روايه خلف أبواب السكن
جاري التحميل...
خلف أبواب السكن
إيمالين عايشة في صراع بين قلبها اللي بدأ يدق لـ "بريستون" وعقلها اللي رافض أي تشتيت يبعدها عن حلم البطولة، وشايفة إن الحب فخ وقعت فيه بنات غيرها وضيع مستقبلهن. بتحاول تسيطر على حياتها بالورقة والقلم وتتحمل وجع التمرين عشان تثبت إنها قد المسؤولية، بس اليوم اللي بدأ بتعب الرقص انتهى بصدمة عمرها. اللحظة اللي كانت مستنية فيها ترتاح في الحمام الدافي، تحولت لكابوس حقيقي لما لقت المباحث الفيدرالية على بابها بتهدد أمنها واستقرارها.
وده بالذات اللي كانت بتعمله عشان تحشر نفسها وتأخد مكان "البريما باليرينا" (الراقصة الأولى). المكان اللي أنا طفحت الكوتة سنين عشان أوصله. مش معنى كدة إن اللقب ده مضمون للأبد؛ مكانة الراقصة في الفرقة ممكن تتغير في ثانية لألف سبب وسبب. مثلاً، لو اتصبتِ، أو لو واحدة تانية رقصت الدور أحسن منك—حتى لو مريتِ بأسبوع وحش أو وزنك زاد كام كيلو—المدرسين ممكن يغيروا رأيهم ويقلبوا الكراسي الموسيقية. الخلاصة، إن دايماً فيه حد عينه على القمة، وده معناه إن ليا أعداء كتير.
سكارليت كانت أكتر واحدة صوتها عالي فيهم.. وأكتر واحدة مستفزة.
كان نفسي أرد عليها بكلمتين يطيروا جبهتها، ويمكن كمان أقول لي لفظين كدة ولا كدة. بس الحقيقة.. أنا كان نفسي أغلبها أكتر. عشان كدة، ركزت في الحصة، وبحاول أثبت لـ "ميس ديان" إن سرحاني من شوية كان غلطة عابرة، وإني مخلصة للفرقة دي بكل كياني.
لبست نضارة الغمامة بتاعتي ودخلت في "المود" تاني.
المكان اللي بنتمي ليه.
الباليه كان هو حياتي. من وأنا عندي ست سنين، لما جرجروني ورا أختي في حصتها يوم سبت بعد الظهر. قبل ما الصغيرين حتى يخلصوا تسخين، كنت وقعت في حبه. حب من أول نظرة، حب "أنا عرفت أنا عاوزة أعمل إيه في حياتي"، هوس، حب بياكل العقل والقلب، جنان رسمي.
كنت بعشق كل تفصيلة فيه. اللبس—الجيبات اللي بتطير حواليا وأنا بتتحرك، الـ "ليوتار" اللي لازق على جسمي ومبين عضلاتي القوية والرفيعة في نفس الوقت. حتى الشرابات البمبي اللي بتهري الجسم، والجزم اللي مقدمتها خشب وبتعصر صوابعي وتسيبها حمراء وملتهبة ومليانة فاقاقيع دم، كل دي كانت أعراض جانبية مقبولة لشغفي الجديد. زي جروح المعارك اللي بتثبت إخلاصي للفن ده.
ومفيش أحسن من ريحة استوديو الرقص. ريحة الورنيش النفاذة اللي مدهون بيها الأرض، وريحة "الروزين" (القلفونية) اللي طايرة في الجو—الحاجات دي بالنسبة لناس زيي كانت زي المغناطيس.
بس فعل الرقص نفسه هو اللي خلى حياتي مستحيل تروح لأي حاجة تانية. فيه سر في إنك توهبي نفسك للحركات، وتستخدمي جسمك عشان تحكي قصة. كل حركة بتبقى لوحة فنية، حاجة في منتهى الجمال. لما برقص، مفيش أي حاجة تانية بتفرق. ولا حاجة. كنت بكون ضعيفة قدام السحر اللي بيسحبني للرقص ده.
