قطعة صغيرة من السعادة - الفصل الأول أمي
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

قطعة صغيرة من السعادة - الفصل الأول أمي

جاري التحميل...

أمي

لقد مرت الكثير من الأوقات حيث كنت قد تمنيت أنها لا تزال حية، أنها موجودة بجانبي، موجودة من أجلي، حتى أحتضنها، أن أطلب نصيحتها،

تحميل الفصول...
المؤلف

السعادة ككلمة قد تكون بسيطة و مفهومة لكن كمعنى فهي مختلفة تماما، قد تكون بسيطة أو معقدة، سهلة أو صعبة، ثابتة أو متغيرة، محسوسة أو ملموسة. السعادة ليست مرتبطة بشيء ما أو شخص معين، و لا بالوقت أو العمر، و السعادة بالنسبة لشخص ما ليست بالضرورة أن تكون هي نفسها بالنسبة لشخص آخر، و بالرغم من هذا الإختلاف فالجميع يريدها و الجميع يبحث عنها، لكن هناك من نجح فحصل عليها و هناك من فشل فلم يحصل عليها.
بالنسبة لي فالسعادة التي أردتها و بحثت عنها تمثلت في العديد من الأشياء، و أحد هذه الأشياء تنتمي للماضي حيث أنها تمثل جزءا هاما و مفقودا من حياتي، فإن سألتني عن هذا الجزء المفقود فسأجيب بكلمة واحدة.. أمي، و إن سألتني عن أمي فسأقول بأنني أعرفها و لا أعرفها، لا أعرفها في الواقع لكنني أعرفها من الصور و ما سمعته عنها، سأقول بأن تلك التي ولدتني، أنا ابنتها الوحيدة، بأن تلك التي كانت سببا في وجودي، أنا كل ما تبقى منها، لقد أحببتها كثيرا و عشقتها أكثر، رغم أنني لا أعرفها و لم يكن لدي الكثير من الوقت لأتعرف عليها.
أنا لا أتذكرها جيدا، فقط مجرد ذكريات عابرة، مجرد صور مشوشة، و مجرد أفكار خافتة، لقد قالوا لي مرارا و تكرارا بأنني أشبهها حتى صدقت ذلك، لقد أردت فعلا أن أصدق ذلك رغم أنني فعلا لا أشبهها كثيرا، ليس في ملامح وجهها على أي حال. لقد احتفضت بصورتها عندي، تلك الصورة القديمة التي لم يبقى لي سواها، تلك الصورة المجعدة المتهالكة، تلك الصورة الغالية على نفسي و القريبة دائما من قلبي. لقد بحثت كثيرا في كل وقت متوفر و في كل مكان ممكن عن صورها أو صور أخرى تحتوي صورها  لكن رغم بحثي الكثير فأنا لم أجد سواها، و كأنها كانت في انتظاري حتى أجدها، إنها كنزي الثمين الذي وجدته مخفيا جيدا في صندوق قديم بعد أن كان منسيا بين طيات الزمن.
لقد كانت امرأة شابة، جميلة، مفعمة بالحياة، تمتلك عينين ساحرتين و تعلو وجهها ابتسامة مميزة، ابتسامة جعلتني أحبها، أتعلق بها، جعلتني أفكر أي نوع من النساء كانت، و أي نوع من النساء ستكون لو أنها لا تزال على قيد الحياة. لقد سألت والدي كثيرا، ترجيته أن يخبرني عنها، أن يصفها لي، فأخبرني بكل ما يعرفه، أخبرني بأنها كانت امرأة استثنائية، و بأنها كانت زوجة محبة و أما حنونة، لقد كانت حياتهما سعيدة و مثالية إلى أن ماتت، ماتت في سن صغيرة و في مدة وجيزة، لقد كانت مريضة جدا و كان جسدها ضعيفا و عاجزا عن مقاومة المرض، و عندما فتك بها و سلبها حياتها كنت أنا لا أزال صغيرة و لم أكمل حتى سنتي الثانية.
