوسف رأسه ببطء.
"اسمه إيه؟"
"كنا بنناديه بالحرف. فاروق. مش أكيد لو ده اسمه الحقيقي."
"وإيه اللي جاء بيكي هنا؟"
أخرجت لينا من حقيبتها هاتفاً صغيراً ووضعته على الطاولة.
"أمبارح الصبح جالي منه رسالة. جملة واحدة: لو حاجة حصلت، روحي للمقدم سرحان في المعادي."
نظر يوسف في الهاتف ثم في وجهها.
"بيعرفني؟"
"على ما يبدو."
"وحضرتك جيتي."
"جيت لأن فاروق ما كانش يبعت رسايل بدون سبب. وما كانش يثق في حد بدون سبب." نظرت فيه بصدق لا تكلف فيه. "وأنا مش عارفة تماماً مين حضرتك ولا ليه هو اختارك. بس جيت عشان هو قال أجي."
وضع يوسف قلمه.
"حكيلي عن الشغل."
أخذت لينا نفساً.
"الشغل كان في جمع معلومات. من مصادر مختلفة. عن أشخاص وأماكن ومنظمات. ومش لجهة رسمية بالمعنى الكامل. بس كمان مش ضد الدولة."
"استخبارات مستقلة."
"نوع منها. أدق من كده بكتير. وأصغر. كنا سبعة."
توقف يوسف.
سبعة.
نظر لها.
"كنتوا سبعة."
"أيوه. فاروق وستة معاه. أنا واحدة منهم."
"والاثنان والعشرون؟"
رفعت عينيها.
"إنت عارف عنهم."
"من ورقة في جيبه."
صمتت لحظة. ثم:
"الاثنان والعشرون هم اللي كانوا هدف آخر مشروع كنا بنعمله. ناس مش عارفين إننا بندور عليهم. ناس في خطر محتمل."
"خطر من مين؟"
نظرت في يديها.
"ده اللي مش هقدر أجاوب عليه هنا. مش لأني مش هاتكلم. لأن الجواب محتاج وقت ومكان وناس بتثق فيهم معاك."
"وإنتِ بتثقي فيا."
"فاروق وثق فيك. وده يكفيني."
وقف يوسف ببطء.
"في حد تاني من السبعة عارف حصل إيه؟"
شيء تحرك في عينيها.
"في اثنين تانيين تواصلوا معايا من امبارح. وواحد ما ردش على التليفون من الصبح."
"يعني ممكن يكون في خطر."
"يعني ممكن يكون..." لم تكمل.
لم يحتج يوسف إكمالها.
"أشرف."
"يافندم."
"اتصل بجاد. قوله الأمر أكد. وقوله إحنا محتاجين اجتماع. الثلاثة." التفت للينا. "والرابع."
الفصل الثالث والخمسين
الاجتماع في القبو
كان جاد هو من اختار المكان.
مقهى تحت الأرض في شارع جانبي من شوارع وسط البلد. القبو الذي لم يتغير منذ الخمسينيات. جدران سميكة وإضاءة أقل مما ينبغي وأصوات الشارع لا تصل إليه. النوع الذي يختاره الناس حين لا يريدون أن يُرَوا.
جلسوا في الزاوية الأبعد. يوسف وجاد ولينا. وعلى الطاولة كوبان من الشاي وكوب ماء لم يلمسه أحد.
بدأ جاد.
"الندبة على يد فاروق رأيتها قبل كده في ملف من سنة وثلاثة أشهر. الملف تبع جهة غير رسمية اسمها المعهد. مش مؤسسة حكومية بالمعنى الكامل ومش شركة خاصة. هي جهة وُجدت في مرحلة معينة لتغطية فراغ في المعلومات الاستراتيجية. تشتغل بأفراد مختارين. وعلامتها هذه الندبة بالذات: خط ونقطة. كناية عن خط مرسوم ونقطة نهايته."
نظرت لينا في جاد.
"ما كنا بنسميها ندبة. كنا بنسميها العلامة."
"وكلكم عندها؟"
"السبعة كلنا."
سأل يوسف: "وفاروق كان الرأس؟"
"فاروق كان المنسق. مش الرأس. في رأس فوقيه. بس فاروق كان الوجه الوحيد اللي بنتعامل معاه."
"ومين فوق فاروق؟"
توقفت لينا.
"ما عرفتوش قط. وده كان متعمد. القاعدة الأولى في المعهد: كل شخص يعرف فقط ما يحتاجه للعمل. لا أكثر."
"وإيه المشروع اللي كنتوا بتشتغلوا عليه؟ اللي بيتعلق بالاثنين والعشرين؟"
أخذت لينا نفساً عميقاً.
"اسمه مشروع المرايا. بدأ من سبعة أشهر. الهدف كان رصد ناس عاديين في مجالات مختلفة، صحفيين ومحامين وأطباء وأكاديميين، بيشتغلوا بشكل مستقل على ملفات حساسة. مش بنعمل عليهم. بنحمي حولهم. لو فيه تهديد لأي واحد منهم بنبلغ."
"بتبلغوا مين؟"
"فاروق. وهو يتصرف."
"وفاروق مات."
الجملة وقعت في الهواء كحجر في بئر.
"أيوه." قالتها بهدوء لا يخفي ثقلها. "فاروق مات. يعني الاثنان والعشرون دلوقتي بدون غطاء. وبدون من يعرف بوجودهم أصلاً."
"إلا إنتوا."
"إلا إحنا. السبعة. اللي في واحد منهم ما ردش على التليفون من امبارح الصبح."
وضع يوسف يده على الطاولة.
"اسمه."
"طارق. طارق منصور. مش له علاقة بالطارق اللي اشتغلت معاه قبل كده لو سألت."
نظر يوسف في جاد.
"عنوانه."
"شقة في شبرا الخيمة. بس ما كانش بيسكن هناك دايماً. كان بيتحرك."
"وآخر مكان تواصلتوا منه؟"
أخرجت لينا هاتفها وفتحت رسالة.
"أمبارح الساعة تسعة ونص بالليل. قاللي إنه شايف حاجة مش مريحة في البيت اللي تحته."
"وبعدين؟"
"وبعدين صمت."
قام يوسف.
"أشرف." أخرج هاتفه. "شبرا الخيمة. طارق منصور. ابعتلك العنوان في ثانية. روح دلوقتي."
الفصل الرابع والخمسين
شبرا الخيمة في العصر
وصلوا في الساعة الثالثة وعشر دقائق عصراً. يوسف ولينا وجاد في سيارة واحدة وأشرف وفردان من الفريق في الثانية.
شبرا الخيمة بعد الظهر كانت حية بحياة لا تهدأ. أسواق جانبية وعربات متلاصقة وأصوات تتداخل في هواء يحمل رائحة الطعام والوقود والخشب المحترق في مشغل قريب.
العمارة كانت في شارع داخلي ضيق. أربعة طوابق. اللون البيج يتقشر عن الجدران في صبر قديم.
أشار أشرف لنافذة في الطابق الثالث.
"الشقة التالتة على اليمين. ما فيش حركة من الصبح. الجيران قالوا ما سمعوش حاجة."
صعدوا. الباب كان موصداً من الداخل.
نظر يوسف في لينا.
"في حد تاني عنده مفتاح؟"
"ما كناش بنحتفظ بمفاتيح بعض."
أومأ يوسف لأشرف. خطوة واحدة للخلف ثم الباب انفتح.
الشقة كانت صغيرة. غرفة واحدة ومطبخ وحمام. مرتبة بالطريقة التي يرتب بها من تعلم أن لا شيء دائم: الحد الأدنى الضروري ولا شيء إضافي.
لا جثة.
لكن على الطاولة الصغيرة كان هناك كوب قهوة نصف ممتلئ. القهوة باردة من ساعات. وبجانبه كتاب مفتوح على صفحة في المنتصف كأن صاحبه قام لثانية ليعود.
ولم يعد.
فتش الفريق الشقة بهدوء. يوسف وقف في وسطها ينظر ببطء في كل زاوية.
في الحمام وجد أشرف شيئاً.
"يافندم. على الحيط."
جاء يوسف. على جدار الحمام بجانب المرآة كانت هناك أرقام مكتوبة بالقلم الرصاص بخط سريع. ليس عشوائياً. مكتوبة بشكل من يريد أن يُبلغ ولا يجد وقتاً أفضل.
ثلاثة أسطر:
٣ - ١٤ - ٢٢
ك.م. / م.ش. / ن.ع.
الشارقة.
نظر يوسف في الأرقام. ثم في الأحرف. ثم في الكلمة الأخيرة.
التفت للينا التي كانت واقفة خلفه.
"الأحرف دي. ك.م. م.ش. ن.ع. ممكن تكون اختصارات أسماء؟"
شحب وجهها.
"أيوه." قالتها ببطء. "ك.م. كريم مجدي. م.ش. مي شوقي. ن.ع. نادر عبد العال." رفعت عينيها. "ده تلاتة من الاثنين والعشرين. الثلاثة بيشتغلوا في الإمارات."
"والرقم ١٤؟"
"مش عارفة."
"والشارقة؟"
نظرت فيه.
"إذا طارق كتب اسم المدينة، يعني هم في خطر هناك. دلوقتي."
قال يوسف لجاد: "منصور."
أومأ جاد. وأخرج هاتفه وخرج من الشقة.
وقف يوسف أمام الكتابة على الحيط. وفكر في طارق منصور الذي قام من قهوته في منتصف الليل وكتب على حيط الحمام قبل أن يختفي. رجل يعرف إنه ممكن لا يعود ويريد أن يترك خيطاً لمن يأتي بعده.