دلوقتي، وأنا عندي 17 سنة، أخيراً شقيت طريقي وطلعت في الفرقة، وقبلت برضايا إن ده يكون كل عالمي. بالنسبة لي، مفيش أي حاجة موجودة بره الحيطان اللي كلها مرايات دي. مكنش ينفع يكون فيه، لو كنت عاوزة أبقى "عظيمة" في مجالي.
الباليه ركبني من أول يوم، ومفيش يوم عدا إلا وكنت بطلب منه أكتر.
"أشوفكم بكرة،" ميس ديان ندهت وهي بتصقف بإيدها عشان تعلن نهاية الحصة. "ومحدش ينسى يجهز الـ 8 عدات بتوعه. هنرقصهم وكل واحد هينقد التاني. اللي مش هييجي جاهز، الأحسن مياجيش خالص."
"يا عيني على السكر والشربات اللي بتنقطه،" زهار قالها بتريقة وهو بيهمس لي وإحنا رايحين نقعد على واحدة من الكنبات.
رديت عليه بصدق: "مش لازم تكون طيبة، المهم تكون شاطرة. أو على الأقل، تقدر تطلع الشطارة اللي فينا."
زهار كان عارف إن عندي حق، بس هز راسه برضه.
قلعت جزمتي بحذر، وبصيت على الخساير. الجلد كان متقشر خالص من على أربع صوابع على الأقل، والعضم البارز في رجلي كان واجعني ومحمر. اتنهدت ورفعت طرف الشراب لحد ما كاحلي ورجلي بقوا برا. طلعت شنطة الإسعافات الأولية "البيتي" بتاعتي من الشنطة وبدأت أضمد جروحي. مكنش فارق معايا إن اللف مش مظبوط، لأن التنظيف الحقيقي هيبقى في البيت بعد الدوش.
لما خلصت، ربطت جزمة الباليه وحشرت شوية مناديل ورق في المقدمة عشان تشرب الدم الزيادة لحد المرة الجاية اللي هلبسها فيها. اللي هي هتبقى بكرة.
مفيش راحة للتعبانين.
"فيه ناس محتاجة 'باديكير' ضروري،" زهار قالها وهو بيمصمص شفايفه. "مش هتعرفي تشقطي أي حد ورجلك عاملة زي رجلين العفاريت كدة."
قلبت عيني بملل، بس ضحكت غصب عني. زهار دايماً كدة. بيعبر عن حبه واحترامه لعلاقتنا الغريبة دي بنكش وتريقة لطيفة عشان يخرجني من قوقعة الباليه اللي أنا فيها. هو فعلاً مكنش مستني مني أتغير—عارف إني دماغ ناشفة—بس كان بيحاول لعل وعسى شخصيته المنطلقة تأثر فيا. ده حالنا من سنين، ومكنش ينفع نكون "إحنا" من غير الحوارات دي.
"والله كويس إني مش بحاول أشقط رجالة، صح؟" رديت عليه وأنا بلبس الـ "شبشب" براحة. لبست بلوفر أخضر خفيف، وغيرت الجيبة الشفافة بواحدة سودة تقيلة، وقمت مشيت ناحية الباب وزهار ورايا على طول.
"هتعنسي في الآخر لو ما أخدتيش بالك،" فضل يلقي عليا محاضرات وإحنا ماشيين في الشارع.
قلت بتفكير: "والله أنا شاطرة في الترتيب والتنظيم."
رد عليا: "أظن المصطلح الصح هو 'وسواس قهري'. بس بجد يا إيمي، ساعات بحس إنك مش عارفة إيه اللي فايتك."
"فيه حاجات أهم في الحياة من الولاد يا زهار،" قلت الجملة اللي بنكررها في خناقتنا كل أسبوع.
"يا ساتر! اقطعي لسانك،" زهار قالها وهو مبهور. "الولاد المزز هما اللي بيخلوا الحياة تستاهل الواحد يتعب فيها."
جاء دوري أبص له باستغراب. "أظن إنك محتاج تعيد ترتيب أولوياتك يا صاحبي، الولاد دول مجرد تضييع وقت."
