بداية الاسطورة - أسطورة اتاهولن
بداية الاسطورة
كل انسان يملك قصتين... قصة يعيشها و قصة يتمنى ان يعيشها ..
أتاهولن
---
في ليلة كان القمر فيها أزرق كالزفير الأخير لعاشق، ولدوا.
ثلاثة أطفال، في ثلاث زوايا مختلفة من عالم لا يعرفون بعد أنهم سيكونون مصيره.
في الغابة، حيث أشجار السرخس تلامس السحاب والضباب يلف الجذوع كأذرع حنون، كانت الولادة الأولى. هناك، في كوخ خشبي بناه أمير الداليال بيديه لزوجته الهاربة، خرج التوأم إلى النور. الفتاة أولاً، صرختها القوية اخترقت صمت الليل وأزعجت طيور النوم على الأغصان، ثم الفتى بعدها بلحظات كأنه كان ينتظرها لتخرج قبله، ليحميها، أو لتحميه هي؟ لا أحد يدري.
القمر الأزرق كان مكتملاً، يتسلل من شقوق السقف الخشبي ليغمر وجهيهما الصغيرين بضوء نادر لا يحدث إلا كل مئة عام. أمهما، ليان، نظرت إليهما بعينين ذابلتين من التعب، لكنهما اغرورقتا بالدموع حين رأت عيني الفتاة، كانتا رماديتين، فيهما لمحة زرقاء كلون شعرها.
"إنها داليس،" همس زوجها ريان بجانبها، وصوته يختلط بالدهشة والفخر والخوف. "وابنك أيضًا. كلاهما."
لم تعرف ليان حينها أن عيون الداليال الحمراء ستكون سببًا في موت مئات منهم بعد سنوات. لم تعرف أن هذه العيون الصغيرة التي تنظر إليها الآن ببراءة المواليد الجدد، ستكون مطاردة في كل مكان.
أما الولادة الثانية، فكانت في الأعماق.
هناك، في قصور الهالستات المصنوعة من المرجان الأبيض والزجاج البحري الشفاف، تحت طبقات المحيط حيث لا يصل صوت العواصف ولا صراخ البشر، أنجبت أحد النساء طفلتها الوحيدة. عيناها الزرقواتان فتحتا تحت الماء للمرة الأولى، ورئتاها الصغيرتان تتنفسان الأكسجين المذاب كأنها كانت تفعل ذلك منذ الأزل، كأنها تذكرت شيئًا قديمًا قبل أن تولد. شعرها الاسود تطاير في تيارات الماء كأنه كائن مستقل بذاته، يرقص مع المد والجزر.
أمها نظرت إليها، ثم نظرت إلى فوق، إلى سطح المحيط البعيد حيث يضرب القمر الأزرق وجه الماء بضوئه النادر. شعرت بشيء يخز قلبها. كأنها تعلم أن ابنتها هذه، لاريا، لن تعيش في الأمان أبدًا.
لم يعلم أحد في تلك الليلة أن القمر الأزرق يجمع مصائرهم الثلاثة بخيط غير مرئي، يشدهم إلى بعضهم البعض دون أن يعرفوا.
لم يعلم أحد أن العالم على وشك أن يحترق.
---
وقبل أن يحترق العالم، كان هناك من بناه.
قبل ألف عام من هذه الليلة، لم يكن هناك شيء اسمه "عالم أتاهولن".
كانت الأرض هناك مجرد فوضى. قبائل بشرية تتقاتل على قطعة أرض، على نبع ماء، على كلمة قالها زعيم لزعيم، على كبرياء. في الشمال، حيث الغابات لا تنتهي والضباب لا يرفع، كانت كائنات غريبة بعيون حمراء تحدق في الظلام. عُرفوا لاحقًا باسم "الداليال". كان البشر يخافون منهم، يسمونهم شياطين الليل وأرواح النار. وفي الجنوب، تحت سطح البحيرات الكبرى حيث لا تصل أعين البشر، كان "الهالستات" يبنون حضارتهم الصامتة. لا يكترثون بما يحدث على اليابسة. الماء كان وطنهم، والماء كان أمانهم.
ثم جاء هالين فاريس.