حسناء.. هكذا كان اسمها، اسم على مسمى، جسدا و روحا، قولا و فعلا. إنها امرأة استثنائية، بل و استثنائية من كل النواحي، لقد كانت الابنة الوحيدة لوالديها، لذلك فقد نالت كل الإهتمام اللازم الذي يجب أن يناله كل طفل أثناء نموه ليغدو شخصا ناضجا و ليصبح فردا فعالا في المجتمع. و رغم ذكائها الذي ظهر منذ أعوامها الأولى و تفوقها الدراسي الذي أبهر كل من حولها فقد كان بامكانها أن تصل لأي مكان تريده و أن تحقق كل ما تحلم به، لكن بسبب شغفها بالأطفال الصغار و حبها للتدريس فقد اختارت أن تكون معلمة، و اختارت أن تكون مهمتها في هذه الحياة انشاء أجيال جديدة لهم القدرة على الإعتماد على أنفسهم و في نفس الوقت لهم الإمكانيات اللازمة لتحقيق كل ما يحلمون به، أجيال يمكنهم تحقيق المستحيل. و أثناء سنوات عملها أحبها كل صغير و كبير، و تعلق بها كل تلاميذها، و احترمها كل زملائها، حتى ذاع صيتها في كل مكان و أصبحت قدوة لكل المدرسين الذين يملكون نفس طريقة تفكيرها.
في أحد الأيام و بعد أن حدثت ظروف معينة، كانت هناك فتاة صغيرة قد تأخرت على الذهاب للمدرسة، و لأن والديها كان مشغولين جدا ليوصلاها فقد قام خالها بتوصيلها، و لأنها كانت خائفة من توبيخ معلمتها لها فقد قام هذا الخال بمقابلة هذه المعلمة ليفسر لها سبب هذا التأخير. و قد كانت تلك المقابلة بين الخال و المعلمة بداية لقصة حب طويلة توجت بعد عدة سنوات بالزواج. ربما تبدو للبعض قصة عادية و لا شيء مميز فيها إلا أنها قصة مقابلة أمي لأبي، قصة بدأت بلقاء غير متوقع و حب من أول نظرة و انتهت بزواج و قدومي أنا للحياة. لقد اختار كل واحد منهما الآخر و وجد فيه نصفه الذي يبحث عنه و وجد فيه مستقبله و سعادته، فعاشا تحت سقف واحد، يحلمان بتكوين عائلة واحدة، عاشا حياتهما باطمئنان إلى أن أتى اليوم الذي فرق الموت بينهما.
لم يكن مرضها شيئا سهلا، أو متوقعا، لقد ظهر فجأة و تطور بسرعة، و هي.. كشخص قد علم لتوه بطبيعة مرضه، فهي لم تجد الوقت الكافي لتقاومه أو لتحاربه، لقد كانت فرصة نجاتها ضئيلة منذ البداية، هذا إن لم تكن معدومة من الأساس. بدأ ذلك عندما أحست بألام قوية و مفاجئة أثناء حصص الدراسة وقد فقدت على إثرها الوعي، و بعد أن تم أخذها للمستشفى و قام الأطباء بمعاينتها تم إبلاغها بالحقيقة الصادمة و الواقع الممرير، لقد كانوا صريحين منذ البداية لأن حالتها كانت خطيرة بسب المرض الخبيث الذي أصابها، مرض يصعب معالجته بعد أن وجد الوقت الكافي ليتطور و ينتشر في جسدها. لقد كان هناك علاج، هذا ما أخبروها الأطباء به، لكنه علاج ذو فرص ضئيلة، علاج قوي و مؤلم، علاج أنهك جسدها اليافع في أيام قليلة فقط و جعله عاجزا عن الحركة، و فيما أدركت هي و أبي بأن أيامها باتت قليلة و أن نهايتها باتت قريبة، كان أبي يحاول قدر الإمكان إخفاء حزنه من أجل مواساتها، من أجل التخفيف عنها، متعلقا بأمل زائف بأنها ستتحسن و أنها ستكون بخير، أما أمي رغم إدراكها لخطورة مرضها و فرصة نجاتها المستحيلة فقد كانت متفائلة حتى آخر لحظة في حياتها، ضلت تبتسم رغم ألمها، و ضلت تقاوم رغم عجزها، ربما لأنها حصلت بالفعل على كل ما تتمناه و بالتالي حققت السعادة التي تريدها.
