نوفلو | Novloo: روايات شبابية
اللغة: العربية
#1 ترند نوفلو تحديث يومي جودة عالية

أنتِ الأمان نور

"إلى صديقتي… لم أكن يومًا أبحث عن الأمان، ولم أتخيل أن أجده صدفة في طريق قلبي. كنت أظن أن الأمان شيء بعيد، شيء نبحث عنه طويلًا بين الناس والأيام، لكنني اكتشفت معكِ أن بعض النِعَم لا نبحث عنها… بل يرسلها الله إلينا في الوقت الذي تكون فيه قلوبنا في أمسّ الحاجة إليها. حين عرفتكِ، أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد صدفة عابرة،

موصى به لك

روائع مختارة

الأقسام

أحدث الروايات

الرئيسية ربح

رواية أسيرة القدر | للكاتبة رنا هشام

أسيرة القدر
3.0

أسيرة القدر

مشاهدة

قصة الرواية

كانت تعيش حياة عادية… هادئة وبسيطة، حتى جاء ذلك الليل الذي قلب كل شيء رأسًا على عقب. لقاء غامض مع شاب لا تعرفه، لكنه يعرف عنها أكثر مما تتخيل… ويخبرها أن حياتها التي عاشتها طوال السنوات الماضية ليست الحقيقة كاملة. بين أسرار الماضي، وصراعات الحاضر، تجد نفسها عالقة في عالم لم تكن تتخيل يومًا أنها ستدخله. ومع ظهور الحقيقة تدريجيًا، تكتشف أن هناك خيوطًا كثيرة تربط مصيرها بمصير ذلك الرجل الغامض. فهل تستطيع مواجهة الحقيقة؟ أم أن القدر سيقودها إلى طريق لم تختره… لكنه كُتب لها منذ البداية؟

تفاصيل العمل

التصنيف: رومانسية - للمراهقين - كوميدية - عائلية - غموض وتشويق - أكشن
الكاتب:
الحالة: مستمرة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
ليان
ليان بنت عندها 17 سنة، عايشة حياة بسيطة جدًا مع أمها، هادئة وطيبة لكنها قوية من جواها أكتر مما الناس تتوقع. بتحب القراءة والهدوء، ودايمًا بتحاول تبعد عن المشاكل. لكن حياتها بتتغير فجأة لما تكتشف إن في سر كبير متعلق بماضي عيلتها، وإن حياتها اللي كانت فاكرة إنها عادية… فيها أسرار كتير مخفية عنها. مع الأحداث بتبدأ شخصيتها تتغير وتكتشف قوة جواها ماكنتش تعرف إنها موجودة.
اسم الشخصية
رعد
رعد شاب في منتصف العشرينات، قوي الشخصية وغامض جدًا. معروف بين الناس ببروده وقسوته، لكن الحقيقة إن وراه ماضي صعب خلاه بالشكل ده. رعد عنده نفوذ ومال، والكل بيخاف منه، لكنه الوحيد اللي يعرف الحقيقة الكاملة عن ماضي ليان. ومع الوقت بتتحول العلاقة بينهم من صراع وتوتر… لحب معقد مليان أسرار.

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

رواية أنا الدكتور

أنا الدكتور
6.7

أنا الدكتور

مشاهدة

قصة الرواية

دكتور نفسي بيستقبل حالات معقدة في عيادته في نص الليل، بس مع توالي الجلسات بيكتشف إن كل مرضاه بيربطهم سر واحد دموي. ولما بيقرر يواجههم بالحقيقة، بيكتشف الكارثة.. إن الخطر الحقيقي مش بيخبط على باب العيادة، الخطر محبوس معاه جوه عقله!

تفاصيل العمل

التصنيف: غموض وتشويق
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

الفراغ الذي لا يراه أحد | من رواية (أنتِ الأمان الذي لم أبحث عنه لكنه وجدني)

جاري التحميل...

الفراغ الذي لا يراه أحد

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

هناك أنواع كثيرة من الوحدة.
بعضها واضح يراه الجميع… وبعضها يسكن القلب بهدوء دون أن يلاحظه أحد.
كبرتُ وأنا أشعر بنوع غريب من الوحدة، رغم أنني لم أكن وحيدة فعلاً. كان حولي عائلة، وأصدقاء، وأشخاص يملؤون المكان ضجيجاً وكلاماً. لكن داخلي كان هناك فراغ صغير… فراغ لم يعرف أحد كيف يملؤه.
فراغ الأخت.
كنت أرى البنات حولي يتحدثن عن أخواتهن. أسمع ضحكاتهن، شجاراتهن الصغيرة، أسرارهن التي يتشاركنها في آخر الليل. كنت أبتسم أحياناً وأنا أستمع إليهن، لكن في داخلي كان هناك سؤال صغير يتكرر دائماً:
كيف يكون شعور أن يكون لديك أخت؟
لم يكن الأمر مجرد فضول… بل كان شعوراً عميقاً بالفقد. كنت أفتقد تلك الروح القريبة التي تشبهك دون أن تشرح نفسك لها. تلك التي تفهم صمتك قبل كلامك.
أمي كانت دائماً قريبة مني، وكانت تحبني كثيراً، لكن هناك أشياء في قلب الإنسان لا يستطيع أن يقولها لأهله مهما حاول. ليس لأنهم لن يفهموا… بل لأن بعض المشاعر تحتاج قلباً يشبه قلبك تماماً.
ولهذا ظل ذلك المكان في قلبي فارغاً… لسنوات.
إلى أن ظهرت مريم.
لم تكن البداية مميزة كما يحدث في القصص عادة. لم يكن هناك حدث كبير أو موقف درامي جمعنا لأول مرة. كانت البداية عادية جداً… لدرجة أنني لم أدرك وقتها أن حياتي ستتغير.
لكن مع مرور الأيام بدأت ألاحظ شيئاً غريباً.
مريم لم تكن مثل الآخرين.
كان فيها هدوء مختلف… هدوء يشبه الطمأنينة. عندما تتحدث تشعر أن كلماتها صادقة. وعندما تبتسم تشعر أن ابتسامتها ليست مجرد مجاملة.
كنت شخصاً حذراً بطبعي. لا أثق بسهولة، ولا أسمح لأي شخص أن يقترب كثيراً من عالمي. كنت أعتقد دائماً أن المسافة بيني وبين الناس هي الطريقة الوحيدة لحماية قلبي.
لكن مع مريم… لم أستطع أن أفعل ذلك.
كان هناك شيء فيها يجعلني أشعر بالأمان دون سبب واضح.
شيء يشبه شعور العودة إلى البيت بعد يوم طويل.
لم أدرك متى بدأنا نتقرب من بعضنا. لم يكن هناك إعلان رسمي لبداية الصداقة، ولم نتفق على شيء. كل ما حدث هو أن الأيام مرت… ووجدت نفسي أبحث عنها بعيني كلما دخلت مكاناً.
ووجدت نفسي أبتسم عندما أراها.
شيئاً فشيئاً أصبحت جزءاً من يومي… من تفكيري… من حياتي.
حتى جاء اليوم الذي قال فيه أحدهم جملة لم أنسها أبداً.
كنا نجلس مع مجموعة من الأصدقاء عندما نظر إلينا أحدهم وقال ضاحكاً:
"غريبة… لو كنتم أخوات بجد مش هتكونوا قريبين كده."
ضحك الجميع وقتها.
لكنني لم أضحك كثيراً.
لأنني في تلك اللحظة شعرت بشيء غريب في صدري… شعور يشبه الحقيقة التي كنت أخاف أن أعترف بها.
مريم لم تكن مجرد صديقة.
كانت الأخت التي لم تلدها أمي.
ومنذ ذلك اليوم… أصبحت علاقتنا شيئاً يتجاوز الصداقة بكثير.
شيئاً لا يستطيع أحد أن يضع له اسماً واضحاً.
كنا نخاف على بعضنا بطريقة غريبة. إذا تعبتُ كانت هي التي تقلق أكثر مني. وإذا مرضت هي أشعر كأن شيئاً في صدري ينقبض.
كانت علاقتنا مليئة بتفاصيل صغيرة… لكنها بالنسبة لي كانت أثمن من أشياء كثيرة في الحياة.
تفاصيل بسيطة قد لا يلاحظها أحد… لكنها كانت بالنسبة لي عالماً كاملاً.
عالماً صغيراً… اسمه مريم.
ولم أكن أعرف وقتها…
أن هذا العالم الصغير سيصبح يوماً أهم شيء في حياتي.
وأنني سأخاف عليه أكثر مما أخاف على نفسي.
               

حبيسة قلبه المظلم (الفصل الثاني)

جاري التحميل...

