اللغة: العربية
الرئيسية حسابي

خريطة بيولوجية لجسد لا يقهر | الفصل الأول (خوارق المجرة)

جاري التحميل...

خريطة بيولوجية لجسد لا يقهر

"التطور بالعند"، إن البشر محولوش نفسهم آلات عشان الرفاهية، لكن عملوا كدة في عز الحرب والوجع. الرواية بتلعب على حتة إن الألم عند البشر مجرد "إشارة" ممكن تتقفل، وده اللي خلى الفضائيين يترعبوا من ثباتنا. الفصل ده بيوضح إن الهزيمة عند البشر هي مجرد خطوة عشان نرجع بنسخة "متحدثة" وأقوى بمية مرة. الجمدان الحقيقي في الرواية مش في السلاح، لكن في إن البشري ممكن يعيش بنص دماغ ويفضل يشتم فيك ببرود.

تحميل الفصول...
المؤلف

كاتب الرواية
                       كريل مكنش عمره قابل إنسان قبل كدة. طبعاً كان بيسمع عنهم، وبحكم إنه دكتور طوارئ في تاني أكبر منشأة طبية في القطاع، فكان بيجيلهم زوار كتير وقصصهم بتوصلهم من كل حتة في المجرة.

البشر مكنوش موضوع جديد للنقاش، كانوا موجودين من فترة وبدأوا يتوسعوا بالراحة برا كوكبهم الأم.

كل يوم فصائل أكتر وأكتر كانت بتجيب قصص عن الكائنات المفترسة الغريبة دي. زمان كانت القصص بتتحكي نقلاً عن حد، يعني "صاحب واحد صاحبي" وكدة، بس دلوقتي بقى بيجي ناس كتير معاهم قصص بيدّعوا إنها تجارب شخصية حصلتلهم فعلاً.

ورغم إن البشر مكنوش موضوع جديد، بس أكيد كانوا الموضوع المفضل للكل. كان بيتهيأله إن كل أسبوع فيه زائر جديد بيجيب قصة مثيرة تانية عن "سكان عوالم الموت" المجانين دول.

كريل كان بيشك في أغلب القصص دي؛ لإنه كمتخصص طبي بيعتمد على العلم الحقيقي والقاطع، ومكنش من النوع اللي بيسرح بخياله ورا الإشاعات.

لكن في دورة شمسية واحدة، شاف حاجة غيرت رأيه للأبد.

اليوم كان هادي، أغلب مركبات النقل والشحن كانت مشيت اليوم اللي قبله، وأخدوا معاهم الطواقم والحوادث اللي حصلت.

كريل كان بيتحرك بانسيابية في الممرات، بيطمن على المرضى وساعات بيبعت مذكرات لزمايله. كل ده كان بيعمله بسهولة بأطرافه الأربعة المستقلة وفصوص دماغه الأربعة المنفصلة.

فجأة، أنوار المبنى قعدت تنور أحمر. إشارات الراديو خبطت في مستقبلاته الجانبية وهو بيلف عشان يجري في الممر. إشارات الراديو اتحولت لصوت بيقول: "يا دكتور، عندنا نداء استغاثة طوارئ من السفينة (يو إس إس ستابي) بيطلبوا مساعدة طبية فورية".

الكلمات اللي استُخدمت كانت غريبة على ودن كريل وهو بياخد الملف اللي جاي بسرعة.

"النوع إيه؟"

"المسح الضوئي بيقول إنها سفينة بشرية حرة".

لولا تدريبه الطبي، كان ممكن يقف من الصدمة: "كرر تاني كدة؟"

"بشر. أنا ببعتلك الخريطة البيولوجية دلوقتي".

