اللغة: العربية
الرئيسية حسابي

رضيع في عرين السيدة الكبيرة | الفصل الأول

جاري التحميل...

رضيع في عرين السيدة الكبيرة

تسليط الضوء على حجم المعاناة النفسية والمادية التي يعيشها "شاديف" وهو يقوم بدور الأم والأب معاً لطفله الصغير. تظهر الفجوة الطبقية بوضوح عند انتقاله من منزله البسيط إلى "السراية"، حيث يتعرض للإهانة اللفظية من السيدة الكبيرة بسبب وضعه الاجتماعي. كما يمهد الفصل لعودة "السيد الصغير" الغامضة، مما يضع القارئ أمام ترقب لمواجهة محتملة بين عالم الخدم المنسي وعالم الأسياد المترف.

تحميل الفصول...
المؤلف

"آه.. افتح بقك يلا.. ابني الصغير هيفتح بقه أهو.."

"لا.. لا.."

"خد كل لقمة الرز دي.. بص بص، العصفورة اهي.. يلا كُل لقمة الرز دي يا روحي.."

"لا.."

"إزاي تقول لا بس ممممم، أهو الكلب هييجي ياكلها.. يلا يلا خدها قوام قبل ما ييجي، ابني الصغير هياكل أهو.. افتح بقك يا قلبي.."

الولد كان بيضرب إيدي كل ما أقرب لقمة الرز من بقه وهو بيجري في البيت كله.. كل يوم الصبح بتبقى حرب عشان أكله لقمة رز واحدة، لازم ألف وراه البيت كله..

"إيه يا ابني، الولد مش راضي ياكل؟"

"لأ يا أمي، مأكلش غير لقمة واحدة بس.."

"يا ابني، تيجي معايا النهاردة "السرابة" (بيت الباشا)؟ مش هقدر أخلص الشغل لوحدي.."

"ليه يا أمي، فيه إيه النهاردة في بيت الباشا؟"

"معرفش، بس هروح قبل ما الست الكبيرة تتجنب وتثور، لبّس الصغير وتعال ورايا على هناك.."

"يا أمي، طب والولد؟"

"ما تجيبه معاك، فيها إيه؟"

"ممم.."

يا رب، أنا تعبت فعلاً.. أمي المسكينة اللي بتلف من بيت لبيت عشان تشتغل بسبب الفقر والاحتياج، في الوقت اللي كان مفروض أنا اللي أرعاها فيه، بقت هي اللي شايلة همي..

دي بلد أبويا.. أبويا كان سواق في "السرابة"، وبعد ما مات، أمي راحت "كورونيغالا" واشتغلت في بيت "الهامو" الصغير.. وأنا كمان كنت هناك.. وقتها كنت صغير أوي، يجي عندي سنتين.. وفضلت أمي شغالة في البيت ده لحد ما دخلت المدرسة.. ومن حظنا السيء اضطرينا نسيب البيت ده.. يمكن بسبب المشاكل اللي حصلت، بس ربنا سترها ونجحت في الثانوية بتفوق.. وجاتلي فرصة أدخل جامعة كولومبو تخصص تجارة.. أمي قالتلي إن السيد اللي كانت شغالة عنده في آخر بيت كان راجل طيب وزودلها المرتب للضعف لما عرف إني داخل الجامعة.. بس للأسف، ملحقتش أروح..

"ماما.. ماما.."

الولد الصغير وهو بيحاول ينطق كلمة "ماما" متعلق في بنطلوني، شيلته بإيدي اللي مكنش فيها أكل، وهو بدأ يدور على حاجة تحت القميص..

"ماما.. ماما.."

"أيوه يا روح قلب ماما، عايز إيه؟ بتدور على إيه يا عمري؟"

"ممممم.. ممممم.."

يا دي الزن!

"هو الرضاعة هتعمل معاك إيه بس؟ إزاي هتكبر يا حبيبي وأنت عايش على الرضاعة بس؟"

"لولو.. تتت.."

"أيوه أيوه، هتكبر إزاي وأنت مش عايز غير الرضاعة.. إزاي بس؟"

غسلت إيدي من الحنفية اللي بره وسبت طبق الرز في المطبخ، وأخدت الولد في حضني وقعدت على عتبة البيت.. الولد كان مستعجل، أول ما رفعت القميص، شم ريحة اللبن وراح ماسك بقه في صدري على طول..

