سكن لم يعد إضطراريًا - رواية سكن إضطراري (الفصل الأخير)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

سكن لم يعد إضطراريًا - رواية سكن إضطراري (الفصل الأخير)

جاري التحميل...

|سكن لم يعد إضطراريًا|

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

سكن إضطراري 
الفصل التاسع والأخير
سكن لم يَعُد إضطراريًا...




تسللت رجفة الهلع بجسدها وتجمدت واقفة وهي تطالع ذاك المُلثم الذي يتجه نحو الشُرفة ويقفز منها، أتسعت حدقتيها ووجدت نفسها تصرخ بخوف:


- حرامي!! .. ساهر ألحقني!


أنتفض 《ساهر》 من نومه مجفلًا على صوت صراخها وهرول نحو الصالة وهو يتسأل ودقات قلبه تقرع كالطبول:


- نور! مالك حصلك حاجة!!


- حرامي شوفته بينط من البلكونة


قالتها بخوف وهي تشير نحو الشرفة فركض يدلفها وهو يرمق الشارع بنظرة تفحصية، ألتقطت عيناه طيف شخص متشح بالسواد يركض على أول الشارع، ضيق جفنيه وهو يطالعه بتركيز بنظرة غامضة!.


دلف مرة أخرى وأحكم غلق أبواب الشرفة ثم عاد لـ 《نور》 التي كانت تناظره بخوف وهمس لها بإطمئنان:


- أهدي يا نور  .. هو هرب .. قوليلي عملك حاجة؟


أوضحت له بنبرة مُرتعشة:


- كان بيحاول يفتح أوضتي بس الحمد لله أنا كنت قفلاها بالمفتاح ولما استجمعت شجاعتي وخرجت شوفته بينط من البلكونة مش عارفة سرق حاجة ولا لا!


ضيق 《ساهر》 ما بين حاجبيه بشرود غامض، هناك شعور أخر بداخله ينبئه انه لم يكن لصًا، أفاق من شروده وهو يرى نور تهرول نحو غرفته فدلف خلفها ليراها تندس في سريره وتحكم عليها الغطاء فرفع حاجبه بتعجب متسائلًا:


- أنتي بتعملي ايه؟


رفعت يدها تُشير نحو الآريكة وهي توضح:


- أنا هنام هنا إنهاردة وانت هتنام على الكنبة ومش هتتحرك من مكانك .. اه عشان لو حرامي جه تاني يقتلك أنت الأول والحق أنا أهرب


هتف بهدوء محاولًا كبح ضحكته على طريقتها:


- طول عمرك أصيلة


ظلت تُلقي عليه تعليماتها بغلق جميع الشبابيك جيدًا وعدم التزحزح من الغرفة بينما جذب هو إنتباهه شيء غريب، وقع بصره بالصدفة على حاسوبه المتنقل ليراه مفتوح وشاشته على وضع التشغيل، ضم حاجبيه بإستغراب فهو دائمًا ما يغلق حاسوبه قبل أن يخلد للنوم، وهو متأكد أنه أغلقه! أنتبه لصوت 《نور》 تناديه:


- أنت يا أخ هو أنا بكلم نفسي!


- حاجة غريبة! انتي فتحتي اللاب ده وانا نايم؟


سألها بحيرة فنظرت للحاسوب بحاجب مرتفع وردت بنفي:


- لا ولا دخلت اوضتك اساسًا .. وبعدين ما عندي لاب هفتح بتاعك ليه؟


جلس خلف مكتبه وأخذ يتفقد ملفاته واحدة تلو الأُخرى حتى جحظت عيناه فجأة وصاح بصدمة:


- لا! أزاي كدة!


شعرت 《نور》 بحدوث شيء هام فنهضت تسأله بتوجس:


- في ايه يا ساهر قلقتني!


مازال تحت تأثير الصدمة، كانت عيناه معلقة على شاشة الحاسوب بغير تصديق، تفوه وهو يشعر أن الكلام يخرج منه كالمُخَدر:


- ملف المشروع اللي هقدمه بكرة أتمسح! ملوش اي أثر!