بدون عنوان

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

بعد عدة أعوام ..
" تبقى يومين وتخرج من هنا ..."
قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة .. 
" ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!"
نظر إليه نديم وأجاب :-
" تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج .."
أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-
" هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا ... ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. "
تغضن جبينه برفض :-
" أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب .. أعلم إنه ينتظرني الأسوء في الخارج ولكن ليست هنا المشكلة .. بل المشكلة تكمن في عدم قدرتي على المواجهة ... "
منحه مجد نظرة متعاطفة وهو يهتف به :-
" لا تحمل نفسك فوق طاقتها يا نديم .. أعلم إن ما مررت به حتى الآن أصعب ما يكون ولكن .."
صمت قليلا ينتقي كلماته بعناية قبل أن يكمل :-
" تذكر إنك بريء ولا ذنب لك فيما حدث .."
رسم نديم إبتسامة باهتة وهو يردد بمرارة :-
" وهل من حولي يعلم او حتى سيصدق هذا ..؟!"
" الله يعلم يا نديم .. وهذا وحده يكفي ..."
قالها مجد بثقة ليتأمله نديم بصمت وفي داخله أفكار متداخلة ومشاعر مختلطة يسيطر عليها اليأس والعذاب ..
..........................................................................
كانت تتأمل والدها وهو يتناول دواءه بقلق .. لقد تفاقم المرض عليه وحالته تزداد سوءا يوما بعد يوم ولا يوجد بيدها شيئا تفعله له ..
أخذت علبة الدواء منه وهي تدعو له بالشفاء ثم عادت ووضعت صينية الطعام أمامه تخبره بحنو :-
" تناول طعامك يا أبي .."
أخذ الأب ملعقة صغيرة من طبق الحساء الساخن وتناوله ثم سألها بإهتمام :-
" متى ستذهبين الى السيدة صباح يا حياة ..؟!"
أجابت وهي تجلس قباله :-
" سأذهب صباح الغد يا أبي .. "
ثم أكملت تطمأنه :-
" لا تقلق أبدا .. لقد تحدثت معها وتفهمت سبب غيابك بل إنها أخبرتني أيضا أن أذهب وأستلم منها راتبك الشهري كاملا ..."
تنهد فاضل وهو يهمس بضعف :-
" كم هي سيدة أصيلة .. رغم غيابي طوال الأسبوع الماضي إلا إنها لم تخصم من راتبي بقدر ما غبت كالعادة ..."
" بارك الله فيها ورزقها المزيد يا أبي .."
آمن على دعائها وهو يكمل :-
" وفرج عن إبنها وحيدها بأقرب وقت .."
آمنت على دعائه وهي تنهض مكانها ثم تخبره :-
" يجب أن أذهب الآن يا أبي .. سيبدأ موعد عملي في الصيدلية .. انتبه على نفسك وإذا إحتجت أي شيء إتصل بي فورا .. "
ثم طبعت قبلة على وجنته وخرجت متجهة الى عملها وشعور القلق على والدها لم يتركها لحظة واحدة فأخذت تعد الدقائق حتى ينتهي عملها وتعود إليه ...
........................................................................
جلس مجد بجانب نديم يسأله :-
" لماذا لا تتناول طعامك ..؟!"
أجاب نديم وهو يتطلع أمامه :-
" لا شهية لدي لتناول أي شيء ..."
شرد في أفكاره من جديد .. يفكر بها كعادته في كل يوم يقضيه هنا .. كم يشتاق إليها وكم يلعن نفسه لهذا الشوق الذي يعصف بكيانه ..
أطلق تنهيدة حارة خرجت من أعماق صدره ليسمع مجد يقول وهو يربت على كتفه :-
" هون على نفسك يا أخي .. كل شيء سيكون بخير بإذن الله ..."
" اللهم آمين ..."
قالها وهو يمسح على وجهه بإرهاق بينما قال مجد بصوت كئيب :-
" سأشتاق إليك حقا يا نديم .. الأيام القادمة ستكون سيئة للغاية بدونك .."
حدثه نديم بصديق :-
" هل تظن إنني سأتركك حقا دون زيارة ..؟! سأزورك بإستمرار .."
ثم نظر الإثنان الى ذلك السجين الجديد والذي يجلس منفردا بصمت منذ أن جاء الى هنا فيتسائل نديم بصوت خافت :-
" لم يتواصل مع أحد حتى الآن ، أليس كذلك ..؟!"
اومأ مجد وهو يهتف :-
" لدي فضول شديد للتعرف عليه وعن سبب دخوله هنا .."
ابتسم نديم بخفة وقال :-
" ستتعرف عليه لا تقلق وتعرف عنه كل شيء .. ألا تتذكر عند دخولي هنا لأول مرة ..؟! كنت منعزلا مثله تماما رافضا التواصل مع أحد .. لكنني تجاوزت صدمتي في النهاية .. هذا حال جميع من يدخل هنا .. "
أحاطه مجد من كتفيه مرددا بإبتسامة :-
" كانت صحبتك رائعة يا نديم .. "
رد نديم موافقا :-
" وصحبتك يا مجد .. كنت خير رفيق لي في أيامي المظلمة .."
أردف بجدية :-
" وسوف تستمر صحبتنا بإذن الله بعد خروجي وخروجك أنتَ بعدي ... "
" بإذن الله ..."
قالها مجد بملامح عاد يكسوها الضيق رغما عنه لتوديعه صديقه بعد يومين وعودته وحيدا بدونه ..
.........................................................................
في صباح اليوم التالي ..
في كلية الصيدلة ..
جلست حياة بجانب صديقتها مي التي هتفت بها :-
" تأخرتِ اليوم يا حياة وفاتتك المحاضرة الأولى ... ليس من عادتك التأخير وتفويت محاضرة ..."
ردت حياة وهي تبتسم بحزن :-
" انتظرت والدي حتى إستيقظ من نومه وتناول دوائه وإفطاره .. لم أشأ أن أوقظه مبكرا فهو بحاجة للراحة والنوم طويلا ..." 
سألتها مي بإهتمام :-
" وكيف أصبح الآن ..؟! هل تحسن وضعه ..؟!"
تنهدت حياة  وهي تجيب :-
" كلا يا مي ، ما زال وضعه كما هو وانا قلقة للغاية بشأنه .."
نظرت إليها  بشفقة من ذلك الحزن والخوف الذي يسيطران عليها منذ مرض والدها ..
تعرف كم تحب صديقتها والدها وكم إنها تخشى فقدانه فهي لا يوجد لديها غيره في الحياة ..
" لا بأس حبيبتي .. سيصبح وضعه أفضل بإذن الله .."
" يارب .."
قالتها حياة بتمني ثم انتبهت الى الإستاذ الذي دلف ملقيا تحية الصباح عليهم ..
ردت تحيته بخفوت وهي تفتح دفترها وتمسك قلمها كي تدون معه الملاحظات المهمة في الموضوع ..
إنتهت المحاضرة بعد ساعتين فنهضت حياة من مكانها ومعها مي التي همست لها :-
" لقد سألني عنكِ الدكتور ثامر قبل يومين بسبب تغيبك .. كان يبدو قلقا عليكِ يا حياة .. تحدثي معه .. "
رمقتها حياة بنظراتها صمتا بينما وقعت أنظار ثامر عليها الذي نادى عليها فشعرت بالإرتباك يغزوها وهي تسير نحوه تحت أنظار مي الفرحة لما يحدث ...
وقفت حياة أمامه فسألها بقلق ظهر بوضوح في نبرة صوته :-
" حياة .. هل أنتِ بخير ..؟! لقد تغيبت يومين كاملين وهذا ليس من عادتك .."
بالرغم من سعادتها بإهتمامه وقلقه الواضح إلا إن خجلها منه سيطر عليها بشدة فردت بصوت خافت مرتبك :-
" انا بخير دكتور ثامر ... والدي كان مريضا ويحتاجني بجواره ولم أستطع تركه لوحده أبدا .."
" وكيف أصبح وضعه الآن ..؟! ان شاءالله تحسن وأصبح أفضل ..."
نظرت إليه وردت :-
" ما زال وضعه كما هو لكن أتأمل بإذن الله أن يتحسن في الأيام القادمة ..."
" إن شاءالله .. لا أرغب بالتدخل ولكن ممَ يعاني والدك يا حياة ..؟!"
سألها بجدية ليظهر الحزن في نبرتها وهي تجيب :-
" يعاني من الربو المزمن ومشاكل تنفسية عديدة .. رئتاه متعبتان للغاية .."
نظر إليها بشفقة سرعان ما تحولت إلى إبتسامة يخبرها متفائلا :-
" سيتحسن في أقرب وقت إن شاءالله .."
أكمل بعدها بإهتمام صريح :-
" إذا إحتجت لأي شيء لا تترددي لحظة واحدة في التواصل معي .. أتحدث بشكل جدي وأتمنى أن تأخذي حديثي على نحو جدي يا حياة .."
منحته حياة إبتسامة خجولة وهي تومأ برأسها وترد بصوت خافت :-
" إن شاءالله .. اسمح لي بالمغادرة فمحاضرتي ستبدأ بعد قليل .."
" تفضلي يا حياة.."
قالها وهو يمنحها إبتسامة خاصة ثم إتبعها بنظراته وهي ترحل نحو صديقتها التي إستقبلتها بسعادة :-
" ماذا حدث ..؟! ماذا قال لكِ ..؟!"
" إصمتي الآن يا مي .. لقد شعرت بالإحراج الشديد منه ..."
ثم أكملت تخبرها بما قال لتهتف مي وهي تسير بجانبها تلف ذراعها حول ذراع حياة :-
" إنه مغرم بك .. الأمر لا يحتاج الى تفكير .."
صمتت حياة ولم ترد لتكمل مي بتساؤل فضولي :-
" لماذا لا تقولين شيئا ..؟! أخبريني .. ألا تشعرين بذلك ..؟! وماذا عنكِ ..؟! ألا تشعرين بالإعجاب نحوه ..؟!"
ردت حياة بعفوية :-
" بالطبع أشعر .."
إبتسمت مي وهي تردد برجاء :-
" جعله الله من نصيبك يا حياة ..."
وعندما وجدتها صامتة نهرتها :-
" قولي آمين .."
" آمين .."
قالتها حياة ضاحكة ثم أكملت بعجلة :-
" دعينا نذهب الى المحاضرة الآن .. لدي مشوار مهم بعد الإنتهاء منه .."
سارت الفتاتان مسرعتان نحو قاعة المحاضرات إستعدادا للمحاضرة التي ستبدأ بعد قليل ..
............................،..........................................
بعد إنتهاء المحاضرة ودعت حياة صديقتها ثم إستقلت احدى الحافلات متجهة الى المنطقة التي يقع بها منزل عائلة الخولي ...
هبطت حياة من الحافلة في منطقة قريبة من منطقتهم فأخذت تسير مشيا على الأقدام نحو منطقتهم حتى شعرت بالتعب شديد من طول الطريق فإضطرت أن تستأجر سيارة توصلها إلى منزلهم ..
توقفت سيارة الأجرة أمام الفيلا لتهبط منها حياة بعدما أعطت السائق أجرته ..
تأملت حياة الفيلا للحظات ثم خطت الى الداخل حيث سألها الحارس عن هويتها فأخبرته إنها إبنة فاضل الذي يشاركه عمله ..
رحب الحارس بها بشدة وهو يسألها عن أحوال والدها ويتمنى له الشفاء العاجل ..
قادها الى الداخل حيث فتحت لها الخادمة الباب والتي رحبت بها بدورها عندما أدركت هويتها ...
سارت حياة مع الخادمة نحو صالة الجلوس لتجلس على الكنبة بينما تخبرها الخادمة إنها ستنادي صباح حالا حيث الأخيرة بدورها تنتظرها ..
تأملت حياة الصالة الأنيقة بإعجاب شديد .. كانت المرة الأولى التي تزور فيها فيلا عائلة الخولي ... كانت الفيلا تليق بثرائهم المعروف في الأوساط الراقية ... 
سارت ببصرها نحو المكان عندما وقعت عيناها على مجموعة من الصور الموضوعة على طاولة عالية موجوده في ركن الغرفة ومن بين الصور العائلية تركزت عيناها على صورته بملامحه شديدة الوسامة والجاذبية ..
نهضت من مكانها وسارت نحو الصورة بعدم إنتباه لما تفعله عندما مسكت الصورة تنظر إليه عن قرب ..
تأملت ملامحه بتركيز شديد للحظات انتهت بنبضة غريبة بعثرت روحها ولم تدرك إن ملامحه تلك حُفِرت في قلبها قبل عقلها ...
كادت أن تعيد الصورة الى مكانها حينما صدح صوتا أنثويا حادا يصيح بها :-
" ماذا تفعلين هنا ..؟!"
ودون إرادة منها إنزلقت الصورة من بين يديها وسقطت أرضا ليتحطم الزجاج المحيط بها إلى أجزاء بينما ركضت السيدة نحو الصورة تحملها بكفها غير آبهة بذلك الزجاج المبعثر عليها والذي قد يجرح كفها ..
" أنا آسفة .. أعتذر بشدة .."
قالتها حياة بفزع مما حدث وهي تلعن فضولها الذي جعلها تتصرف هكذا ..
بينما نظرت ليلى إليها بحدة سيطرت على ملامحها الحسناء و حياة تنظر إليها بخجل لتخبرها بفظاظة:-
" ماذا كنتِ تفعلين بالصورة ومن أنتِ أساسا ..؟!"
إبتلعت حياة ريقها بصعوبة وهي ترد بحرج وعينين ترقرقت الدموع فيهما :-
" أنا آسفة ... والله لم أقصد ما .."
قاطعتها بنزق :-
" حسنا يكفي .. لا أريد سماع المزيد ..."
ثم نظرت الى الصورة بلهفة غير آلهة بجرح يدها الذي إنتبهت له حياة فهتفت بسرعة :-
" يدكِ ُجرحت يا هانم .. إنها تنزف .."
نظرت ليلى إلى يدها بلا إهتمام بينما صدح صوت صباح تهتف بعدما دخلت إليهم :-
" ماذا يحدث هنا ..؟!"
ثم ألقت نظرة عابرة على ليلى قبل أن تلتفت نحو حياة ترحب بها :-
" أنت حياة إذا .. أهلا بكِ إبنتي .."
رسمت حياة إبتسامة مرتعشة على شفتيها وردت بينما ليلى تنظر إلى الصورة بتركيز  :-
" أهلا يا هانم .. أعتذر على إزعاجك ولكن .."
قاطعتها صباح بإبتسامة صادقة :-
" أي إزعاج يا ابنتي ..؟! لا يوجد إزعاج .. تفضلي وإجلسي .."
ثم نظرت الى الزجاج المنثور على أرضية الغرفة بإستغراب ..
إلتفتت نحو ليلى تنوي نهرها لتسبقها حياة وهي تقول :
" أعتذر لما حدث ... لقد سقطت الصورة مني سهوا .. "
كانت حياة تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها في تلك اللحظة بينما إبتسمت صباح بخفة وهي تخبرها :-
" لا عليكِ يا إبنتي .. لم يحدث شيئا يستحق الإعتذار .."
ثم نادت على الخادمة كي تلملم الزجاج وإلتفتت نحو ليلى تقول :-
" هاتي الصورة من فضلك .."
إعترضت ليلى :-
" إتركيها معي .."
نظرت لها صباح بحدة قابلتها ليلى بنظرات مترجية لتشيح صباح بوجهها وهي تشير إلى حياة :-
" تفضلي يا ابنتي .. إجلسي وأخبريني كيف أصبح والدك .."
سارت حياة أمامها نحو الكنبة بينما خرجت ليلى مسرعة ومعها صورته ..
.............................................................................
دلفت ليلى الى غرفتها وهي تحمل صورته معها ...
فتحت باب الخزانة وأخرجت صندوقا ذهبيا يخصها ثم فتحته لتنظر إلى تلك الأشياء الموجوده بها الخاصة جدا إليها بألم لا ينتهي..
نظرت الى الصورة لتمسح عليها بكفها بشوق جارف قبل أن تضعها داخل الصورة وهي تكتم دموعها بقوة ...
وضعت الصندوق داخل الخزانة من جديد ثم اتجهت نحو الحمام تغسل كفها النازف ...
جففت كفيها واتجهت نحو السرير تتمدد بجسدها عليه تغمض عينيها وتتخيله من جديد ...
كيف مرت السنوات بدونه ..؟! سنوات مريرة لم ينتهِ بها يوما دون وصلة من البكاء عليه .. لم تشعر ولو لحظة بسعادة فأي سعادة تلك تشعرها في غيابه ..؟!
سيخرج ، سيخرج غدا وهو لا يعلم إنها أكثر من يتلهف لرؤيته .. سيخرج وربما في خروجه ستبدأ وصلة عذاب جديدة ومختلفة ..
سالت دموعها بغزارة وعادت الى المرة الوحيدة التي زارته فيها هناك في السجن بعد شهرين من محاكمته ...
كانت تجلس في المكان تنتظره بعينين مشتاقتين ولوعة تزداد كل يوم في غيابه ..
دلف أخيرا إليها بوجه شديد الذبول وعينين شديدتين الإحمرار ... ملامحه منهكة وقد فقد الكثير من وزنه ...
انتفضت من مكانها تسير نحوه تحتضنه بشدة بينما هو يقف في مكانه يداه منخفضتان نحو الأسفل رغم نبضات قلبه التي وصلت ذروتها بإقترابها منه ..
إبتعدت عنه ودموعها تسيل على خديها بغزارة بينما لسانها يهتف :-
" إشتقت إليك يا نديم ..إشتقت إليك يا حبيبي .."
ثم عادت تضمه نحوها وهي تشدد من إحتضانه تستنشق رائحته بشوق شديد  ...
بعد مدة إبتعدت عنه تسأله بعينين مترجيتين :-
"لماذا لا تتحدث يا حبيبي ...؟! تحدث.. قل اي شيء .."
وعندما لم تجد سوى الصمت بكت وهي تناجيه :-
" أجبني يا نديم.. قل شيئا أرجوك ... أتحمل أي شيء إلا صمتك هذا .."
نطق أخيرا ببرود :-
" لماذا جئتِ ..؟!"
اتسعت عيناها الباكيتان وهي تردد بعدم تصديق  :-
" ألا تريد مني زيارتك يا نديم ..؟! ألا ترغب برؤيتي ..؟!"
قاطعها بقسوة :-
" كلا لا أريد ولا أرغب بأي شيء ..."
عادت تبكي وهي تتوسله :-
" لا تفعل هذا أرجوك.. أعرف كم معاناتك ولكنني بجانبك وسأبقى معك ..."
" اخرجي من هنا حالا يا ليلى ولا تعودي ..."
قالها بإباء وعينين جامدتين رغم ذلك الوجع الذي ينحر روحه بسبب دموعها وبسبب ما يخبرها به مجبرا ..
هزت رأسها نفيا تعانده بشده :-
" لن أفعل .. سأزورك بإستمرار حتى تخرج من هنا .."
ثم أكملت وهي تحيط وجهه بكفيها :-
" أنا أحبك يا نديم ولا يمكنني الإبتعاد عنك .."
قبض على كفيها يبعدهما عنه بعنف ثم يقبض على ذراعيها يخبرها بصوت عصبي عالي قليلا :-
" ألا تفهمين ما أقوله ..؟! اخرجي من هنا ولا تأتي أبدا ... انا لا أريدك .. لا أرغب برؤيتك .. اخرجي واتركيني لعذابي يا ليلى .."
كان يهزها بعنف ولا وعي بينما دموعها تغرق وجنتيها لتندفع بجسدها نحو أحضانه تخبره بنحيب :-
" لا أستطيع .. لا أستطيع يا نديم .."
ثم إبتعدت عنه بعدما توقفت عن نحيبها تصيح به وهي تنظر الى وجهه :-
" لا أستطيع .. لا أستطيع.. كم مرة سأقولها .. ؟! ألا تفهم ...؟! "
عادت تبكي بصوت مرتفع لينظر الى الجانب بمشاعر ثائرة حاول تهدئتها لكنه فشل ..
عاد ينظرها إليها يخبرها بضعف :-
" لقد إنتهيت يا ليلى .. نديم إنتهي .. تدمر ... فقد كل شيء ولم يبقَ له سوى أشباحه التي  تحيط به من كل جانب .."
أردف وهو يراها تتوقف عن البكاء أخيرا وتنظر إليه بعدم تصديق :-
" إنتهى كل شيء يا ليلى ... "
هزت رأسها نفيا والدموع الحارة تهطل من جديد ليكمل :-
" لم يعد لدي مستقبل يا ليلى .. مستقبلي تدمر وحياتي بأكملها تدمرت كليا ... كل شيء جميل اختفى وحل محله الظلام والعذاب .."
كانت تستمع إليه وهي تهز رأسها نفيا عدة مرات بقوة بينما أغمض هو عينيه بألم قبل أن يفتحهما من جديد ويهتف أخيرا :-
" انسيني يا ليلى .. فأنا لا أنفعك .."
سمعا صوت الحارس يخبرهما بإنتهاء الزيارة لينظر إليها بوهن فتخبره بعدما مسحت وجهها بكفيها :-
" أنا لا أقوى على الحياة بدونك يا نديم ..؟! أنت كل شي بالنسبة لي .. حياتي بدونك فارغة لا شيء بها .. سأنتظرك يا نديم .. سأنتظرك حتى آخر العمر يا حبيبي ..."
ثم منحته إبتسامة عاشقة لطالما خصته بها ورحلت ...
رحلت تحمل قلبه معها كالعادة ...
أفاقت من ذكرياتها تبكي بعنف استمر طويلا حتى تعبت من البكاء فإعتدلت في جلستها تنظر الى كفها الذي غرق بالدماء من جديد ...
نهضت تسير نحو الحمام بتثاقل تغسل كفها قبل أن تقرر الهبوط الى الأسفل كي تربط جرحها جيدا فيتوقف نزيفه ..
.........................................................................
دلفت غالية الى المطبخ لتتفاجئ بليلى هناك وهي تربط يدها جيدا بعدما وضعت لاصقة الجروح على مكان الإصابة ...
اقتربت منها تسألها بقلق :-
" ما بها يدكِ يا ليلى ..؟! مالذي أصابها ..؟!"
ابتسمت ليلى بضعف وهي تجيب :-
" لقد جرحت .. جرحا خفيفا لا تقلقي ..."
أكملت برسمية :-
" أشكرك على إهتمامك ..."
نظرت إليها غالية بحزن على حالهما وما وصلا إليهما بعد صداقتهما بل إخوتهما التي بدأت منذ الطفولة ...
ألم تكن هي السبب في هذا ..؟! ألم تبدأ هي أولًا في هذا الأسلوب ..؟! لمَ يحزنها هذا الآن بعدما إتبعت الإسلوب الرسمي والجاف معها أولا .؟!
رفعت ليلى بصرها نحوها بعينين مقهورتين لتشيح غالية بوجهها بعيدا عنها ...
ما زالت تحمل جرحا داخلها مما فعلته .. ما زالت غير قادرة على تقبل تخليها عنه ... كيف لها أن تنسى كل هذا ..؟! كانت تعاني مثلها .. تعاني من فقدان أخ تحتاجه أكثر من أي شيء .. تعاني من فقدان صديقة تشتاق إليها بشدة ... في تلك الأعوام السابقة خسرت غالية الكثير ولم تعد قادرة على المزيد من الخسارة ..
ترقرقت الدموع داخل عينيها فأخذت تمسح عينيها بخفة لتنتبه ليلى عليها فتسألها بقلق وإضطراب :-
" غالية ..!! هل أنتِ بخير ..؟!"
هزت غالية رأسها دون رد ثم إستدارت نحوها بعدما سيطرت على دموعها :-
" لا يوجد شيء ... "
ثم نظرت الى كفها :-
" هل عالجتِ الجرح جيدا ..؟! ألا تحتاجين الى زيارة طبيب ...؟!"
ردت ليلى وقد تسرب الأمل إليها من عودة المياه الى مجاريها بينهما :-
" أنا بخير يا غالية لا تقلقي .."
ثم قبضت على كف غالية فجأة تخبرها برقة :-
" أشكرك على إهتمامك حقا .."
وقبل أن ترد غالية كان صوت والدتها يصدح عاليا :-
" غالية ..!! ماذا تفعلين في المطبخ ...؟!"
إستدارت غالية نحوها تخبرها بتردد :-
" كنت أرغب بتناول الماء فقط .. "
ثم إتجهت نحو الثلاجة تفتحها وتخرج منها الماء ...
نظرت صباح نحو ليلى بقسوة  وإنخفضت أنظارها لا أراديا نحو كفها لتشيح وجهها بعيدا عنها بضيق ...
امتلأت عينا ليلى بالدموع من قسوة صباح ومدى كرهها لها لتخرج مسرعة من المطبخ بينما اتجهت صباح نحو غالية تسألها بغضب :-
" ماذا كنتِ تفعلين هنا ..؟! هل كنتِ تتحدثين معها ..؟!"
وضعت غالية القدح جانبا ثم أخبرت والدتها :-
" كنت أطمئن عليها فقط .. يدها مجروحة يا أمي .."
قاطعتها صباح بنزق :-
" وما شأنك بها ..؟! لا تتحدثي معها ابدا يا غالية .."
" ما هذا الكلام يا أمي ..؟! أقول لكِ إن يدها مصابة ... "
أردفت وهي تنهد بصوت مسموع :
" يكفي يا أمي حقا .. يكفي ما تفعلينه .. لقد تعبت من كل هذا .. لا تنسي إن ليلى صديقتي المقربة وكانت بمثابة أختي .. ليس من السهل تخطي ما كان يجمعنا ..."
" وليس من السهل نسيان ما فعلته بأخيكِ يا غالية .. أم إنكِ نسيت بالفعل ..؟!" 
قالتها صباح بقوة وهي تذكرها  بالماضي لتهز غالية رأسها نفيا وهي ترد :-
" لم أنسَ أبدا يا أمي و لن أنسى .. لكن أشعر إننا بالغنا في قسوتنا عليها .."
تأملت والدتها وأكملت :-
" لم أعهدكِ يوما قاسية الى هذا الحد يا أمي ..."
هتفت صباح بألم ظهر على وجهها وفي نبرة صوتها :-
" هل تظنين إن هذا سهلا علي يا غالية ..؟! ليس من السهل أبدا أن أتصرف هكذا مع ليلى .. ليلى التي كانت بمثابة ابنتي .. ليلى التي تربت على يدي وكبرت أمام عيني .. لكنه ابني .. وحيدي .. ابني الذي لا أستطيع تحمل أن يصيبه أي مكروه أو ألم مهما كان بسيطا وما فعلته هي لم يكن بسيطا أبدا .."
هتفت غالية بصوت مبحوح ودموع حبيسة :-
" إشتقت إليه كثيرا يا أمي .."
ترقرقت الدموع داخل عيني والدتها أيضا لتقول :-
" سيخرج غدا يا غالية .. سيخرج أخيرا .. أنا فرحة للغاية يا ابنتي لكنني خائفة .. خائفة مما سأجده عليه ومما سيجده هو .."
احتضنتها غالية بقوة وهي تنظر نحو الأمام بعينين مدمعتين وداخلها ترجو الله أن يخفف على أخيها ويسدد خطاه ..
....................................................................