هذا النوع من الشجاعة لا يُدرَّس. يأتي من مكان أعمق.
رن هاتفه.
جاد من الخارج.
"منصور رد. قال في اتصال طارئ تلقاه من طارق امبارح الساعة عشرة وعشرة دقيقة. بلّغه إن في خطر محيط بثلاثة أشخاص في الشارقة. وبعدين انقطع الاتصال."
"ومنصور عمل إيه؟"
"بعت رسالة لجهة في الإمارات. بس ما تلقاش رد لحد دلوقتي."
"يعني إحنا مش عارفين حاجة عن حالهم."
"لأ."
أغلق يوسف الهاتف.
ونظر من شباك الشقة في شارع شبرا الخيمة. الناس في الأسفل يمشون ويتكلمون ويشترون ويختلفون. حياة كاملة لا تعرف إن في ثلاثة أشخاص في مدينة على بُعد آلاف الكيلومترات ربما في خطر حقيقي الآن.
والرقم ١٤. ما الذي يعنيه ١٤؟
التفت للينا.
"في الاثنين والعشرين. في حد رقمه ١٤ في الترتيب؟"
فكرت.
"ما كانش عندنا ترتيب رقمي للناس. بس..." توقفت. "بس فاروق كان بيستخدم أرقام للإشارة لملفات. الرقم ١٤ كان ملف خاص. ملف ما أطلعتيش عليه."
"بتعرفي إيه عنه؟"
"بس إن فاروق حين ذكره مرة قاللي إنه الأهم. وإنه لو في يوم كل حاجة اتعقدت، الملف ١٤ هو الخيط الأساسي."
نظر يوسف في الحيط.
وفكر: طارق كتب الشارقة وكتب ١٤ في نفس السطر. يعني الملف ١٤ مرتبط بما يحدث هناك.
"وفين الملف ١٤؟"
نظرت لينا في الأرقام على الحيط. ثم في يوسف.
"عند فاروق. وفاروق مات."
ثانية صمت.
"أو..." بدأت ببطء. "أو ممكن ما كانش عند فاروق وبس."
"يعني؟"
"يعني إن فاروق كان يعمل بمبدأ التوزيع. لو في معلومة مهمة جداً لا يحتفظ بيها في مكان واحد. كان بيوزعها. أجزاء عند أناس مختلفين."
"يعني جزء من الملف ١٤ ممكن يكون عندك."
وقفت لينا كأن الجملة ضربتها.
"أو عند واحد من السبعة التانيين."
"والسبعة فين دلوقتي؟"
"اثنان تواصلوا معايا. وطارق اختفى. والتلاتة الباقيين..." توقفت. "محتاجة أتواصل معاهم دلوقتي."
"افعلي." قاله يوسف. "وأنا هتصل بجاد. لأن اللي بيصير ده محتاج ناس أكتر مننا."
الفصل الخامس والخمسين
الغرفة الصامتة الأولى
في الساعة السابعة مساءً اجتمعوا في مكتب يوسف. يوسف وجاد ولينا وأشرف. وعلى الطاولة كانت الأوراق منتشرة: صورة الورقة ذات الرقمين. صورة الكتابة على الحمام. وملف رقيق جمعه جاد خلال الساعات الأربع الماضية عن المعهد.
بدأ جاد.
"المعهد موجود منذ اثني عشر سنة. لا سجل رسمي. لا ميزانية معلنة. بس في آثاره في ثلاث قضايا على الأقل رصدتها من ملفات متفرقة. في كل مرة كان دوره تمرير معلومة في اللحظة الصح لجهة قادرة على التصرف. وفي كل مرة اختفى الأثر بعدها."
"يعني شغله الأساسي التحذير المبكر."
"بالظبط. مش التدخل. التحذير. وده بيفسر مشروع المرايا. الاثنان والعشرون ناس بيعملوا حاجات مهمة في مجالاتهم. والمعهد بيراقب من حولهم لأن ناس بيعملوا حاجات مهمة بيجذبوا أحياناً اهتمام من لا يريدهم أن يكملوا."
سألت لينا: "وفاروق كيف مات؟ الطب الشرعي قال إيه؟"
نظر يوسف فيها.
"الدكتور نبيل قال توقف القلب. لكن النتائج الكاملة لسه بتاخد وقت. وقال إن المشهد رُتِّب بيد تعرف ما تفعله."
"يعني في حد وصل له وقتل فاروق وأجلسه على الكرسي وراح."
"أيوه."
"وطارق اختفى بعد إنه بلّغ عن خطر في الشارقة."
"أيوه."
وقفت لينا وذهبت للنافذة بخطوة قصيرة محكومة.
"يعني في حد بيصفي المعهد."
الجملة لم تكن سؤالاً.
"أو بيسكته." قاله جاد. "مش بالضرورة إنهاؤه. ممكن يكون بيريد إيقافه في لحظة بعينها. لحظة مرتبطة بالاثنين والعشرين."
"لحظة مرتبطة بإيه بالضبط في الاثنين والعشرين؟"
فتح جاد ملفه.
"من المعلومات اللي أعطتنا إياها لينا عن طبيعة الاثنين والعشرين. صحفيون ومحامون وأطباء وأكاديميون. لو نظرنا للأنماط..." وقف إصبعه على ورقة. "في ثلاثة منهم على الأقل بيشتغلوا على ملف واحد من زوايا مختلفة. ملف يتعلق بتمويل مشبوه في قطاع البنية التحتية في منطقة الخليج."
صمت في الغرفة.
"والتلاتة دول في الشارقة."
"أيوه."
نظر يوسف في الأوراق. وفكر. والصورة بدأت تأخذ شكلاً. شكلاً لا يريحه.
"الملف ١٤."
"أيوه." قال جاد. "على الأرجح هو ملف التمويل المشبوه ده. وإذا كان فاروق وزّعه على السبعة، فأجزاء منه موجودة عند لينا وعند الباقين."
التفت يوسف للينا.
"لينا. فكّري. في أي معلومة وصلتك من فاروق في الشهرين الأخيرين ما فهمتيش قيمتها؟"
صمتت. عيناها تتحركان في هدوء من تمشط ذاكرتها بعناية.
"في ملف. بعته لي فاروق قبل شهر. قاللي احتفظي بيه من غير ما تفتحيه. قاللي: هتعرفي امتى تفتحيه."
"وفتحتيه؟"
"لأ. لسه."
"فين؟"
"في بيتي. على فلاشة."
نظر يوسف في جاد. نظر جاد فيه.
"دلوقتي." قال يوسف.
الفصل السادس والخمسين
الفلاشة
شقة لينا في المقطم. طابق سابع. من شبابيكها القاهرة الشرقية كلها مفروشة كصورة واسعة. شقة امرأة تعيش وحدها وتريد رؤية الأفق.
أخرجت الفلاشة من درج صغير مقفل بمفتاح تحت سريرها. فلاشة زرقاء صغيرة لا مميز فيها.
فتحها جاد على لابتوب أحضره معه. ملف واحد. مشفر. أدخل جاد أداة فك التشفير وانتظر.
دقيقة. دقيقتان.
فُتح الملف.
وثائق. كثيرة. أرقام وأسماء شركات وعناوين وجداول زمنية. وفي نهاية الملف: ملخص من صفحتين بخط فاروق نفسه.
قرأ جاد بصوت خافت. ويوسف يستمع واقفاً.
الملخص يقول:
"شبكة تمويل تعمل منذ ست سنوات تحت غطاء شركات بنية تحتية وهمية في ثلاث دول خليجية. الأموال لا تبني مشاريع. تتحرك بين حسابات بطريقة تغسلها وتعيد توجيهها لجهات لم يُحدد بعض منها. ثلاثة صحفيين ومحامية ومحاسب قانوني مستقل وصلوا بشكل مستقل لأجزاء مختلفة من هذه الصورة. لا أحد منهم يعرف إن الآخرين يعملون على نفس الشيء. وفي الأسابيع الأخيرة بدأ يظهر ضغط غير مباشر على كل منهم. ضغط لا يبدو إلا لمن يبحث عنه."
توقف جاد.
ثم قرأ الجملة الأخيرة:
"من يقرأ هذا: الوقت ضيق. الثلاثة في الشارقة يجب أن يُبلَّغوا قبل يوم الأربعاء. بعده لن يكون التحذير كافياً."
رفع جاد رأسه.
"يوم الأربعاء."
نظر يوسف في ساعته.
"بكره."
الكلمة وقعت في الغرفة كحجر في ماء ساكن.
"بكره الأربعاء." أكد جاد.
قامت لينا.
"محتاجين نوصل إليهم الليلة."
"أرقامهم عندك؟"
"عندي أرقام طوارئ لكل الاثنين والعشرين. بس ما استخدمتهاش قط. فاروق كان دايماً الوسيط."
"استخديها دلوقتي."
أخرجت هاتفها وبدأت.
وفي الخلفية كان يوسف يتصل بمنصور. والمدينة من تحت شبابيك الشقة كانت تتنفس في الليل بذلك النَّفَس العميق الذي لا يعرفه إلا من ينظر إليها من فوق.
"منصور." قاله يوسف حين رد. "الملف ١٤ موجود. والمشكلة في الشارقة. ومحتاجين حماية لثلاثة أشخاص قبل بكره الصبح."
ثانية على الخط.
"أسمائهم."
أعطاه الأسماء الثلاثة.
ثانيتان.
"هتصلك في ربع ساعة."
