الأهزوجة - الفصل الأول (رواية أهزوجة الموت)
الأهزوجة
لحظة صمت في مخيلة رتل لكن سرعان ما تهافت لعقلها ذكرى أخرى يوم وفاة والدتها وكلماتها الأخيرة: لا تسعي للانتقام ابنتي ربما حرموني من استخدام قواي لكنك اليوم بت تتقنين استخدام ما عجزتُ أنا عن استخدامه عندما كنت بمثل عمرك، لقد سيطرتي على الأهزوجة تماماً وها أنا أورثها لك وأقدمها على طبق من الذهب، فبعد موتي ستكون طريقك الوحيد للخروج من هذا المكان الذي بقينا فيه بسبب عجزي عن استخدامها، الأهزوجة تختار أصحابها تماماً كما البشر وقد اختارتك أنت لتكوني سيدها الجديد.
1. وسط صرخات أصوات منذرة بالبؤس، وتطالب بالنجاة وترغب بالحياة، وسط ذعر دب بالقلوب وشوه معالم الحضارة في تلك المدينة، وفي قعر ظلام الليل الحالك السواد، ومن جوف عيون ذرفت الدموع من هول المصاب مما رأته من خراب، قطرات دم من ظلم بانت وتوغلت في الشوارع والساحات في البيوت والطرقات، فجأة طرق طيف النجاة الباب، ومن بين زحمة الكلمات المشؤومة التي سمعتها المسامع علا صوت غريب، صوت دافئ سمعته النفوس حضن القلوب الخائفة وهدأ من روعتها كما لو أن المصاب دُحظ لزوال، أهزوجة قديمة طردت الشرور بسبب قوة سحرها العائد لماض مندثر عرفها القدماء باسم أهزوجة الموت ولكن في ذاك اليوم سميت بأهزوجة الحياة ونجا بفضلها من نجا بتلك المدينة التي كانت على وشك الاندثار وفي أعماق قلوبهم شكروا ذاك الذي أنقذهم، فمستخدم الأهزوجة ما هو إلا قارئ عظيم على دراية بفنون السحر القديم, يحب الخير ومساعدة الضعفاء والغير. في ذاك العالم لقب قارئ يطلق على ذوي القوى والمهارات العالية الذي كل مراده وهدفه هو فعل الصواب في حياته. وقفت (رتل) تتوسل وتبكي فقواها قد خارت وأوشكت على النفاد بعد تنفيذها لتلك التعويذة ولا سبيل لنجاتها سوى أن يصدق الرجل الذي مد سيفه لعنقها ما كانت تقول: سيدي صدقني أنا لست مجرمة، هل تصدق بوجود آدمي قادر على اختراق حاجز كهذا، سيدي كنتُ أتجول بالمكان وحسب. صرخ الجندي: لكني رأيتك تجتازين الحاجز، رأيتك بوضوح تخرجين منه. ردت رتل ودموعها الحارقة تسيل على وجنتيها: سيدي، أقسم لك أني لست مجرمة، وحاجز كهذا مصنوع من الحجارة والسحر يستحيل اختراقه، هل ترى أي علامة على رقبتي تثبت كوني مجرمة، فقط المجرمون هم من يقطنون المنطقة المحظورة، وأنا مجرد فتاة صغيرة لم يتجاوز عمري السبع عشرة سنة، هل تعتقد بأني مجرمة! أشاح الجندي السيف عن رقبة رتل وهو يقول: ربما خانتني عيناي، أخذ شهيقاً طويلاً ثم تابع: يمكنك المضي اليوم لكن إن شاهدتك بقرب الحاجز مرة أخرى سأبلغ عنك. ابتسمت رتل ببراءة حيث شع الأمل من عينيها وهي تقول: شكراً لك سيدي ثم بينما كانت تهمّ بالابتعاد تغيرت الابتسامة البريئة لعبوس مشؤوم ومن دون وعي منها ذرفت الدموع وهي تستذكر كل لحظاتها داخل المنطقة المشؤومة أو المحظورة كما أطلق الجميع عليها، تلك المنطقة التي لا يدخلها سوى المجرمون المحكوم عليهم بالسجن المؤبد. همست: ما ذنبي؟ أني ولدت هناك! تهافت لذاكرتها كلمات (نيّرة) أمها: الأشخاص خارج هذا الجدار يشبهون الأشخاص داخله الفرق الوحيد هو أنهم يخفون ذلك ولا يظهرونه للعلن، الجميع لا يهمه إلا نفسه الجميع يعمل لكسب القوة والسيطرة عليها، قلة فقط من أمثالنا مستعدون للتضحية، رتل هذا الخاتم الصدئ هو ما بحث الكثر عنه، فيه سر الأهزوجة (اهزوجة الموت) التي علمتك أساسياتها والأمر متروك لك الآن، عليك صيانتها وحفظها وتمريرها لجيل جديد. لحظة صمت في مخيلة رتل لكن سرعان ما تهافت لعقلها ذكرى أخرى يوم وفاة والدتها وكلماتها الأخيرة: لا تسعي للانتقام ابنتي ربما حرموني من استخدام قواي لكنك اليوم بت تتقنين استخدام ما عجزتُ أنا عن استخدامه عندما كنت بمثل عمرك، لقد سيطرتي على