"يا محلى تضييع الوقت ده،" زهار قالها وهو مركز نظره على حاجة قدامنا. بصيت أشوف هو باصص على إيه، وفي ساعتها تمنيت لو مكنتش بصيت.
مش بعيد عننا بمسافة صغيرة، كان ماشي شاب جسمه رياضي وناشف، شنطته السودة راميها ورا ضهره بإهمال، وإيديه جوه جيوب بنطلونه الـ "سويت بانتس" الرمادي. حتى من ضهره، كنت عارفة ده مين.
"بريستون فيل".
أحدث المنضمين لفرقة "ريتشوند باليه"، وكان باين إنه نص مركز بس مع الكلام اللي سكارليت بتقوله مع شلة الرقاصين اللي حواليها. قميصه الأبيض الخفيف كان لازق على جسمه كأنه متفصل عليه مخصوص، ومبين عضلات ضهره وهي بتتحرك. وأول ما نظري بدأ يسرح لتحت شوية، لف وقفشنا وإحنا بنبص عليه.
نزلت عيني في الأرض بسرعة، وأنا بتمنى إن بريستون يطنش اللي شافه. للأسف، لما اتجرأت وبصيت تاني، لقيته وقف في نص الرصيف، وعلى وشه ابتسامة لئيمة، وهو مستنينا نحصله.
"زهار،" بريستون قالها ببساطة، وهز راسه لزميلي هزة "رجالي" كدة لما بقينا قريبين منه. زهار ابتسم وهز راسه هو كمان قبل ما يبص عليا عشان يشوف رد فعلي. حاولت أبص في أي حتة تانية غير الشاب اللي قدامي، وفكرت إني لو طنشته يمكن يمشي.
بس مفيش فايدة.
"أهلاً يا إيم،" بريستون كمل كلامه، وهو ماشي بضهره عشان يفضل مواكب خطواتنا. "باين كدة إنك كنتِ بتعاني شوية النهاردة."
"بلين جزمة جديدة،" قلتها وأنا بحاول أخلي صوتي طبيعي على قد ما أقدر. وكأني مش بكلم الشاب اللي متصنف إنه أهطل وأحلى رقاص في الاستوديو بتاعنا.
ده مجرد بني آدم مش إله.. ده مجرد بني آدم مش إله..
بريستون هز راسه، وعينه فضلت عليا. بدأت أحس بعدم ارتياح تحت نظراته، كأنه بيقرأ أفكاري. وأنا أكيد مش عاوزاه يعرف أنا بفكر في إيه بجد.
"طيب، التغيير دايماً كويس،" قالها بعد كام ثانية.
تمتمت: "لو أنت شايف كدة."
"أيوة شايف كدة،" قالها وعينيه فيها لمعة. "على فكرة، عندي خبرة في.. تليين الجزم الجديدة. لو محتاجة مساعدة في أي حاجة عرفيني."
كنت هتكعبل في رجلي وهو بيعاكسني عيني عينك كدة. مكنش حتى بيحاول يداري. ريقي نشف وأنا بحاول ألاقي كلمة أرد بيها.
"أنا تمام، شكراً،" قلتها بسرعة. "معايا زهار هنا لو احتجت حاجة."
زهار شخر (طلع صوت بوقه) جنبي، وضغطت على نفسي عشان ما أضربوش بكوعي في جنبه.
بريستون بص لي بنظرة تسلية، ومسح بإيده على شعره اللي بلون الكارميل وسابه منكوش في كل ناحية. سألت نفسي يا ترى ملمسه عامل إزاي، بس طردت الفكرة من دماغي فوراً.
"ماشي، لو غيرتي رأيك، أنتِ عارفة مكاني فين،" بريستون قالها وبعدين لف وجري يحصلهم.
بعد كام ثانية صمت، طلعت النفس اللي كنت حبساه وبصيت لزهار بحدة.
"شوفت؟ الولاد مجرد تشتيت،" قلتها بقوة. "تشتيت أنا مش مستعدة أدخله حياتي دلوقتي."