خرج أخيرا ...
خرج من سجنه الذي دام لسنوات ...
خرج من سجنه الى سجنٍ آخر ... سجن الحياة التي تغيرت كثيرا بعدما حدث ..
الحياة التي بات يراها مظلمة تشبه ظلام روحه الأبدي ...
خرج وفي داخله رهبة غريبة كأنه يرى النور لأول مرة ...
كم فكر في هذه اللحظة وكم تخيلها ولكنه لم يتمنها يوما ..!! 
كيف يتمناها وهو يدرك إن الخارج يحمل له الكثير ..؟!
الكثير مما لا يرغب به ..؟! مالذي ينتظره الآن ..؟!
نظرات شفقة أم كره وشماتة ..؟! نظرات تخفف عنه أم تثقل كاهله أكثر ..؟!
ينتظره مستقبل ضائع ومجهول وظلام من نوع آخر ...
أغمض عيناه للحظة إستنشق فيها الهواء مقررا ترك كل هذا جانبا والتمتع بشعور الحرية للحظة واحدة فقط وسيعود بعدها الى أفكاره المعتمة من جديد ..!!
               

رواية كان اسمها كارما (كاملة)

جاري التحميل...

كان اسمها كارما

"هل تساءلت يوماً إن كانت حياتك مجرد سلسلة من المصادفات، أم أنها حسابات دقيقة يجريها الكون في الخفاء؟" في سن الثالثة والأربعين، يقف "كريم" أمام مرآته لا ليحصي تجاعيد وجهه، بل ليواجه شتات ماضيه. تبدأ الحكاية من سؤال سكن ليله لسنوات: "ماذا كان بيني وبين أميرة؟".. ذلك الحب الذي لم يكتمل، والدروس التي كُتبت بمداد الألم والحيرة. بين نضج الأربعين واندفاع الثلاثين، تأخذنا الرواية في رحلة شعورية عميقة، تبحث في فلسفة "الكارما" وكيف يعيد القدر ترتيب الفوضى بداخلنا. يكتشف كريم أن كل تعرج في طريقه، وكل خيبة أمل، لم تكن سوى تمهيد لظهور "كارما" في حياته؛ تلك المرأة التي لم تكن مجرد حبيبة، بل كانت "التسوية" العادلة التي منحها له القدر، والروح التي جعلت من كتاباته واقعاً يعيشه لا مجرد كلمات على ورق. "كان اسمها كارما" ليست مجرد رواية عن الحب والزواج، بل هي سيرة ذاتية لكل قلب حاول أن يفهم نفسه، وبحث عن "الصدق" في زمن الزيف. هي حكاية عن الأبوة التي تغيرنا، وعن الكتابة التي تشفينا، وعن السلام الداخلي الذي نصل إليه حين ندرك أننا -برغم أخطائنا- كنا دائماً كافيين. اقتباس من الرواية: "تعلمت أن المشوار لا يبدأ بالوعد بالكمال.. بيبدأ بالحضور. وتعلمت أن الحب الحقيقي لا يخشى الزمن، لأن الجمال الحقيقي لا يشيخ أبداً."

تحميل الفصول...
المؤلف

كان اسمها كارما

رواية

 

1

كنت واقف قدام المرآة الصبح ده، ببص في وشي، وبحاول أفهم الشخص اللي بيبص فيا ده مين.

وشي اللي بيبص فيا ده مش هو نفس الوشي اللي كنت بشوفه من عشر سنين. الخطوط اللت فضلت خفيفة طول الوقت، بقت أعمق شوية. وعنيا اللي كانت دايماً بتبص للأمام بشوق، بقت أحياناً بتعكس حاجة زي الذكريات اللي ما بتمشيش. مش حاجة وحشة. بس حاجة بتفرق.

 

أنا كريم.

 

عندي دلوقتي ثلاثة وأربعين سنة. وعايز أحكيلكم حاجة.

 

مش حاجة هتغير حياتكم، ولا هدفها إنها تكون درس أو خلاصة حكمة من واحد عدى على تجربة وطلع منها بجواهر. لأ. هي بس حكاية واحد زيكم، عاش وتألم وانبسط وتاه واتلخبط واتأمل، وفي الآخر لقى نفسه واقف قدام المرآة ده وبيبص في عينيه ومش عارف يكدب على نفسه بعد كده.

 

الحكاية دي بدأت من اثنا عشر سنة فاتت. بدأت بسؤال بسيط بيبص لي من وسط الليل زي ما الفانوس بيبص من وسط الضلمة. سؤال من غير صوت بس بيملا الأوضة كلها.

 

طب إيه اللي كان بيني وبين أميرة؟

 

لو كنت عارف إجابة السؤال ده من زمان، كنت هوفر على نفسي سنين طويلة من التساؤل. بس أظن إن في حاجات محتاجة إن عمرك يكبر عشان تقدر تبص عليها بعيون أوضح.

 

السنة اللي كنت فيها اتنين وثلاثين، كنت شاغل دماغي بحاجات كتير غير السؤال ده. كنت بشتغل مسوق في شركة صغيرة في وسط البلد، شركة استيراد وتصدير، الشغل فيها ما كانش بيوقف إلا لما الساعة تتعدى التسعة أو العشرة بالليل، ولما كنا بنطلع كنا بنطلع ولا حاجة في الدنيا بتطلع معانا غير التعب. التعب ده كان له طعم مختلف عن تعب اليومين دول، كان تعب حلو شوية، لأنه كان بيقولك إنك قلبك كان مكانه ومعاه طموح.

 

بس في الوقت ده كمان، كنت بكتب.

 

الكتابة كانت الحاجة الوحيدة في حياتي اللي كانت بتاعتي أنا بالكامل. شغلي كان بتاع الشركة. البيت كان بتاع العيلة. بس الكلمات اللي بكتبها كانت بتاعتي أنا. كنت بنشرها على الفيسبوك، وكانت كلام رومانسي في الأغلب، لأني من جوايا كنت دايماً شايف الدنيا بعيون واحد بيدور على حاجة حلوة يحبها. مش دايماً عارف إيه اللي بيدور عليه، بس عارف إن في حاجة.

 

والناس كانت بتقرأ كلامي، وأحياناً بتحس إن فيه حد فاهمها. وده كان كفاية ليا.

 

كانت أميرة من أوائل الناس اللي قرأت كلامي. بس الحكاية مش هنا.

 

الحكاية إن أميرة فضلت تقرأ كلامي من بعيد، وبعدين اقتربت، وبعدين اتحولت من قارئة لحاجة أصعب من كده تتعرف عليها بكلمة واحدة.

 

وأنا بعد اثنا عشر سنة، بفهم إيه اللي كان.

 

الأيام اللي سبقت أميرة كانت ليها طعمها الخاص كمان.

 

كنت ابن البيت الوحيد. ماما وبابا وأنا. بيت صغير في منطقة في القاهرة ما كانتش الأفضل ولا الأوحش. زقاق ضيق وأصوات وجيران بتحس إنهم جزء من بيتك حتى لو ما طلبتش رأيهم. ماما راجل قوية بصراحة، واحدة عشر تاريخها كله كان بتقدم فيه مصلحة عيلتها على مصلحة نفسها من غير ما تشتكي. وبابا كان رجل صامت، من النوع اللي بيتكلم بأفعاله أكتر من كلامه. ما كانش بيقول كتير، بس لما كان بيقول حاجة كانت بتتقال صح.

 

من الصغر كنت بكتب. مش عارف قولوا دي موهبة أو هواية أو مجرد عادة لقيت نفسي فيها يوماً ما. كنت بكتب على أي حاجة، على ورق الكراسة، على ورق الجرنان، وبعدين لما الكمبيوتر دخل حياتنا بقيت بكتب على شاشته. كلام مش دايماً بيتكلم عن حاجة معينة، كلام عن الجو، عن الشارع، عن الست اللي بتبيع اللوز في الكوشة، عن الضوء اللي بييجي من النافذة وبيوقع على الأرض بزاوية معينة وبتحسه بيقول لك حاجة لو أديته وقتك.

 

المدرسة جات وراحت، والجامعة بقى. كنت بدرس تجارة. ما كانش اختياري الأول. كنت عايز أدرس أداب أو صحافة أو أي حاجة فيها كلام بشكل أو بآخر، بس الدنيا ما بتوقفش كتير عند أحلام ولاد الجامعة وبتحكيلهم بالمنطق اللي عندها إن البراكتيكال أهم. فدرست تجارة وفهمت الأرقام ومحبتهاش بس تعلمت أتعامل معاها. وفضلت الكتابة جنب كده، زي صاحب بيمشي معاك في الجنب حتى لو ما نظرتلوش.

 

أول قصة قصيرة نشرتها على الإنترنت كان ردود الفعل عليها مش كتير. بس في واحدة كتبت في الكومنتات كلمتين. كانت بتقول: "ده كلام فاهم الناس." وفضلت يومين بفكر في الكلمتين دول.

 

ما عملتش علاقة بجد من الجامعة. كانت فيه بنات طبعاً، وكانت فيه حاجات خفيفة بتحصل، بس أنا كنت دايماً من النوع اللي بيحتاج يحس بعمق في العلاقة عشان يكمل فيها. والعمق ده ما كانش متاح كتير في الجامعة. أو ممكن يكون كان متاح وأنا اللي ما كنتش مستعد.

 

وخرجت من الجامعة، ودخلت سوق الشغل، وبدأت حياة المواصلات والشغل والراتب والتعب. والكتابة فضلت.

 

وبعدين جت أميرة.

 

أميرة ما كانتش دخلت حياتي بشكل درامي. ما كنتش بتكلمها مثلاً وبعدين نظرة عيون وقلب بيدق وعالم بيوقف. لأ. الحكاية كانت أبسط من كده بكتير، وده الغريب فيها.

 

كانت في نفس مجموعة فيسبوك كنت فيها، مجموعة لناس بتحب الأدب والقراءة، وبتنشر فيها ناس كتاباتهم وناس بتعلق. وهي كانت معلقة على كلامي بتعليقات ذكية ومختلفة عن باقي التعليقات. ما كانتش مجرد "حلو" أو "جميل"، كانت بتلاحظ حاجات معينة في الكلام وبتقول رأيها فيها بوضوح.

 

وفي يوم راسلتني برسالة خاصة، وقالت لي إنها قرأت قصة معينة نشرتها وعندها سؤال عنها. سألتها تقول إيه، وابتدى بيننا حوار طويل عن القصة وعن الكتابة. وبعدين الحوار ده اتحول من حوار عن الكتابة لحوار عن الحياة. ومن حوار عن الحياة لصداقة. والصداقة دي امتدت أشهر طويلة.

 

أميرة كانت دكتورة بيطرية. ده كان دايماً بيثير في إحساساً غريباً، مش ضد، بس نوع من الدهشة. حاجة ما كنتش متوقعها. الست دي كانت بتشتغل في عيادة بيطرية وبتتعامل مع حيوانات وبتحبها وبتفهمها، وفي نفس الوقت كانت عندها حساسية في الكلام وإحساس بالأدب ما كنتش متعود إن الناس دي بيكون عندهم. كانت بتقرأ كتير، وعندها رأي في كل حاجة، ورأيها ما كانش دايماً زي رأي الناس.

 

الفرق في التعليم والمستوى ده كان حاضر، وكنت واعيه. بس في الأول ما كانش بيفرق معايا. كانت مجرد صاحبة بتحب تتكلم في حاجات تانية غير التريند والكلام الفاضي. وأنا بالمثل.

 

بس الأشهر اتعدت، وحصل اللي حصل.

2

الصداقة مع أميرة كانت ليها شكل محدد. شكل اتكون مع الأيام وما كنتش قلت له تعالى، جه هو لوحده.

 

كنا بنتكلم كل يوم تقريباً. أول الأمر كانت المحادثات بتبدأ من حاجة مكتوبة، كتاب قرأته هي أو حاجة نشرتها أنا، وبعدين بتاخد مسارات تانية. وبعدين الكتابة بقت مجرد بهانة، والكلام بقى هو الأصل.

 

كانت واحدة بتتكلم بصدق. ده مش شيء هين. الصدق في الكلام حاجة كتير ناس بتدعيها وقليل منهم عندها. لما كانت بتقول رأيها في حاجة كانت بتقول رأيها، مش رأي مشبوه بما يتوقع منها إنها تقوله. ولما كانت ما بتعرفش حاجة كانت بتقول ما بعرفش بسهولة. وده كان فارق أوي بالنسبة لي.

 

بعد قرابة السنة، أدركت إني بكلم أميرة أكتر من أي حد تاني في حياتي. والكلام بيننا بقى فيه حميمية مش بالضرورة رومانسية، لكن حميمية زي اللي بتكون بين الناس اللي بتعرف بعضها كويس. بتعرف إن الشخص ده عارف طريقة تفكيرك وشايفك من جوا مش بس من برا.

 

ما كنتش بقول لنفسي إني بحبها. الكلمة دي كانت كبيرة في أذني، وكنت دايماً من النوع اللي بيخاف يستعملها من غير ما يكون واثق. بس كنت عارف إن في حاجة. حاجة بتخليني أصحى الصبح وأول سؤال بفكر فيه هو "هي كويسة؟" حاجة بتخليني لو حصل معايا أي حاجة أول ما أفكر فيه هو إني أحكيها لها.

 

هي كانت بتحس بإيه؟

 

ده كان السؤال اللي ما كنتش قادر أجاوبه بثقة. كانت في أوقات بتقول جمل بتحس إنها بتفتح باب، وفي أوقات تانية بتقفله بهدوء تام. وده بيعملي لخبطة.

 

في مرة قالت لي: "أنا مش عارفة ليه بس لما بكلمك بحس إن في حاجة بتاخد راحتها."

 

وأنا كمان حسيت بنفس الحاجة. بس ما قلتهاش. خفت.

 

خوف من إيه؟ مش عارف بالظبط. ممكن من إن الكلام لو اتقال يتغير الشكل، ويبقى في جدية بتتطلب خطوات، والخطوات بتتطلب وضوح، والوضوح ممكن يكشف حاجات مش مستعدين نعيشها في الوقت ده.

 

بس الحياة ما بتستنيش.