لا أحد يعرف من أين أتى تحديدًا. البعض قال إنه سقط من السماء في ليلة عاصفة، والبعض قال إنه خرج من بئر قديم كان مدفونًا تحت جذع شجرة معمّرة. امرأة عجوز من الداليال قالت إنها رأته يخرج من بوابة من نور في الهواء، ثم انطوت البوابة خلفه كأنها لم تكن. المهم أنه أتى. وفي جعبته فكرة بسيطة، فكرة سخيفة حتى: "لماذا لا نعيش معًا؟"
ضحكوا عليه في البداية. البشر قالوا إن الداليال شياطين، والداليال قالوا إن البشر خونة، والهالستات لم يهتموا أصلًا. ماذا يعنيهم ما يحدث على اليابسة؟
لكن هالين كان صبورًا. صبورًا كالصخور التي تنتظر آلاف السنين لترى النهر يشق طريقًا جديدًا. مشى بين القبائل، تحدث مع شيوخها، جلس في مجالسهم، أكل من طعامهم، نام في خيامهم. قاتل إلى جانبهم حين احتاجوا، وضمّد جراح أعدائهم حين انهزموا. استغرق منه الأمر سنوات، لكنه في النهاية نجح.
اجتمعوا في سهل واسع بين الغابة والبحر. البشر والداليال والهالستات. لأول مرة في التاريخ، نظروا إلى بعضهم البعض دون خوف. أو على الأقل، دون خوف يدفعهم للقتل.
عقدوا معاهدة سلام. سُميت "اتفاقية النور الأول". تقرر أن يكون هالين أول حاكم للعالم الجديد. أطلق عليه اسم "أتاهولن" - كلمة قديمة في لغة الداليال تعني "الوطن المشترك".
تزوج هالين من امرأة من البشر. أنجبوا أطفالًا. مات بعد عقود من الحكم العادل، تاركًا وراءه إرثًا من السلام وتاجًا من نور وأحفادًا سيختلفون على معناه.
لكن السلام، مثل القمر، له أوجه. بعضها مضيء، وبعضها مظلم، وبعضها لا تراه إلا حين ينعكس على سطح ماء راكد.
لم يكن جميع أبنائه وأحفاده مثل هالين. بعضهم أحب السلطة أكثر من العدل، وبعضهم فضّل مصلحته الشخصية على مصلحة العالم. لكنهم مع ذلك استمروا، جيلًا بعد جيل، والحكم ينتقل من أب إلى ابن، ومن ابن إلى حفيد.
وصل الحكم إلى رجل اسمه فاريان. كان عادلًا في قوانينه، لكنه قاسٍ في تنفيذها. لا يعرف المجاملة ولا اللين. الناس احترموه، لكنهم لم يحبوه. ابنته الوحيدة كانت كل ما يملك من دفء في هذه الحياة.
ثم ارتكب خطأً واحدًا كلفه كل شيء: أجبر ابنته على الزواج.
---
ليان، ابنة الحاكم الوحيدة، كانت تشبه جدها الأكبر هالين. ليست في الملامح فقط - كان شعرها أسود كحبر الليل وعيناها واسعتان كمن ترى العالم لأول مرة - بل في الروح. كانت تحب الغابة، وتحب الاستماع إلى حكايات الداليال التي ترويها لها جدتها لأمها، امرأة دالية هجرت قومها لتعيش مع البشر. كانت تحب رائحة المطر على التراب، وصوت الطيور عند الفجر، والشعور بالحرية حين تركض في الحقول بلا هدف، وشعرها يطير خلفها كالراية.
لم تكن تحب القيود. ولم تكن تحب الشاب الذي اختاره والدها لها.
كان ابن وزير المال. شابًا بارد العينين، ينظر إليها كأنها صفقة لا امرأة. في المجلس حين خطبها، كان يتحدث عن مهرها وعن أرضها وعن نفوذ عائلتها، ولم ينظر إلى عينيها ولو مرة واحدة. نظر إلى يديها، نظر إلى تاجها الصغير على رأسها، نظر إلى أبيها، لكنه لم ينظر إليها هي.
"لماذا؟" سألت أباها في الليلة التي تلت الخطبة.
"لأن هذا أفضل لعائلتنا،" قال فاريان. صوته حاد كالسيف. "لأن هذا أفضل للمملكة."
"أنا لست قطعة أرض يا أبي. أنا لست صفقة."
نظر إليها. للحظة، رأت في عينيه شيئًا يشبه الحزن. لكنه أخفاه سريعًا خلف قناع الحاكم.
"سوف تفهمين عندما تكبرين."
كانت تبلغ الثامنة عشرة من عمرها. كانت تفهم أكثر مما يتخيل.
في ليلة الزفاف، كانت القاعة الكبرى تزدحم بالوجوه. الكل يبتسم، الكل يصفق، الكل يبارك. العروس ترتدي الأبيض، والعريس يرتدي الأسود، والموسيقى تعزف ألحان الفرح. الجميع سعداء.