أغلق يوسف الهاتف. ونظر في الفلاشة الزرقاء الصغيرة على الطاولة.
فاروق. رجل جلس على كرسي في الطابق الثامن وأعد كل شيء قبل أن يختفي. وزّع الأجزاء. وكتب الملخص. وبعث الرسالة للينا. وبعث رسالة أخرى لمنصور.
رجل يعرف إنه ممكن لا يكون هناك. ورغم ذلك رتّب ليكون عمله هناك.
هذا النوع من الناس لا يعيش طويلاً. لكن أثره يبقى أطول من أعمار كثيرة.
الفصل السابع والخمسين
الليلة الطويلة
من الساعة التاسعة مساءً حتى الثالثة فجراً كانت شقة لينا في المقطم غرفة عمل.
اتصلت لينا بالاثنين والعشرين واحداً واحداً. بعضهم رد بسرعة وكان في صوتهم إحساس بأن شيئاً ما كانوا ينتظرونه. وبعضهم رد ببطء متحفظ من رقم لا يعرفونه. وواحدة لم ترد وبعد ربع ساعة أرسلت رسالة نصية: "لا أستطيع الكلام. لكن أسمعك."
اتصل منصور بيوسف وأعطاه اسم شخص في الشارقة. رجل في الخمسين اسمه سالم. "ليس جهة رسمية. لكن قادر على أشياء الجهات الرسمية لا تقدر عليها في وقت ضيق."
اتصل يوسف بسالم. صوت هادئ ومقتصد في الكلام. "الأسماء الثلاثة. عناوينهم."
أعطاه يوسف ما عنده.
"أعطني ساعتين."
في غضون الساعتين جلس يوسف وجاد في غرفة صغيرة في الشقة وأمامهما الملف ١٤ كاملاً على الشاشة.
قرأ جاد. وكتب. وقرأ مرة أخرى.
"يوسف. الشبكة دي أكبر من مشروع المرايا. أكبر من فاروق والمعهد. ده ملف بيتقاطع مع أشياء رأيتها في قضايا سابقة من زوايا مختلفة."
"قصدك إيه؟"
"قصدي إن اللي بنشوفه هنا ليس بداية. هو امتداد. جزء من شيء أكبر بدأ قبلنا بسنين ولسه مستمر."
نظر يوسف في الشاشة. في الأرقام والأسماء والشركات والحسابات.
"وفاروق كان يعرف ده."
"فاروق كان يعرف جزءاً كبيراً منه. ولهذا كان خطيراً. ولهذا أُسكت."
"ومن أسكته؟"
وضع جاد القلم.
"ده السؤال اللي هيحدد مسار القضية كلها."
رن هاتف يوسف.
سالم من الشارقة.
"الثلاثة بخير. نقلتهم لمكان آمن. واحد منهم أصرّ إنه عايز يتكلم مع المسؤول عندكم مباشرة."
"هخليه يتكلم معايا."
لحظة. ثم صوت جديد على الخط.
"المقدم سرحان؟"
"أيوه."
"أنا كريم مجدي. الصحفي." صوت شاب. فيه توتر مضبوط بصعوبة. "أنا مش مبسوط إن حد اتحرك من غير علمي وعدد حوالي مشروعي. بس فاهم إن في حد كان بيحمي ظهري من غير ما أعرف."
"فاروق."
صمت قصير.
"سمعت الاسم ده مرة واحدة من زميل. ما قابلتوش قط. وسمعت إنه..."
"أيوه."
ثانية.
"المشروع اللي بشتغل عليه. التمويل المشبوه. أنا وصلت لحاجة الأسبوع الماضي. حاجة بيديها لو اتنشرت هتغير شكل صورة كاملة."
"عندك؟"
"عندي. في مكانين. واحد معايا هنا. وواحد مع زميلة في بيروت ما تعرفش ثمنه."
"ابقى معاك فين ما إنت. السيد سالم هيكون معاك لحين ما نتفق على الخطوة التالية."
"والخطوة التالية إيه؟"
نظر يوسف في جاد.
"الخطوة التالية إن إحنا نفهم الصورة كاملة. وبعدين نقرر سوا."
أغلق الهاتف.
وفي الغرفة الصامتة كانت الساعة تقترب من الثالثة فجراً. والقاهرة في الخارج تأخذ نفسها العميق الوحيد.
والملف ١٤ مفتوح على الشاشة. وفاروق لم يعد. وطارق لا يزال مجهول المكان. والاثنان والعشرون في أمان مؤقت.
و"مؤقت" كلمة يعرف يوسف سرحان معناها جيداً.
الفصل الثامن والخمسين
طارق يعود
الخميس. الساعة السابعة وعشرون دقيقة صباحاً.
كان يوسف يشرب قهوته الأولى واقفاً في مطبخ الشقة الصغيرة لمنطقة العمل التي أعدّها جاد في شبرا حين رن هاتف لينا في الغرفة المجاورة.
سمع صوتها ينخفض فجأة. ثم صمت. ثم جاءت إلى الباب.
"طارق."
وضع يوسف الكوب.
جاء طارق منصور بعد نصف ساعة. شاب في الثامنة والعشرين. طويل القامة ونحيف بطريقة تكشف إجهاداً أعمق من جوع ليلة. ملابسه مجعدة وعيناه لهما تلك الحدة الكاملة لمن لم ينم لكنه لم يسمح لنفسه بالنعاس.
جلس. وأخذ الكوب الذي ناولته لينا بيدين مستقرتين أكثر مما يتوقع يوسف.
"فين كنت؟" سأل يوسف مباشرة.
"في مكان آمن. حين رأيت الحركة حول الشقة مساء الثلاثاء، خرجت من الباب الخلفي للمبنى. وذهبت لبيت صاحب في الزاوية الحمراء ما يعرفش حد اسمه."
"وكتبت على الحيط قبل ما تطلع."
"أيوه. كنت عارف إن في حد هيجي يدور. وكنت عايز أوصّل اللي أعرفه."
"شفت حد؟ في الحركة اللي شفتها حوالين الشقة."
توقف طارق.
"واحد. رجل في الأربعين. وقف في الشارع مقابل العمارة لمدة طويلة. وجهه مش معروف ليا. بس كانت في يده الشمال ندبة."
رفع يوسف عينيه.
"ندبة زي إيه؟"
"خط ونقطة."
صمت في الغرفة.
نظرت لينا ليوسف. ونظر يوسف لجاد الذي كان يكتب في دفتره وتوقف.
"علامة المعهد." قاله جاد ببطء.
"اللي بيراقب طارق هو من المعهد." قاله يوسف.
"يعني..." بدأت لينا ولم تكمل.
"يعني إن في شخص داخل المعهد نفسه هو من يصفّيه." أكمل جاد بصوت محايد يخفي ما وراءه. "من أسكت فاروق ومن راقب طارق، كلاهما يحمل العلامة. هذا ليس من خارج المعهد. هذا من الداخل."
الجملة قلبت كل شيء رأسه على عقبه في ثانية.
وقفت لينا.
"يعني في حد من السبعة."
لم يقل أحد لا.
الفصل التاسع والخمسين
السبعة
الساعة العاشرة صباحاً. نفس الغرفة.
طلبت لينا من الستة الباقين من السبعة أن يجتمعوا. ليس كلهم موجودين في القاهرة. اثنان في الإسكندرية. وواحدة — هي من لم ترد إلا برسالة نصية — في أسيوط. والثلاثة في الشارقة لا يزالون في مكان سالم الآمن.
من الموجودين في القاهرة: طارق. ولينا. وشخص ثالث جاء في الساعة العاشرة تماماً. اسمه وليد. في الخامسة والثلاثين. محاسب قانوني. هادئ بطريقة الأرقام. يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها.
جلس الثلاثة أمام يوسف وجاد.
قال يوسف مباشرة: "السؤال الأصعب أولاً. في الستة اللي إنتوا عارفينهم، في حد ممكن يكون انقلب؟"
صمت طويل. النوع الذي يقول إن السؤال يؤلم لكنه ليس مستحيلاً.
تكلم وليد أولاً.
"في واحد كنت لاحظ عليه تغيير من شهرين. اسمه حسن. كان بيتكلم أقل. وفي مرة واحدة كان بيتكلم في تليفون وقفل حين شافني."
"وفاروق كان يعرف؟"
"مش عارف. ما قلتلوش. كنت بحسب إني غلطان."
قالت لينا: "حسن من الإسكندرية."
"أيوه."
نظر يوسف لجاد. جاد كتب الاسم.
"محتاجين نتكلم معاه." قال يوسف. "بس بطريقة ما تخوفهوش وتدفعه يختفي. إذا كان هو فعلاً اللي وشى بطارق، عارف إننا بنعرف عنه وهيتحرك."
"في طريقة واحدة تشتغل." قاله جاد. "إنك تخليه يجي لك هو."
"إزاي؟"
فكر جاد.
"إزاي تستدرج شخص يخاف إنه اتكشف؟ بتعمل حاجة تخليه يحس إن في فرصة للتأكد إنه مش اتكشف. بتعطيه معلومة مش صحيحة تثق فيها الجهة اللي بيبلغها. ولما المعلومة الغلط تتحرك، عارف إنها من مين."
فهم يوسف.
"فخ معلومة."
"بالظبط."
التفت يوسف للثلاثة.
"محتاجين تتواصلوا مع حسن وتبعتوله معلومة. معلومة عن مكان اجتماع مزيف. مكان هيكون إحنا فيه. ولو المكان ده تحرك عليه حد، هيبقى هو."
توقف وليد.