 

صاحبة أميرة، سمر، كانت موجودة في حياتنا من البداية. ما قابلتهاش من الأول، بس كنت سامع عنها كتير. أميرة كانت بتحكيلي عنها وعن صداقتهم. كانت بتقول إن سمر واحدة "بتشوف الناس كويس"، وده معناه عندها إنها بتحكم على الشخص بما فيه مش بما ظاهر عليه.

 

وفي يوم جت أميرة وقالت لي إن سمر عايزة تسأل عن الشغل اللي بشتغله. كنا ساعتها أصحاب، ما كانش في حاجة رسمية بيننا ولا تعريف بيننا غير اسمينا في المحادثات. قالتلي: "تعالى يا كريم دلوقتي، عشان سمر عايزة تسأل عن كام حاجة في شغلك."

 

سبت اللي في إيدي وروحت.

 

اتكلمنا إحنا التلاتة في مطعم بسيط، واتكلمت مع سمر عن التسويق وعن شغلي، وبعدين في لحظة معينة وقفت وقالت إنها معندهاش وقت ولازم تمشي. وطلبت منهم يفضلوا.

 

ولحظة ما مشيت فيها، شفتها بتهمس لأميرة كلمتين. وأميرة بصت عليا وفيها ابتسامة خفية.

 

أنا ساعتها أول مرة حسيت بثقل اللحظة. مش لأي سبب واضح، بس لأن شيئاً في الجو تغير. كنا لأول مرة لوحدنا في مكان عام، أنا وأميرة. ما كانتش دي حاجة حصلت قبل كده.

 

قلتلها: "إنتِ مكسوفة يا أميرة؟"

 

قالت: "لأ، بس عشان الناس، ممكن يفهمونا غلط."

 

كان في الكلام ده شيء لفت نظري. "يفهمونا غلط" معناها إن في حاجة ممكن تتفهم صح. يعني في حاجة موجودة. مجرد الناس ممكن يشوفوها بصورة مش محتاجة.

 

ما رددتش على ده كتير. كنت مش عارف أقول إيه بالظبط. واتفقنا نقوم وكل واحد يمشي لحاله.

 

في الليل، وإحنا بنتكلم، قالت لي حاجة ما نسيتهاش:

 

"أنا نفسي أشوف نفسي بعينيك. نفسي تكتب عني رواية، بس تكون كلها عني أنا."

 

وأنا قعدت طول الليل صاحي.

 

كتبت. مئة وتمانين صفحة.

 

في الصبح، بعتها لها.

 

وأول كلمة قالتها لي كانت: "هو أنت مفيش عندك كلام جديد غير الكلام القديم ده؟"

 

وأنا ضحكت، وجوايا حاجة اتكسرت. مش بشكل وجع، بس بشكل لفت نظري. كأن اللحظة دي قالتلي في أذني بهدوء: "انتبه يا كريم."

 

من الأشياء اللي علمتني إياها أيام أميرة إن في ناس بتبحث عن المشاعر من غير ما تكون مستعدة لتبعاتها.

 

مش عيب في الشخص. مش خيانة. مجرد حالة إنسانية من الحالات الكتير اللي بتحكم الناس. الواحد ممكن يحب الدفا من غير ما يعرف يتحمل حرارته. ممكن يحب إنه محبوب من غير ما يعرف يرد الحب بنفس الصدق اللي اتبعتله.

 

كنت في الوقت ده ما فهمتش ده كويس.

 

كنت ساعتها شاب في نهاية العشرينات، عنده رومانسية حقيقية مش مصطنعة، وعنده إحساس عالي بالحب وبمعناه. وكنت عايز أعطي. الإعطاء ده كان جزء من طبيعتي. مش حسبة ومش توقع مقابل، لأ. كنت بعطي لأن ده كان هو. عيني كانت بترى جمال واحدة، وروحي كانت بتحتفل بوجودها، فكنت بعبر عن كده بالكلمات.

 

والكلمات دي، في نظرها أحياناً، كانت "قديمة".

 

كنت بقول لها قد إيه هي حلوة. كنت بقول لها إن عينيها أغلى حاجة عندي. كنت بقول لها إنها قمر.

 

وهي كانت بتقول لي: "مفيش جديد؟"

 

لو كنت أعرف أقول لها ساعتها اللي بعرفه دلوقتي، كنت هقول لها: "يا حبيبتي، الكلام الجميل ما بيبقاش قديم لأنه اتقال من زمان. بيبقى قديم لما القلب اللي بيقوله يبقى بارد. وأنا مش بارد."

 

بس ما قلتش ده. قعدت أحاول أبحث عن كلمات جديدة. وده كان الغلطة. مش الكلمات هي المشكلة.

 

الحب الحقيقي ما بيحتاجش يتجدد في أسلوبه. بيتجدد في اللحظات. في الأيام. في الأفعال. في الثبات.

 

بس الدرس ده جالي متأخر.

3

كانت في مرة قالت لي: "هو أنت عمرك فكرت تعلق على لبس واحدة؟ أو تقول لبنت متلبسيش ده والبسي ده؟"

 

وكان ردي عليها بهدوء وبثقة: "أنا مش واخدها عشان أربيها."

 

بصت لي بعيون فيها شيء. مش تصديق ومش إنكار. حاجة بين الاتنين. زي اللي بيسمع جملة وبيقول لنفسه "اللي قاله ده مش بيتقاله كتير."

 

"إنت جاد؟" قالت.

 

"طبعاً جاد. أنا مرتبط بواحدة عندها أربعة وعشرين سنة مثلاً. يعني عاشت قبل كده أربعة وعشرين سنة، وعارفة كويس إيه الصح من الغلط. هي مش محتاجة حد يجي يقول لها لبسي إيه. وإلا يبقى أنا من الأول اختياري غلط."

 

فكرت شوية وقالت لي: "كلام ده كتير ما بنسمعهوش."

 

قلتلها: "عارفة ليه؟ لأن كتير ناس بتربط الاهتمام بالتحكم. بيفتكر إن لو مش عمال يتدخل في تفاصيل الست يبقى ما بيهتمش. والحكاية عكس كده بالظبط. اللي بيثق فيها، ما بيحتاجش يتحكم فيها."

 

ساعتها ابتسمت ابتسامة خفيفة وما قالتش حاجة.

 

والصمت ده كان أحلى من أي كلام.

 

بعدها بأيام سألتني عن الشغل. مش من باب الملل أو الكلام العادي، سألت سؤال حقيقي: "إيه رأيك في شغل الستات؟"

 

وأنا قلتلها: "أنا دايماً مع إن الست تشتغل. مش عشان تصرف على البيت، ولا عشان تساعد بجنيه. لأ. عشان هي لو ما اشتغلتش، يبقى في يومها حاجة ناقصة. هي لازم تحس بقيمتها. لازم تعرف إنها بتعمل حاجة لنفسها في الحياة. مش بس أنا وعيالي والبيت وبس. ده مش كفاية."

 

قالت لي: "وإنت مرتاح لده؟"

 

"أكتر من كده. شايف إن تربية العيال والبيت دي حاجة مشتركة. مش دور الست بس. أنا كمان ليا دور."

 

بصت لي بنظرة مختلفة شوية. زي اللي بتتاكد من حاجة كانت متوهماها.

 

"كريم، إنت كده غريب."

 

ضحكت وقلتلها: "غريب مليح ولا غريب مش مليح؟"

 

قالت: "غريب مختلف."

 

وما كملتش الجملة. وأنا ما طلبتش منها تكمل.

 

الأسئلة اللي كانت بتسألني إياها كانت نوع معين من الأسئلة.

 

مش أسئلة فلسفية أو فكرية عشان التسلية. كانت أسئلة زي اللي بتسألها لما بتحاولي تفهمي حد. زي اللي بتسأليه لما بتختبري. مش بمعنى الاختبار الشرير أو المتحايل. بمعنى إنها كانت بتحاول تشوف الشخص ده مين فعلاً من جوا.

 

سألتني مرة: "إيه رأيك في ضرب الست؟"

 

قلتلها: "أنا بطبعي ما بحبش الضرب ولا العنف ولا الزعيق ولا الأسلوب ده خالص. من الناس اللي بتحب تتكلم وتتفاهم. لكن الضرب والهمجية بتكسر حاجات في العلاقة مش هتتصلح بسهولة. وعشان كده أنا شايف إنه غلط تماماً. ومش من حق الراجل يضرب الست."

 

سكتت لحظة وبعدين قالت: "وإيه اللي اللي تعملوه لو زعلت؟"

 

قلتلها: "أتكلم. أفضل أتكلم لحد ما نوصل لحاجة."

 

قالت: "ولو ما وصلتوش؟"

 

قلتلها: "يبقى في وقت تاني. النهار طويل."

 

ضحكت. وكانت الضحكة حقيقية، مش مجاملة.

 

"إنت بتقول الكلام ده وإنت جاد؟" قالت.

 

قلتلها: "بصي، أنا مش بادعي كمال. بس مؤمن بحاجات معينة، ومن ضمنها إن في مواقف صعبة يبقى الكلام هو الطريق. أي طريق تاني بيوصل للنهاية غلط."

 

كانت فيه حاجة في كلامي وقتها خلتها تهدى أكتر. مش لأن الكلام كان مقنع بالمنطق. لأن الكلام كان صادق. وهي كانت بتحس بالفرق.

 

وأنا بعد كل دي سنين، بقدر أقول إن في الجزء الإنساني منها كانت بتتمنى إن كل اللي بقوله ده حقيقي. وكان حقيقي. المشكلة ما كانتش في صدق مشاعري. المشكلة كانت في حاجات تانية، حاجات ما كانتش في إيدي ولا في إيدها.

 

في تلك الأشهر، بينا وبين إننا نتحول من أصحاب لحاجة تانية، كانت فيه شيء بيحصل كنت بحس بيه من جوايا من غير ما أقدر أسميه.

 

كنت بنزل كل يوم الساعة السادسة الصبح.

 

مش لأني صاحي من الليل. بنزل بشكل مقصود. عشان أوصل قدام بيتها الساعة ست ونص إلا خمسة. هي كانت بتنزل الساعة سبعة إلا ربع عشان تروح شغلها. وأنا كنت بقف على أول الشارع وأستناها تعدي، وأكلمها في التليفون وأقول لها "شفتك."

 

فبتبص علي وبتبتسم.

 

وأنا مش محتاج أكتر من كده.

 

ميعاد شغلي كان الساعة حداشر. يعني كنت بوقف في الشارع الساعة ست ونص عشان أشوف ابتسامة. وبعدين أرجع البيت وأنام ساعتين. وبعدين أروح شغلي وعندي طاقة عجيبة.

 

الناس لو عرفت كانت هتقول إني غبي أو مجنون. بس الإحساس اللي كنت بحسه وأنا شايف ابتسامتها دي كان بيستاهل كل ده وأكتر.

 

كل أسبوع تقريباً كنت بجيب وردة حمرا. وبعدي عليها في أي مكان ينفع أديها فيه. أديها إياها وأبص في عينيها وأقول لها بحبك وأمشي. من غير انتظار رد. من غير توقع حاجة معينة. بس لأن الإحساس ده كان محتاج يتعبر بحاجة حقيقية في الدنيا الحقيقية، مش بس على شاشة.

 

وهي كانت بتبتسم وتمسك الوردة. وده كان كافي.

 

بس كافي لحد امتى؟

 

بكدت ما كنتش بسأل نفسي السؤال ده. كنت عايش في الحاضر وبس. واللي هيجي هيجي.

4

في ليلة كانت أميرة بتكلمني وجاء الكلام يطلع من حاجة كانت محبوسة من زمان.

 

قالت لي: "بص يا كريم، أنا هصارحك بحاجة. أنا بصراحة مرتاحة وأنا بتكلم معاك. أنا مش عارفة بصراحة، أنا عايزة أرتبط بيك بجد ولا لأ."

 

وأنا طبعاً أخدت الكلام بهزار، حاولت أخفف الجو وقلت لها: "يعني إنتِ عايزة تقوليلي دلوقتي خلينا إخوات؟"

 

ضحكت وقالت لي: "لأ مش قصدي كده خالص. أنا بس مش عارفة. أنا بقولك كده عشان أنا خايفة. خايفة لما تيجي تتقدملي أقول لك لأ."

 

سألتها: "طب يا بنتي، هو فيه حد تاني في حياتك؟ طب إنتِ مش مرتاحة معايا في حاجة؟"

 

"لأ والله العظيم. بالعكس، أنا مرتاحة معاك جداً جداً جداً. ومفيش أي حد تاني في حياتي غيرك."

 

ساعتها فهمت إنها متلخبطة. مش ضدي. مش بتقولي روح. بس مش عارفة تقولي تعالى كمان. والوضع ده كان صعب على الاتنين.

 

فما ضغطتش عليها. ما زنقتهاش في الكلام. قررت أعدي الموضوع وأفضل زي ما أنا.

 

لو كان عندي دلوقتي، كنت هتكلم معاها بوضوح أكتر. كنت هقول لها: "يا أميرة، أنا مش عايزك تحبيني عشان ما عندكيش بديل. أنا عايزك تحبيني لأنك اخترتيني. وده مش هيحصل إلا لو إنتِ واضحة مع نفسك إنت شايفة إيه وعايزة إيه."

 

بس ما قلتش ده. وفضلت في نفس المكان.

 

كانت فيه حاجة في طبيعتي دايماً بتخليني أحاول أفهم الناس قبل ما أحكم عليهم. دي مش فضيلة بقدر ما هي مجرد طريقة شوفت الدنيا بيها. الناس معقدة، والناس خايفة، والناس في أحيان كتير ما بتعرفش تقول اللي جواها. ومش دايماً ده كذب. أحياناً ده عجز. وفيه فرق كبير بين الاتنين.

 

أميرة كانت عندها أشياء كتير بتدل على إنها مش حرة بشكل كامل في قراراتها. وده ما كانش اتهام، كان مجرد ملاحظة.

 

أمها كان ليها ثقل في حياتها. مش ثقل سلبي بالضرورة. بس ثقل. رأي أمها في أي حاجة كان بيأخد مساحة كبيرة في قراراتها. وده بيبان في المواقف اللي حصلت بعدين.

 

كنت بحس أحياناً إنها عاشت حياتها تعمل اللي المفروض يتعمل. مش اللي هي بتحبه هي. وده ما كانش بيعملها تعيسة بشكل واضح، لأنها ما كانتش بتتوقف كفاية تسأل نفسها هي بتحب إيه. كانت شاطرة في شغلها، ومحترمة في محيطها، وبنت أصول في عيلتها. وكل ده حقيقي. بس في جزء تاني منها كان بيتمنى إنه يتحرر من كل الحسابات دي ويبص للدنيا بعين أخف شوية.

 

وأنا كنت بيتمنالها كده. مش عشاني. عشانها هي.

 

الغريب إنها لما كانت معايا في اللحظات الصادقة، كانت تقدر. كانت تضحك من قلبها وتقول رأيها وتكون هي. بس في اللحظات الرسمية، في لحظات "اتخاذ القرار"، كانت تتحول لحاجة تانية. حاجة أكتر قلقة وأكتر احتسابية.

 

وكنت بشوف ده وبحاول أفهمه من غير ما أحكم.

 

حتى في الأيام الصعبة اللي جت بعدين.

 

عيد ميلادها كان قرب.

 

وأنا قررت إني أعمل لها هدية مش تقليدية. فكرت إني أكتب لها رواية كاملة وأحاول أنشرها، وأهديها لها في عيد ميلادها، والإهداء يكون باسمها.

 

وفعلاً كتبت وروحت دار نشر ودفعت عشان الكتاب ينزل في الوقت.

 

لما رحت أديهالها، قابلتني ببرود.

 

"مبروك عليك." قالت.

 

"مبروك عليا أنا؟ دي هدية عيد ميلادك إنتِ يا أميرة."

 

بصت لي وقالت بجمود: "أنت عملت ده عشان نفسك، مش عشاني أنا."

 

اتصدمت. سألتها توضح.

 

قالت: "أنا مش عايزة أحس أبداً إن أنت بتعمل حاجة عشاني. أنا عايزة أشوفك بتعمل الحاجة دي عشان تنجح إنت."

 

والموضوع انتهى.

 

وأنا فضلت أيام أحاول أفهم. لو دي واحدة أحبتني، ما كانتش بتقول الكلام ده. ولا حتى لو ما حبتنيش بشكل كامل. الكلام ده كان من نوع معين، نوع بيقول إن في حاجة مش مرتاحة فيه في الموضوع ده كله.

 

بس ما قدرتش أفهمه وقتها بالشكل الصح.

 

وعديت الأيام.

5

"على فكرة، عايزة أقول لك على حاجة مهمة."

 

الجملة دي جت في مكالمة عادية. وأنا ما كنتش متوقع حاجة. كنا بنتكلم عن يومنا وفجأة توقفت وقالت الجملة دي.