كان نفسي ألاقي وظيفة، بس هسيب الولد لمين؟ أمي لما بتروح "السرابة" بنبقى أنا والولد لوحدنا.. وأمي بترجع آخر النهار هلكانة ودايخة، فلو أنا كمان نزلت شغل مين هيعمل شغل البيت ومين هياخد باله من الصغير؟ الولد لسه في سن بيتعلم فيه الكلام، مقدرش أسيبه عند حد.. والممرضة كل ما نروح نوزنه في الجامع تقعد تزعق وتقول وزنه قليل ومبيزيدش، طب أعمل إيه ما هو مبيكلش!

"شاديف أرونودا دينيغيدارا"، ده اسمي، وعندي دلوقتي 21 سنة.. دموعي نزلت وأنا باصة للولد.. الولد اللي ميعرفش مين أبوه، عمال يرفس برجليه وهو بيرضع.. "أودهير أفيان" ابني، اللي قلبي بيوجعني كل ما أفتكر إن خانة الأب في شهادة ميلاده فاضية، وقصاد اسم الأم مكتوب بين قوسين "غير متزوجة"..

"يا ابني.. يا ابني.."

"أيوه يا خالتي، اتفضلي.."

فقت من سرحاني على صوت جارتنا وهي بتنادي.. هي ست طيبة، بس أنا مش برتاح لها أوي..

"أمال أمك فين يا ابني؟"

"أمي راحت "السرابة" يا خالتي.."

"بدري كده؟"

الست برقت بعينيها، وفهمت فوراً إنها بتبدأ تدور على "قر" وكلام وجرجرة في السيرة..

"وليه يا ابني بدري كده؟"

"والله ما أعرف يا خالتي، الست الكبيرة قالتلها تيجي.."

"مممم، يبقى أكيد "الهامو" الصغير جاي هو كمان.."

"ومين ده؟"





"ده الوريث اللي عليه الدور في السراية دي.. سيد (هامو) متكبر وشايف نفسه لآخر درجة.. حتى لو كان موجود، مكنش حد بيحس بوجوده في البيت ده.."

"بس يا خالتي من ساعة ما جينا البلد والسيّد ده مظهرش واصل في السراية.."

"يا ابني ده من ساعة ما الجوازة باظت، السيّد ساب السراية ومشي، وبقاله يجي عشر سنين رجليه مأعتبتش السراية دي.."

"وليه كل ده؟ إيه اللي حصل؟"

دلوقتي بقى، مش الست دي اللي عايزة تنبش في الكلام، ده أنا اللي عايز أعرف الحكاية..

"الست الكبيرة "مانيكي" معملتش حاجة إلا لما طفشت الست الصغيرة اللي جابوها من سراية (سورياكاندا) عشان مابتخلفش.. فضلت وراهم لحد ما فرقت عصفورين الكنانة عن بعض.."

"طب والسيّد ساب السراية ليه؟"

"الجوازة دي مكنتش بمزاجه أصلاً، دي كانت رغبة الست الكبيرة.. يا خسارة شباب السيّد الصغير والست الصغيرة اللي ضاع.. دخلت البيت بليالي ملاح وفرح سبع أيام، وفي الآخر خرجت وهي بتسمع أوسخ الكلام.. والسيّد الصغير كان واقف حاطط إيده في ميه باردة وساكت.. بس الحق يقال، الست الصغيرة دي كانت وش السعد وعشرة على عشرة.."

خالتي سوما حطت إيدها على خدها وهي بتتحسر، وأنا بدأت أفهم قد إيه الست الكبيرة دي قاسية ومفترية..

"دلوقتي بقى السيّد ده زمانه كبر في السن يا خالتي، صح؟"

"أيوة، يكون عنده بتاع 35 سنة دلوقتي.."

"ومتجوزش تاني؟"

"وهو كان قصر؟ بس هو اللي مش راضي يوافق على أي واحدة.."

"ممم، طب أنا لازم أمشي دلوقتي أروح السراية يا خالتي.."

"ليه يا ابني؟"

"أمي اللي قالتلي آجي يا خالتي.."

"والولد؟"

"هضطر أخده معايا.."

"يا ابني رضع الولد وسيبهولي هنا، مش لازم تجرجر الصغير معاك في السراية ووسط الدوشة دي.."

"كتر خيرك يا خالتي، والله ربنا يجازيكي خير، أنا أصلاً كنت شايل هم هسيبه فين.."

نيمت الولد على السرير في الأوضة بعد ما رضع وشبع، ودخلت استحميت بمية البير.. كنت هلكان وعرقان من الصبح في الطبيخ والترويق ومسح الحوش وغسيل الهدوم..