"وإذا ما كانش هو؟"
"لو ما كانش هو، المكان هيبقى هادئاً. وهنعتذر ليه داخلياً ونفضل ندور."
نظر وليد في الطاولة. ثم رفع رأسه.
"هعمل ده."
الفصل الستون
فخ في مصر القديمة
اختار يوسف المكان بعناية. مستودع قديم في مصر القديمة قرب الكنيسة المعلقة. مكان له باب واحد ظاهر وثلاثة مخارج غير ظاهرة. المنطقة المحيطة به تتيح المراقبة من أربع زوايا دون أن يرى المراقَب المراقبين.
أرسل وليد لحسن رسالة: "اجتماع طارئ للسبعة. المستودع القديم في مصر القديمة. الجمعة الساعة الثامنة مساءً. لا تتأخر ولا تخبر أحداً خارج المجموعة."
انتظروا.
الجمعة جاءت ببرودة يناير الخفيفة التي تكون في القاهرة تذكيراً بأن للفصول وجوداً حتى في مدينة لا تكاد تلاحظها.
في الساعة السادسة والنصف كان يوسف وأشرف في سيارة في الشارع الفرعي. وجاد في موقع مختلف. ولينا وطارق داخل المستودع يمثلان الحضور الطبيعي.
الساعة السابعة. ثم السابعة والنصف.
ثم في الساعة السابعة وخمس وأربعين جاء الجواب.
ليس حسن.
سيارة توقفت في الشارع الفرعي على بعد مئة متر. ورجل نزل منها وأخذ يتفحص المنطقة بالطريقة التي يعرفها يوسف جيداً. ليس مجرد مار. شخص يقيّم.
في الأربعين. بنية متوسطة. وعلى يده اليسرى حين أضاء مصباح الشارع عليها للثانية:
خط ونقطة.
همس يوسف في الراديو: "جاد. شايفه؟"
"شايفه."
"مش حسن."
"لأ. ولكن يعني إن حسن بلّغ. وده من بلّغه."
نظر يوسف في الرجل. الرجل لم يدخل. كان يراقب فقط. يتأكد. ثم عاد لسيارته وأدار المحرك.
"أشرف."
"يافندم."
"ورا السيارة. من بعيد. ما نفقدهاش."
تحركت سيارة أشرف بهدوء في المسافة الآمنة. والسيارة الأخرى سلكت طريق الكورنيش شمالاً.
وفي الخلف بقي يوسف يراقب الشارع الفارغ ويفكر في رجل من المعهد يأتي ليتأكد من كمين. رجل يعرف قواعد اللعبة وأدواتها. ورجل من هذا النوع لا يمشي وحده.
وهذا يعني إن من ورائه أكبر مما يظهر.
الفصل الواحد وستون
كريم مجدي يتكلم
في الساعة العاشرة مساءً من نفس اليوم اتصل كريم مجدي من الشارقة.
صوته كان مختلفاً عن المرة الأولى. أهدأ. وفيه شيء يشبه القرار النهائي لمن فكر طويلاً واختار.
"المقدم سرحان. قلت إن عندي حاجة بيديها هتغير الصورة."
"أيوه."
"الحاجة دي اسم. اسم واحد هو مركز الشبكة كلها. مش اسم شركة ومش اسم حساب. اسم إنسان."
"وصلت إليه إزاي؟"
"من ثلاث سنين من الملاحقة. وثيقة وراء وثيقة. وفي النهاية في وثيقة واحدة ظهر التوقيع. مش توقيع رسمي. توقيع داخلي في مراسلة بين شريكين ظنا إنها آمنة."
"عندك الوثيقة؟"
"عندي نسخة. والأصل عند زميلتي في بيروت."
"الاسم."
لحظة. كأن كريم يعطي نفسه ثانية أخيرة قبل أن يعبر خطاً لا رجعة منه.
"وليد نعمان. رجل أعمال مصري مقيم في الإمارات. في الظاهر مستثمر ناجح ومحسن وراعٍ للفنون. في الحقيقة هو من يحرك الشبكة المالية كلها ومن يقرر من يُحمى ومن يُسكت."
صمت يوسف.
"نعمان." قاله بهدوء.
"أيوه."
"ابعت لي الوثيقة آمن ما تقدر."
"هبعتها. بس يوسف بيه..." توقف كريم. "فاروق اللي حمى ظهري من غير ما أعرف. مش هقدر أرد الجميل بشكل مباشر. بس قرار نشر الملف ده. ده هو ردّ الجميل."
أغلق يوسف الهاتف.
ودخل إلى جاد الجالس في الغرفة المجاورة.
"وليد نعمان."
رفع جاد رأسه.
"أعرف الاسم."
"من فين؟"
"من الجزء الأعمق في ملف سيف العمري. كان اسمه في هامش. ما فهمنا وقتها قيمته."
وقف يوسف.
"يعني إن القضية دي مش منفصلة عن القضية الأولى."
"لأ. هي امتداد لها. نعمان كان أعمق مما وصل إليه سيف. سيف كان أداة. ونعمان كان المحرك."
ثانية صمت. الأفكار تترتب.
"وفاروق كان يعرف ده."
"فاروق وصل لنعمان. ولهذا أُسكت."
"يعني المعهد كله بُني أصلاً للوصول لنعمان."
نظر جاد فيه.
"أو بُني بشكل صح وانتهى به المطاف أن يصل لنعمان. النية والنتيجة مش دايماً بيتطابقوا."
جلس يوسف.
"والآن في وثيقة."
"والآن في وثيقة." أكد جاد. "وفي صحفي قرر ينشر. وفي ملف ١٤ كامل. وفي شهادة الدكتور سعيد من القضية السابقة بتذكر نعمان في الهامش."
"يعني الصورة اكتملت."
"الصورة المصرية والإماراتية أيوه. لكن نعمان مش هيوقف عند حد دولتين."
قاله يوسف: "منصور."
"منصور." وافق جاد.
الفصل الثاني وستون
منصور يسمع
الاتصال بمنصور كان في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً.
استمع منصور بصمت تام. يوسف يتكلم ومنصور لا يقاطع. هذا النوع من الصمت ليس فراغاً. هو الصمت الذي يملؤه من يسمع ويحسب في نفس الوقت.
حين انتهى يوسف، ظل منصور صامتاً لعشر ثوانٍ كاملة.
ثم:
"وليد نعمان. ثلاث سنوات وهذا الاسم يظهر في الهوامش ولا يستقر في المتن." صوته فيه شيء لم يسمعه يوسف منه من قبل. ليس مفاجأة. شيء أشبه بالارتياح الحذر من يرى قطعة أخيرة تسقط في مكانها. "المقدم سرحان. الوثيقة التي عند الصحفي في الشارقة والنسخة في بيروت. محتاجها على سيرفر آمن قبل أي خطوة."
"هرتبها."
"والشخص الذي راقب المستودع الليلة. السيارة التي تابعها أشرف."
"لقيناها في عمارة في حلوان. والرجل دخل ولم يخرج حتى الآن."
"لا تتحركوا عليه الليلة. اتركوه ويظن إنه ما اتتبعش. بكره الصبح أرسلوا له رسالة عبر وليد في السبعة. رسالة تقول إن الاجتماع اتأجل وإن كل شيء تمام. اجعلوه يسترخي."
"وبعدين؟"
"بعدين حين يصل إليّ ما عند كريم مجدي وما عند زميلته في بيروت، هأتصل بجهتين في وقت واحد. جهة في أبوظبي وجهة في جنيف. والأمور ستُحرَّك بطريقة لا تعطي نعمان وقتاً كافياً للتصرف."
"وحسن من السبعة؟"
"حسن خائف أكثر مما هو مؤمن بما يفعله. الخوف والإيمان يدفعان للنتائج نفسها أحياناً لكن لأسباب مختلفة جداً. اتركوه لي."
"وطارق؟"
ثانية.
"طارق فعل ما يجب حين كان وحده. هذا ليس صغيراً."
أغلق يوسف الهاتف ونظر في الغرفة. لينا وطارق ووليد جالسون. عيونهم تسأل.
قال: "النهار الجاي طويل. والليلة دي ناموا."
نظرت لينا فيه.
"ينتهي؟"
"جزء كبير منه. ما ينتهيش بسرعة هو اللي بعده. لكن اللي بعده مش هيكون نفس الخطر."
"ومن أسكت فاروق؟"
توقف يوسف.
"الجهة اللي أرسلت الرجل اللي راقب المستودع. وهي جهة نعمان. لكن من نفّذ بيده..." نظر فيها. "ده بيحتاج وقت وعمل أكتر."
"يعني ما هتعرفوا."
"يعني مش هنعرف الليلة دي. بس هنعرف."
أحنت لينا رأسها.
"فاروق كان يقول إن الحقيقة مش بتختفي. بتتأخر."
"رجل صح." قاله يوسف بهدوء.
الفصل الثالث وستون
الغرفة الصامتة
مضت أسبوعان.
الوثيقة وصلت من كريم ومن زميلته في بيروت. منصور أرسلها للجهتين. الأولى في أبوظبي تحركت بعد ثمانٍ وأربعين ساعة وجمّدت حسابات شركتين مرتبطتين بنعمان. والثانية في جنيف فتحت تحقيقاً رسمياً.
وليد نعمان أعلن من خلال محاميه إنه سيتعاون مع أي تحقيق. وهذا وحده كان خبراً لأن من لا يخاف لا يُعلن عن تعاونه قبل أن يُطلب منه.