 

"قولي يا حبيبتي، فيه إيه؟ حاجة حصلت؟"

 

"يعني بصراحة كده، فيه عريس متقدم لي، وماما مصممة إني أنزل أقابله."

 

الدنيا لفت بيا.

 

"إيه؟ تنزلي تقابليه وإزاي عريس؟ أمال أنا اللي في حياتك ده إيه؟"

 

"ما هو أنت لسه ما جيتش تتقدم رسمي. لما تبقى تيجي وتطلب إيدي رسمي، يبقى خلاص. بس عشان خاطر ماما، لازم أقابله."

 

كانت صوتها فيه شيء. مش صوت واحدة عارفة عايزة إيه. صوت واحدة بتحاول توازن بين حاجات متعارضة وما بتقدرش على الموضوع.

 

وفجأة لقيتها بتعيط.

 

بتشتكي وبتتساءل. "هو أنا طيب أعمل إيه في المقابلة دي؟ أقول للعريس إيه؟ أتعامل معاه إزاي؟ أعرف منين إذا كان كويس ولا لأ؟"

 

وأنا ما عرفتش أقول لها إيه. غير إني أحاول أطمنها وأهديها.

 

قلتلها: "أنا جنبك ومعاكي، وهسأل لك عن العريس ده كمان لو عايزة. وهفضل جنبك لحد آخر لحظة. وحتى لو قدر الله واخترتيه في الآخر، أنا برضه هبقى واقف جنبك. بس عايزك تعرفي حاجة مهمة: أنا بحبك أكتر من أي حاجة في الدنيا."

 

فضلنا نتكلم طويل في الليل ده.

 

وأنا نمت الفجر وعندي شيء تقيل في صدري.

 

سألت عن العريس. ده كان أصعب حاجة عملتها في الفترة دي. إني أسأل عن الراجل اللي ممكن يبقى جوزها.

 

لقيت معلومات كويسة عنه. واحد محترم ومستقر. مش غلط في أي حاجة.

 

وده كان أصعب من لو كان غلط. لو كان غلط كان هيبقى أسهل. لو كان سيء كان هيبقى في سبب واضح لرفضه. بس لما الراجل كويس، المشكلة بتبقى مش فيه. المشكلة بتبقى في مكان تاني.

 

نزلت أميرة وقابلته مرتين. ومعاها أمها.

 

وفي النهاية، أمها هي اللي ما ارتاحتش. وقالت لها بصريح العبارة: "يا بنتي لأ، الراجل ده مش من مستوانا الاجتماعي."

 

وأميرة سمعت كلام أمها.

 

ورجعت لي وقالت: "رفضت العريس عشان ماما ما عجبهاش."

 

أنا ساعتها ما قلتش أي حاجة. بس جوايا كان في سؤال ما قدرتش أسكته: هو لو أمها كانت راضية، كانت هتقبله؟

 

ده السؤال اللي كشف لي حاجة مهمة. إن قرار أميرة في موضوع العريس ده ما كانش قرار أميرة. كان قرار أمها.

 

وأنا في موضوع أميرة، ما كنتش في قرار أميرة هي. كنت في قرار أمها هي كمان.

 

وده ما كنتش واعيه بالشكل الكامل ده وقتها.

 

الغصة اللي في قلبي فضلت.

 

مش لأني كنت بكره أميرة. لأ. كنت لسه بحبها. المشاعر ما بتروحش بقرار. والمشاعر ما بتروحش لأن اكتشفت حاجة مش عجباك. المشاعر بتاخد وقتها وبتمشي بطريقتها.

 

بس كان في شيء اتغير في طريقة شوفتي للموضوع. زي ما اللي كان ضبابي اتضح. مش كل الصورة. بس جزء منها.

 

وإحنا بنتكلم في الليالي الجاية بعدين، كان في أشياء صغيرة بتتراكم. جمل بتقالها وبعدين بتتنسى. وعود بشكل أو بآخر بتتمدد وبتتطاول. وكل ما ابتديت أتمنى إن الموضوع يتوضح أكتر، لقيت نفسي بعيد عن الوضوح أكتر.

 

كانت الليلة عادية في الظاهر. بنتكلم زي كل ليلة. والكلام كان ماشي كويس. وبعدين...

 

"يا كريم، أنا جالي عريس."

 

وأنا استغربت وسألتها: "إيه؟ عريس؟ مين ده بقى إن شاء الله؟"

 

قالت لي: "هو اللي كان متقدم لي من فترة ورجع تاني. وبصراحة كده هو مصمم. وأنا بفكر."

 

اللحظة دي، وقفت الدنيا.

 

مش من الصدمة. لأ. من الوضوح.

 

أخيراً. الوضوح جه.

 

كان لازم يجي بالصورة دي؟ آه. كان لازم.

 

وأنا اتقالتلي الحقيقة المرة دي، إني كنت مجرد وهم عايشة فيه. مش حقيقة في حياتها.

6

في الليالي اللي جت بعد الكلام ده، ما كنتش بنام كويس.

 

مش من الألم بس، من التساؤل كمان. من البحث عن إجابات في السؤال اللي ما بيرضاش يمشي: هو ده كان إيه؟

 

كنت بسأل نفسي: أنا اللي دايماً بختار غلط في حياتي؟ ولا هي اللي كانت متغيرة؟ ولا هي أصلاً ما حستش بيا؟ إزاي كل ده يحصل وهي ما حسستش بحبي ليها؟

 

وأنا طول الوقت كنت فاكر إني بالنسبة لها كل حاجة.

 

قررت إني أنسحب من حياتها بهدوء. من غير مشاكل. من غير كلام كتير.

 

ومشيت.

 

اللي ما توقعتهوش إن المشي ده يكون بداية حالة جديدة في حياتي. حالة الوحدة الاختيارية. مش الوحدة المفروضة اللي بتجيلك وإنت ما طلبتهاش. الوحدة اللي بتقول لنفسك أنت: "أنا اخترت كده."

 

لأني اتعلمت إن اللي بيحبك بشكل صادق ما بيحوجكش تبرهن. ما بيحوجكش تتغير عشان تتقبل. ما بيحوجكش تكون نسخة من نفسك الناس ترتاح ليها.

 

بس اللي اتعلمت غلط هو إني عممت الدرس ده.

 

وقررت إن كل ست هتجي في حياتي هتكون زي أميرة.

 

وفي قراري ده كانت الغلطة الكبيرة.

 

السنين اللي جت بعد أميرة كانت ليها طعم معين. طعم الاكتفاء بالشغل.

 

بدأت أتقدم في شغلي. من مسوق في شركة صغيرة لمدير تسويق، وبعدين شريك، وبعدين استقليت وعملت مكتب تسويق لحسابي الخاص. وربنا كرمني ونجحت. مش نجاح كبير كبير في الأول، بس تدريجي وحقيقي. وكل سنة كانت أحسن من اللي قبلها.

 

والكتابة فضلت كمان. بل ازدادت.

 

كنت بكتب أكتر ما كتبت في حياتي. وكأن الطاقة اللي كانت موجهة ناحية حياة عاطفية بقت كلها موجهة ناحية الكلمات. وكانت الكلمات بتاخد وبتعطي بطريقتها الخاصة.

 

الناس بدأت تعرفني. مش شهرة كبيرة، بس دائرة بتكبر. وروايات بدأت تنشر. ومش مجرد نشر من دور نشر عشان دفعت، لأ، دور نشر حقيقية بدأت تطلب مني. وده كان بيديني إحساس بالإنجاز حقيقي.

 

وكل ما كانت بنت تحاول تقرب مني، كنت بحس بخوف.

 

مش خوف كلاسيكي. خوف من نوع معين. خوف إنها مشيفتنيش. إنها مشيفاش كريم الإنسان. إنها بتشوف كريم الكاتب الرومانسي، أو كريم اللي بتقول صاحبتها عنه كلام حلو، وبتعتقد إنه شخص مختلف عن الحقيقة.

 

كنت بقول لنفسي: "هي موهومة فيا."

 

وكنت بروح ناحية العكس بسرعة.

 

وده كان ضلم للي جوايا وضلم ليهم.

 

فضلت كده سنين.

 

لحد ما قابلت كارما.

 

الندوة دي ما كانتش مختلفة عن باقي الندوات في الظاهر.

 

قاعة متوسطة الحجم. كراسي مرتبة على شكل نصف دائرة. وناس جت عشان تسمع عن رواية جديدة ليا. بيئة اتعودت عليها. وجوه بعضها مألوفة وبعضها جديد.

 

وأنا لما طلعت على المسرح وبصت في الجمهور، عيني وقعت على واحدة قاعدة في الصف الأول.

 

ما كانش في حاجة في مظهرها لافتة بشكل استثنائي. بنت عادية في ملبسها، شعرها مسحوب للخلف بشكل بسيط، وعلى وشها تعبير من النوع اللي بيقول للي بيشوفه إن صاحبته موجودة كاملاً في اللحظة دي.

 

بس في عينيها كان في شيء.

 

مش قادر أوصفه وقتها وما زلت مش قادر أوصفه بدقة. بس كان زي الدفا. زي اللون الذهبي اللي بيبان على الأشياء في وقت الغروب وبيخليك تبص لها وتقول: "الدنيا جميلة".

 

وأنا ما قدرتش أتحرك من اللحظة دي.

 

بعد الندوة، روحت اتكلمت معاها. وده ما كنتش بعمله مع حد. كنت دايماً باخد بعضي وأمشي بعد الندوات. بس معاها حسيت بحاجة مختلفة.

 

وقبل ما أسألها عن اسمها، ارتبكت من عينيها وأخدت بعضي ومشيت.

 

وفي الليل، جت هي تدور عليا.

7

اسمها كارما.

 

لما قرأت اسمها في الرسالة اللي بعتهالي على الفيسبوك، أول حاجة حسيت بيها إن في شيء في الاسم ده يستحق إني أوقف. مش عشان الاسم نادر أو غريب. بس لأني كنت استخدمته في رواياتي أكتر من مرة. كنت دايماً بحس إن فيه حاجة في الاسم ده بتجذبني. زي ما الأسماء أحياناً بيكون ليها صوت خاص في داخلك من غير سبب تشرحه.

 

كارما. كأن الكون بيقولك إن في تسوية هتحصل. إن في عدل بيشتغل في الخفا. إن ما مشيش هدر.

 

الرسالة بتاعتها كانت قصيرة ومحترمة. بتشكرني على الندوة وبتقول إنها استمتعت بيها. وفي آخرها جملة لفتت نظري: "أنا من المتابعين من زمان، بس ده أول لقاء حقيقي ليا مع الكتابة بتاعتك في مكان حقيقي."

 

"لقاء حقيقي مع الكتابة." دي جملة واحدة بتقرأ كتير.

 

بعتلها رد واحد سألتها فيه كام سنة عندها. وسؤالي ده كان من النوع اللي ما بفكرش فيه قبل ما يطلع. خرج لوحده.

 

ردت عليا وقالت إنها في التسعة وعشرين. وأضافت بسهولة إنها قرأت كل رواياتي وبعض الكتابات الأقدم كمان. قالت الكلام ده من غير أي ادعاء أو تفاخر. مجرد حقيقة بتقولها.

 

والحقيقة دي قعدت في بالي.

 

واحدة قرأت كل كلامي. مش لأنها بتتابع كل جديد زي الناس اللي بتعمل لايك وتعدي. قرأت بمعنى الكلمة. وحضرت ندوة. وفي الليل بعتت رسالة تشكر. بهدوء. من غير ضجيج.

 

ده ما كانش سلوك عادي.

 

وأنا ما أخدتهوش بشكل عادي.

 

في الأيام اللي جت بعدين، ابتدأت أكلمها أكتر.

 

مش لأني قررت إني هكلمها. ما كانش في قرار واعي. كانت المحادثة بتكمل من تلقاء نفسها، وأنا كنت بلاقي نفسي بفتح الموبايل وبرد عليها من غير ما أفكر كتير.

 

وهي كانت بتكلم بطريقة مختلفة.

 

مش بتحاول تعجبني. مش بتطلع براعمها عشان تديني فكرة معينة عنها. كانت بتكلم بسهولة. بتقول رأيها في الروايات بصدق. وأحياناً رأيها كان ناقد وما كانش موافق على كل حاجة قولتها. وده كان بيعجبني.

 

لأن التملق ما بيقدر يستمر. والتملق ما بيبني علاقة. اللي بيبني علاقة هو إن الشخص التاني يقدر يقول لك "أنا مش موافق هنا، وعندي سبب" من غير ما يكون ده مشكلة.

 

كنا بنتكلم عن الكتابة بشكل رئيسي في الأول. هي كانت عندها ملاحظات دقيقة على الأسلوب وعلى الشخصيات. وكان واضح إنها قارئة حقيقية، مش حد بيقرأ عشان يقول إنه بيقرأ.

 

وبعدين بدأت المحادثة تتحرك من الكتابة لحاجات تانية. عن حياتنا. عن أفكارنا. عن الأشياء اللي بنحبها والأشياء اللي بتزعجنا.

 

وكل ما اتكلمنا أكتر، كل ما حسيت إن في شيء بيتكون. مش شيء دراماتيكي أو مفاجئ. زي حاجة بتكبر ببطء. زي نبتة صغيرة بتطلع من تربة مناسبة.

 

كانت كارما شغالة مهندسة معمارية.

 

وده كان مفاجأة بالنسبة لي. ما كنتش متوقع. كنت ممكن أقول طبيبة أو محامية أو أستاذة، بس مهندسة معمارية؟ ده كان جمع ما بين شيء تقني ودقيق وشيء إبداعي في نفس الوقت. وده كان بيتناسب مع الطريقة اللي كانت بتتكلم بيها. دقيقة في ملاحظاتها. وفي نفس الوقت حساسة في تعبيرها.

 

قالت لي إنها من صغرها بتحب الرسم. مش رسم فني، بس رسم يصف الفراغات. الطريقة اللي المساحات بتتشكل بيها وبتتأثر بالضوء والحركة. وبعدين لقت إن الهندسة المعمارية هي الحاجة اللي بتجمع ده كله في مكان واحد.

 

"إزاي الرسم والهندسة الاتنين مع بعض؟" سألتها.

 

"الرسم بيحكيلك عن المشاعر. والهندسة بتحكيلك عن الإمكانيات. وأنا بحب الاتنين." قالت.

 

"وإنتِ بتصممي مشاعر ولا مباني؟" قلتلها.

 

فكرت شوية وقالت: "الاتنين. أحياناً الفرق مش واضح."

 

وأنا حسيت إن في شيء في الكلام ده يشبهني. أنا كمان بكتب كلمات، بس في الحقيقة بكتب مشاعر. الكلمات هي المبنى. والمشاعر هي الروح.

 

الشبه ده خلاني أريح في كلامها أكتر.

 

وخلاني أحب إنها تكون موجودة أكتر.

8

الرواية البوليسية اللي كنت بكتبها في الفترة دي كانت مختلفة عن الروايات السابقة.

 

مش بس في النوع، في الأسلوب كمان. كان عندي شعور إن الكلام جاي من مكان مختلف جوايا. كان عندي طاقة غريبة في الكتابة.

 

وبعدين خطرت لي فكرة.

 

قلت لكارما: "أنا كاتب رواية جديدة. هتحبي تقري الفصول أول بأول وتقولي رأيك؟"

 

وافقت من غير تردد.

 

وابتدأت أبعتلها الفصول. وهي كانت بترد بتعليقات دقيقة ومفصلة. مش مجرد "حلو" أو "ما عجبنيش". كانت بتقول "الشخصية دي في الفصل ده عملت حاجة ما كنتش متوقعها ومش اتعبر عنها كفاية"، أو "الجملة دي فيها تكرار، تقدر تختصرها وتقول نفس الحاجة". كلام تقني وعملي وصادق.

 

وأنا كنت بحس بمتعة مختلفة خالص في الكتابة.

 

الكتابة اتحولت من عملية لحوار. كنت بكتب وعندي في بالي إن في شخص هيقرأ ده بعيون حقيقية وهيقول رأيه بصدق. وده كان بيغير طريقة كتابتي نفسها. كنت بكتب بوعي أكتر. بانتباه أكتر.

 

وفي ثلاث شهور كتبت ست روايات. ده رقم ما كنت تصورته في الأحوال العادية. ما كنتش بكتب أكتر من رواية واحدة كل ثلاث شهور في أوقات الإنتاج العالي.

 

بس مع كارما، ما حسيتش بالوقت وأنا بكتب.

 

في يوم من الأيام سألتني سؤالاً ما توقعته.