زهار فتح بوقه من الذهول. "أنتِ ناوية تطلعي راهبة ولا إيه؟ عشان ده اللي هيحصل لو فضلتي تطردي المزز اللي كدة،" قالها وهو باصص لبريستون بإعجاب وهو بيرجع لشلة سكارليت. وبعدين همس لنفسه: "ده أنا لو مكاني كنت أكلته أكل."
قلبت عيني بملل. "مش مهتمة،" قلتها بصوت عالي، وأنا بحاول أفكر نفسي بالحقيقة دي أنا كمان.
"يا بنتي أنتِ مجنونة،" زهار قالها وهو بيهز راسه بقلة حيلة.
قلت له وأنا بفتكر عينيه الخضرا الواضحة وفكه المنحوت بالملي: "شوف، أنا معترفة.. هو حلو. بس بيخليني أتوتر وأتلخبط، وهو عارف كدة ولسه بيتمادي في المعاكسة برضه. هو بيشتت تركيزي عن الباليه..."
قاطعني زهار: "أنتِ بتقولي كدة وكأنها حاجة وحشة!"
صممت على رأيي وقلت له: "بالنسبة لي هي كدة فعلاً. إني أدخل في علاقة في المرحلة دي من مشواري الفني يبقى غباء. أنا مش مستعدة أضيع فرصتي إني أكون الراقصة الأولى—مهما كان الواد ده مز. طموحي أكبر من كدة بكتير."
على مدار السنين، شفت بنات كتير سكة الحب سحبتهم. وأول ما العلاقات دي كانت بتنتهي—وهي لازم بتنتهي—الرقاصة منهم كانت بترجع لحبها الأول (الباليه)، بس عشان تكتشف إن مكانها في الفرقة طار وأخدته واحدة تانية. واحدة خلت فنها هو الأولوية الأولى في حياتها. وده بالظبط اللي أنا ناوية أعمله.
عشان أنا عاوزة أكون الأحسن.
من غير تفكير، عيني راحت تاني على بريستون، اللي كان مائل دلوقتي وبيقول حاجة لسكارليت مكنتش سامعاها. وفي ثانية، سكارليت رمت شعرها الأشقر ورا ضهرها وبصت لنا. أول ما شافتني كشرت بوزها، وقامت لفت لشلتها اللي كلهم كانوا ولاد. اتنين "جاي"، وواحد "ستريت"، وطبعاً معاهم بريستون. اختيار سكارليت للي بيمشوا معاها مكنش مفاجأة، خصوصاً إنها مكنتش من نوع البنات اللي بتصاحب بنات. بالنسبة لها، إحنا الأعداء. عقبة تانية لازم تعديها لو عاوزة توصل للقمة.
بس برضه، ده كان حال أغلب البنات في الفرقة. صعب جداً تصاحبي واحدة بتموت وتشوفك بتفشلي. عشان كدة، أغلب البنات كانوا بيصاحبوا الرقاصين الولاد، أو بيختاروا صحابهم من بره الفرقة خالص.
أنا كنت في منتهى السعادة بوجودي مع زهار.
بعد ما الحصة خلصت، اتمشينا إحنا السبعة عشر—كلنا أعضاء في الفرقة—في مجموعات صغيرة في الشارع ناحية البيت. بالنسبة لأغلبنا، "البيت" ده هو مجموعة شقق صغيرة قريبة من الاستوديو، وكنا مسميينها "سكن الرقاصين". في الحقيقة، هي كانت مجرد عمارات عادية زي غيرها. مكانها جنب الطريق السريع وعلى بعد أقل من عشر شوارع من الاستوديو، والمباني دي كانت سكن لكل الرقاصين اللي اختاروا يعيشوا هناك وقت التدريب.