الجميع إلا ليان.
وقفت على الشرفة الكبيرة المطلة على الحديقة، والنسيم البارد يلامس وجهها. سمعت خطوات والدها خلفها.
"ابنتي."
لم تلتفت.
"أعلم أنك غاضبة. لكن هذا سيمر. الزواج ليس نهاية العالم."
هنا، التفتت إليه. نظرت في عينيه طويلاً، طويلاً لدرجة أنه شعر بالخجل. ثم قالت بصوت هادئ، هادئ جدًا:
"لا يا أبي. الزواج ليس نهاية العالم."
ثم ابتسمت. ابتسامة غريبة لم يفهم معناها إلا بعد فوات الأوان.
"لكن الهروب قد يكون بدايته."
بينما كان الجميع يرقصون ويأكلون في القاعة الكبرى، بينما كان العريس البارد العينين يتحدث مع الوزراء عن صفقته الجديدة، بينما كان الخمر يسيل والعود يعزف، تسللت ليان.
ارتدت عباءة داكنة كانت قد خبأتها تحت سريرها منذ أسبوع. مشت على أطراف أصابعها في الممرات الخلفية. قلبها يدق كأنه يريد الخروج من صدره. كل خطوة كانت تهديدًا، كل ظل كان عدوًا، كل صوت كان إنذارًا.
لكنها استمرت.
خرجت من الباب الخلفي الصغير الذي لا يستخدمه أحد إلا الخدم. ركضت. ركضت باتجاه الغابة. ركضت حتى اختفى نور القصر خلفها، وحتى سمعت نبض قلبها يدق في أذنيها كطبول الحرب، وحتى توقف عن المطاردة.
ثم سقطت من الإرهاق تحت شجرة بلوط عجوز.
أغمضت عينيها، والسماء المليئة بالنجوم تدور فوقها، وفكرت للحظة: لو مت الآن، لكان موتي أحلى من تلك الليلة.
---
استيقظت على صوت خطوات.
فتحت عينيها ببطء، والجسم كله يوجعها. كانت لا تزال تحت شجرة البلوط، لكن هناك من كان واقفًا أمامها.
كان شابًا. شابًا بعيون حمراء كالنار البعيدة، وشعر أسود يتدلى على جبينه المتعرق. كان يحمل قوسًا طويلًا، وخلفه غزال صغير مربوط بحبل. نظر إليها نظرة فضول وخوف في آن.
"أنتِ في أرض الداليال،" قال بصوت هادئ، هادئ كمن يعتاد على تهدئة الوحوش. "هل تعرفين ماذا يفعل البشر بالداليال حين يجدونهم في غاباتهم؟"
نظرت إليه ليان. رأت الخوف في عينيه، لكنها رأت أيضًا شيئًا آخر. شيئًا يشبه القوة، يشبه الثقة، يشبه من رأى الموت مرات عديدة فلم يعد يخافه.
جلست مكانها، مسحت التراب عن وجهها، ونظرت إليه مباشرة.
"أنا لست مثلهم."
رفع حاجبه. "كل البشر يقولون ذلك."
"أنا ابنة الحاكم فاريان."
تغير وجهه. للحظة، رأت الخوف يعود أقوى. يده تشبثت بالقوس أكثر. "ابنة من يقود حملات تطهير الغابة؟ ابنة من يقتلنا؟"
"أنا ابنة من أجبرني على الزواج من رجل لا أحبه،" قالت بمرارة. "أنا ابنة من هربت منه الليلة. أنا لست هنا لقتلك. أنا هنا لأنني لم أجد مكانًا آخر أذهب إليه."
صمت طويل. نظر إليها، نظر إلى فستانها الأبيض المتسخ، نظر إلى عينيها المتعبتين. ثم، ببطء، أنزل قوسه.
"كم من الوقت منذ هربت؟"
"لا أدري. ساعات. ربما يوم."
"أنتِ جائعة."
لم تكن جائعة فقط. كانت مرهقة، خائفة، وحيدة، وتشعر أن العالم كله انهار فوق رأسها. لكنها فقط هزت رأسها.
هز هو رأسه أيضًا، ثم قال: "تعالي."
أخذها إلى كوخه. كان كوخًا صغيرًا، بسيطًا، على حافة الغابة حيث تبدأ أشجار السرخس بالارتفاع. داخله كان دافئًا، رغم بساطته. نار صغيرة تشتعل في الزاوية، وفرش من الصوف على الأرض، ورفوف عليها أعشاب وأدوات صيد.