الأهزوجة تماماً وها أنا أورثها لك وأقدمها على طبق من الذهب، فبعد موتي ستكون طريقك الوحيد للخروج من هذا المكان الذي بقينا فيه بسبب عجزي عن استخدامها، الأهزوجة تختار أصحابها تماماً كما البشر وقد اختارتك أنت لتكوني سيدها الجديد. تابعت رتل المشي لكن سرعان ما زادت قدماها سرعتها وبدأت الجري مبتعدةً عن المنطقة المحظورة، تاركةً كل ذكرياتها الحزينة خلفها، وبعد ربع ساعة من الركض المتواصل كانت قادرةً على تميز أعتاب قرية قريبة بعينيها، مشت نحوها بهدوء تام في محاولة منها لنسيان الماضي ورميه. وفي طريقها للقرية سمعت صرخات تطلب النجدة قادمة من منزل يقع على الطريق المودي لوجهتها، لذلك قررت المساعدة ومن دون تفكير مبالغ فيه اتجهت نحو المنزل. لاحظت وجود حارسين على باب الكوخ وصوت سيدة بالداخل: دعها، ابنتي ليست خادمة عند سيدك اقتربت رتل من المنزل وهي تهمس ببضع كلمات بلغة غريبة ظهرت بعدها أصفاد حلزونية الشكل مصنوعة من صخر من داخل الأرض أحاطت بالحارسين وبينما صرخت الابنك: دعني يا حثالة قال رجل كان داخل الكوخ محدثاً الأم: ابنتك محظوظة لأن اختيار السيد وقع عليها لتكون جاريته لكن السيدة قالت: ابنتي ليست جارية. فجأة رُسِمت ملامح الاندهاش على وجه السيدة التي نظرت للباب، ثم قالت: من أنتِ؟ استدار الرجل للخلف ليجد رتل التي همست ببضع كلمات بتلك اللغة وفي اللحظة التي تلت ذلك وجد الرجل نفسه مقيداً بأصفاد كبيرة من الصخر. صرخت الابنة: أمي، لقد جاءت قارئة لتنقذنا. لكن رتل قالت: لست قارئة بعد أنا فقط... قاطعتها الأم قائلة: هذا ليس مهماً الآن. وتحركت على الفور نحو جدار في الكوخ وحركت لوحة قديمة خلفها حفرة في الجدار الخشبي أخرجت منها المال الذي كانت تدخره هناك وحملت صرّة الملابس التي قد وضبتها سابقاً من أجل الهرب لكن الجنود كانوا قد سبقوها بالوصول للكوخ وحاصروهم حتى مجيئ رتل. ثم قالت: علينا الهرب. أمسكت بيد ابنتها وخرجتا من المنزل ثم نادت على رتل وأوجزت: يا غريبة لن يسامحك سيدهم لتدخلك، ما رأيك بالهرب معنا. صرخ الرجل الذي أحاطت به الأصفاد من داخل الكوخ: أنت لا تعرفين مع من تتعاملين، أبعدي هذه الأصفاد عني لكن رتل تجاهلته فهي كانت تبحث عن ونيس يساعدها في رحلتها لذلك أنبست: أنا سأذهب معكما. مضى ساعة كجمر استمر ثلاثتهن فيها بالجري عندما وقفت الأم فجأة عن الجري وقالت: لا يمكنني الركض أكثر وبدأت تستجمع أنفاسها، أوجزت الابنة: أمي علينا الاستمرار رتل التي لا تعرف الكثير عن العالم الخارجي: لا أفهم، لماذا كنا نجري؟ نظرت الأم التي تجاهلت سؤال رتل لها ثم قالت: اسمي (سماح) وهذه ابنتي (رهف) ماذا عنك؟ أجابتها: اسمي رتل أوجزت سماح التي أخرجت ثوباً من الصرّة: ملابسك مهترئة لا يمكنك مقابلة الناس بهذه الملابس المتسخة خذي هذا. وقفت رتل مصدومة للوهلة الأولى قاطع ذهولها ذاك صوت رهف: إنه يناسبك فمقاسك نفس مقاسي لا بد من كونك في الثامنة عشر من عمرك أمسكت رتل الثوب وقالت: لا، أنا في السابعة عشرة قالت رهف بتعجب بدا من خلال بريق عينيها: أنت مذهلة تجيدين استخدام السحر بعمرك الصغير هذا، لا بد من كونك تطمحين لتكوني قارئة. ابتسمت رتل وأنبست: أطمح لأن أكون القارئة الفارسة. أخذت سماح شهيقاً اتبعته بزفير ثم أكملت: تبدين فتاة طيبة بالفعل لكني أعتقد أن علينا الافتراق فزوجي قريب من هنا وهو من سيتولى حمايتنا أخرجت سماح صرة المال وأخذت منها قطعتين ذهبيتين وأعطتهما لرتل ثم أشارت بسبابتها اليمين إلى الشرق وقالت: إن سرت لمدة ساعتين بذاك الاتجاه ستجدين قرية يمكنك الاستراحة فيها اسم تلك القرية (الرواد) ثم ودعتا رتل وتابعتا المسير باتجاه الجنوب بعد مغادرتهما شعرت رتل بالضيق وقد الذي غطى قلبها لكنها تجاهلت مشاعرها وتابعت الطريق.