إشارات الراديو اتغيرت، والمنطقة القشرية الجانبية في فصه الخلفي اليمين فكت شفرة الصورة. الإنسان ده كائن غريب فعلاً. هيكل داخلي طوله عشر وحدات وبيمشي على رجلين، ومعاه فصين دماغ بس، وجسمه بيتكون بشكل أساسي من الكربون وشغال بمضخة دورية ومجموعة معقدة من أنابيب العضلات الملساء. وبحكم تدريبه الطبي المتقدم وفصوص دماغه الأربعة، عرف في اللحظة دي كفاية عشان يعمل أي عملية جراحية طارئة ومطلوبة.

أول ما شاف الخريطة البيولوجية، بقى متأكد بنسبة مية في المية إن القصص اللي سمعها دي كانت فشر وكذب.

وقف بانسيابية في وحدة الطب الرئيسية واستنى مع اتنين من المساعدين وهم بيسمعوا زئير محركات السفينة وهي بتقرب من السما.

يا نهار أبيض! محركاتهم صوتها عالي بشكل مرعب.

الأبواب اللي قدامه اتفتحت بقوة، وتلاتة من الكائنات دي دخلوا وهم بيجروا وبيزقوا الرابع على كرسي بعجل. موجات طويلة من الإشعاع الكهرومغناطيسي كانت مبيّنة لون أحمر قانٍ مغطي واجهة الكائن الرابع ده.

وكإجراء بديهي، شغل المترجم الفوري بتاعه بسرعة.

"هتبقى كويس يا كابتن، هتبقى زي الفل، بس بلاش تحرك راسك".

كريل لاحظ بسرعة الرقعة الطبية العالمية على دراع الإنسان اليمين من فوق. أكيد الموضوع طوارئ طالما اضطروا ينزلوه لسطح الكوكب، بس من مكانه مكنش عارف يشوف كويس الشخص الرابع المتغطي باللون الأحمر ده، ورقبتُه كانت متثبتة بدعامة فوم ناشفة. وفيه واحد جنبه كان بيساعد إنه يسند الكائن ده في وضعية جلوس مستقيمة.

أول ما وقفوا في نص الأوضة، الشخصين اللي معاه وسعوا الطريق.

عمره في حياته ما شاف منظر بالبشاعة دي... ولو كان شاف، فده مبيحصلش غير في تشريح الجثث بعد الوفاة. كان بيتمنى إن البشر ميكنوش بيقدروا يسمعوا صوت الصرخة الحادة العالية اللي طلعت منه من هول المنظر.

الراجل البشري كان قاعد ساكت خالص على الكرسي وراسه مايلة لورا شوية. الدم كان نازل من تجويف عينه اليمين من حوالين حواف سيخ معدني حاد طالع من نص عينه.

حواليه، البشر التانيين كانوا في حالة ذعر، وبيطلعوا أصوات عياط مكتومة ومرعوبة وهم بيبصوا عليه.

عمل شوية حسابات سريعة بدماغه.



السيخ ده أكيد اخترق أنسجة القشرة الدماغية.

المفروض الإنسان ده يكون ميت.

كان لازم يكون ميت. لو كلية الطب علمته حاجة، فهي إن إصابات الدماغ مستحيل حد ينجو منها.

بسرعة كريل نفض عنه حالة الرعب واتحرك لقدام وهو متوقع يلاقي مضخة الدورة الدموية عند البشري واقفة، بس مسح سريع بيّن إن العضو لسه شغال وبيدق بانتظام هادي بمعدل ستة وستين دقة.

إزاي ده ممكن يحصل؟

"يا دكتور؟"

كريل كان هيتنفض من مكانه لما البشري اتكلم وهو ضامم شفايفه ومثبت جسمه تماماً، وعينه التانية اتفتحت ولفّت ناحيته وهي مشوشة ومش مركزة.

صرخة رعب تانية طلعت من كريل.

"ممكن تساعدني هنا، متهيألي فيه حاجة لزقت في الفص الجبهي عندي."

فجأة مكنش عارف يعمل إيه بإيديه. إيه الجنان ده! مش بس البشري مش ميت، لا ده كمان بيتكلم!