وبما إن فرقة "ريتشموند باليه" كانت الفرقة الحقيقية الوحيدة في محيط مئات الأميال، فكانت بتجذب باليرينات من كل حتة. وبما إن الأهالي مكنوش دايماً مستعدين يعزلوا عشان فن عيالهم، أو مش عاوزين يقضوا ساعات في العربية كل يوم، فالحل الوحيد كان إنهم يبعتوا عيالهم يعيشوا لوحدهم.
طبعاً مش لوحدهم تماماً. كان فيه مشرفين كبار عايشين في السكن عشان اللي سنهم تحت الـ 18. وطبعاً فيه رقاصين كبار كتير عايشين هناك، فالموضوع مكنش "سداح مداح" ولا حرية مطلقة يعني.
ومع كدة، كل واحد فينا كان ليه شقته الخاصة، بمطبخها وحمامها وأوضة نومها وصالتها. كنا عايشين حياتنا زي ما إحنا عاوزين في أغلب الوقت؛ بنختار ناكل إيه وإمتى، وننام إمتى، ونخرج مع مين. الإيجار كان لازم يدفع في ميعاده، وكنا بنصرف أمورنا بنفسنا أول بأول. الفرق الوحيد بين السكن ده وأي مكان تاني إن كل السكان بيقضوا أغلب وقتهم في الرقص.
بعد ما انضميت للفرقة وأنا عندي 13 سنة بس، قضيت أنا وماما السنتين اللي بعدهم في العربية؛ تلات ساعات كل يوم، أربع أيام في الأسبوع، رايحين جايين على الحصص. المشوار مكنش بس مجهد لينا إحنا الاتنين، ده كان مكلف كمان، وفي الآخر أهلي وافقوا إني أعيش جنب الاستوديو وقت كامل. وأهلي مكنوش بيطردوني يعني، بس الحقيقة إن كان فيه تلات عيال غيري في البيت محتاجين وقتهم واهتمامهم (ومصاريفهم) برضه.
فعشان كدة، رغم إنهم كانوا زعلانين وهما بيسيبوا "آخر العنقود" تمشي بدري عن المتوقع، بس كلنا كنا عارفين إن ده الصح لمصلحة العيلة. وطبعاً اللي ساعد في كدة إني دايماً كنت العاقلة في إخواتي، وغرقانة في الباليه لدرجة مكنتش بتخليني أعمل أي مشاكل تذكر. عشان كدة لما اتفتح موضوع استقلالي، كانوا عارفين إن الموضوع عملي أكتر منه رغبة في قطع حبل الود مع العيلة.
وقتها، كنت أكبر من سكارليت دلوقتي بحاجة بسيطة. وعند سني 16، كنت خلصت مدرستي بدري، واشتغلت في بنزينة قريبة، وكنت شايلة مصاريفي بشكل أو بآخر. أهلي لسه بيساعدوني لو احتجت، بس كنت بحس براحة وإني شلت حمل من عليهم. وكوني لوحدي، ومركزة في نفسي وبس، خلاني أقدر أدي كل اللي عندي للباليه.
"طيب، لو قررتِ إنك ممكن تستحملي شوية تشتيت، أنا رايح الـ 'لاف شاك' (كوخ الحب) النهاردة لو عاوزة تيجي،" زهار قالها وهو بيفوقني من سرحاني. "السهرة هناك هيكون فيها تلات حاجات بيبدأوا بحرف الـ د: درينكس (مشروبات)، ودلع، ودو—"
"أبوس إيدك ما تكملش الجملة،" قاطعته وأنا بغمض عيني بما إني مش هعرف أقفل ودني. ساعات بحس إن زهار بيقول كلام لمجرد إنه يشوفني وأنا بفرك من الكسوف. وفي أغلب الوقت بينجح.
زهار يمكن يكون عنده 20 سنة بس، ومعاه بطاقة مضروبة بتقول إنه 21، بس حتى أنا لازم أعترف إن شكله يبان أكبر من كدة. دايماً كان بيحاول يجرجري معاه للكافيهات والنايت كلاب، وردي دايماً كان هو هو. الحقيقة، حتى لو كنت غاوية الحاجات دي، كنت هبقى خايفة جداً إني أكسر القانون وأعمل كدة فعلاً.
