ظل بجوار الضوء - الفصل الأول
الفصل الأول
عند عتبة القاعة، وقف ذلك النحيل ذو الملابس الفضفاضة . كان شاباً، وجهه نصف مختبئ خلف قناع طبي أبيض، وخيط رفيع يمتد من ذراعه على معصمه لكانويلا حمراء ، شاهد صامت على معركة لن يفهمها أحد هنا.
ظلٌ بجوار الضوء. الفصل الأول استقر رأسه على السطح الخشبي البارد للطاولة مستسلماً لجاذبيتها . لم يكن مقعده بجانب النافذة الواسعة اختياراً للراحة، بل نقطة مراقبة مثالية، حصناً زجاجياً يفصله عن القاعة ويصله بالحديقة بالأسفل خارج النافذة . كانت عيناه القرمزيتان، نصف المغلقتين، ستارةً شفافة تطل على مسرح العبث أمامه؛ هذه القاعة التي يُفترض أنها منارة للعلم، لم تكن سوى معرض للنفوس الفارغة. كان المشهد أمامه عبارة عن مجموعة بشرية قابلة للتصنيف. هناك فصيلة "العارضين"، أولئك الذين لا تشغلهم المحاضرة القادمة بقدر ما تشغلهم زاوية سقوط الضوء على ملابسهم باهظة الثمن. وهناك فئة "الثرثارين"، الذين تحولت مقاعدهم إلى صالونات مصغّرة لتبادل آخر أخبار المجتمع التافهة. وقليلون، قليلون لدرجة يمكن إحصاؤهم على أصابع يد واحدة، هم فئة "الجَادّين"، وجوههم شاحبة وعيونهم مثبتة على كتبهم، في محاولة لاثبات أنفسهم كما هو المطلوب في هذا المعرض الفارغ . "نعم، هذه هي الجامعة التي يقاتل الجميع من أجلها،" همس في عقله بسخرية لاذعة. اخترق سمعه صوتٌ حاد، مشبع بفخر طفولي. "هل أعجبكِ حذائي الجديد يا ياسمين؟" كانت فتاة تدور حول نفسها ببطء، مستعرضةً حذاءً لامعاً كأنه أعظم إنجازاتها. ردّت صديقتها بابتسامة مصطنعة، لم تصل إلى عينيها : "أجل، إنه رائع!". مجاملة جوفاء، قناع شفاف بالكاد يخفي غيرتها . لم يكن هذا مصدر الإزعاج الوحيد. من الركن البعيد، كانت تتالى طلقات نارية متقطعة، ليست حقيقية بالطبع، بل مجرد صدى رقمي يصدر من هاتف طالب غارق في إحدى ألعاب الأونلاين. كان وجهه شاشة فارغة تعكس أضواء الانفجارات الوهمية، وصوته المزعج يتردد في أرجاء القاعة كذبابة يوم صيفي ممل. كانت القاعة نفسها مزيجاً من الأصوات المتنافرة: الهمهمة الكهربائية الخافتة للمصابيح العلوية، حفيف الأوراق الذي لا معنى له، نقر الأصابع العشوائي على شاشات الهواتف، وضحكات مكتومة تتفجر ثم تموت فجأة. لقد اكتفى. ببطء، أطبق جفنيه على القرمزيتيه، مُسدِلاً الستار على ذلك المسرح البشري. عزل نفسه بإرادته، وطرد ضجيجهم من مملكته الداخلية. لكن في تلك اللحظة، تبدل العالم. الهواء الدافئ القادم من النافذة المفتوحة لم يعد مجرد تيار، بل أصبح لمسة حية تحرك خصلات شعره الفحمية بنعومة. حفيف أوراق الشجر في الحديقة بالخارج تحول من خلفية باهتة إلى لحنٍ رئيسي، موسيقى طبيعية عذبة لا تشوبها شائبة من زيف البشر. صوت الطيور البعيد كان أكثر واقعية وأهمية من كل الكلمات التي قيلت داخل هذه الجدران. اثناء هذا السلام الداخلي، اخترقت موجة جديدة من الضجيج صمته الاختياري، موجة لم تكن كهمهمات السخافة المعتادة. كانت تحمل في طياتها شيئًا أكثر خبثًا؛ ضحكات حادة كشظايا الزجاج، وهمسًا لزجًا كسم الأفاعي. رفع ذو العينين القرمزيتين رأسه ببطء، مكرها نفسه ، ليرى مصدر هذا الاضطراب الجديد. عند عتبة القاعة، وقف ذلك النحيل ذو الملابس الفضفاضة . كان شاباً، وجهه نصف مختبئ خلف قناع طبي أبيض، وخيط رفيع يمتد من ذراعه على معصمه لكانويلا حمراء ، شاهد صامت على معركة لن يفهمها أحد هنا. كان وقوفه عند الباب لحظة تردد، إدراكًا تامًا بأنه قد دخل للتو إلى حلبة، وأن كل العيون مسلطة عليه، لا بفضول، بل بحكم مُسبق. خطى إلى الداخل، قاطعاً الصمت المتوتر. وعلى الفور، وقف أمامه أحد رموز هذا المعرض البشري، شاب ذو بنية ضخمة وابتسامة مفترسة تزين وجهه. "أهلاً لؤي " نطق بصوت عالٍ ومسرحي. "ما زلت تحاول استجداء عطف الفتيات بهذا المظهر المثير للشفقة؟" "ماذا؟" خرجت الكلمة من فم لؤي بصوت خافت، شبه مسموع، لكنها كانت كافية. انفجرت قهقهة جماعية حادة من مجموعة الفتيات، كما لو كانوا مخططين لهذه المسرحية. "الأمر واضح ،" أضاف صوت آخر، متكاسل ومشبع بالازدراء، انبعث من زاوية القاعة. "أنت لست مريضاً، إنها مجرد مسرحية رخيصة لجذب الانتباه بنات، هل تظن اننا حمقى لكي لا نعرف حقيقتك؟ ." للحظة، بدا وكأن بريق جوهرتين زرقاوين قد انطفأ. انحنى رأسه ، واختبأت عيناه تحت ستارة من خصلات شعره البنية. بدأ انسحابه الصامت نحو أقاصي القاعة، كأنه يبحث عن ملاذ في عمق هذا المكان الذي اختار بقاء فيه . سحب كرسياً ، و صدر صوت احتكاك مزعج على الأرض لكنه ضاع وسط ضحكات الطلاب الضاخبة . أخرج أوراقه و ارتجفت يداه قليلا ، و أثار انكسار قلبه يغلف حركاته، ذلك غير الام روحه المهشمة . لم يكن يعلم أن هناك من يراقبه. أن تلك الجواهر القرمزية كانت تتابعه، ليس بشفقة، بل بفضول تحليلي بارد. "هكذا إذن،" همس ذو عيون القرمزية في عقله، بسخرية أكثر مرارة هذه المرة. "هذا هو قانون الغاب هنا. كل من لا يشبه القطيع، يُنبذ أو يُفترس." لمحت عينا لؤي الزرقاوان تلك النظرة الثاقبة للحظة، ثم أشاح بناظريه بسرعة، رافضًا أي تواصل، ومفضلاً الغرق في عزلته الخاصة . و عادت الحان الفوضى لتعزف من جديد؛ الضحكات، الهمس، والسخرية، حتى دخل الأستاذ، فارضاً هدوءاً مؤقتاً لم يكن نابعاً من الاحترام، بل من الخوف من العقاب. يتبع.. . .