هرولت نحوه وهي تنطق بصدمة:


- ازاي يعني؟ بص تاني يمكن حفظته في مكان تاني ونسيت


أعاد البحث بعينيه بين الملفات مرةً أخرى لكن ليس له أي أثر، هنا تذكر امر ذلك المُلثم، تأكدت شكوكه وعلم هويته، لم يكن لصًا بل عدو جاء لينتقم منه وقد كان أنتقامًا قاسيًا! أنتقامًا يضربه في إحلامه فيهدمها، قبض على يده بغضب مكتوم وهمّ يضغط على شيء أخر لكن أوقفته 《نور》 سريعًا قائلة:


- لا يا ساهر متفتحش حاجة تانية عشان ....


- أنتي تخرسي خالص أنتي السبب في كل ده!


صرخ فيها بغضب فإرتدت للخلف بخوف وعيناها بارزة من غضبه غير المبرر عليها، نطقت بدهشة يخالطها بعض الحزن:


- ليه وأنا عملت ايه!.


¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤




في تلك الأثناء، إستطاع الركض لمسافة طويلة نسبيًا حتى إبتعد عن الشارع الذي يقطن فيه 《ساهر》، ولما تأكد من ذلك أستند على أحد اعمدة النور يلتقط أنفاسه اللاهثة، رفع يده وأزاح اللثام عن وجهه، والذي لم يكن سوى 《سيف》! ظهرت لمعة الإنتصار في حدقتيه وإتسعت إبتسامته الخبيثة تدريجيًا وهتف بشماتة:


- كان لازم تدفع تمن إهانتك وضربك ليا قدام الناس! .. مش دي الفرصة اللي كنت هتموت عليها وهتغير حياتك! .. اهي ضاعت واشرب بقى هتفضل طول عمرك فقير وفاشل يا ساهر!


قالها وهو يقهقه بإنتشاء سعيد ثم أقترب من سيارته وأعتلاها وغادر!.


 
بينما عند 《ساهر》 وقفت 《نور》 تنظر له بنظرات مشدوهة من الصدمة وهي تسأله بنبرة حزينة:


- ليه أنا عملت ايه؟


أندفع نحوها والغضب يتقافز من كل خلية من جسده وهو يلومها بنبرة قاسية:


- اللي كان هنا من شوية مكانش حرامي! عارفة كان مين! .. كان سيف هو اللي جه عشان ينتقم مني! كنت عارف انه مش هيسكت على اللي عملته فيه في الفرح وهينتقم بس مكنتش اعرف إن انتقامه هيكون بالطريقة دي! ياريتك ما جيتي معايا الفرح!


تركها وأخذ حاسوبه بعنف وانصرف، خرجت 《نور》 بعد قليل لتجده جالسًا على الآريكة بالصالة ضاممًا ركبتيه لصدره، واضعًا الحاسوب أمامه وهو يتأمله بنظرات حسرة، حسرة على حياة تمنى جعلها أفضل وحُلم قاتل بإستماتة من أجل نيله، لكنه الآن تبخر ولم ينل سوى القهر والخذلان!.


جلست 《نور》 على الأرض وظلت تراقبه بنظرات مقهورة عليه، ظلت تبكي بصمت على الحالة التي وصل لها وبسبب من؟ من يُطلق عليهم عائلة! قد هُدم من حيث كان ينبغي أن يُبنى، وسحق تحت أقدام مَن مِن المُفترض أن يحملوه!.


ظلت على جلستها حتى ابتلعه سلطان النوم ورأته يغفى مكانه، زفرت بقوة ونهضت من مكانها وهي تمسح دموعها بحزم، وبحذر أقتربت منه بخطوات متسللة، مدت كفيها تحمل حاسوبه ثم دلفت لغرفته مرة أخرى وأوصدت الباب خلفها.


¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤




انقشع الليل بظلامه وانقشعت معه الأحداث العصيبة التي مرَّ بها بالأمس، واشرقت شمس يوم جديد، كانت 《نور》 تتحرك بخفة وحرية في المطبخ بعد ان أزالت الحبل الذي يقسمه؛ تُعد فطورًا لذيذًا وهي تدندن بصوتها البشع، صبّت القهوة في الفنجان ثم حملت صينية الطعام متوجهةً للصالة.