قال لي: "اللي كنت بحاول أقوله إننا هنقضي وقت ممتع. أنتِ عارفة يعني إيه متعة، صح؟ دي الحاجة اللي المفروض كلنا نحس بيها من وقت للتاني."
رفعت حاجبي وقلت له: "فيه ناس مصممة تحس بيها كل ليلة."
رد عليا: "وده اللي مخليني رايق ومزاجي فل."
"طيب، شكراً على العرض، بس مضطرة أرفض شياكة دعوتك لسهرة الـ 'تلاتة د'.. رغم إن شكلهم يغري،" قلتها وإحنا داخلين الطريق اللي فيه شجر واللي بيوصل للباب الوراني بتاع الشقق. "وبعدين ورانا حصة بكرة ولسه محتاجة أتدرب."
"يا إيمي إحنا ورانا حصة كل يوم!"
رديت عليه: "ما هو ده السبب اللي مخلينا هنا، ولا إيه؟"
قال لي: "مش عارف عنك، بس أنا هنا عشان أرقص مع ناس حلوة وأحافظ على فورمتي الجامدة دي."
هدينا مشينا لما وصلنا لباب شقتي، وزهار رفع قميصه عشان يوريني عضلات بطنه الناشفة زي الصخر. الواد عنده حق، كان زي ما بيقولوا "عود فرنساوي". بجلد بلون الشوكولاتة الغامقة ومن غير ففوتة دهون، كان مثال للجمال. ومش بس جسمه اللي بيخطف العين؛ عينيه اللي شبه اللوز وشفايفه المليانة اللي بتترسم في أحلى ابتسامة، كان فعلاً "باكيدج" كاملة.
ضحكت على زهار وهو بيعمل حركات استعراضية في الساحة.
قلت له: "طيب، أنا بقى هنا عشان أكون الأحسن. عشان أكون الراقصة الأولى. وأرقص جيزيل. وماعنديش وقت أعمل أي حاجة تانية."
دي كانت حياتي طول ما أنا فاكرة. الناس ممكن توصفها بأنها "منغلقة". كنت بكرة الكلمة دي. فيها نبرة تعالي، وكأن حياتي ناقصة حاجة مقارنة بالباقيين. بس حياتي كانت بالظبط زي ما أنا عاوزاها. كل التعب والتركيز ده يستاهل. وإيه يعني لو ضحيت بحياتي الاجتماعية؟ أنا أصلاً نص الوقت مش ببقى عاوزة أشوف حد.
زهار ضم شفايفه وطرقع صوابعه وقال لي: "عاش يا وحش، كملي."
ضحكت تاني وأخدت خطوة ناحية باب شقتي. كنت بسيب الباب مفتوح من غير قفل أغلب الوقت، ولما لفيت الأكرة، اتفتح معايا بسهولة.
رديت عليه: "أنت عارف إني دايماً بعمل كدة."
قال لي: "استمتعي بقى بليلتك وأنتِ نايمة بدري."
قلت له بهزار قبل ما أدخل وأقفل الباب: "وأنت استمتع بليلتك وأنت في الـ.. دياعة (صياعة)."
سندت بضهري على الباب لحظة، وريحت راسي لورا لحد ما لمست الخشب وأنا مستمتعة بالهدوء.
رقصنا أربع ساعات ونص النهاردة ورجلي كانت بتنقح عليا. مش عارفة زهار بيجيب طاقة منين يخرج بالليل بعد يوم كامل من الحصص. كل اللي كنت عاوزاه هو إني أخد حمام وأترمي في السرير.
بتنهيدة، بعدت عن الباب ومشيت في الصالة للمطبخ، ورميت شنطة الرقص على الترابيزة.
بس لسه بدري على النوم. لسه لازم أتدرب على الحركات عشان حصة الصبح، وأدفع كام فاتورة أونلاين، وأغسل غسيل. النهاردة كانت أول ليلة إجازة ليا من الشغل من أكتر من أسبوع، وده معناه إن هدومي الوسخة كومت فوق بعضها. لأ، النوم لسه عليه كتير.