لقد كان يوم جنازتها يوما لاينسى، هذا ما قاله لي أبي، لقد أغلقت المدرسة أبوابها في ذلك اليوم و توقفت كل الدروس حدادا على موتها، و قد شارك الجميع من تلاميذ، و مدرسين، و أولياء، و أقرباء، و جيران، شاركوا جميعا في مسيرة ضخمة لتشييع جثمانها و توديعها للمرة الأخيرة، و إن كان ذلك دليل على شيء فهو أنها كانت إمرأة محبوبة، إمرأة تركت بصمتها في هذه الحياة، إمرأة بقي تأثيرها على الناس موجودا حتى بعد موتها، و إن كان الجسد يموت فالأفكار التي يؤمن بها تبقى حية لا تموت.  
لقد مرت الكثير من الأوقات حيث كنت قد تمنيت أنها لا تزال حية، أنها موجودة بجانبي، موجودة من أجلي، حتى أحتضنها، أن أطلب نصيحتها، أن تعاملني كما تعامل الأم ابنتها. تمنيت لو أنها شاركتني تفاصيل حياتي، أن تواسيني عندما أحزن، أن تشجعني عندما أستسلم، أن تفرح عندما أنجح، و أن تفهمني عندما لا أجد من يفهمني. ربما استطعت بطريقة ما تجاوز كل هذا من دون أمي لكن هذا لا يمنع أن ما مررت به ساعدني على إدراك بأن الأم جزء مهم من هذه الحياة، بل إنها الحياة نفسها، إنها نعمة لا تعوض، نعمة لا يعرفها الكثيرين، و في أحيان أخرى لا يقدرونها كفاية.
لقد زرت قبرها كثيرا على مر السنوات، أكثر من أي شخص آخر، حتى أصبحت زيارتي لها عادة، و أصبح وجهي مألوفا هناك بين الأموات أكثر منه بين الأحياء. أنا لست متأكدة كم من مرة ذهبت في الأسبوع، أو في الشهر، أو في السنة، فأنا لم أكن أذهب بصفة منتظمة، لكن الشيء المتأكدة منه بأنني ذهبت كفاية حتى تبقى تلك الورود التي زرعتها حول قبرها حية و متألقة بألوانها المتنوعة. كنت أقف عند حافة قبرها، فأصمت أحيانا لأستشعر وجودها و لأتخيل تفاصيل وجهها، أتخيلها تبتسم لي، و أتخيل نفسي بين أحضانها و هي تربت على رأسي، أتخيل صوتها المطمأن و لمسة يدها الدافئة. و في أحيان أخرى كنت أتحدث إليها لأنفس عما بداخلي. فأسمح لنفسي بالبكاء، و أسمح لقلبي بالغرق في أنواع شتى من المشاعر، فأخبرها عن نفسي و عما أريده، أو ما فعلته في ذلك اليوم. كنت أخبرها بكل شيء يخطر ببالي، بما يسعدني و ما يحزنني، بما يغضبني و ما يخيفني، بما فعلته و ما أريد فعله، و في النهاية قبل أن أرحل أخبرها بمدى حبي لها و كم أشتاق إليها. 
لقد عرفت بموت أمي منذ أن كنت فتاة صغيرة، و مع مرور السنوات تقبلت حقيقة موتها، و بعد ما مررت به من تجارب مختلفة تقبلت حقيقة أن الإنسان مهما فعل و مهما بذل من جهد فهو لا يستطيع أن يملك كل شيء، أو أن يحقق كل ما يحلم به، لكن هذا لا يمنع أن نكف عن الحلم و أن نكف عن المحاولة، و أن لا نسمح لليأس أن يتغلل داخلنا عند كل عقبة أو أن نفكر في الإستسلام عند كل مشكلة، بل على العكس علينا أن نحلم بكل ما نريده ثم نسعى لتحقيق أقصى ما نستطيع، علينا أن تستجمع شجاعتنا من أجل الوقوف في وجه الحياة و مواجاهتها بكل قوتنا، فالسعادة بعد كل شيء لا تتعلق بما حصلنا عليه بالقدر ما يتعلق بكل ما فعلناه و بكل ما مررنا به من صعوبات من أجل تحقيق ما نريده.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"