وضعتها على الطاولة وأخذت تنظر لـ 《ساهر》 والذي مازال نائمًا على الآريكة منذ أمس، إبتسمت بحنو ثم مدت كفها لتوقظه، لكنه سبقها فوجدته يتململ بتعبيرات منقبضة تنم عن تألم عظامه من نومه بشكل خاطئ لفترة كبيرة.


فتح عينيه ببطء يعتاد على الإضاءة لتقع عيناه على 《نور》 الواقفة أمامه تنظر له بوجه مبتسم، دُهش منها وأعتدل هو يرمقها بنظرات شك، هتفت بإبتسامة حماسية واسعة:


- صباح الخير .. حضرتلك الفطار يلا افطر وقوم عشان تجهز عشان ورانا مشوار مهم


قالتها وتركته وأنصرفت، ظل 《ساهر》 على جلسته يحدق في آثرها ببلاهة فاغرًا فاهه بدهشة، مسح على وجهه يزيح أثار النوم ثم حدث نفسه:


- هو أنا بحلم؟ هو أنا لسه نايم ولا ايه؟ .. اكيد في مصيبة! .. هتقتلني مثلًا!


وضع يده اسفل ذقنه وقد حول بصره نحو الطعام مضيقًا عينيه بشك وتابع:


- اه فهمت .. اكيد الأكل مُسمم! ولا يمكن القهوة؟ .. اه السم بيدوب في السوايل أسرع!  .. نظرية بردو!


- متقلقش انا واكلة من الاكل مش حطالك سم


فزع عندما سمع صوتها يأتيه من غرفتها وهي تضحك ليهمس بأعين متسعة:


- هي سمعتني ازاي!


مظهر الأكل الشهي جعل 《ساهر》 يلتهمه بتلذذ، وما إن أنهى فطوره حتى دلف للإستحمام ومن ثَم تجهيز نفسه للموعد المجهول التي أخبرته 《نور》 عنه. 


- ممكن أعرف أحنا رايحين فين؟ ومجهزالي فطار وبدلة ده انا قربت أصدق أنك مراتي بجد!


قالها 《ساهر》 والتعجب يرتسم على محياه بينما كانت 《نور》 ترمق نفسها في المرآة الجانبية لباب الشقة ثم أسرعت تضع اغراضها في حقيبتها، رفعت بصرها تلقي نظرة تفحصية على مظهر 《ساهر》 ثم أردفت بإبتسامة متحمسة:


- تحفة .. زوقي في البِدل تحفة طبعًا لا داعي للتصفيق


رفع حاجبه وتسأل للمرة المليون:


- ياستي ممكن أفهم في ايه؟


صمتت ترمقه بنظرة غريبة، والابتسامة المشرقة المرسومة على ثغرها لم تختفي، سارت عدة خطوات للأمام وأخرجت حاسوبه من حقيبته ليعقد حاجبيه بغرابة، فهو لم ينتبه له، فتحته ووضعته على طاولة السفرة وثواني وفتحت امامه ملف مشروعه المحذوف والتي عملت على إستراجعه معظم الليل، تمتم في ذهول وعيناه تتسع تدريجيًا من الصدمة:


- بتهزري! 


هرول نحو حاسوبه وهو يقلب في مشروعة الذي اعتكف على العمل عليه لمدة ثلاثة أشهر، وهو يقلب انظاره على كل انش به بغير تصديق، اخذ يضحك بذهول وطالعها بنظرات تلتمع ببريق سعادة وحب خفي:


- أنتي ازاي عرفتي ترجعيه؟


رفعت 《نور》 كفيها وكانها تُعدّل من وضع ياقتها الوهمية وهتفت في غرور:


- لما تبقى حرمك المصون باشمهندسة تقنية فنية كاملة متكاملة توقع ان حاجة زي كدة بسيطة بالنسبالي


ألتمعت عيناه بلمعة من دموع الفرحة، رمقها بنظرات تحمل الفخر والحب النقي، أطلق تنهيدة عميقة وكأنه يمتن لها بنظراته قبل حديثه ونطق:


- انا مش عارف أشكرك أزاي على وقفتك جمبي .. أنتي عملتي اللي أهلي معملهوش 


صمت قليلًا يتأملها بنظرات دافئة أخجلتها، نظرت أرضًا وهي تشعر بتلك الدقات تداعب قلبها من جديد، نظراته الحانية التي تنضح حبًا شعرت بها وكأنها تعانقها وتمدها بالأمان، همس لها بنبرة هادئة ودودة:


- نور .. أنتي أحلى حاجة حصلتلي في حياتي 


فركت يداها بإضطراب وتوردت وجنتاها قليلًا من الخجل، ولكن سرعان ما اتسعت عيناها متذكرةً:


- يلاهوي الساعة ٩ ونص وانت معادك ١٠ يلا بينا بسرعة!.


¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤




أخذ 《ساهر》 يستحث سائق الأجرة على الإسراع ليصل في ميعاده، بينما أخذت 《نور》 تربت على كتفه علها تُطفئ شيئًا من توتره وإضطرابه. واخيرًا وصلا أمام الشركة، ترجلا سريعًا وأتجها نحو قاعة الاجتماعات والتي سيعرض فيها 《ساهر》 عمله.


امسكت 《نور》 كفه المرتعش ويإبتسامة مطمئنة هنفت له قبل أن يدلُف:


- متتوترش .. انا معاك! وخليك واثق من نفسك وأنا واثقة أنك هتنجح ان شاء الله 


اومأ لها وقد أرخى أعصابه المشدودة بإرتياح وتوكل على ربه ودلف للداخل.


مرت حوالي ساعة منذ دلوف 《ساهر》 و《نور》 تجلس بالقرب من القاعة ترمق بابها من حين لآخر وهي تطالع ساعة يدها، ثواني وفُتح الباب ليخرج 《ساهر》 متجهًا نحوها بوجه خالٍ من أي تعبير، سألته بقلق:


- خير طمني؟


صمت قليلًا ليشعل جذوة قلقها اكثر لكن سرعان ما رفع ورقةً امام عينيها فثبتت بصرها عليها وهي تسمعه يهتف بسعادة:


- وافقوا على مشروعي وإتعاقدت معاهم كمان! يعني رسميًا بقيت موظف في الشركة اللي بحلم بيها وبمرتب بحلم بيه!


اخذت تصفق بحماس وهي تصيح بسعادة، ثم قفزت تعانقه بينما هو حاول منع ضحكته وهو ينظر حوله ويقول:


- أهدي يا مجنونة فرجتي علينا الشركة


رجعت للوارء وهتفت بإبتسامة حماسية شقت ثغرها:


- مش مهم اهم حاجة ان الباشمصمم الكبير ساهر فوزي بقى رجل مهم وانا بقيت زوجة رجل مهم


أتبعت جملتها بغمزة عبثية جعلته لا يستطيع كبح ضحكاته، ثم تابعت بنظرة غرور:


- طب حيث كدة انا ليا مكافئة 


- ماشي ياستي عيني شوفي عايزة ايه وانا اعملهولك


- بجد! طب حيث كدة هتعزمني على الغدا وتأكلني أيس كريم


اردف بضحك وبتلقائية:


- والله كنت متأكد إن الحوار فيه أكل ما انتي طفسة


- يبقى أتفقنا ورايا!.


¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤




صدح رنين هاتف 《ساهر》 وهو جالس بالمطعم الذي أختارته 《نور》 لتناول وجبة الغداء، قطع حديثه معاها وهو ينظر لشاشته ثم ضرب على جبهته بخفة وكأنه تذكر شيئًا:


- ده لؤي! ياربي اتصل بيا قبل الاجتماع كتير ونسيت أكلمه!


رد عليه وهو يمازحه لكن ما لبثت أن تحولت تعابيره للجدية وهو يسأله:


- ليه خير في حاجة؟


صمت قليلًا يسمعه، بينما تابعته 《نور》 بترقب وقد توقفت عن تناول طعامها لتسمعه يختتم مكالمته قائلًا:


- ماشي أنا جايلك حالًا 


- خير في أيه؟


تسألت فأجابها بشفاه مقلوبة وملامح متعجبة:


- مش عارف لؤي عايزني أروحله القسم ضروري!