مستحيل!

البشري التاني اترجاه: "يا كابتن، أبوس إيدك متبطلش كلام."

"اسمعني بس ثانية... وبطل هبل، أنا اللي فيه البتاع الملعون ده طالع من دماغي..."

المجموعة اللي حواليه سكتت خالص.

كريل قرب وبدأ يعمل فحص بالراحة.

سأله بفضول مصحوب بصدمة: "إنت حاسس بوجع؟"

البشري ضيق عينه السليمة بتفكير: "اممم... لأ."

"إزاي كدة..."

الدكتور التاني بص له وقال: "المخ البشري بيقدر يقفل الإحساس بالوجع عند اللزوم. هيحس بالوجع أكتر لما تأثير الصدمة يروح."

"بتقدروا تقفلوا الوجع؟"

البشري اللي عينه مفقودة تمتم بصوت واطي: "نشكر ربنا."

"إزاي حصل..."

"إزاي عملت لنفسي عملية فص جبهي بالصدفة؟"

"يعني إيه عملية فص جبهي؟"

"اممم هنبقى نتكلم في الموضوع ده بعدين."

اتضح إن كريل كان يتمنى ميعرفش يعني إيه عملية فص جبهي... بشر همجيين.

بس مع ذلك كان مبهور. عمره ما قابل فصيلة عندها القدرة إنها تعيش بعد إصابة في الدماغ، وأكيد مش بالحجم ده. أي فصيلة تانية غير البشر كانت هتموت في لحظتها. صدمة الإصابة دي لوحدها كانت كفيلة تقتل، بس بدال ده، مخ البشري قفل الإحساس بالوجع وهدّاه رغم كل الدمار اللي حصل.

بعد ما عالج الجرح، كريل عمل عملية معقدة عشان يشيل الجسم الغريب. كمية الضرر في الدماغ كانت هتبقى مدمرة لأي فصيلة تانية، بس دكتور السفينة بتاعتهم كان شكله مرتاح لما شاف الصور.

محجر العين كان مكسور، والعين نفسها اتشوهت، والعصب البصري اتقطع. البشري هيفقد القدرة على استخدام العين دي، بس ده مكنش فارق معاه، أصلاً هو كان شغال برجل آلي.

مين كان يصدق إن القصص كانت حقيقية، ومين كان يصدق إنه هيسافر مع مجموعة من البشر الأسبوع الجاي.

مين كان يصدق قدرة البشري على النجاة من إصابة دماغية قاتلة؟







ما كانش ينفع أبداً نبدأ حرب ضد المجلس المجري. كنا فاكرين إن قوتنا الجبارة وأسلحتنا هتدينا ميزة تكتيكية ضد أعدائنا. وممكن... لو كنا نفذنا خطتنا دي من 20 دورة فاتوا، كان زمان كلامنا صح.

بس المجلس المجري كان عنده حاجة مش عندنا.

البشر.

ما كناش بنسمع عنهم غير قصص، جاية من كوكب واحد بيلف حوالين نجم عادي في مجموعة شمسية عادية جداً. بالمقارنة بينا، البشر دول ما كانوش يسووا حاجة. كانوا طرايا وسهل يتكسروا، هيكلهم الداخلي ضعيف وجلدهم رقيق لدرجة إنك تخرمه بسهولة.

بيمشوا على رجلين، مش أقوياء أوي ولا أذكياء بشكل خاص. أسلحتهم كانت كويسة، الحق يتقال، بس حتى بمساعدة الفصيلة اللي بيقولوا عليها "سكان عالم الموت" دي، كنا واثقين إننا هنكسب.

إحنا، "الدريف"، كنا فعلاً كائنات ما بتتقهرش، طولنا عشرة قدم وعندنا ست أطراف وهيكل خارجي محتاج أسلحة خارقة للدروع عشان يتخدش.