الرجل الذي راقب المستودع في مصر القديمة اعتُقل بتنسيق مع الجهة الأمنية التي اقترحها منصور. تكلّم بعد يومين. أعطى اسماً واحداً فوقه. والاسم فوقه أعطى اسماً آخر. والخيط بدأ يتحرك.
حسن من السبعة جاء طوعاً وتكلم مع منصور مباشرة. خرج من اللقاء بوجه رجل أُزيح عنه ثقل كان يظنه جزءاً من تكوينه.
وطارق عاد لشقته في شبرا الخيمة ودهن الحمام من جديد. الكتابة على الحيط زالت تحت الطلاء الأبيض الجديد. لكن من رآها يعرف إنها كانت هناك. وأحياناً أن تعرف إن شيئاً كان يكفي.
الاثنان والعشرون أُبلغوا جميعاً. بعضهم بالاسم وبعضهم برسالة مجهولة المصدر. وكل منهم واصل عمله. لأن هذا بالضبط ما يفعله الناس حين يعرفون إن هناك من يحمي ظهورهم.
يكملون.
---
في صبح يوم الأربعاء التالي جلس يوسف وجاد في مقهى صغير في وسط البلد. المقهى نفسه الذي اختاره جاد للاجتماع الأول مع لينا. القبو الذي لا يسمع ضجيج الشارع.
شايان على الطاولة. وبينهما صمت من النوع المريح.
قال جاد: "لينا."
"إيه فيها؟"
"بتفكر تشتغل في إيه بعد كده؟"
"ما سألتهاش."
"اسألها."
نظر يوسف فيه.
"في سبب لهذا الاقتراح؟"
"في. لينا عندها ما يكمل ما بناه فاروق. وما بناه فاروق احتاج منا هذه القضية كلها لأننا ما كنا موجودين فيه من الأول. الدرس المنطقي من الأحداث هو ألا نتركه يعمل من غيرنا مرة أخرى."
فكر يوسف.
"ده تغيير كبير في طريقة اشتغالنا."
"أيوه."
"ومحتاج تفكير."
"محتاج تفكير." وافق جاد. "لهذا قلت اسألها. مش قلت قررت."
شرب يوسف من الشاي.
وفكر في فاروق. الرجل الذي جلس على كرسي في الطابق الثامن ووجهه للنافذة. الرجل الذي بنى شيئاً هادئاً ومهماً ورتّب له أن يستمر حتى بعد غيابه.
وفكر إن بعض الناس لا يموتون بالمعنى الكامل. لأن ما بنوه يظل يتنفس.
وفكر إن هذا ربما هو الشكل الوحيد للخلود الذي يستحق اسمه.
"هاتصل بيها."
ابتسم جاد. ابتسامة خفيفة كعادته في اللحظات التي يكون فيها مرتاحاً.
وخرجا من القبو إلى الشارع.
وسط البلد في الضوء النهاري كانت تضج بحركتها التي لا تتوقف. ناس يمشون في كل اتجاه وعربات تملأ الطريق وباعة وأصوات وروائح. حياة كاملة لا تعرف ولا تحتاج أن تعرف ما الذي يجري في القبوات والطوابق الثامنة وعلى جدران الحمامات المكتوبة بالقلم الرصاص.
وهذا كان صحيحاً.
الحياة لا تحتاج أن تعرف كيف تُحمى.
تحتاج فقط من يفعل ذلك.
في صمت.
وبلا توقف.
الفصل الرابع والستين
الرجل الذي بنى المعهد
الأحد. الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً.
كان يوسف سرحان في مكتبه يقرأ تقريراً عن قضية سرقة في المعادي، القضايا العادية التي لا تتوقف لأن العالم لا يتوقف، حين طرق جاد الباب بثلاث طرقات. طرقاته الثلاث التي تعلم يوسف أن معناها: في حاجة لازم تسمعها.
دخل جاد وأغلق الباب خلفه. لا ورقة في يده ولا ملف. هذا بحد ذاته يقول شيئاً. جاد حين يحمل ملفاً فهو يعطيك معلومة. حين لا يحمل شيئاً فهو يعطيك فكرة.
"في شخص عايز يتكلم معاك."
"مين؟"
"الشخص اللي بنى المعهد."
وضع يوسف التقرير.
"موجود."
"أيوه. وبيقول ما عندوش وقت كتير. وإنه هو من اختار إنك أنت تكون الشخص اللي يتكلم معاه."
"ليه أنا؟"
"ده اللي هيقوله هو. مش أنا."
قام يوسف وأخذ معطفه.
"فين؟"
"المنيل. بيت قديم على النيل."
البيت كان من تلك البيوت التي تقف في المنيل كشاهد على زمن لم يقرر بعد أن ينتهي. حديقة صغيرة والنيل يُرى من بين أشجارها بذلك الأزرق الرمادي الذي يكون في الضوء الشتوي. باب خشبي ثقيل ونافذتان مقوستان يعلوهما زجاج ملون بألوان خافتة.
استقبلهما رجل في الخامسة والستين. أنيق بطريقة القدامة لا الثروة. قميص أبيض وبنطلون رمادي وشعر أبيض ناعم. وجهه به خطوط تصنعها السنوات حين تكون مليئة بالتفكير لا بالراحة. يمشي بعكاز خشبي لكن بطريقة لا تجعله يبدو عاجزاً. بل بطريقة رجل تصالح مع شيء واستوعبه.
"المقدم سرحان." مد يده. "كنت أتمنى أن تكون الظروف أفضل."
"وأنت؟"
"اسمي حلمي. حلمي عبد الستار. وأنا من بنى المعهد من اثني عشر سنة."
جلسوا في غرفة تطل على الحديقة والنيل. شاي جاهز على الطاولة. نوع الترتيب الذي يقول إن صاحب البيت كان يعرف أنهم سيأتون وكان يعرف أيضاً أنهم سيحتاجون وقتاً.
بدأ حلمي دون مقدمات.
"المعهد فكرة بسيطة. أن هناك أشخاصاً في المجتمع يعملون على أشياء مهمة ويتعرضون لضغوط لا يرونها ولا يفهمون مصدرها. وأن مهمة المعهد هي أن يرى هذه الضغوط ويخففها دون أن يظهر. مثل إنسان يمسك بكتف شخص على حافة سقوط دون أن يدري ذلك الشخص."
"وبنيته من مالك الخاص؟"
"في البداية أيوه. وبعدها من ناس آمنوا بالفكرة وأرادوا أن يكونوا جزءاً منها بالطريقة الوحيدة الممكنة، من وراء ستار."
"وفاروق."
أحنى حلمي رأسه قليلاً.
"فاروق كان ابني بالمعنى الذي لا يحتاج دماً مشتركاً. التقيت به من خمس عشرة سنة. شاب في الخامسة والعشرين يعمل في مجال لوجستي ويرى أشياء لا يراها غيره ويصمت لأنه لا يعرف أين يتكلم." توقف. "علّمته كيف يتكلم."
نظر يوسف في الرجل أمامه.
"ووجدته ميتاً في فندق في المهندسين."
"أيوه." قالها بهدوء الذي يأتي بعد حزن كامل لا بحزن لم يبدأ بعد. "ووجدته ميتاً."
"ومن قتله؟"
أشعل حلمي الشاي أمامه بحركة بطيئة.
"هذا هو السبب في أنني طلبتك. لأنك اقتربت من نعمان ومن الشبكة. وأنت من أوصل الملف ١٤ لمن يجب. لكن من قتل فاروق ليس نعمان مباشرة. نعمان رجل أعمال يستخدم وسطاء. والوسيط الذي وصل لفاروق..." توقف. "هو من أريدك أن تجده."
"عندك معلومة عنه؟"
"عندي اسم واحد سمعته مرة في سياق لا أستطيع الكشف عنه. الاسم: زياد الريس."
كتب يوسف.
"وزياد الريس من هو؟"
"هذا ما لا أعرفه. رجل يعمل في الظل. لا صورة له. لا سجل. لا عنوان ثابت. لكنه يُذكر في أماكن معينة بطريقة تقول إنه موجود وإن وجوده مقصود."
"شبح."
"بالمعنى العملي أيوه. لكن الأشباح تترك آثاراً. وأنت من يجد الآثار."
نظر يوسف في النيل من النافذة. ذلك الأزرق الرمادي الهادئ الذي لا يعرف ضجيج المدينة من حوله.
"ولماذا أنا تحديداً؟"
ابتسم حلمي. ابتسامة رجل سبق هذا السؤال بوقت طويل.
"لأنك تسأل هذا السؤال. الناس الذين يسألون لماذا هم هم عادةً هم الإجابة."
الفصل الخامس والستين
لينا في الفريق
في الغرفة الصغيرة في شبرا التي أصبحت مركز عمل غير رسمي للفريق، جلست لينا أمام يوسف وجاد. وعلى الطاولة ورقة بيضاء وعليها اسم واحد: زياد الريس.
قرأته لينا وأعادت الورقة.
"ما سمعتش الاسم ده قط. وفاروق ما ذكره قدامي."
"وطارق؟"
"هسأله."
سألت طارق في نفس اليوم. أجاب بعد ساعة: "سمعته مرة. فاروق ذكره في جملة واحدة: قال إن في ناس في العالم شغلتهم الاختفاء. زياد واحد منهم."
أعاد يوسف الجملة في ذهنه.
شغلته الاختفاء.
يعني ليس مجرد رجل يتجنب الظهور. بل رجل يُحترف الغياب. الفرق بين اللذين يخافون أن يُرَوا واللذين تعلموا أن لا يُرَوا كبير جداً. الأول يختبئ. والثاني يختفي. والاختفاء مهارة.