- طب يلا بينا أنا هاجي معاك.


¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤




دلف 《ساهر》 و《نور》 من باب قسم الشرطة بملامح يملؤها التوتر، وخصوصًا ان 《لؤي》 لم يذكر سبب إستدعاء 《ساهر》 لكن لابد وأن الأمر جدي.


طرق 《ساهر》 على باب مكتبه ثم دلف برفقة 《نور》، اتخذ مجلسه امام مكتبه وسأل بدون مقدمات:


- خير يا لؤي؟


وزع نظراته بينهما ونطق بإستحسان:


- كويس أنك جبت نور معاك


- هو ساهر عضك يا سيادة الظابط مش ممكن على الكاريزما اللي بتنقط منكوا ما تقول في ايه؟


قالتها 《نور》 بنبرة مضحكة جعلت 《ساهر》 يضحك رغمًا عنه، بينما حمحم 《لؤي》 بحرج وأخبرهم بسعادة:


- عندي ليكوا أخبار حلوة .. مسعود صاحب البيت اللي نصب عليكوا اتقبض عليه إمبارح ومش بس كدة ده اعترف وجلسة المحكمة اتحددت بعد يومين


صمتا وكأن على رأسيهما الطير، قلب 《لؤي》 انظاره بينهما ليرى وجوههم المصدومة العابسة، توقع رد فعل مغاير تمامًا لما يراه، لكنه فهم ما يدور داخلهما وتأكدت شكوكه، هناك نبتة حب صغيرة قد ترعرعت بقلبيهما، تقوس فمه بإبتسامة خبيثة ثم تابع:


- يعني خلاص كلها مسألة يومين بس وهترتاحوا من بعض زي ما كنتوا بتتمنوا ومش هتضطروا تقعدوا مع بعض تاني!


أبتلع 《ساهر》 ريقه بإضطراب وحاول تزييف إبتسامة بسيطة وهو يردد بنبرة حزينة:


- صح معاك حق 


وجه بصره لـ 《نور》 والتي ظهر على وجهها الإضطراب وتكلم:


- يلا نمشي؟


أومأت برأسها ببسمة بسيطة وكأنها تغصب نفسها على رسمها. وصلا للمنزل، دلفت هي اولًا وهو من خلفها، ليراها تتوجه نحو الحبل الذي قسمت به الشقة في أول ايامها التي قضتها هنا، أحلت عُقدت ثم جمعته ودسته في أحد الأدراج، طالعته من جديد وإبتسمت بركود وهي تحاول إخفاء حزنها:


- مبقاش ليه لازمة صح؟


بادلها بسمة باهتة وهو يومئ برأسه، نطقت سريعًا وهي تدلف لغرفتها حتى لا تتساقط دموعها أمامه وقالت:


- أنا محتاجة أرتاح شوية .. بعد أذنك


أغلقت باب غرفتها ليظل شاردًا في آثرها لعدة ثواني، سار لباب غرفته وقبل أن يُدير مقبضه نظر للورقة المعلقة على بابه، والمدون عليها أسم 《نور》 تقوس فمه بإبتسامة بسيطة ثم مدّ يده وأنتزعها، ثم دلف لغرفته وأغلق الباب.


¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤


مرّ اليومان عليهما بسرعة، والغريب أن كلاهما كان يقبع بغرفته ولم يتقابلا سوى بالصدفة، وكأنهما يعتادان على الحياة بدون بعضهما، حتى جاء يومُ المحاكمة والتي كان مقتضاها أن حُكم بملكية الشقة لـ 《ساهر فوزي》 بينما حُكم على صاحب البيت النصّاب بدفع مبلغ مالي لـ 《نور الشربيني》 كتعويض للضرر.