 

قالت لي: "كريم، إيه اللي بتخلي الكاتب يكتب بمشاعر حقيقية؟ يعني إيه الفرق بين كاتب بيكتب عن الحب وبيحسك إنه حاسس بيه، وكاتب تاني بيكتب نفس الكلام وحاسس إنه مجرد ماهر في الصياغة بس؟"

 

سؤال صعب. وسؤال يفضح.

 

قلتلها: "الفرق إن الكاتب الأول عاش. مش شاف. عاش. إحنا ممكن نشوف حاجة ونفهمها عقلياً. بس لما تعيش حاجة، بتنتقل من المنطق للجسد. وبعدين لما بتكتبها، الجسد بيتذكر."

 

"وإنت عشت اللي بتكتبه؟" قالت.

 

"عشت جزء منه. جزء تاني اخترعته. بس حتى اللي اخترعته، خيلت نفسي فيه لدرجة إن جزء مني حسه كأنه حقيقي."

 

"يعني ممكن يبقى الشعور حقيقي حتى لو الحادثة مش حقيقية؟"

 

"الشعور دايماً حقيقي. الحادثة هي اللي ممكن تكون مختلفة. بس الشعور اللي جواك وأنت بتعيشها، ده حقيقي."

 

فكرت في كلامي وقالت بعد شوية: "ده كلام مهم. يعني الكتابة نوع من الحياة الموازية."

 

"آه. وأحياناً الحياة الموازية أصدق من الحياة الحقيقية."

 

ساكتة شوية وبعدين قالت: "مش عارفة ليه الكلام ده خلاني حزينة شوية."

 

"ليه؟"

 

"لأن معناه إن في ناس بتعيش حياتها الحقيقية من غير ما تعيشها فعلاً."

 

والجملة دي لازمتني يومين.

 

كنا بنكتشف بعض بطريقة غريبة.

 

مش من الأسئلة المباشرة الكلاسيكية. مش "إيه اللي بتحبه؟ إيه اللي بتكرهه؟ إيه هوايتك؟" السؤال والجواب اللي بيحوله الكلام لقائمة.

 

كنا بنكتشف بعض من الطريقة اللي بنتكلم بيها. من الحاجات اللي بنوقف عندها. من الجمل اللي بنعيد عليها. من الصمت اللي بنتبادله أحياناً في المحادثة لما الواحد بيكون بيفكر في حاجة قالها التاني.

 

في يوم قالت لي إنها بتحب الشتا أكتر من الصيف. سألتها ليه.

 

قالت: "لأن في الشتا بتحس إن العالم بيتجمع. في الصيف كل حاجة بتتوسع وبتنفش. في الشتا في حاجة بتتقرب من حاجة. ومش دايماً الاتساع أحسن."

 

وأنا قلت لها: "أنا كمان بحب الشتا. بس لسبب تاني. في الشتا الكتابة بتيجي أسهل."

 

"ليه؟"

 

"لأن في الشتا الدنيا بتبان أبطأ. والكتابة محتاجة الإحساس ده. إن الوقت بيتباطأ وبيديك فرصة توعيه أكتر."

 

قالت: "يعني الشتا بيعمل نفس الحاجة للبنا والكلمات."

 

وأنا كتبت الجملة دي وحفظتها. لأنها كانت جميلة بشكل ما قدرتش أفضل منه.

 

وبعدها بأسبوعين كتبت إهداء رواية جديدة بجملة قريبة من جملتها. ما حكيتلهاش. بس عرفت من نظرتها لما اتكلمنا بعدها إنها لاحظت.

9

الندوة اللي عزمتها عليها كانت في مكتبة كبيرة في وسط البلد.

 

دعوتها بكلام بسيط. قلتلها: "أنا عندي ندوة مهمة النهارده. ما تيجي تحضريها؟" وهي ما ترددتش. قالت "يا ريت" من غير تكلف.

 

وأنا في طريقي للمكتبة، كنت بفكر إيه اللي بيخوفني. كل المرات اللي شافت فيها بنت بتحاول تقرب مني كنت بهرب. بس مع كارما كنت عازمها. كنت أنا اللي اتخدت الخطوة. ليه؟

 

الإجابة كانت بسيطة وعملت فيا حاجة لما واجهتها: لأني ما خفتش.

 

مش لأن الخوف راح. لكن لأن الخوف كان موجود وقررت إني أمشي بالرغم منه.

 

وده كان مختلف.

 

لما وصلت القاعة، شفتها من بعيد. كانت قاعدة في الصف الأول، ومعاها دفتر صغير وقلم. وقفت دقيقة وأنا بشوفها من بعيد وهي ما شافتنيش لسه.

 

في الشغل ده كان في شيء ما قدرتش أفسره. اطمئنان مش مسبوق بأسباب. زي ما لقيت حاجة كنت بدور عليها من زمان من غير ما أعرف إنها ضايعة.

 

لما طلعت على المسرح، كان عيني بيدور عليها.

 

لقيتها قاعدة في نفس مكانها. وعينيها تقابلت مع عيني في نفس اللحظة.

 

ونسيت الكلام كله.

 

مش مجاز. نسيت حرفياً الكلام اللي كنت محضره. الأفكار اللي كنت هقول بيها. الترتيب اللي كنت رتبته في دماغي. كل ده اختفى في لحظة. ومكانه بقى فيه واحدة بس في الدنيا قاعدة في الصف الأول.

 

كان الجمهور واقف وبيستنا. وأنا كنت واقف وحاسس إن الوقت وقف.

 

وبعدين شوفت كارما بتبتسم. ابتسامة خفيفة. ابتسامة زي اللي بتقول "أنا شايفاك."

 

وساعتها رجعت.

 

ابتديت أتكلم. وكلامي كان شايل حاجة مختلفة. كأن القاعة كلها ما كانتش موجودة، وكنت بتكلم معاها هي بس. بعيني مش بصوتي. ومع ذلك كنت بصوتي برضه، وكنت موجود تماماً.

 

الأسئلة جت. الحوار اتفتح. الناس شارك. وأنا كنت موجود وغايب في نفس الوقت.

 

بعد ما خلصت الندوة، وقت ما الناس ابتدت تمشي، لقيتها مستنياني على جنب. جريت عليا وسلمت بحرارة وقالت لي: "ألف مبروك، كانت رائعة."

 

وأنا شكرتها وقلتلها: "وجودك فرق معايا كتير أوي."

 

اتكسفت شوية. وبصت للأرض. وبعدين قالت إنها هتمشي.

 

وأنا قلتلها: "ما تيجي نتعشى سوا؟"

 

وافقت.

 

المطعم كان بسيط على النيل.

 

قعدنا مش بعيد عن الماء. والليل كان فيه برودة خفيفة من النوع الحلو. والجو كله كان له مزاج معين، كأنه مُعد.

 

اتكلمنا كتير. عن الرواية. عن الكتابة. عن الهندسة. عن أشياء حصلت في حياتنا من غير ما أحد يسأل الأسئلة الرسمية.

 

لاحظت إنها بتسمع بطريقة مختلفة. ما بتسمعش عشان ترد. بتسمع عشان تفهم. ودي حاجة نادرة.

 

لاحظت إنها بتضحك بشكل حقيقي. مش الضحكة الدبلوماسية اللي الناس بتعملها لما بتحاول تبان لطيفة. ضحكة بتبان وراها روح.

 

لاحظت إنها لما بتختلف معايا بتقول رأيها بوضوح من غير اعتذار. بتقول "أنا مش موافق" وبتشرح ليه. وما بتخافش إن ده هيزعلني.

 

وأنا كنت سعيد بكل ده.

 

في لحظة معينة بعد العشا، كانت بتحكيلي عن مشروع معماري كانت شاغلة فيه. مشروع إعادة تصميم حضانة في منطقة فقيرة. وهي بتحكي، لاحظت إن وشها بيتغير. حاجة بتحصل فيه. نوع من الشغف الحقيقي اللي ما بيتمثلش.

 

قالت: "أنا عايزة الأطفال دول يحسوا إن المكان ده بتاعهم. إن المدرسة مش مكان بييجوا فيه عشان هيلاقوا عقاب لو ما راحوش. المكان المتصمم كويس بيعمل ده. بيخلي الإنسان يحس إن هو مرحب بيه."

 

وأنا سمعت الكلام ده وقلت لها بهدوء: "إنتِ بتحبي شغلك."

 

"أيوه. بحبه كتير."

 

"واضح."

 

"بيبان؟"

 

"من وشك لما بتتكلمي فيه."

 

وابتسمت وسكتت. وكانت ابتسامتها مختلفة عن كل الابتسامات اللي شفتها قبل كده.

10

في الطريق لبيتها، كانت الليلة ساكتة.

 

أنا كنت سايق والراديو واطي والجو بره بارد. وهي كانت قاعدة جنبي ساكتة. بس سكوتها ما كانش فاضي. كان ممتلئ.

 

وبعدين قالت: "كريم، أنا عايزة أقول لك حاجة."

 

وقلبي دق.

 

"قولي يا كارما."

 

خدت نفس عميق وقالت: "أنا... أنا كمان حسيت بنفس اللي أنت حسيته في الندوة النهارده."

 

الجملة دي وقفت في الأوضة كأنها حاجة مادية.

 

"أنا كمان حسيت إني مش عايزة أبص على حد غيرك. ومش عايزة أسمع صوت حد غير صوتك. أنا كمان حسيت إني عايزة أتدفى بحضن عينيك."

 

وقفت العربية.

 

وقفت على جنب الطريق وبصيت ليها.

 

"كارما... إنتِ بتتكلمي بجد؟ إنتِ كمان حسيتي كده؟"

 

ابتسمت. الابتسامة دي كانت فيها حاجة مختلفة عن كل الابتسامات اللي شفتها. كانت فيها راحة. زي اللي بيقول أخيراً.

 

"أيوه يا كريم. بتكلم بجد. ومن زمان كمان."

 

وأنا ما قدرتش أتكلم لثانية. حسيت بحاجة في صدري بتنفجر بهدوء. مش انفجار وجع. انفجار إفراج.

 

"أنا بحبك يا كارما. بحبك أوي."

 

وعيونها دمعت.

 

الحضن كان طويل.

 

مش من باب التأثر المسرحي. كنا بس ما عايزينش يخلص. كأن في كلام كتير اتقال من غير كلام في اللحظة دي. كأن حاجة كتير اتراكمت وبقيت في مكانها الصح أخيراً.

 

حسيت بريحة عطرها. وحسيت بدفا يدها اللي على ظهري. وحسيت إن جزء مني كان بارد من سنين بدأ يتدفى.

 

وبعدين بعدنا شوية عن بعض وبصينا في بعض.

 

قالت لي: "طيب... إيه اللي هيحصل دلوقتي؟"

 

وأنا ابتسمت وقلتلها: "اللي هيحصل دلوقتي، إني مش هضيع ولا لحظة تانية من عمري من غيرك. واللي هيحصل دلوقتي، إني هاجي بكرة الصبح أطلب إيدك من والدك رسمي. موافقة؟"

 

وعيونها لمعت. وهزت راسها. وقالت بصوت واطي: "موافقة. موافقة ونص كمان."

 

وأنا ضحكت من قلبي لأول مرة من زمان.

 

وصلتها لحد باب بيتها. وقبل ما تنزل قالتلي: "كريم، شكراً."

 

قلتلها: "على إيه؟"

 

قالت: "على إنك ما هربتش."

 

وأنا فضلت مع الجملة دي طول الطريق للبيت.

 

"على إنك ما هربتش."

 

يعني هي كانت شايفاني وأنا كنت خايف. وهي انتظرت من غير ما تحكم. ومن غير ما تضغط.

 

وده كان له معنى عندي أكبر مما هي عارفاه.

 

في البيت تلك الليلة، كلمت أمي وبابا.

 

ما كنت بحكيلهم كتير في الموضوع ده. كانوا عارفين إني بكتب وبشتغل. وكانوا عارفين إني بقالي وقت لوحدي. بس ما كانوش بيسألوا كتير. كانوا بيديني المساحة اللي محتاجها.

 

لما كلمتهم وقلتلهم إن في واحدة اسمها كارما وأنا عايز أتقدم لها، أمي انبسطت بطريقة ما شفتهاش متبسطة بيها من زمان. مش فرحة عادية. فرحة مخزونة من زمان طلعت في لحظة.

 

قالت لي: "ربنا يكون معاكم يا ابني."

 

وبابا قال: "إيه اللي عجبك فيها؟"

 

وكان سؤاله مباشر زي عادته.

 

قلتله: "حاجة كتير. بس اللي أكتر حاجة عجبتني إنها موجودة. يعني لما بتكلمك، حاسس إن في إنسان بيكلمك. مش بيلعب دور."

 

بابا فكر شوية وقال: "وهي كده؟"

 

قلته: "آه."

 

قال: "يبقى كويس."

 

وده كان تقييم بابا. جملتين. بس في الجملتين دول كل اللي محتاجه.

 

نمت تلك الليلة وعندي إحساس إن في حاجة في حياتي اتعدلت. مش تغيرت بشكل جذري. اتعدلت. زي لما حاجة كانت مايلة شوية ترجع للمستوى.

11

التقديم كان في اليوم التاني.

 

روحت مع أمي وبابا. والعيلة بتاعتها كانت في البيت. والدها كان رجل هادي، من النوع اللي بيسمع أكتر من اللي بيتكلم. وأمها كانت ست دافية، واضح إنها عاشت حياتها تحب عيلتها بهدوء من غير ضجيج.

 

قعدنا وتكلمنا. وفي لحظة معينة، والدها بص عليا وقال: "يا ابني، إحنا ما نلاقيش أحسن منك لكارما. وإحنا موافقين طبعاً. بس الرأي الأول والأخير لكارما."

 

وبصيت لكارما.

 

كانت قاعدة مكسوفة وباصة في الأرض. بس وشها كان فيه نور.

 

والدها سألها: "إيه يا كارما؟ موافقة على كريم؟"

 

رفعت راسها ببطء وبصت لي في عيني. وقالت بصوت واطي: "موافقة يا بابا."

 

وأنا حسيت إن قلبي خرج من مكانه وبعدين رجع وحط نفسه تاني.

 

وبعدين والدها ابتسم لي وقال: "مبروك يا كريم."

 

وأمي بكت شوية، من النوع الحلو. وبابا صافحني وقالي في أذني بهدوء: "ربنا يوفقك يا ابني."

 

والأيام الجاية بعدها كانت ليها طعم مختلف. طعم الحياة اللي بتبدأ.

 

الخطوبة كانت بسيطة زي ما أحببنا.

 

ما كنا عايزين ضجيج. كنا عايزين حاجة حقيقية. فعيلتين صغيرتين وأصحاب مقربين وسهرة دافية في بيت أهلها. وكفى.

 

كارما في الليلة دي كانت مختلفة. مش مختلفة في مظهرها بس. مختلفة في طاقتها. كانت راضية. مش في معنى إنها ما عندهاش مطالب. في معنى إنها موجودة في المكان الصح وهي عارفة ده.

 

قالتلي في لحظة واحنا بنتكلم على جنب: "أنا خايفة."

 

قلتلها: "من إيه؟"

 

قالت: "من إن الحلو ده يخلص."

 

قلتلها: "الحلو ده مش هيخلص. هيتغير شكله مع الأيام. هيكبر وهيعمق. بس مش هيخلص."

 

بصت لي وقالت: "إزاي عارف؟"

 

قلتلها: "لأني اتعلمت إن الحب الحقيقي ما بيبقاش على نفس الشكل. بيبقى على نفس الجوهر. والجوهر ده ما بيخلصش."

 

فكرت في كلامي وقالت: "وإنت مين قالك إن الكلام ده صح؟"

 

قلتلها: "المرور بالغلط."

 

وابتسمت وما قالتش حاجة.

 

وكان في الصمت ده كل الثقة اللي محتاجين نحط فيها.

 

الجواز كان بعد ستة أشهر من الخطوبة.

 

ستة أشهر من اللي اتعلمت فيها إن الحياة المشتركة مش بس رومانسية. هي كمان تفاهم واختلاف وحل وتنازل وإصرار وهدوء. وإن كل ده لازم يتعلم.

 

كنا بنختلف. مش كتير في الأول، بس بنختلف. وكنا بنحل الاختلاف بطريقة واحدة: الكلام.

 

ما كنتش دايماً الكلام بييجي بسهولة. في أيام كنت بكون تعبان وعايز أقفل. وفي أيام هي كانت محتاجة مساحة. بس الاتفاق الضمني اللي اتكون بيننا كان إننا ما نسيبش الحاجة في الجو من غير حل.

 

في مرة اتكلمنا في خلاف بالليل لساعات طويلة. وفي نهاية الكلام، ما وصلناش لاتفاق كامل. بس كلنا حسينا إن التاني فاهمه. وده كان كفاية.

 

قالت لي كارما في يوم: "أنا مش عايزة راجل اتفق معايا في كل حاجة. ده مش راجل. ده مرآة. أنا عايزة راجل عنده رأيه وقادر يقوله."