أجلسها قرب النار، وقدم لها طعامًا. خبزًا جافًا ولحمًا مشويًا وماءً باردًا. أكلت كأنها لم تأكل منذ أيام.
كان يراقبها بصمت. لم يسألها شيئًا. فقط جلس مقابلها، يقلب عودًا في النار، وينظر إليها أحيانًا ثم يخفض عينيه.
عندما انتهت، نظرت إليه وقالت: "ما اسمك؟"
"ريان."
"أنا ليان."
"أعرف. قلتِ إنك ابنة الحاكم."
صمتت للحظة. ثم: "ألن تقتلني؟"
ضحك. ضحكة قصيرة، جافة، كمن لا يعتاد الضحك. "إذا كنت سأقتلك، لفعلت ذلك منذ البداية. أنتِ منهكة، جائعة، ولا تحملين سلاحًا. قتلكِ الآن ليس شرفًا."
"وإذا حملتِ سلاحًا؟"
نظر إليها. عيناه الحمراوان تلمعان في ضوء النار. "كنت سأراقبك أولاً. ثم أقرر."
أحست بشيء غريب. ليس خوفًا. ولا اطمئنانًا. شيء بينهما. كأنها تعرف هذا الشاب منذ زمن بعيد.
قالت: "يمكنني البقاء لليلة فقط. غدًا سأذهب."
نظر إليها طويلاً. ثم قال: "يمكنك البقاء. لكن البشر سيبحثون عنك. إذا وجدوك هنا، سيحرقون الغابة بأكملها. وكل من فيها."
نظرت إلى النار. إلى اللهب الذي يرقص كأنه حي. تذكرت كلام جدتها عن الداليال، عن عيونهم الحمراء، عن قوتهم الغريبة. تذكرت كيف كانت تخاف منهم عندما كانت طفلة.
الآن، وهي جالسة بجانب أحدهم، لم تشعر بخوف.
"سأرحل قبل أن يجدوني."
لم تقل شيئًا عن أنها لا تعرف أين تذهب.
---
بقيت ليان لليلة.
ثم لليلة أخرى.
ثم لشهر.
ثم لعام.
كان ريان يراقبها عن بعد في البداية. لا يقترب كثيرًا، لا يتحدث كثيرًا. لكنه كان يترك لها الطعام أمام باب الكوخ كل صباح. كان يضع لها ماءً نظيفًا في إناء من الفخار. كان يتأكد من أن النار لا تنطفئ ليلًا.
وببطء، بدأت تتسلل إليه.
سألته عن الغابة، عن الداليال، عن قوتهم. في البداية كان يجيب بكلمات مقتضبة، خائفًا من أن تخبر البشر. لكن مع الوقت، بدأ يشرح. بدأ يحكي.
قال لها إن الداليال يولدون وعيونهم حمراء، وإن قوتهم تظهر في سن المراهقة. تظهر في عروقهم أولاً، خطوطًا ملونة تحت الجلد، ثم تخرج من أيديهم حين يحتاجونها. النار، الرياح، الثلج، الماء، الأرض. أخطرها البرق. لم يمتلكه أحد منذ مئات السنين.
قال إن الداليال يعيشون مع الحيوانات الأسطورية. التنانين تطير في سمائهم، والذئاب تركض في غاباتهم، والأحصنة المجنحة ترعى في سهولهم. يتحدثون معها، وتفهمهم. تعتبرهم حكامها.
قال إنهم ليسوا شياطين. إنهم مجرد بشر مختلفين.
في أحد الأيام، بينما كانا يجلسان على سطح الكوخ الخشبي، والشمس تغيب خلف الجبال لترسم السماء بألوان البرتقالي والبنفسجي، نظر إليها وسأل:
"ألا تشتاقين لعالمكِ؟"
نظرت إلى الأفق البعيد. إلى حيث تعلم أن القصر موجود. إلى حيث أبوها لا يزال يحكم، وربما لا يزال يبحث عنها.
"هذا عالمي الآن."
"الغابة؟"
"أنت."
صمت. نظر إليها. عيناه الحمراوان كانتا تخففان من حمرتهما في ضوء المغيب، فبدتا كالعسل الداكن. رأت فيه شيئًا لم تره من قبل. خوفًا. خوفًا من أن تحبه. خوفًا من أن تتركه.
مد يده، تلك اليد التي تخرج النار من عروقها عندما تغضب، ولمست وجهها. كانت أنامله خشنة من الصيد، لكن لمسها كانت ناعمة. ناعمة كأنه يلمس شيئًا مقدسًا.