هنا بغرفة 《نور》، وقفت تحزم أغراضها، ثم اغلقت سحاب أخر حقيبة لها، وقفت تتامل في الغرفة بشرود حزين، تذكرت اول يومٍ خطت فيه قدماها تلك الشقة، صدمتها عندما رأت 《ساهر》 لأول مرة، بُغضها له وعراكها الدائم معه، كانت تتمنى اليوم الذي ستنال فيه الخلاص وتبتعد عن وجهه، وها قد جاء ذلك اليوم، لكن الشعور مختلف، بدلًا من السعادة والفرحة كان الحزن يملؤها، شعور اشبه بإقتلاع النبات من جذوره، أو اغتراب الفرد عن وطنه، وكأن الإنتماء يُسحب من روحك فجأة، فتتشتت بوصله قلبك بعد ان وجدت مرساها.  


فتحت باب الغرفة لتتفاجئ بوجود 《مروة》 أختها، حدثتها صباح اليوم وأخبرتها بالحقيقة كاملة حتى لا تُصدم عندما تعود لها من جديد، لكنها لم تتخيل انها ستأتي من أجلها، أقتربت منها لتعانقها وهي تهمس لها:


- تعبتي نفسك وجيتي ليه ما كنت هروح لوحدي


ربتت 《مروة》 على يدها ورددت بإبتسامة:


- سيبتك كتير لوحدك بس من انهاردة انا معاكي دايمًا


أومات لها بإمتنان، ثم أخذت تمرر بصرها في جميع أجاء الشقة وكأنها تبحث عن أحد، تمنت لو تراه للمرة الأخيرة لتودعه لكنه مختفي تمامًا، انتبهت لأختها تسأل:


- يلا نمشي؟


اومأت دون تعقيب ودفعت حقائبها نحو الباب، وفجأة ظهر 《ساهر》 على عتبة باب المنزل ودلف غالقًا الباب من خلفه مانعًا 《نور》 من الخروج، طالعته 《مروة》 فأستشفت من نظراته انه يريد الإنفراد بأختها فأبتسمت قائلة:


- انا هروح اشرب ماية عشان عطشانة


وتركتهم لتدلف للمطبخ، رفعت 《نور》 رأسها لتتقابل عيناها بأعين 《ساهر》 المتلهفة والذي نبس بدون مقدمات:


- متمشيش


عقدت حاجبيها فلم تلتقط مقصده من الوهلة الأولى لتستفهم بتعجب:


- ازاي؟ خلاص الشقة بقت بتاعتك وانا اخدت فلوسي و...


بتر حديثها وهو ينبس:


- وبتاعتك انتي كمان


رفعت حاجبها بدهشة وعقدت ذراعيها وقالت:


- والله بمناسبة ايه بقى!


- بمناسبة أنك مراتي! واللي أعرفه ان اي ست بيت جوزها بيبقى بيتها


التلميح الثاني والذي لم تفهمه أيضًا، صدق 《ساهر》 عندما لقبها "بالجاموسة" لتتناقش معه بجدية بلهاء:


- بس احنا اتجوزنا عشان نقعد هنا وبعدين هنطلق و ...


قلّب عينيه بنفاذ صبر من غبائها ونطق سريعًا وبدون مقدمات:


- لا مش هنطلق ومكانش اتفاق


أدارت مقلتيها وهي تضييق عيناها وكأنها تريد سبر أغواره، ليطالعها بنظرة حب حقيقية ويقول:


- نور  ... أنا بحبك


صمتت تمامًا وكأنها تخشبت في مكانها، ترمش بجفنيها عدة مرات متتالية بغير تصديق، لتسمعه يتابع بنفس نبرته الحانية:


- ومش عايز أطلقك .. أنا عايز أكمل معاكي عمري كله


كان صدره يعلو ويهبط من فرط توتره، ودقات قلبه كان تزداد وهو يطالع سكونها بقلق، ليرتد للخلف فجأة على أثر ضربتها القوية في صدره وهي تنطق بسعادة:


- أخيرًا نطقت يا بغل! 


ليضحكا سويًا تحت نظرات 《مروة》 السعيدة والتي تراقبهم من بعيد، اقترب 《ساهر》 وسألها من جديد:


- ها يا نور موافقة تكملي اللي باقي من عمرك معايا؟


- والله أفكر


رفع حاجبه وصاح معترضًا:


- نعم ياختي؟ 


ضحكت على مظهره وهتفت بخجل وهي تطالعه بنظرات تنضح بالعشق:


- موافقة يا زوجي العزيز.








تمت بحمد الله
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"