 

قلتلها: "وأنا عندي رأيي. بس عندي قاعدة إني ما ابقاش غلط وأفضل عشان الكبر."

 

قالت: "وإيه اللي بتعمله لو اكتشفت إنك غلط؟"

 

قلتلها: "بقول كنت غلط. وبحاول أفهم ليه. ومبكررش."

 

بصت لي وقالت: "ده نادر."

 

قلتلها: "لأ. ده بس بيحتاج ناس بتتعامل مع بعض بصدق."

12

السنة الأولى من الجواز كانت فيها أشياء ما كنتش متوقعها.

 

مش أشياء سلبية. بالعكس. أشياء كانت بتفاجئني بشكل إيجابي.

 

اكتشفت إن كارما عندها نظام داخلي محكم. ما كانتش شايلة بوصلة الحياة في يدها كشيء واضح، بس كان واضح إن في داخلها حاجة بتعرف الفرق بين اللي مهم واللي مش مهم. وده كان بيعمل فيا راحة. لأني ما كنتش محتاج أفكر في كل تفاصيل الحياة لوحدي. كانت جنبي شريك حقيقي.

 

اكتشفت كمان إن حبها للتفاصيل كان بيظهر في كل حاجة. في طريقة ترتيب البيت. في طريقة عملها. في طريقة ما كانت تسمعني. في طريقة ما كانت تحكيلي.

 

واكتشفت إن في جانب خفيف فيها كنت ما شفتهوش في الأول. جانب بيحب الهزار والضحك. مش الضحك الواسع الصوت. ضحكة هادية بتفاجئك في وقت ما بتتوقعهاش.

 

وفي يوم كنت بكتب وهي قاعدة جنبي بتقرأ كتاب. وسكت الأوضة تماماً. وبعدين من غير مقدمة ضحكت.

 

قلتلها: "خير؟"

 

قالت: "لأ. بس فكرت في حاجة."

 

"في إيه؟"

 

قالت: "في إنك لو كنت تيجي قبالك في الشارع وما كنتش تعرفني، هل كنت هتتكلم معايا؟"

 

فكرت وقلتلها: "بصراحة، ممكن لأ."

 

"ليه؟"

 

"لأني كنت بهرب من أي علاقة ممكنة."

 

"وإيه اللي غير ده مع كارما؟"

 

فكرت تاني وقلتلها: "إنك جتِ أنتِ. ما كنتيش محتاجة مني أي حاجة. جتِ وبعتِ رسالة تشكر من غير توقع حاجة في المقابل. ده خلاني أحس إن في أمان في الموضوع."

 

بصت لي وقالت: "يعني أنا فريستك."

 

وضحكنا الاتنين من قلبنا.

 

الكتابة في السنة الأولى من الجواز اتغيرت.

 

مش في النوع. في العمق.

 

كنت من قبل بكتب عن المشاعر من باب التأمل. زي اللي يقف قدام اللوحة ويوصفها. بس بعد الجواز بدأت أكتب عن المشاعر من باب المعايشة. والفرق ده واضح في اللي بيقرأ.

 

كارما كانت أول من يلاحظ. في مرة قالت لي: "الروايات اللي كتبتها السنة دي فيها حاجة مختلفة. فيها دفا ما كانش موجود بنفس الشكل قبل كده."

 

سألتها: "دفا بمعنى إيه؟"

 

قالت: "بمعنى إن اللي بيكتب ده مش بس بيفهم الحب، ده بيعيشه."

 

ساعتها ما قدرتش أقول حاجة. كنت ممتنن فقط.

 

كانت كارما تعرفني من كتاباتي أكتر مما كنت أنا أعرف نفسي أحياناً. كانت بتلاحظ تحولات في الأسلوب كانت بتعكس تحولات في حياتي. وكانت بتحكيلي عنها بهدوء. من غير تحليل مبالغ فيه. بس ملاحظة.

 

وأنا كنت بشوف نفسي من خلالها بشكل مختلف. كنت بشوف إني تغيرت. وده كان بيسعدني.

 

ما كنتش دايماً سعيداً بالتغيير في حياتي قبل كده. كنت أحياناً خايف منه. بس مع كارما، التغيير بقى حاجة بتوعيها وبتشوف ليه حصلت وبتحب إنها حصلت.

 

وده نوع من السلام الداخلي كنت بدور عليه من زمان.

 

في يوم من الأيام كتبت جملة في رواية كانت بتخص كارما من غير ما تكون اسمها فيها.

 

كانت الجملة: "هو الإنسان اللي بيأمنك هو اللي بيخليك تكتشف نفسك. مش لأنه بيوجه إيدك. لكن لأنه بيقف جنبك وإنت بتاخد الطريق اللي أنت اخترته."

 

لما قرأتها كارما قالت: "ده عني؟"

 

قلتلها: "مش عنك أنتِ. عن فكرة زيك."

 

قالت: "وإيه الفرق؟"

 

قلتلها: "فكرة زيك بتدوم. إنتِ أنتِ هتبقي دايماً أجمل من الفكرة."

 

وبصت لي وقالت: "إنت بتكتب جوايا مش في ورقة."

 

وأنا ما ردتش. لأن في الجملة دي كان كل اللي محتاج يتقال.

13

بعد سنة من الجواز، جت نور.

 

لما سمعت الخبر، وقفت في المستشفى وما عرفتش أتحرك لدقيقة. الطبيبة قالت الكلام بهدوء وبعادية، لأنها اتعودت. بالنسبالها ده عملها اليومي. بس أنا كان بالنسبالي أول مرة.

 

"مبروك، هتبقى أب."

 

الجملة دي صغيرة. بس وزنها تقيل.

 

خرجت لكارما في الأوضة وبصيت فيها ومعرفتش أقول حاجة. وهي شافت وشي وعرفت. وعيونها امتلت.

 

حضنتها بكل اللي عندي. وكنا الاتنين ساكتين. والصمت ده كان ملان بحاجة مش قادر أسميها. خليه حمد.

 

في الليلة دي روحنا البيت وإحنا تقيلين بشكل حلو. تقلين بمسئولية محتاجة. مش مسئولية بتخوفك، مسئولية بتكبرك.

 

كنت قاعد وكارما قدامي وقلتلها: "كارما، هنبقى أحسن أب وأم ممكنة؟"

 

وهي ضحكت وقالت: "هنحاول. وده كفاية."

 

"ليه مش هنبقى؟"

 

"لأن التصريحات الكبيرة دي بتجيب ضغط مش محتاجينه. إحنا هنحاول، وهنغلط، وهنتعلم. وده هو المعنى."

 

وأنا تعلمت من الجملة دي حاجة مهمة. إن المشوار ما بيبدأش بالوعد بالكمال. بيبدأ بالحضور.

 

تسعة شهور.

 

تسعة شهور كنت فيها شاهد على تحول. لا، مش تحول. كنت شاهد على معجزة بتحصل ببطء وبهدوء في جسد واحدة بتحبها.

 

كارما في الحمل كانت نفسها. مش تغيرت لحاجة مختلفة. بس بقى فيها حاجة إضافية. عمق في النظرة. واحدة بتعيش لحظات كبيرة من جوا وبتحاول تفهمها.

 

كانت بتحكيلي تفاصيل صغيرة. "الشهر ده بقت تتحرك أكتر." "الطبيب قال إنها حركتها قوية." "النهارده وضعت إيدي على بطني وحسيت إنها ردت."

 

وأنا كنت بسمع وبحفظ. لأن اللحظات دي ما بترجعش. وكنت عارف ده.

 

في ليلة من الليالي، كانت كارما نايمة وأنا صاحي. وضعت إيدي على بطنها بهدوء. وحسيت بحركة خفيفة من جوا.

 

وأنا حسيت بشيء في صدري ما حسيت بيه قبل كده. ما قدرتش أسميه وقتها. دلوقتي أسميه اكتمال.

 

زي ما الجزء الناقص رجع لمكانه.

 

بكيت في الضلمة من غير ما كارما تحس. وكنت ممتنن.

 

نور جت في يوم شتوي.

 

الجو بره كان بارد والسما كانت رمادية. والمستشفى فيه ضوضاء وحركة. وأنا كنت في غرفة الانتظار وكل دقيقة كانت بتتطاول.

 

لما سمعت الصوت الأول، صوت بكاء طفلة بتبكي لأول مرة في حياتها، حسيت بوقفة في قلبي. ثانية صغيرة. وبعدين رجع يشتغل.

 

لحظات بعدين أداني الطبيب إياها. ملفوفة. صغيرة. والعيون مغمضة. والأيدي مقبوضة.

 

وأنا بصيت فيها وما قدرتش أحرك عيني.

 

مين اللي قال إن لحظة الحب الكبيرة بتحصل بين اتنين فقط؟ لأ. ممكن تحصل مع طفلة في يومها الأول. ممكن تبص في وش حد ما عرفوش قبل كده وتحس إنك تعرفته من الأزل.

 

نور كانت زي كده.

 

ما شفتهاش وقررت إني هحبها. حبيتها قبل ما أقرر. وده الفرق.

 

كارما بصتلي من السرير وهي تعبانة وسعيدة في نفس الوقت وقالتلي: "إيه رأيك؟"

 

قلتلها: "الدنيا اتغيرت."

 

وهي ابتسمت وأغمضت عيونها من التعب.

 

وأنا فضلت ماسك نور وبشوف في وشها.

 

كانت دنيا كاملة في إيدي.

14

نور كبرت قدام عيني.

 

اللي ما كنتش أتخيله قبل الأبوة هو إن الحب بيتغير شكله كل فترة. مش بيكبر بس. بيتعمق ويتشكل تاني.

 

في الأول كان حب القلق. "هي تمام؟ عملت أكل كفاية؟ ليه بكت؟" لحظة كل حاجة فيها قلق حنون.

 

وبعدين بقى حب الاكتشاف. لما بدأت تحبي وتتعرف على الدنيا. أول ابتسامة. أول صوت. أول خطوة.

 

وبعدين بقى حب الإعجاب. لما بدأت تبان ليها شخصية. لما بدأت تعبر عن نفسها. لما بدأت تقول لأ لحاجة وعندها سبب.

 

وكل مرحلة من دول كانت بتفاجئني بشيء ما كنتش عارفه. إن في أشكال للحب ما اكتشفتهاش غير مع نور.

 

كارما كانت بتلاحظ تغييراتي مع نور. وفي يوم قالت لي: "إنت بقيت أكتر صبراً من بعد نور."

 

سألتها: "بمعنى؟"

 

قالت: "قبل كده كنت أحياناً بتضايق بسرعة من حاجات صغيرة. دلوقتي بتاخد وقتك أكتر."

 

فكرت وقلتلها: "ممكن لأن نور علمتني إن الوقت بيتغير الحاجات لو صبرت. وإن في حاجات بتستاهل تنتظر."

 

قالت: "إنت بتقول إن بنتك درستك؟"

 

قلتلها: "وأكتر من كده."

 

وضحكنا الاتنين.

 

سنين الأبوة الأولى كانت تجربة من نوع خاص.

 

التعب كان حقيقي. الليالي اللي فيها ما نمناش كانت حقيقية. التوتر من أي حاجة حصلت لنور كان حقيقي.

 

بس في نفس الوقت، كانت في لحظات من النوع اللي ما بتحصلش كتير في الحياة.

 

كان في يوم نور بتمشي في الأوضة، وفجأة وقعت. وبدل ما تبكي، بصت في الأرض تاني ثانيتين وبعدين ضحكت. وأنا بصيت فيها وضحكت معاها.

 

وكارما قالت لي: "شفت؟"

 

قلتلها: "شفت إيه؟"

 

قالت: "دي شخصيتها. مش بتيأس وما بتعيطش من غير سبب كبير."

 

كانت كارما شايفة في نور أشياء كنت بحتاج حد يلفت نظري ليها. وأنا كنت بشوف في نور أشياء كانت كارما بتحتاج حد يلفت نظرها ليها. وكنا مع بعض بنشوف أكتر.

 

وده كان الجميل في الشراكة الحقيقية. مش إنك شايف نفس اللي شايفه التاني. إنك بتكملوا بعض في اللي بتشوفوه.

 

الكتابة في سنين الأبوة تغيرت تاني.

 

بقى فيها أشياء ما كانتش موجودة. بقى فيها ثقل محبوب. زي ما اللي بيكتب بيعرف دلوقتي إن في ناس بيعيشوا بعده، وإن الكلام اللي بيكتبه ممكن يبقى حاجة يقراها حد في يوم ما.

 

الأفكار اللي كنت بكتبها عن الحب والحياة اتحولت من مجرد تأملات لأشياء بحاول أفهمها عشان أنقلها.

 

في مرة كتبت جملة في رواية قلتها الراوي لابنه: "الدنيا مش هتبقى كلها حلوة. هيكون فيها أيام صعبة وأيام تانية ما بتتوقعش. بس اللي مش هيتغير هو إنك متروحش فيها لوحدك."

 

كارما لما قرأت الجملة دي قالت لي: "ده لنور؟"

 

قلتلها: "ده لكل ولد أو بنت هيقرأ. بس آه، ده لنور."

 

قالت: "متى هتحكيها لها؟"

 

قلتلها: "لما يكون عندها الكلام ده معناه."

 

وفكرت شوية وقالت: "ممكن يكون عندها معناه من دلوقتي."

 

وأنا فهمت قصدها. الأطفال بيحسوا بحاجات كتير قبل ما يقدروا يعبروا عنها. والحضور نفسه أحياناً بيقول أكتر من الكلام.

15

في سنوات نور الأولى، لاحظت إن كارما بتعمل حاجة بشكل منتظم.

 

كل يوم جمعة، لما نور بتنام الضهر، كانت كارما بتجيب ورقة وقلم وبتقعد على الطاولة. وكانت بتكتب. مش رسم وما كانتش روايات. كانت بتكتب أشياء حصلت في الأسبوع. لحظات. جمل. مشاعر.

 

في يوم سألتها: "إنتِ بتعملي إيه؟"

 

قالت: "بكتب اللي مش عايزاه يتنسى."

 

سألتها: "ليه بالتحديد؟"

 

قالت: "لأني لاحظت إن الأيام بتعدي وأنا ساعات بنسى التفاصيل الحلوة. بنسى الجملة الحلوة اللي قالتها نور. بنسى اللحظة اللي انبسطت فيها. الحاجات الكبيرة بتفضل، بس الحاجات الصغيرة دي ممكن تروح. وأنا مش عايزاها ترو."

 

ومن الأسبوع الجاي ابتديت أكتب أنا كمان.

 

مش بنفس أسلوب كارما. أنا كتبت بأسلوبي. بس الفكرة كانت نفسها. إن في حاجة في الحياة اليومية لو ما حافظتش عليها بتروح. والحياة مش بس اللحظات الكبيرة. هي التفاصيل الصغيرة كمان.

 

وهذه التفاصيل الصغيرة دي بقت فيما بعد مادة خام لروايات كتير. لأن الحياة الحقيقية أحياناً بتكون الرواية الأجمل لو وقفت تسمعها.

 

نور في سنتها التالتة قالت جملة أنا مش هنساها.

 

كنا قاعدين في الليل، وكنا بنتكلم، وهي كانت نايمة على كارما. وفجأة فتحت عيونها وقالت بصوت نايم: "بابا."

 

قلتلها: "آه يا نور."

 

قالت: "إنت بتحب ماما؟"

 

قلتلها: "أيوه يا حبيبتي، بحبها أوي."

 

قالت: "وأنا؟"

 

قلتلها: "وإنتِ أكتر."

 

قالت بصوت تعبان: "ومين أكتر؟"

 

ضحكت وقلتلها: "إنتِ الاتنين بحبكوا بس بطريقة مختلفة. زي ما الشمس والقمر مختلفين بس الاتنين بينوروا."

 

فكرت وبعدين قالت: "طيب." وأغمضت عيونها وناموا.

 

وكارما فتحت عيونها وبصت لي بابتسامة.

 

ما قالتش حاجة. وأنا ما قلتش حاجة.

 

اللحظة دي كانت كافية لنفسها.

 

الزمن بعد نور بقى مختلف.

 

مش أسرع ولا أبطأ. بقى أكثر امتلاء. زي الفرق بين كوباية فاضية وكوباية ممتلية. مش في الحجم. في المحتوى.

 

كنت بصحى الصبح وفي البيت فيه حياة. فيه صوت نور بتتحرك. وفيه ريحة القهوة اللي كارما بتعملها. وفيه نور من الشباك.

 

وأنا كنت قعدت سنين في بيت فيه صمت. صمت ما كان سلبي بالضرورة. بس صمت.

 

ودلوقتي في ضوضاء. وفي حركة. وفي حياة.