"هل تندمين؟" سألها.
"على ماذا؟"
"على الهروب. على المجيء إلى هنا."
أمسكت بيده. شعرت بدفئها، بقوتها الكامنة تحت الجلد. تذكرت ليلة الزفاف، تذكرت العريس البارد العينين، تذكرت أباها الذي فضّل مصلحة المملكة على سعادتها.
قالت: "لو عدت بي الزمن إلى الوراء، لهربت ألف مرة. ألف مرة لأجل هذا. لأجلك."
تزوجا في صباح اليوم التالي.
لم يكن هناك قصور، ولا شهود من البشر، ولا موسيقى. فقط أشجار السرخس التي تلامس السحاب، وطيور الغابة تغرد فوق رؤوسهما، وذئاب الداليال المخلصة تجلس في حلقة حولهما كأنها تحرسهما. زعيم القبيلة - عم ريان - ألقى عليهما تعويذة الزواج القديمة بلغة الداليال، ووضع تاجين صغيرين من أوراق الشجر على رأسيهما.
في تلك اللحظة، كانت ليان تعتقد أن السعادة ممكنة. كانت تعتقد أن الهروب كان القرار الصحيح. كانت تعتقد أن المستقبل سيكون جميلاً.
لم تكن تعلم أن السعادة، مثل القمر، لها أوجه أيضًا. وأن وجهها المظلم كان يقترب ببطء.
---
في القصر، كان الأب يبكي.
فاريان، الحاكم العادل القاسي، الرجل الذي لا يعرف المجاملة ولا اللين، كان يجلس وحيدًا في غرفة ابنته. يلمس ملابسها المعلقة، يشم رائحتها العالقة في الوسادة، يمسح دموعه بكم قميصه.
بحث عنها طويلاً. أرسل الجنود في كل اتجاه. سأل كل من مر بالطريق. لكن الغابة كانت كبيرة، والداليال كانوا يحمون أسرارهم جيدًا. مرت الأشهر، ثم السنوات، واستسلم في النهاية لفكرة أنه ربما لن يراها مرة أخرى.
لكن القدر لم ينتهِ من عائلة الحاكم بعد.
كان هناك رجل يراقب من بعيد. اسمه كارلوس. شقيق زوجة فاريان المتوفاة، تلك التي ماتت وهي تلد ابنتهما الوحيدة التي لم تعش هي الأخرى. كان كارلوس دائمًا في الظل، دائمًا يبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيه، دائمًا يقول الكلمات المناسبة في الوقت المناسب.
كان يتربص بالعرش منذ زمن.
في أحد الأيام، جاء إلى فاريان. جلس بجانبه، وضع يده على كتفه، وقال بصوته الناعم كالحرير:
"أتعلم يا صديقي؟ أعتقد أنني رأيت ابنتك."
رفع فاريان رأسه. عيناه المتعبتان اتسعتا فجأة.
"أين؟ متى؟"
"في الغابة. مع الداليال."
صمت فاريان. الداليال. أعداؤه. من قتلوا جنوده في حروب الحدود. من يخافهم البشر.
"هل أنت متأكد؟"
"رأيتها بعيني. كانت مع أحدهم. تبدو سعيدة."
كلمة "سعيدة" كانت كالخنجر في قلب الأب. تركته ابنته لتعيش مع الوحوش؟ تركته لتكون سعيدة مع أعدائه؟
لكن كارلوس لم يقل الحقيقة كاملة. لم يقل إنه كان يتجسس على الغابة منذ شهور. لم يقل إنه يعرف مكان ليان بالضبط. لم يقل إن لديه خطته الخاصة.
بعد أيام قليلة، وجد فاريان ميتًا في فراشه.
قال الطبيب إنها سكتة قلبية. قال الجميع إن الحزن على ابنته قتله. صدق الجميع.
الجميع إلا كارلوس.
في الليلة نفسها، استدعى كارلوس حراس القصر. قال لهم إن شقيق الحاكم - شقيق فاريان الأصغر - هو من قتل أخاه. قال إنه رأى السم في كأس الشراب. قال إنه يجب إعدامه فورًا قبل أن يهرب.
تم إعدام شقيق الحاكم في صباح اليوم التالي.
وفي المساء، وقف كارلوس على شرفة القصر الكبرى، يراقب الغروب، ويبتسم.
أصبح الحاكم.
---
أما في الغابة، فلم يعلم أحد بما حدث.