أوف. ساعات "عالم الكبار" ده بيبقى بجد حاجة تقرف.
أخدت علبة زبادي وإزازة مية من التلاجة، واتجرت برجلي بتعب للحمام. كل اللي محتاجاه دلوقتي هو حمام دافي. أول ما أنظف نفسي، هحس إني أحسن وهقدر أكمل بقية الليلة.
صوت المية وهي نازلة ملى الأوضة الصغيرة وأنا بقلع هدومي العرقانة وسبتها كومة على الأرض جنب رجلي. رفعت إيدي وشديت التوكة من شعري، وسبت خصلات شعري اللي بلون الكستناء تنزل براحتها على كتافي وضهري.
الناس كانت بتقول إن شعري من أحلى ميزاتي. تقيل وبيلمع، وبيوصل لحد المنطقة اللي فوق ضهري من تحت. مش ناس كتير بتشوفه مفرود، بما إنه دايماً مربوط لورا. بس في المرات القليلة اللي بسيبه فيها، دايماً كنت باخد عليه كلام حلو.
ميلت لقدام وبصيت لوشي في المراية، واتضايقت لما لقيت كام نقطة "نمش" زيادة ظهروا على مناخيري وخدودي المنقطين أصلاً. يا ربي، بتهزروا؟ مشيت صوابعي على النقط البني الصغيرة دي. ده أنا قعدت في الشمس 15 دقيقة بس من غير كريم شمس امبارح، وبسرعة كدة زادوا!
فيه ناس بتشوف النمش ده كيوت، بس أنا كنت بكرهه. بكره إنه بيطلع في أي وقت ومن غير إنذار. لما كنت صغيرة، أخويا كان بيغلس عليا ويقولي إن وشي باين كأن عليه طينة. ومن ساعتها وأنا متحسسة من الموضوع ده.
لحسن الحظ إن بشرتي لونها برونزي حلو، فالنمش بيداري شوية لو حد باصص لي من بعيد.
طبعاً كان ممكن أتجنب كل ده لو استعملت مكياج يغطيه. بس أنا كنت بكرة المكياج أكتر من كرهي للنمش. المرة الوحيدة اللي كنت بضعف فيها هي لما بكون على المسرح. وحتى وقتها، بكون مجبرة أعمل كدة.
رفعت رجلي على الحوض وبدأت أشيل الشاش اللي كنت لافاه. الناحية التانية من الشاش كانت غرقانة دم جديد، بس بصه سريعة على صوابعي بينت إنها بدأت تنشف.
تنظيف الحوار ده هيبقى مقرف. بدأت أكشف الرجل التانية واتوجعت لما حتة قطن لزقت في الجلد المتهربد.
ولسه هبدأ أنزل جسمي في المية اللي بيطلع منها بخار، سمعت خبط على باب الشقة.
قلت بزهق: "لأأأأأأأأأأ."
سألت نفسي يا ترى اللي بيخبط هيمشي لو مردتش؟ خبطة تانية، والمرة دي كانت أقوى، أثبتت لي إن ده مش هيحصل.
وأنا ببرطم، سحبت الروب بتاعي اللي كان متعلق ورا الباب ولفيته على جسمي، ومشيت بخطوات تقيلة في الطرقة لحد الباب.
"يا رب يكون فيه مصيبة—" بدأت جملتي وأنا بفتح الباب بعصبية. بس الكلام طار من على لساني أول ما شفت راجلين واقفين على العتبة.
واحد منهم قال بصوت خشن: "للأسف يا آنسة، فيه فعلاً." وأخد خطوة ناحيتي ورفع حاجة قدام وشي.
اتنفضت وأنا بحاول أفهم أنا شايفة إيه. حتة جلد على معدن، شكلهم مع بعض بيقول إن ده "كارنيه" أو شارة، رغم إني عمري ما شفت واحدة حقيقية قبل كدة. وكان مكتوب عليها تلات حروف.
"إف بي آي" (مكتب التحقيقات الفيدرالي).