قالت لينا: "عندي فكرة."
"قولي."
"المعهد في سنواته الاثني عشر بنى علاقات مع ناس من مجالات كتير. صحفيون وأكاديميون ومحامون. بعضهم في مجال الاستقصاء والبحث في شبكات الظل. لو عرضنا اسم زياد الريس على قاعدة العلاقات دي بطريقة غير مباشرة، ممكن يطلع أثر من مكان ما توقعناه."
نظر يوسف في جاد.
"المقترح منطقي." قاله جاد. "لكن يحتاج أن نكون حذرين. لأن زياد لو اسم حقيقي وصاحبه في الظل، أي سؤال غلط ممكن يصله قبل ما يصلنا جواب."
"عارفة." قالتها لينا بثقة. "ولهذا ما هتكونيش الأسئلة مباشرة. هيكون في سياق. كأننا بندور على معلومة عن ظاهرة، مش عن شخص."
نظر يوسف فيها.
هذه المرأة لم تكن تعمل مع فاروق عشوائياً. هي تفكر بطريقة تفكيره. المدرسة نفسها. الهدوء والدقة واختيار المدخل الصحيح بدلاً من الباب الأمامي الصاخب.
"اعملي كده. وأي شيء بيطلع، حتى لو بدا صغيراً، بلغيني فوراً."
"تمام."
قامت لتخرج. ثم توقفت عند الباب.
"يوسف. حلمي عبد الستار. قابلته؟"
"أيوه."
"فاروق كان بيحكيلنا عنه أحياناً. ما كان بيقول اسمه. كان بيقول الأستاذ. وكان في صوته حين يذكره شيء ما سمعته في صوته في أي حديث تاني."
"إيه؟"
"امتنان. النوع العميق اللي ما بيتقالش بالكلام."
وخرجت.
وبقي يوسف مع الاسم على الورقة أمامه.
زياد الريس.
رجل شغلته الاختفاء.
والاختفاء لا يترك بصمة. لكنه يترك غياباً. والغياب في المكان الصح يقول أكثر مما تقوله البصمة.
الفصل السادس والستين
جاد والأرشيف
قضى جاد ثلاثة أيام في الأرشيف.
ليس الأرشيف الرسمي. أرشيف جاد الخاص. ملفات جمعها على مدار سبع عشرة سنة من العمل. قضايا مغلقة وقضايا مفتوحة وقضايا لم تُسمَّ قضايا لكنها كانت كذلك في جوهرها. كل منها في علبة مرقمة على رف من رفوف الغرفة الصغيرة التي يسميها "المكتبة" وهي في الحقيقة ذاكرة ممتدة.
في اليوم الأول لم يجد شيئاً.
في اليوم الثاني وجد ذكراً واحداً لاسم يبدأ بحرف الزاي في ملف قديم من تسع سنوات. ملف عن اختفاء شاهد في قضية مالية. الشاهد اختفى قبل جلسة بيومين. ولم يُعثر عليه. وفي ملاحظة هامشية كتبها جاد بخطه وقتها: "الاختفاء محترف جداً. لا آثار. لا مقدمات. كأن الشخص ذاب."
وتحت الملاحظة كان هناك اسم من الشارع، مخبر قديم قال وقتها إن هناك "واحد بيشتغل في التخلص من الشهود. ما أحدش يعرف اسمه الحقيقي. بس الناس اللي بتشتغل في الظل بتناديه الريس."
الريس.
وقف جاد أمام الملف.
تسع سنوات. الاسم كان موجوداً في هامش ملف قبل تسع سنوات ولم يُعَد إليه.
لأن القضية أُغلقت. والشاهد لم يعد موجوداً ليشهد. والملف انتقل لرف ينام فيه.
لكن الريس لم ينتهِ. استمر. وبنى اسماً في الظل على مدار تسع سنوات حتى أصبح "زياد الريس" الذي ذكره فاروق.
اتصل بيوسف.
"وجدت خيطاً. تسع سنوات قديم. لكنه الخيط الأول."
"عندك اسم المخبر القديم؟"
"مات من أربع سنوات. لكن ذكر وقتها إنه سمع الاسم من صاحب مقهى في باب اللوق. مش بعيد."
"المقهى لسه موجود؟"
ثانية تفكير.
"هعرف."
الفصل السابع والستين
باب اللوق والذاكرة
مقهى الحمزاوي في باب اللوق كان موجوداً. ليس نفس المقهى بالمعنى الكامل. الكراسي تغيرت والطلاء تغير وصاحبه الأصلي مات وتركه لابنه. لكن الاسم بقي والزبائن القدامى بقوا. والمكانة التي تتراكم في الأماكن القديمة من القاهرة لا تذهب بسهولة.
الابن اسمه محمود. أربعون سنة. وجهه يحمل ذلك الصبر المتعب الذي يكون في أوجه أصحاب المقاهي القديمة في أحياء القاهرة، من اعتاد أن يسمع ما لا يسأل عنه وأن يكتم ما لا يُسأل عن كتمانه.
جلس يوسف أمامه وطلب شاياً.
"أبوك كان بيعرف ناس كتير."
"أبويا كان يعرف نص القاهرة." قالها بفخر هادئ.
"في واحد كان بييجي هنا. اسمه أو لقبه الريس. ما كانش بيقعد كتير. بييجي وياخد قهوته ويمشي."
توقف محمود في مسح الطاولة.
توقف من يسمع اسماً يعرفه ويقرر في جزء من ثانية كيف يتعامل مع معرفته.
"ما أعرفش حد بالاسم ده."
قاله يوسف بهدوء: "مش هسألك عنه. هسألك عن أبوك. وعن حاجة أبوك ممكن يكون قالها لحد قبل ما يموت."
نظر محمود فيه.
"أبويا قبل ما يموت بأسبوع قالي جملة. قاللي: في ناس بييجوا هنا ما يجيش عندهم إلا وعندهم مشكلة مع الضمير. وفي واحد منهم لو ييجي يوم تاني بعدي، ما تقوله إنك تعرفه."
"وجه تاني بعده؟"
صمت طويل.
"مرة واحدة. من ثلاث سنين. جه وقعد في نفس الكرسي بتاعته. وطلب نفس القهوة. وبعد ما خرج لقيت على الطاولة ورقة صغيرة."
"فيها إيه؟"
مشى محمود للداخل وعاد بعد دقيقتين. وضع أمام يوسف ورقة صغيرة مطوية ومصفرة من الزمن.
فتحها يوسف بعناية.
جملة واحدة بخط صغير مرتب:
"من يبحث عني يجد ما لا يريد أن يجده. ومن يفهم هذا يعرف متى يتوقف."
قرأ يوسف الجملة مرتين.
ثم نظر في محمود.
"شكراً."
"مش لازم. أبويا كان بيقول إن المقاهي القديمة عندها ذاكرة. ومش من حقنا نمسحها."
خرج يوسف إلى شارع باب اللوق والهواء يحمل برودة الشتاء الخفيف والضوضاء المعتادة. ووقف في الرصيف وقرأ الجملة مرة أخرى.
"من يبحث عني يجد ما لا يريد أن يجده."
هذه ليست تهديداً.
هذه معلومة. معلومة من رجل يعرف ماذا يفعل وماذا يعرف ويريد أن يقول لمن يبحث عنه: أنا لا أختبئ خوفاً. أنا مختفٍ لأن ما أعرفه أكبر مما تستطيع حمله.
اتصل بجاد.
"جاد. زياد الريس ليس مجرد منفذ. هو يعرف شيئاً. شيئاً جعله يختفي عن قصد لا عن خوف."
ثانية صمت.
"يعني ممكن ما يكونش خصم."
"أو يكون الاثنين في نفس الوقت. خصم وشاهد. وهذا الجمع الغريب هو ما يجعله خطيراً ومهماً في نفس الوقت."
"يوسف. لو زياد الريس يعرف من قتل فاروق..."
"يعني اللي قتل فاروق يعرف إنه يعرف. ويعني إنه في خطر. وربما هذا هو السبب في أنه اختفى منذ وقت."
مشى يوسف في الشارع ببطء.
"محتاجين نوصل له قبل غيرنا."
"وكيف توصل لمن يعرف كيف لا يُوصَل إليه؟"
توقف يوسف عند ناصية الشارع.
"بنفس الطريقة اللي بيفهم بيها الناس دول. مش بالبحث عنهم. بجعلهم يجدوننا."
الفصل الثامن والستين
الرسالة في الهواء
الفكرة جاءت من حلمي عبد الستار.
حين رجع يوسف إلى بيت المنيل وقص عليه ما وجده في الورقة، جلس حلمي وصمت دقيقتين كاملتين ثم قال:
"زياد الريس رجل يتواصل بطريقته هو. يترك رسائل في أماكن. يقرأ ما يترك له الآخرون. إذا أردت أن تصل إليه فاترك له رسالة في مكان يعرف أنه يمر به."
"المقهى."
"المقهى." أكد حلمي. "اترك له رسالة هناك. رسالة تقول إنك لا تبحث عنه لتمسكه. بل لأن من قتل فاروق يعلم أنه يعلم. وإن وجودك معه وليس ضده."
"ولو ما جاش؟"
"إذا لم يأتِ فهو اختار. وهذا حقه. لكن رجلاً يترك رسائل في مقاهٍ ويعيش وحيداً في الظل لا يفعل ذلك لأنه يحب الوحدة. يفعله لأنه ينتظر شيئاً ما. وربما ذلك الشيء هو ما ستقوله في رسالتك."