 

وأنا كنت بحبه.

 

في مرة كنت سهران بكتب وكارما صحيت الساعة اتنين بالليل وجت تشوفني. قالتلي: "بتكتب في إيه؟"

 

قلتلها: "بكتب عن لحظة الصبح. لحظة ما بين الإحساس الأول بالصحيان وبين ما تفتح عينيك. في اللحظة دي مش عارف إنت فين أو مين أو إيه. في اللحظة دي في ثانية صافية من كل حاجة."

 

قالت: "وده حلو؟"

 

قلتلها: "آه. لأن في اللحظة دي، أول حاجة بتيجي في بالك هي اللي بتحبها."

 

وبصت لي بهدوء وقالت: "وإنت بتفتكر إيه في اللحظة دي؟"

 

وأنا بصيت فيها وقلتلها: "إنتِ."

 

وهي ابتسمت وروحت تنام.

16

بعد ما نور كبرت شوية وبدأت تتكلم كتير، كانت دايماً عندها أسئلة.

 

"ليه السما زرقا؟" "ليه التفاحة حلوة؟" "ليه الناس بتنام؟" "إيه ده بابا اللي بتكتبه؟"

 

سؤالها عن الكتابة كان مختلف.

 

قلتلها: "بكتب حكايات."

 

قالت: "زي الحكايات اللي بيحكوهالي الليل؟"

 

قلتلها: "نوع من كده. بس للكبار."

 

قالت: "الكبار محتاجين حكايات؟"

 

فكرت في السؤال ده فترة وقلتلها: "أيوه يا نور. الكبار ممكن يحتاجوا الحكايات أكتر من الصغيرين. لأن الصغيرين زيك، بيشوفوا الدنيا دايماً جديدة. الكبار أحياناً بتتقل عليهم الأيام. والحكاية بتفكرهم إن في جمال موجود."

 

فكرت وقالت: "إنت بتكتب عشان تفكر الناس إن في جمال؟"

 

قلتلها: "آه. وعشان أتذكر أنا كمان."

 

قالت: "إنت بتنسى؟"

 

قلتلها: "الكبار بينسوا. والكتابة حاجة بتساعدهم يتذكروا."

 

فكرت وبعدين قالت بهدوء: "طيب أنا مش هنسى. وعشان كده مش محتاجة تكتب."

 

وأنا ضحكت من قلبي.

 

وكارما اللي كانت سامعة من المطبخ ضحكت كمان.

 

نور دخلت المدرسة.

 

وده كان يوم ليه وزنه الخاص.

 

إحنا الاتنين وقفنا قدام بوابة المدرسة. ونور كانت شايلة شنطتها الجديدة ومبسوطة. ما كانتش خايفة. دي كانت حاجة فيها من أول يوم. ما كانتش الطفلة اللي بتخاف من المواقف الجديدة. بتقابلها بفضول.

 

وقبل ما تدخل، بصت فينا وقالت: "أنتوا هتستنوني هنا؟"

 

قلتلها: "إحنا هنيجي ناخدك بعد المدرسة."

 

قالت: "طيب." وبعدين بصت للمدرسة وقالت بثقة: "يلا." ومشت.

 

ودخلت من الباب وما بصتش ورا.

 

وكارما مسكت إيدي بهدوء. وبصنا الاتنين ورا نور وهي بتمشي.

 

قلتلها بصوت واطي: "دي مش خايفة."

 

قالت كارما: "من الأول كده."

 

قلتلها: "شبه مين؟"

 

ضحكت وقالت: "شبهك في الجرأة."

 

وأنا ما قدرتش أقول حاجة من الاعتزاز.

 

فضلنا واقفين لحد ما دخلت نور ووقفت الباب خلفها. وبعدين مشينا.

 

وكان مشينا ده فيه شيء. زي اللي ينهي فصل ويفتح فصل تاني.

 

نور في المدرسة كانت طالبة مختلفة.

 

مش الأحسن في كل حاجة. بس من النوع اللي بيعمل كل حاجة بوعي. بتعمل اللي بتعمله لأنها عايزاه، مش لأن حد طلب منها.

 

في يوم جت من المدرسة وعندها وشها مختلف. حاجة حصلت.

 

سألتها كارما: "في إيه يا نور؟"

 

قالت: "واحدة في الفصل قالت لي كلام وحش."

 

سألتها: "قالت لك إيه؟"

 

قالت: "قالت إن الشنطة بتاعتي مش حلوة."

 

وكارما بصت فيها وقالت: "وعملتِ إيه؟"

 

قالت: "قلتلها إني بحبها أنا."

 

كارما ضحكت من قلبها. وأنا كمان.

 

سألتها كارما: "وهي قالت إيه؟"

 

قالت: "ما ردتش. وبعدين هي جت تلعب معايا."

 

وكارما بصت لي بنظرة قالت فيها كل حاجة من غير ما تتكلم. نظرة فيها فخر وفرحة وشيء من إنها شايفة نفسها في البنت دي.

 

ونور روحت تعمل واجبها. ومش عارف هو واعي ولا لأ إنها علمتنا حاجة تلك الليلة.

17

في ليلة من الليالي، وإحنا قاعدين بعد ما نور نامت، قالت لي كارما حاجة مهمة.

 

قالت: "كريم، أنا عايزة أقولك حاجة كنت مش بعرف أقولها من زمان."

 

قلتلها: "قولي."

 

فكرت وقالت: "أنا من وقت ما شوفتك في الندوة دي، كنت خايفة."

 

قلتلها: "من إيه؟"

 

قالت: "خايفة من إنك تبقى بالدقة زي ما بتبان. لأن الناس اللي بيبانوا كده من بعيد، لما بتقرب منهم ممكن تلاقي إن الصورة مختلفة."

 

قلتلها: "وإيه اللي لاقيتيه؟"

 

قالت بهدوء: "لاقيت إنك أحسن من الصورة."

 

وأنا ما قدرتش أتكلم لثانية.

 

قالت: "مش مثالي. عارفة إنك مش مثالي. بس أحسن من الصورة. يعني الحقيقة أجمل من الخيال."

 

وده كان أجمل كلام اتقال لي في حياتي كلها.

 

لأن أجمل ما تسمعه من حد بيحبك إنه يقولك إن اللي شافه فيك أحسن من اللي توقعه. مش إنك كامل. بس إنك حقيقي بشكل يستاهل.

 

كارما في السنوات دي اتغيرت وما اتغيرتش في نفس الوقت.

 

الحاجات الأساسية فيها فضلت. صدقها. دقتها. حبها للتفاصيل. طريقتها في الكلام.

 

بس بقى فيها عمق مش كان فيها الأول بنفس الشكل. عمق بيجي من المرور بأشياء. من الجواز. من الأمومة. من سنين عشتهم مع حد تاني وعلمتك حاجات عن نفسك ما كنتش تعرفها.

 

وأنا كمان اتغيرت.

 

الخوف اللي كان جوايا من الحب اتقلل. مش راح خالص. لأن الخوف ما بيروحش، بس بيتعلم يتعايش مع الثقة. وأنا تعلمت أثق في نفسي وأثق في كارما وأثق في اللي بنبنيه مع بعض.

 

والكتابة بقت جزء من حياتنا المشتركة. مش أنا بكتب وهي بتعيش حياة تانية. لأ. بقت هي جزء من العملية. من المشاركة. من الأثر اللي الكلمات بتعمله.

 

وفي مرة قالت لي: "أنا بحس إني موجودة في كل رواية بتكتبها."

 

قلتلها: "لأنك موجودة فعلاً."

 

قالت: "في الكلام؟"

 

قلتلها: "في اللي خلى الكلام يتكتب."

 

وسكتت وابتسمت.

 

في يوم سألتني نور سؤالاً كان له وزنه.

 

كانت في المرحلة الابتدائية. وجاءت وقالت: "بابا، إيه معنى الحب؟"

 

السؤال ده جالي من بنتي وما كنتش متوقعه في الوقت ده.

 

قلتلها: "من فين جالك السؤال ده؟"

 

قالت: "من المدرسة. حد سألني وما عرفتش أرد."

 

فكرت شوية وقلتلها: "الحب يا نور هو لما تبقي مبسوطة إن حد تاني موجود، مش بس لما هو بيعمل حاجة. لما وجوده نفسه بيخليك تحسي بحاجة دافية من جوا."

 

فكرت وقالت: "زي ماما وزيك؟"

 

قلتلها: "آه. وزيك أنتِ."

 

قالت: "إنتوا بتحبوني دايماً ولا بس لما أكون كويسة؟"

 

وكان في السؤال ده عمق ما كنت متوقعه من طفلة في سنها.

 

قلتلها بهدوء: "دايماً. الحب مش مشروط بالكويس ولا الغلط. الحب بيكون لأنك إنتِ. من غير شرط."

 

بصت فيا طويل وقالت: "وأنا برضه."

 

وقامت مشيت تلعب.

 

وأنا فضلت مع الجملة دي.

 

"وأنا برضه."

 

بنتي اللي في سنتها فهمت إن الحب مش معاملة بالمثل. إن الحب حالة. وإن هي موجودة فيها.

18

أنا دلوقتي عندي ثلاثة وأربعين سنة.

 

وببص في المرآة الصبح ده، وبشوف وش اتغير من الداخل والخارج. الخطوط اللي كانت خفيفة بقت أوضح. والعيون اللي كانت بتبص للأمام بشوق، دلوقتي بتبص بحاجة إضافية فيها. حاجة زي الامتنان.

 

الاثنا عشر سنة اللي فاتت مش رحلة من نقطة أ لنقطة ب. الحياة مش كده. الحياة أشبه بمشوار في مكان ما فيهوش طريق واضح. بتمشي وبتلاقي طريقك وأنت ماشي.

 

وفي المشوار ده، عشت أشياء كتير.

 

عشت أميرة. وفيها تعلمت إن الحب اللي مش مبني على وضوح، ما بيبنيش. وإن إنك تحب حد لا يكفي لو مش هو بيختارك كمان. وإن بعض الأشياء بتحصل مش لأنها غلط فيك، بس لأن التوقيت والظروف والناس مش كانوا في المكان الصح.

 

وعشت سنين الوحدة. وفيها تعلمت إن الوحدة ما هياش حكم على حد. الوحدة ممكن تكون مساحة بتنمو فيها. لو عشتها بشكل صح، ما تخليكش مكسور. بتخليك أكتر معرفة بنفسك.

 

وعشت كارما.

 

كارما غيرت حياتي.

 

مش بمعنى إنها دخلت وغيرت كل حاجة. بمعنى إنها كانت اللي في وجودها كشفت لي أشياء كانت موجودة في من قبل.

 

الشجاعة اللي محتاجها عشان تحب حد بجد، مش شجاعة بتيجي من برا. بتيجي من جوا. من إنك قررت إن الخوف مش هيمنعك. من إنك قررت إن اللي ممكن يحصل لو حبيت وخسرت، مش أصعب من اللي هيحصل لو ما حبيتش خالص.

 

وأنا تعلمت إن الحب الصادق ما بيحتاجش إثبات. ما بيحتاجش تكون مثالي. ما بيحتاجش تكون من نفس المستوى ولا نفس الخلفية ولا نفس الاهتمامات.

 

الحب بيحتاج إنك تكون حاضر.

 

وإن التاني يكون حاضر.

 

وإن الحضور ده يكون حقيقي.

 

وأنا وكارما، في كل أيامنا الحلوة والصعبة، كنا حاضرين. مش دايماً بنفس الطريقة. ومش دايماً من غير أخطاء. بس حاضرين.

 

وده كان كفاية.

 

نور دلوقتي كبرت.

 

والبنت دي كل يوم بتكشف لي شيء. في طريقة تفكيرها. في طريقة سؤالها. في طريقة حبها للحياة.

 

وأحياناً بشوف فيها أشياء من كارما. وأشياء مني. وأشياء هي هي من نفسها. وده المعنى الحقيقي للاستمرارية. مش إنك تعيش في الناس بعدك. إنك تكون جزء من حاجة أكبر من حياتك.

 

في يوم من الأيام ممكن تقرأ نور الكلام ده. وأنا مش خايف من ده. بالعكس.

 

لأني مش كتبت الكلام ده عشان يكون مثالي. كتبته عشان يكون صادق. وإنك تقرأ كلام حد حاول يفهم حياته وما ادعاش إنه وصل. وإنك تعرفي إن بابوكِ كان إنسان عادي عنده مخاوفه وأخطاءه وأوقاته الصعبة. وإنه مع ذلك، في وسط كل ده، حاول يحب بشكل حقيقي ويعيش بشكل حقيقي.

 

وإن ده كان كفاية.

 

أميرة.

 

لو كنت شايفاها دلوقتي، ما كنتش هقولها إنها غلطت أو إني زعلان. كنت هشكرها.

 

لأنها، من غير ما تقصد، علمتني إن في أشياء في الحياة لو ما حصلتش في وقتها، ربما كانت هتمنع أشياء تانية أحسن منها.

 

وأنا مش قادر أتخيل حياتي بدون كارما. وبدون نور. وبدون كل اللي بنيناه مع بعض.

 

فأميرة، بطريقة أو بأخرى، كانت جزء من الطريق اللي وصلني هنا.

 

والطريق ده، بكل تعرجاته وأوجاعه وفرحته، كان يستاهل.

 

وأنا ببص في المرآة دلوقتي، مش بشوف حد تايه أو مش عارف.

 

بشوف حد اتعلم.

 

اتعلم إن الحب الحقيقي ما بيخافش. لأنه موجود بالفعل، ومحتاج بس يتقال.

 

اتعلم إن الكلمات الجميلة ما بتبقاش قديمة، لأن الجمال ما بيتقدمش.

 

اتعلم إن الوحدة ممكن تكون صديق لو خليتها تعلمك، وإن الشركة الصح ممكن تكون معلمك الأكبر.

 

اتعلم إن الأبوة والأمومة مش إضافة للحياة. هي نوع مختلف من الحياة خالص.

 

واتعلم إن الكتابة مش مجرد هواية أو شغل. الكتابة هي الطريقة اللي بيتذكر بيها الإنسان نفسه.

 

وكارما.

 

كارما علمتني إن في ناس بييجوا في حياتك ومش بييجوا عشان يملوا فراغ. بييجوا عشان يكشفوا لك حاجة كانت موجودة فيك ومحتاجة حد يلاقيها.

 

وهي لاقتها.

 

كان اسمها كارما. وكانت كل الكارما اللي استاهلتها.
               

كان اسمها كارما | للكاتب كيرلس فيليب

كان اسمها كارما
9.9

كان اسمها كارما

مشاهدة

قصة الرواية

"هل تساءلت يوماً إن كانت حياتك مجرد سلسلة من المصادفات، أم أنها حسابات دقيقة يجريها الكون في الخفاء؟" في سن الثالثة والأربعين، يقف "كريم" أمام مرآته لا ليحصي تجاعيد وجهه، بل ليواجه شتات ماضيه. تبدأ الحكاية من سؤال سكن ليله لسنوات: "ماذا كان بيني وبين أميرة؟".. ذلك الحب الذي لم يكتمل، والدروس التي كُتبت بمداد الألم والحيرة. بين نضج الأربعين واندفاع الثلاثين، تأخذنا الرواية في رحلة شعورية عميقة، تبحث في فلسفة "الكارما" وكيف يعيد القدر ترتيب الفوضى بداخلنا. يكتشف كريم أن كل تعرج في طريقه، وكل خيبة أمل، لم تكن سوى تمهيد لظهور "كارما" في حياته؛ تلك المرأة التي لم تكن مجرد حبيبة، بل كانت "التسوية" العادلة التي منحها له القدر، والروح التي جعلت من كتاباته واقعاً يعيشه لا مجرد كلمات على ورق. "كان اسمها كارما" ليست مجرد رواية عن الحب والزواج، بل هي سيرة ذاتية لكل قلب حاول أن يفهم نفسه، وبحث عن "الصدق" في زمن الزيف. هي حكاية عن الأبوة التي تغيرنا، وعن الكتابة التي تشفينا، وعن السلام الداخلي الذي نصل إليه حين ندرك أننا -برغم أخطائنا- كنا دائماً كافيين. اقتباس من الرواية: "تعلمت أن المشوار لا يبدأ بالوعد بالكمال.. بيبدأ بالحضور. وتعلمت أن الحب الحقيقي لا يخشى الزمن، لأن الجمال الحقيقي لا يشيخ أبداً."

تفاصيل العمل

التصنيف: رومانسية - للمراهقين - للبالغين - عائلية
الكاتب:
الحالة: مكتملة
سنة الإصدار:
اللغة: العربية
المشاهدات:

شخصيات الرواية

اسم الشخصية
.....
.....

فصول الرواية

جاري تحميل الفصول...

Pages

×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.