ليان وريان كانا يعيشان في سعادة لا تعرفها إلا من خاف على حبها ثم وجده. هي تعلمه عن عالم البشر، عن القصور والعادات والطعام. هو يعلمها عن الغابة، عن الحيوانات، عن قوة الداليال التي تظهر في العروق.
وفي إحدى الليالي، بينما القمر مكتمل في السماء، حملت ليان.
كانت ليلة عادية، لكن شيئًا في الهواء كان مختلفًا. ريان قال لها إنه شعر به. الحيوانات كانت هادئة أكثر من اللازم، والرياح توقفت فجأة، والطيور توقفت عن التغريد.
"غدًا سيحدث شيء،" قال وهو يلف ذراعيه حولها.
ضحكت. "أنت تتخيل."
لكنها كانت تخاف. كانت تخاف من أن السعادة لا تدوم.
وبعد تسعة أشهر، في ليلة كان القمر فيها أزرق، وضعت ليان توأمًا.
الفتاة أولاً. صرختها القوية اخترقت صمت الغابة. كان شعرها بلون رمادي فاتح يميل للفضي، وفيه لمحة زرقاء خفيفة كأنها غيوم صغيرة ساكنة. ثم نظرت إلى عينيها المفتوحتين فجأة على هذا العالم الواسع. كانتا رماديتين، فيهما لمحة زرقاء كلون شعرها.
ثم الفتى. خرج بعدها بلحظات كأنه كان ينتظرها. كان يشبه أمه أكثر. كان شعره أيضًا رمادياً فاتحاً يميل للفضي، لكن عيناه كانتا مختلفتين. كهرمانيتان، ذهبيتان تميلان للعسل، تلمعان في ضوء النار الخافت.
نظر ريان إليهما، والدموع تملأ عينيه. "داليسين. كلاهما داليسين."
سمتهما ريان وليال. ريان على اسم والده، وليال لأنها ولدت في ليلة القمر الأزرق.
في تلك الليلة نفسها، في أعماق المحيط، أنجبت احد النساء طفلة. سمتها لاريا. كان شعرها اسود كالظلام، وعيناها زرقواتان، ورئتاها الصغيرتان تتنفسان الماء كأنها كانت تفعل ذلك منذ الأزل.
لم يعلم أحد في تلك الليلة أن القمر الأزرق يجمع مصائرهم الثلاثة. لم يعلم أحد أن هذه الولادات الثلاثة ستغير مصير العالم.
---
مرت سنوات.
ليان و ريان كانا سعيدين. أطفالهما يكبرون في الغابة، يتعلمون الصيد من أبيهم، ويتعلمون حكايات البشر من أمهم. الغابة كانت آمنة، والداليال كانوا يعيشون بسلام مع بعضهم البعض.
لكن كارلوس، الحاكم الجديد، لم ينسَ الداليال.
في أحد الأيام، وقف في شرفة القصر، ونظر نحو الغابة البعيدة. التفت إلى وزيره وسأل: "ما رأيك في الداليال؟"
تردد الوزير. "إنهم... مختلفون يا مولاي."
"مختلفون؟" ضحك كارلوس. "هم خطر. خطر على مملكتنا. خطر على أطفالنا."
وبدأ في نشر الإشاعات.
قال إن الداليال يسرقون الأطفال في الليل. قال إنهم يجلبون الظلام أينما ذهبوا. قال إنهم ليسوا بشرًا، إنهم شياطين يجب تطهير الأرض منهم.
الناس صدقوه. الناس دائمًا يصدقون من يملك السلطة.
ثم بدأ كارلوس خطته الحقيقية.
أرسل رسلًا إلى الداليال. قال إنه يريد السلام، يريد التعايش، يريد مصالحة تاريخية. قال إنه سيرسل لهم طعامًا كهدية، طعامًا فاخرًا من القصر، كدليل على حسن النية.
الداليال فرحوا. ظنوا أن العهد القديم سيعود. ظنوا أن أيام السلام عادت.
أكلوا من الطعام.
في اليوم التالي، بدأوا يمرضون. لم يموتوا فورًا، بل ضعفوا. ضعفت قوتهم، ضعفت أجسامهم، صاروا كالذباب يتخبطون في وحل الموت.
وفي الليلة التي تلت ذلك، هاجم البشر.
---
كان ريان في الكوخ مع ليان وأطفالهما حين سمع الصرخات.
صرخات من بعيد. صرخات ألم. صرخات موت.
خرج مسرعًا. رأى الدخان يتصاعد من جهة الغابة العميقة. رأى النيران تأكل الأشجار التي عاشت مئات السنين. رأى السهام تمطر من السماء كالمطر الأسود.