ذهب يوسف إلى مقهى الحمزاوي في اليوم التالي. جلس في نفس الكرسي القديم الذي وصفه محمود. وكتب ورقة صغيرة بخطه:
"فاروق كان يثق في الناس الصح. ومن قتله يعرف إنك تعرف. أنا لست هنا لأمسكك. أنا هنا لأن العدالة لفاروق تحتاج من كان قريباً منه. إذا أردت أن تتكلم، أنا في قسم شرطة المعادي. يوسف سرحان."
ترك الورقة على الطاولة تحت الكوب الفارغ.
ودفع ثمن الشاي.
وخرج.
وانتظر.
الفصل التاسع والستين
زياد
مضت أربعة أيام.
في اليوم الخامس، الثلاثاء، الساعة السادسة وخمس دقائق مساءً، جاء أشرف إلى مكتب يوسف بوجه يحمل شيئاً غير مألوف: دهشة حذرة.
"في حد يافندم. واقف في الردهة. قاللي اسمه زياد. وإنك عارفه."
وضع يوسف القلم ببطء.
"جيبه."
جاء زياد الريس بمفرده وبخطوة هادئة لا تزيد ولا تنقص. في الخمسة والخمسين. بنية متوسطة ووجه لا يتذكره المخ بسهولة، ليس لأنه عادي بل لأنه مُدرَّب على أن يكون غير موسوم. شعر رمادي قصير وملابس بسيطة داكنة اللون. وعيناه اللتان تلتقطان كل شيء في الغرفة دفعة واحدة لكنهما لا تُظهران ذلك.
جلس دون أن يُدعى. وضع يديه على الطاولة ظاهرتين. إشارة قديمة: أنا لا أخبئ شيئاً في يدي.
على باطن يده اليسرى: خط ونقطة.
علامة المعهد.
نظر يوسف فيها. ثم نظر في وجهه.
"جيت."
"جيت." قالها بنبرة لا توضح إن كانت إجابة أو تأكيداً أو شيئاً بينهما.
"الرسالة وصلتك."
"وصلت. في نفس اليوم." ثانية. "كنت في المقهى حين تركتها."
توقف يوسف.
"كنت موجود."
"في الزاوية الأخرى. الكرسي الذي لا يراه الداخل من الباب. عادة ما يجلس هناك أحد لا يريد أن يُرى."
"ورأيتني وانتظرت أربعة أيام."
"أربعة أيام كافية لأعرف إن كنت أُتابَع حين أتيت للمقهى. وكافية لأعرف إن كنت صادقاً في الرسالة أو لا."
"وما الذي قررت؟"
نظر زياد فيه نظرة طويلة. النوع الذي يقيس لا يحكم.
"قررت إنك صادق. ولا تعني لي هذه الكلمة ما تعنيه عادةً. عندي معيار واحد للصدق: هل الشخص يعمل لأجل نتيجة يريدها أم لأجل شيء أكبر منه؟ أنت تعمل لشيء أكبر منك."
"كيف تعرف ذلك؟"
"لأن من يعمل لنتيجة يريدها يبحث. ومن يعمل لشيء أكبر ينتظر. وأنت تركت الورقة وخرجت ولم تترك أحداً يراقب."
صمت يوسف لحظة.
"فاروق."
شيء تحرك في وجه زياد. شيء لا اسم له في قاموس المشاعر العادية. أقرب إلى وجع خفي يعرف صاحبه كيف يُبقيه خفياً.
"فاروق كان واحداً من اثنين فقط في حياتي كلها آمنت بما يفعله فعلاً." توقف. "الثاني هو حلمي."
"تعرف حلمي."
"أنا من علّم فاروق قبل حلمي. قبل المعهد بثلاث سنوات. حين كان لا يزال شاباً يرى أشياء ولا يعرف ماذا يفعل بها." نظر في الطاولة. "وأنا من قدّمه لحلمي."
الصورة اتسعت فجأة في ذهن يوسف. ليس حلمي هو البداية. زياد هو البداية. زياد الذي علّم فاروق. وفاروق الذي بنى مع حلمي المعهد. والمعهد الذي حمى اثنين وعشرين شخصاً.
خيط واحد يمتد عبر خمس عشرة سنة.
"وقتل فاروق."
"أيوه." قالها بهدوء لا يُخفي ثقلها. "قتل فاروق. وأنا كنت هناك."
نظر يوسف فيه.
"كنت في الفندق."
"كنت في الغرفة المجاورة. كنا نتقابل. وكان يريد أن يريني شيئاً في الملف ١٤. وحين سمعت الصوت في الغرفة الأخرى كان متأخراً." وقف. "لم أستطع فعل شيء."
ثانية صمت ثقيل.
"ورأيت من فعل ذلك."
لم تكن سؤالاً.
"رأيته يخرج من الغرفة. وجهه. وحملت هذا معي."
"اسمه."
نظر زياد في يوسف بنظرة آخر شيء يحتفظ به رجل في وداعه.
"علاء نبيل. يعمل رسمياً كمستشار في شركة أمن معلومات. ويعمل غير رسمياً لمن يدفع. وآخر من دفع له كان نعمان."
أخرج يوسف دفتره وكتب.
"عنوان."
"لا أعرف عنواناً ثابتاً. لكن أعرف شيئاً أفضل." مد يده في جيبه الداخلي وأخرج ورقة مطوية صغيرة. "ثلاثة أماكن يتردد عليها. وتوقيتات تقريبية. والسيارة التي يستخدمها مع لوحتها."
أخذ يوسف الورقة.
"كنت بتستنى."
"كنت بستنى الشخص الصح." نظر فيه. "وقررت إنك إنت."
قام زياد.
"ستتصل بي؟" سأل يوسف.
"لا. لكنك إذا احتجت شيئاً اتركه في مقهى الحمزاوي. محمود يعرف."
ومشى باتجاه الباب. ثم توقف دون أن يلتفت.
"فاروق كان يقول إنك نوع نادر من الناس. كان يقول إن النادر يستحق أن يُحمى. الآن أفهم لماذا اتصل منصور بك في القضية الأولى."
ومضى.
وبقي يوسف مع الورقة في يده. ثلاثة أماكن وتوقيتات ولوحة سيارة. كل ما يحتاجه لإيجاد من قتل فاروق.
وفكر في رجل جلس أربعة أيام ينتظر ليتأكد. ورجل حمل وجهاً في ذاكرته أشهراً ولم يتكلم لأنه لم يجد من يستحق الكلام.
والعدالة أحياناً تبدأ من شخص واحد يقرر إنه وجد من يستحق.
الفصل السبعين
علاء نبيل
أول مكان في الورقة: مطعم في المهندسين. يتردد عليه كل أربعاء بين السابعة والثامنة مساءً.
الأربعاء جاء.
أرسل يوسف أشرف وفردين من الفريق قبل يوسف بساعة. وجلس هو في طاولة في الخلف بملابس مدنية وصحيفة أمامه لا يقرأها.
في الساعة السابعة وعشر دقائق دخل رجل في الخامسة والثلاثين. بنية قوية ووجه معتدل لا يلفت النظر. جلس وحده وطلب طعامه بطريقة شخص اعتاد المكان.
نظر يوسف فيه من بُعد.
رجل عادي المظهر يأكل وحده في مطعم. ولو لم تكن ورقة زياد في جيبه ما كان يعرف.
لكن العيون المدرَّبة تقرأ ما لا يكتبه المظهر. طريقة جلوسه: ظهره للحيط ووجهه للباب. وقبل أن يجلس نظر في الغرفة كاملة في ثلاث ثوانٍ دون أن يبدو أنه يفعل شيئاً. وحين جلس وضع يده اليمنى قريبة من خصره بطريقة من لا يعتاد أن يكون غير مسلح.
رجل محترف. وهذا يعني إن الاعتقال يحتاج دقة.
انتظر يوسف حتى طلب علاء الحساب. ثم قام وجلس أمامه قبل أن يقوم علاء.
رفع علاء عينيه. ثانية قصيرة جداً فيها كل الحسابات التي يجريها رجل من نوعه حين يجد غريباً أمامه.
"المقدم يوسف سرحان." قاله يوسف بهدوء. "وفي الخارج ثلاثة أفراد. والباب الخلفي مغلق."
لم يتحرك علاء. لكن شيئاً في وجهه تغير بطريقة لا يراها غير من يعرف كيف يرى.
"ماذا تريد؟"
"أريد إنك تقوم معايا بهدوء. من غير أي حاجة تانية."
نظر علاء فيه لحظة طويلة. ثم وضع المحفظة على الطاولة.
"تمام."
قامَا. وخرجا من المطعم في الهدوء الذي يتمناه يوسف دائماً ونادراً ما يجده.
الفصل الواحد وسبعين
الغرفة والحقيقة
في غرفة الاستجواب في القسم جلس علاء نبيل بهدوء رجل يعرف اللعبة ويقدر الأوضاع. لا إنكار ولا اعتراض. فقط صمت محسوب.
جلس يوسف أمامه. وبجانبه جاد.
لم يتكلم جاد. جلس فقط. لكن وجوده في الغرفة كان كافياً. جاد يعرف كيف يملأ الصمت بثقل لا يُرى.
بعد أربع دقائق من الصمت الكامل، تكلم علاء.
"ماذا تعرفون بالضبط؟"
"نعرف إنك كنت في فندق كارلتون الليلة التي مات فيها فاروق. نعرف إنك خرجت من الغرفة ٨١٤. ونعرف اسم من أرسلك."
ثانية. ثانيتان.
"شاهد."
"أيوه."