لبست تيشرت قديم لونه باهت وبنطلون من اللي أمي خيطتهم لي، ونشفت شعري ووقفت قدام المراية اللي مطوسة شوية..

دهنت حتة صغيرة من كريم الولد وحطيت شوية "كولونيا" على راسي وسرحت شعري.. ممم، ريحتي بقت صابون أطفال..

حوطت الولد بالمخدات القطن وبعيد عن الشمس، وحطيت الناموسية، ولبست الشبشب وخرجت لقيت خالتي سوما قاعدة على الكرسي بره..

"يا خالتي، أنا ماشي أهو، ولو الولد صحي وعيط اعملي له رضعة لبن.. وفيه بطاطساية مسلوقة، اهرسيها وحطي عليها رشة فلفل أسود وأكليها له يا خالتي.."

"ماشي يا ابني، هأكله.."

"سلام يا خالتي.."

"خلي بالك من نفسك يا ابني وأنت ماشي، ولا تحب آجي معاك شوية في الطريق؟"

"لا يا خالتي، تسلمي، أنا هعرف أمشي لوحدي.."

"يا ابني أنت زي القمر وشك فيه بركة، اللي يشوفك لازم يخاف عليكي.."

ضحكت من قلبي.. أمي فعلاً بتخاف عليا جداً، ومن زمان وهي كدا، ودلوقتي بقت تخاف أكتر بكتير بالرغم من إني بقيت أب..

ابني بقى مش زيي خالص، ابني "شقي" وعصبي.. أول ما حاجة متجيش على مزاجه يقلب الدنيا، حتى وأنا برضعه لو سرحت شوية يفضل يبص لي بحدة ويربع.. طالع لمين مش عارف؟ أكيد طالع لأبوه في طباعه دي..

المهم إن الولد نسخة من أبوه في الشكل.. نفس اللون العسلي.. أنا بحب اللون ده جداً، لون غريب وجميل.. لا هو أبيض ولا أسمر، اللون ده خده من أبوه..

يا ريت لما يكبر يطلع زي أبوه..

أول ما رجلي خطت أرض جنينة السراية، دخلت من ورا ناحية المطبخ، وسمعت صوت عالي ودوشة جوه..

"أهلاً يا "سيريا"، أنت مبتعرفش تعمل شغلك صح أبداً.. معرفش السيّد الصغير عايزك ليه.. يا حبة عيني يا ابني، تلاقيه مأكلش من أكلك عشان مش حلو فبيدور عليك.. روح بقى ورد عليه ووريني هتقول إيه.."

يا ساتر! دي ست لسانها فلتان.. يعني أكل أمي مش عاجبه؟ ده السيّد ده عدا الـ 35 يعني المفروض لسانه مبقاش يميز الطعم.. سيد إيه ده، ده طفل كبير.. والله يضحكوا عليه، بس هقول إيه..

أهو السيّد شرف السراية أخيراً بعد كل السنين دي.. تلاقيه افتكر العز والورث دلوقتي، ما هو كله بتاعه.. يا عيني يا فقر، طردت مراتك ودلوقتي جاي تدور على العز.. فضلت أشتم في سري في الست "مانيكي" وفي السيّد اللي مشفتش وشه ده، ودخلت المطبخ لقيت الست الكبيرة وأمي واقفين بيبصوا لي..

"تعال.."

"حاضر يا ست هانم.."

"إيه يا ولد، بالرغم من إنك متعلم وزي القمر كدا، إزاي ضحكوا عليك وخلوك تغلط؟ بص لأمك، هي دي ست تستاهل تشقى كدا؟ دي كانت عايزة تعلمك وتدخل الجامعة.. بس هقول إيه، طيش الشباب غلب على عقلك.."

من ساعة ما جيت السراية والست دي مش سايباني في حالي، كل شوية تسأل "ده ابنك يا سيريا؟" وتقعد تسمعني كلام يوجع القلب لحد ما دموعي نزلت غصب عني.. كان نفسي أقولها ماليش في طيش الشباب ده، بس مقدرتش أنطق.. لو سألتني "ابنك ده جه من الهوا؟" هرد أقول إيه؟ بعد كلام كتير يوجع، الست الكبيرة مشيت..

"يا ابني.."

"سيريا، تعال هنا.."

أمي شافت دموعي وجت تقرب مني، بس الست الكبيرة زعقت ومنعتها، فأمي اضطرت تدخل جوه السراية.. وأنا فضلت واقف أمسح دموعي بطرف التيشرت..