التفت إلى ليان. عيناه كانتا تخافان لأول مرة في حياته.
"خبئي الأطفال. خبئيهم ولا تخرجي حتى أعود."
"ريان..."
"أطيعيني يا حبيبتي. أطيعيني هذه المرة فقط."
أخذت ريان الصغير، الابن، وربطته على ظهرها. نظرت إلى ليال، الابنة، التي كانت تبكي في سريرها. لم تستطع حملهما معًا. الغابة تحترق، والسهام تتساقط، والموت يقترب.
صرخ ريان: "خذي الولد! سآخذ البنت وألحق بك!"
ترددت للحظة. لحظة واحدة فقط. ثم ركضت.
ركضت بين الأشجار المحترقة، والريح يلسع وجهها، وصغيرها يبكي على ظهرها. ركضت حتى وصلت إلى حافة الغابة، إلى مكان لا يعرفه إلا هي وريان. مكان سري، خلف الشلال، حيث كهف لا يراه أحد.
وضعت الطفل داخله، وغطته بأوراق الشجر. قبلت جبينه، وهمست: "انتظريني. سأعود مع أبيك وأختك."
ثم عادت.
لكنها عندما عادت، لم تجد الغابة. وجدت رمادًا.
النيران أكلت كل شيء. الأشجار، الحيوانات، أكواخ الداليال. ورأت جثثًا في كل مكان. جثث من عرفتهم، من أحبتهم، من عاشت معهم سنوات.
وبين الجثث، وجدت طفلًا صغيرًا. كان على وشك الموت، جسده يرتجف، وعيناه الزائغتان تبحثان عن شيء يرتكان إليه.
اقتربت منه. أمسك بيدها بصعوبة. همس بصوت خافت كأنه آخر زفير في الدنيا:
"سيدي الأمير... قتلوه. كلهم... ماتوا."
سقطت الدنيا من تحت قدميها. شعرت بأن الأرض تهتز، أو ربما هي التي كانت على وشك السقوط.
زوجها... ميت؟ وابنتها؟ الطفلة التي تركتها بين أحضان الغابة؟
نظرت إلى الطفل بعينين تبحثان عن أي أمل.
"البنت... أختي الصغيرة... لم نجدها. ربما أخذها أحدهم؟ لا أدري..."
ربما.
كلمة صغيرة، لكنها علقت في قلبها كالخنجر. إما أن تكون ابنتها ميتة، أو ضائعة في هذا العالم الملتهب.
لم يكن لديها وقت لتقرر. كانت رائحة الموت تطاردها. صرخات البشر تقترب. سهامهم تمطر الغابة من بعيد.
يدها الصغيرة تشبثت بيد ابنها الوحيد المتبقي. ركضت. ركضت حتى تآكلت قدماها.
وصلت إلى منحدر يطل على الهاوية. لا مفر. لا طريق. إلا...
نظرت إليه. إلى ابنها، إلى ريان الصغير. إلى عينيه. وضعت يدها على قلبه الصغير المتسارع، وشعرت بنبضه القوي.
هذا النبض هو كل ما تبقى من حياة زوجها. هذا النبض هو مستقبل الداليال.
رفعت يديها إلى السماء. تذكرت شيئًا قاله لها ريان قديمًا: "البوابات موجودة في كل مكان. لكن لا يراها إلا من كان قلبه نقيًا. ومن كان على وشك الموت."
كانت على وشك الموت.
وفتحت البوابة.
الهواء نفسه تشقق أمامها كأنه قماش يُمزق. نور أزرق خرج من العدم، ورأت من خلاله عالمًا آخر. عالمًا بعيدًا، بمبانٍ عالية، وبحر لا نهاية له.
أمسكت بابنها. نظرت في عينيه لآخر مرة. رأت فيه خوفه، حيرته، جهله بما يحدث. رأت فيه براءته التي ستُقتل اليوم إن بقيت معها.
وبكل القوة التي تبقى لديها، دفعته إلى داخل النور.
رأت وجهه يمتلئ رعبًا، يديه الصغيرتين تمدان إليها، صرخته تخترق صمتها:
"ماما!"
آخر ما رآه قبل أن يختفي في العالم الآخر، كان دمعة تنزل من عينها وهي تعلق حول رقبته قلادة جدها هالين فاريس. أول حاكم للعالم. قلادة من نور.
"عش..." همست.
ثم انطوت البوابة خلفه كأنها لم تكن.
التفتت نحو الغابة. نحو السهام. نحو الموت. سمعت خطوات البشر تقترب. سمعت صرخاتهم: "اقتلوها! إنها دالية أخرى!"