أغمض علاء عينيه لحظة. ثم فتحهما.
"وليد نعمان أعطاني الأمر واسم الشخص والفندق والغرفة. لم يعطني سبباً. لا أعمل بأسباب. أعمل بأوامر وأجر."
"وطريقة الموت."
"حقنة في الرقبة من الخلف. سريعة وغير مؤلمة. مادة تسبب توقف القلب فورياً ولا أثر لها في التحليل العادي." وقفها بعيون مغلقة. "لهذا لم تجدوا شيئاً في البداية."
كتب يوسف.
"والجلوس على الكرسي."
"كان جالساً حين أعطيته الحقنة. لم أحرك شيئاً. تركته كما كان."
نظر يوسف فيه.
"ينظر في النافذة."
"كان ينظر في النافذة." أكد علاء. "لم يرني. وحين سمع شيئاً خلفه لم يكن الوقت كافياً."
ثانية صمت.
فاروق كان ينظر في الليل من الطابق الثامن. ربما ينتظر زياد الذي كان في الغرفة المجاورة. ربما يفكر في الملف ١٤. ربما لا يفكر في شيء بعينه. ورجل جاء من خلفه وانتهى كل شيء في لحظة.
قام يوسف.
"ريهام عمار في النيابة العامة ستأتي غداً. وما قلته الليلة سيكون في المحضر."
"وإذا تعاونت؟"
"الأمر لها لا لي."
خرج يوسف وأغلق الباب.
ووقف في الممر. الممر الذي وقف فيه كثيراً في قضايا كثيرة. الممر الذي يعرف خطواته كما تعرف اليد أدواتها.
وفكر في فاروق.
لم يرَ من جاء. لم يكن عنده وقت. والموت حين يأتي من الخلف لا يعطي فرصة للوداع ولا للاستعداد ولا لأي شيء. يأخذ فقط.
لكن ما بناه فاروق لم يأخذه أحد.
وهذا، في النهاية، هو الفرق.
الفصل الثاني والسعبين
حلمي يسمع
في اليوم التالي ذهب يوسف إلى بيت المنيل.
النيل كان في ضوء الصبح أكثر هدوءاً مما رآه في المرة الأولى. والحديقة الصغيرة كانت مبللة بندى الليل الذي لم يجف بعد.
فتح حلمي الباب بنفسه. كأنه كان ينتظر عند الباب.
جلسا في نفس الغرفة. نفس الشاي. ونفس الضوء المنعكس من النيل على الجدار.
قص يوسف عليه كل شيء. زياد. علاء نبيل. الاعتراف. وما سيحدث مع ريهام.
استمع حلمي بعيون مغلقة في أجزاء ومفتوحة في أخرى. ولم يقاطع مرة واحدة.
حين انتهى يوسف، ظل حلمي صامتاً دقيقة كاملة.
ثم:
"زياد جاء."
"أيوه."
"ظننت أنه لن يجيء لأحد. ظننت أنه قرر أن ينتهي وحده بما يعرفه." نظر في النيل. "أخطأت."
"لم تخطئ. جاء لأن الوقت كان صحيحاً والشخص كان صحيحاً."
"وكيف تعرف أنك كنت الشخص الصحيح؟"
"لا أعرف. لكن زياد عرف. وهذا يكفي."
ابتسم حلمي بابتسامة خفيفة.
"المعهد." قاله بعد لحظة. "سيستمر. لينا وطارق ووليد وزياد إذا أراد. والبنية ستكون مختلفة. أكثر حذراً وأكثر توزيعاً. لكنه سيستمر."
"وأنت؟"
نظر حلمي في العكاز الخشبي بجانبه.
"أنا أكبر من أن أكون في الميدان. لكنني لم أكن في الميدان منذ سنوات. الميدان كان فاروق." صمت. "سأكون في المنيل. والمنيل لا يذهب."
قام يوسف ليذهب. ثم التفت.
"حلمي. فاروق كان يستحق أكثر."
نظر الرجل العجوز فيه بعيون فيهما شيء لا يُقال بسهولة.
"فاروق كان يعرف ما يفعله. وكان يعرف الثمن الممكن. من يبني في الظل يعرف إن الظل ليس دائماً حمايةً." توقف. "لكنه اختار أن يبني على أي حال."
"لأنه آمن بما بناه."
"لأنه آمن بما بناه. وما بناه لا يزال قائماً." نظر في النيل. "وهذا هو الجواب الوحيد الصادق على الموت."
خرج يوسف إلى الحديقة والهواء يحمل رائحة النيل في الصبح. تلك الرائحة التي لا تشبهها رائحة أخرى في القاهرة. عميقة وقديمة وهادئة كأنها هي الثابت في كل ما يتغير.
الفصل الثالث والسبعين
الظل الذي لا ينتهي
مضت ثلاثة أسابيع.
علاء نبيل أمام النيابة. وريهام تمسك الملف بتلك الطريقة التي تعني إن الملف لن يُغلق حتى يُغلق بالشكل الصحيح.
وليد نعمان في أبوظبي أفاد وكلاؤه القانونيون بأنه سيتعامل مع التحقيق الدولي. وهذا وحده يعني إن شيئاً تحرك لا يمكن إيقافه.
كريم مجدي نشر تحقيقه. ليس في الشارقة. نشره عبر منصة مستقلة اختارها بعناية. والتحقيق أُعيد نشره في أربع دول في أسبوع واحد. والذين أرادوا إسكاته قبل شهرين لم يعودوا قادرين على إسكات ما انتشر بالفعل.
الاثنان والعشرون واصلوا عملهم. كل في مجاله. وبعضهم لا يعرف حتى الآن أن أحداً حمى ظهره. وهذا كان الهدف.
زياد الريس عاد إلى حيث يكون. لا عنوان ثابت ولا اتصال منتظم. لكن محمود في مقهى الحمزاوي يقول إنه يمر أحياناً. يطلب قهوته. ويجلس في زاويته. ويمشي.
حياة مستمرة في حدودها الخاصة.
السبت. الساعة الخامسة والنصف عصراً.
جلس يوسف وجاد ولينا في مقهى صغير في المعادي. ليس القبو هذه المرة. مكان له نوافذ وضوء النهار يدخل منها بمائل الشمس الشتوية الدافئة.
على الطاولة ثلاثة أكواب وورقة بيضاء كتبت فيها لينا بخطها أسماء السبعة مع ملاحظة قصيرة بجانب كل اسم. حلمي طلب منها أن تعيد هيكلة المعهد. وهي بدأت.
نظر يوسف في الورقة دون أن يقرأها.
"جاد."
"إيه؟"
"حين قابلت زياد. في آخر لحظة قبل ما يمشي قاللي إن فاروق كان يقول إنك نوع نادر من الناس."
نظر جاد فيه.
"فاروق كان يعرف ناس كتير."
"أيوه. لكنه ما قالهاش لكتير."
لم يقل جاد شيئاً. لكن شيئاً في وجهه تغير بالطريقة التي تتغير بها الأشياء التي تُلامَس لا تُقال.
قالت لينا: "أنا عندي سؤال. سؤال بيتعبني من بداية القضية."
"قولي."
"المعهد بُني عشان يحمي ناس بتعمل حاجات مهمة. وإحنا بنحمي المعهد. ومن يحمينا؟"
صمت قصير. ثم قال يوسف:
"بعضنا بعض. وبعض الوقت ده بيكفي."
"وبعض الوقت لا؟"
"وبعض الوقت لا." قالها بصدق لا يُخففه. "وهذا هو الثمن. ومن يقبل الشغل ده يعرف الثمن من البداية."
نظرت لينا في الورقة أمامها. ثم في يوسف.
"أقبله."
لم يقل يوسف شيئاً. لكنه أومأ.
وشرب من كوبه.
والضوء في الخارج بدأ يتراجع ببطء كعادة الشمس الشتوية التي لا تودع بصخب. تنسحب بهدوء وتترك للليل أن يأتي بطريقته.
وفكر يوسف في فاروق الذي لم يره قط.
وفي زياد الذي علّمه.
وفي حلمي الذي بنى به شيئاً.
وفي الاثنين والعشرين الذين لا يعلمون.
وفي الملفات التي لا تنتهي. لأن القضايا لا تنتهي. لأن الناس لا يتوقفون عن احتياج بعضهم. ولأن في كل مدينة في كل وقت هناك من يعمل في الظل ليبقى الضوء للآخرين.
وهذا، فكّر يوسف، هو معنى ظل القمر.
القمر لا يُضيء بنفسه. هو يعكس. يأخذ ضوء الشمس البعيدة ويعيده للأرض في الليل. ظله لا يُرى في النهار. ولا يُسمع. ولا يُذكر. لكنه موجود دائماً. ويُضيء حتى حين لا يعرف أحد أنه يفعل ذلك.
شيء كهذا لا ينتهي.
يتغير شكله. يتبدل أفراده. يخسر بعضهم ويجد آخرين. لكنه لا ينتهي لأنه ليس فكرة ولا مؤسسة ولا اسماً.
هو اختيار. يتخذه ناس مختلفون في لحظات مختلفة لسبب واحد: لأنه الشيء الصحيح.
وقف يوسف.
"في ملف جديد. بدأ من امبارح."
نظر فيه جاد ولينا.
"غداً." قاله جاد.
"غداً." وافق يوسف.
وخرجوا إلى شارع المعادي والليل يبدأ يلمس حواف الأشياء بتلك اللمسة الهادئة التي لا تستأذن ولا تُعلن.
والقاهرة من حولهم تتنفس.
كما تتنفس دائماً.
بلا توقف.