لما المجلس المجري هدد إنه هيبعت وحدات بشرية، ضحكنا، لأننا كنا فاهمين الحرب أكتر من أي جنس تاني قبلنا. إحنا اتربينا في الحرب، واتشكلنا في الحرب، وبنموت في عظمة الحرب.

ويااه على كم الموت اللي شفناه.

بس ما كناش غلطانين في الأول، إحنا فعلاً قطعنا البشر دول حتت. كنا بنفرقهم زي الموجة اللحميّة. غرقنا الأرض بدمهم لحد ما الوديان بقت حمراء بدمائهم وصراخهم ملى السما. أكيد كانوا عدو يستحق الاحترام، كان عندهم تكتيكات وشجاعة، وأسلحتهم كانت بتوجع، بس ما كانوش بنفس قوتنا.

بس بعدها، رجعوا تاني، وكانوا أقوى.

ما كانوش بيموتوا!

قطعنا أطرافهم من أجسامهم وطلعنا أعضاءهم من جواهم. دهنّا الصخر بدمهم وملينا السما بصرخاتهم، بس برضه ما ماتوش.

أنا فاكر أول واحد فيهم شفته وهو طالع على التلة. كان ماشي وصوت خبط المعدن طالع منه، وعينيه كانت بتنور بنور مش حقيقي. حاولنا ندمره، بس جسمه ما كانش بيتكسر. الحاجات اللي كانت قبل كدة بتتقطع لفتات، بقت بتصد أسلحتنا. أطرافهم اللي كانت ضعيفة زمان، بقت مبنية بالصلب والتيتانيوم.

ياااه، إحنا ما قتلناهمش، إحنا إديناهم الإذن إنهم يتطوروا.

في الحروب التانية، كنا عارفين إن قطع طرف واحد كفاية عشان يخرج عسكري من المعركة، بس ده.... ده كان شيء جديد... ده كان رعب حقيقي.

البشر ما بقوش عاجزين، دول بقوا أحسن، وإحنا اللي فتحنا لهم الطريق عشان يعملوا كدة.

ما ماتوش، استبدلوا أطرافهم بحديد أقوى وأسرع. لما عينيهم راحت، ركبوا مكانها عدسات حرارية وأشعة تحت حمراء وفوق بنفسجية. وصلوا أنظمة توجيه في دماغهم مباشرة. لما ودانهم راحت، استبدلوها هي كمان. لما قلوبهم وقفت، بقوا بيضخوا دمهم بماكينات. ولما رئاتهم فشلت، عملوا أكياس تقوم بمهمتها هي كمان.

رجليهم راحت؟ ركبوا مكانها صواريخ.

ما فيش فصيلة من أول المجرة لآخرها قدرت تقف قدامنا، بس دول، أخدوا هزيمتهم واتكيفوا معاها. عمر ما فيه جنس فكر إنه يدمج اللحم بالآلة، ده كان جنان، حاجة مش منطقية.

بس هم عملوها، وصلوا نبضات الكهرباء بأعصابهم، وفتحوا أجسامهم وبدلوا اللي جواها. لغوا إنسانيتهم، وفضلوا برضه بشر.... ما قدرناش نفهم ده أبداً.

واكتسحونا زي الموجة. جابونا الأرض وبعدها ودونا لُقبورنا.

ما كانش قدامنا غير حل واحد، حل "الدريف" ما عملوهوش قبل كدة أبداً... استسلمنا.

أنا فاكر اللحظة اللي كنت فيها على ركبي قدام الكائن ده: رجل واحدة، من غير دراع، ومن غير عينين وهو بيبص في روحي.

وبعدها مد لي إيده وابتسم.

قدامي كان كائن إحنا قطعناه حتت لحد ما مابقاش فيه لحم تقريباً، بس لسه بيبتسم وبيقول: "إنتو ولاد تيت جامدين أوي، عارفين كدة؟"

بصراحة، إحنا ما كناش نعرف أي حاجة عن الجمدان.