وقفت شامخة. رفعت رأسها عاليًا. نظرت إلى السماء للمرة الأخيرة.
هي أميرة. هي زوجة أمير الداليال. وسيموتون كما عاشوا: شامخين.
السهام اخترقت جسدها.
سقطت على الأرض، وعيناها لا تزالان مفتوحتين، تحدقان في السماء الزرقاء.
---
في غابة الداليال المحترقة، حيث الرماد يغطي كل شيء، كانت الطفلة الصغيرة تبكي.
ليال، ابنة ليان وريان، وضعها أبوها بين النباتات الكثيفة قبل أن يذهب للموت. كانت تختبئ هناك، لا تفهم ما يحدث، تسمع صرخات، تشم رائحة دخان، ترى نيرانًا من بعيد. تبكي بصوت عالٍ، لا تعرف أن صوتها قد يجلب الموت.
لكن الموت لم يأتها.
جاءها رجل عجوز. كان يمشي بين الجثث، يبحث عن ناجين، أو ربما يبحث عن ضميره الذي فقده منذ زمن. كان أحد الذين ساعدوا كارلوس في نشر المرض بين الداليال. كان أحد الذين وضعوا السم في الطعام. كان نادمًا.
سمع بكاء الطفلة. تبع الصوت حتى وصل إليها.
كانت صغيرة جدًا. ربما عام ونصف. كانت ترتجف من الخوف والبرد.
نظر إليها العجوز. نظر إلى عينيها. تذكر كل ما فعله. تذكر كل من ماتوا بسببه.
بكى.
ثم حمل الطفلة بين ذراعيه، ولفها بعباءته، ومشى بعيدًا.
قرر أن يربيها. ليس حبًا بها، بل ليطهر نفسه من ذنوبه. أو ربما ليجد شيئًا يعيش من أجله بعد أن أصبح قاتلًا.
---
أما الولد، ريان الصغير، فكان يبكي وحيدًا على شاطئ بحر لا يعرفه.
في عالم آخر. في مدينة اسمها سيول.
عائلة كانت في رحلة وسط البحار وجدته. طفل صغير يبكي على الشاطئ، وفي رقبته قلادة تضيء في الظلام. أخذته العائلة، ربته، أحبته.
كبر وهو لا يعرف من يكون. لا يعرف عن الداليال، ولا عن الغابة، ولا عن أمه التي ضحت بحياتها لتنقذه.
لكن في الليل، كان يحلم
كان يحلم بغابة تحترق. بامرأة تدفعه نحو نور أزرق. بصوت يقول له: "عش." كان يستيقظ وفي عينيه دموع لا يعرف سببها، وقلبه يدق كأنه يركض من شيء لا يراه.
كان يلمس القلادة في رقبته، تشعره بالدفء، لكنها لا تجيبه عن أسئلته.
من أنا؟ من أين جئت؟ لماذا أشعر أنني خسرت?
وفي مكان بعيد، تحت سطح المحيط، كانت لاريا تكبر بين الهالستات. شعرها الاسود يطوف حولها كالهالة، وعيناها الزرقواتان تحدقان في الظلام. كانت تشعر أيضًا بشيء غريب. كأن هناك من ينادينيها من مكان بعيد. كأن هناك خيطًا يربطها بشيء... بشخصين... لا تعرفهم.
وفي الغابة، بين أناس يخافون منها ويخافون منها، كانت ليال تكبر مع العجوز النادم. كانت تسمع همسات الناس: "داليس." "ابنة الشياطين." "عينها غريبة."
لكنها كانت تمسك بيد جدها الجديد، وتسأله: "هل صحيح أن عيوني غريبة؟"
كان ينظر إليها. إلى عينيها الرماديتين المختلطتين بزرقة خفيفة. ثم يبتسم بحزن: "لا يا صغيرتي. عيونك جميلة. عيونك نادرة."
كانت ليال تشعر أنه يكذب. لكنها كانت تصدقه.
وفي الليل، كانت هي أيضًا تحلم.
تحلم بغابة خضراء. بامرأة تضمها. برجل بعيون كهرمانية يشبهها. تحلم بشخص لا تعرفه لكنه يسكن في قلبها.
تحلم بأخيها.
الطفل الآخر الذي ولد معها في ليلة القمر الأزرق.
الطفل الذي لا تعرف أنه حي.
الطفل الذي لا تعرف أنه في عالم آخر.
الطفل الذي لا تعرف أنه يحلم بها أيضًا