روايه سرقت الأضواء | الفصل الأول
سرقت الأضواء
فزعت قطوف بدون سابق إنذار عند دخول بيجاد عليها، وهو في حالة مزرية، فحمدت الله أن آدم يلعب في غرفته في هذا الحين حتى لا يرى أبيه وهو ثمل. هرولت نحوه، لتجذبه نحو المرحاض، وبعد ذلك دفعته إلى داخله، قائلة بحنق، وهي ترمقه شزراً "مش قولتلك مية مرة متجيش البيت لما تهبب الهباب بتاعك ده، روح الله يلعنك يا شيخ، أعمل فيك إيه؟، أعمل فيك إيه؟" تزامنت كلماتها مع اغلاقها لباب المرحاض عليه، هاتفة بحزم: "تاخد شاور حالاً، ومش عايزة أشم أي ريحة للقرف اللي إنت شربته." أخرجت ملابس له من الخزانة، لتلقيها على الفراش بلا مبالاة، منتظرة خروجه.
(شركة رحيل للتشييد العمراني) ترجل من سيارته، متجهاً نحو شركته، وفي أثناء دلوفه، تلقى التحيات الصباحية من موظفيه، الذين ابتسموا إليه تلقائياً عندما مرَّ عليهم ككل يوم. اكتفى بابتسامة هادئة كإجابة لهم، مشيحاً ببصره عن النساء. دلف إلى مكتبه، ليباشر عمله بمجرد دخوله، ولم يكد يمضِ إلا القليل فقط حتى دُق باب مكتبه. أذن للطارق بالدخول، فدلف مساعده الشخصي "أحمد"، والذي قال بملل: _ بيجاد الكيلاني عايزك. تنهد مديره، قائلاً على مضض، وقد بدت ملامح وجهه ممتعضة بعض الشيء _ خليه يخش. دلف ذلك المدعو "بيجاد" إليه، وعلى شفتيه كانت تلوح ابتسامة ماكرة لا تفارق وجهه دومًا، بادله الآخر ابتسامته بأخرى باردة، متسائلاً بجدية: _ إيه اللي حدفك علينا يا بيجاد؟ ادعى بيجاد الآسف، قائلاً بعتاب زائف: _ إيه يا مالك الأسلوب ده؟، هو ده استقبالك ليا .... قاطعه مالك، قائلاً بملل: _ اخلص، عايز إيه؟ رد عليه بيجاد بجدية بدت مضحكة: _ إيه رأيك في المشروع اللي عرضته عليك؟ صمت مالك لبرهة، ومن ثم أجابه بعملية: _ فكرته مش بطالة، بس أنا قولتلك إني عايز وقت فمش تستعجلني. تنهد بيجاد بضيق، قائلاً بمرح لا يتناسب مع جدية الموقف _ ده بيقولوا إنه خير البر عاجله حتى يا أبو رحيل. لاحت ابتسامة متهكمة فوق شفتي مالك، الذي قال ببرود: _ هو حد قالك إنه مشروع جواز! ضحك بيجاد بسماجة، هاتفاً بحماقة: _ وماله ما نخليه مشروع جواز مستقبلاً، أنا عندي الواد آدم، وإنت عندك البت رحيل. تطاير الشرر من مقلتي "مالك"، قائلاً بنبرة قاتمة، تُنذر باقتراب عاصفة ساخطة: _ مش تجيب سيرة بنتي على لسانك، فاهم؟ علق بيجاد على حديثه بسخرية، استفزت الآخر بشدة _ على حد علمي بنتك حداها سنتين يعني! تمالك مالك نفسه بصعوبة بليغة، قائلاً بجدية: _ غور يا بيجاد من هنا. خرج بيجاد بالفعل من عنده، وهو يضحك بداخله على حال هذا الرجل المجنون، فأين أخطأ في حديثه بالضبط حتى ينفعل إلى هذا الحد؟ وبمجرد ذهاب بيجاد، دلف أحمد مرة أخرى، متسائلاً بجدية: _ أطلب لك لمون؟ قال: _ لا، خليه برتقال، إحنا هنستظرف يا أحمد؟ بدت كلماته الأخيرة حانقة بشدة، في حال تنهد أحمد بقلة حيلة، قائلاً بسخرية مرحة: _ هي دي جزاتي عشان عايز أروق على أعصابك؟ استجمع مالك شتات نفسه، ليتساءل بحزم بعدما هدأ إلى حد ما: _ تجهيزات الحفلة جاهزة؟ اكتفى أحمد بإيماءة بسيطة، في حال أردف مالك بنبرة غامضة: _ مش عايز أي غلطة الليلة دي. *** (منزل بيجاد الكيلاني) عاد بيجاد إلى منزله والغضب يقطر من جسده بهيئة مرعبة، مجفلة للأبصار، سالبة للعقول، نادى بصوته الجهوري عليها: _ قـطـوف .... قـطـوف. لم تصل إجابتها له، فصعد إلى الأعلى من فوره حيث غرفته هو وزوجته، ليجدها تجلس على الفراش، وبيدها كتاب تقرأه. خطى نحوها بخطوات متوعدة، قائلاً بغيظ، وهو يلقي بحفنة مفاتيحه عليها _ أنا بنادي عليكِ يا هانم، وإنتِ مش بتردي عليا يا حيلتها! تركت الكتاب الذي تقرأه، لتضعه إلى جوارها بهدوء واهي، ومن ثم ابتسمت إليه ببرود، متسائلة بلا مبالاة: _ نعم يا سي السيد، تحب أسخن لك مايه يا روحي؟، وأغسلك رجلك بالمرة! قبض على خصلاتها المصبوغة باللون الأحمر بشراسة، صافعاً إياها بغل، قائلاً بغضب أطبق على صدره: _ تصدقي بالله إنك واحدة مش متربية صحيح. قالت بجمود، وهي تخفي ألمها، محاولة تحرير خصلاتها المسكينة من قبضته الحقيرة، القذرة. _ هو إنت كل ما تضايق هتييجي تطلعهم عليا، وبعدين هما اللي زيك يعرفوا ربنا؟ كاد أن يعنفها بقسوة، لكن صوت صغيرهما حال بينه وبينها. _ مـامـا ابتعد بيجاد عنها من فوره، متجهاً نحو ابنه "آدم"، ابتسم بيجاد إليه بتوتر، ليقول بحنان، وهو يضمه إلى صدره _ حبيبي إنت هنا من وقتيه؟ ابتعد آدم عنه من فوره، راكضاً نحو أمه، ليُلقي بنفسه في أحضانها، باكياً برعب، في حال احتوته قطوف بعناقها له، موزعة قبلاتها الدافئة عليه، وكأنما تخشى فقده. وعلى الصعيد الآخر، رمقها بيجاد شزراً قبل أن يصفع الباب خلفه، راحلاً من المنزل، متجهاً نحو النادي الليلي في وضح النهار. *** ظلت قطوف تضم إليها صغيرها حتى غفى بين يديها، فقد كان نائماً منذ قليل فقط لكن صراخ والده هو من أيقظه من نومته الهنية. قبلت خصلاته الناعمة بحنان، مداعبة إياها برقة، ومن ثم انتبهت إلى صوت إشعار صدر من هاتفها، فتناولته على الفور. وبمجرد وقوع عيناها على الرسالة التي بُعثت إليها، حتى لاحت ابتسامة ذابلة فوق شفتيها اللتان ترتجفان بشدة، متمتمة، وهي تتأمل صغيرها الساكن بين أحضانها _ الكابوس هيخلص في الليلة دي يا كل ما ليا. *** عصر اليوم .... فزعت قطوف بدون سابق إنذار عند دخول بيجاد عليها، وهو في حالة مزرية، فحمدت الله أن آدم يلعب في غرفته في هذا الحين حتى لا يرى أبيه وهو ثمل. هرولت نحوه، لتجذبه نحو المرحاض، وبعد ذلك دفعته إلى داخله، قائلة بحنق، وهي ترمقه شزراً "مش قولتلك مية مرة متجيش البيت لما تهبب الهباب بتاعك ده، روح الله يلعنك يا شيخ، أعمل فيك إيه؟، أعمل فيك إيه؟" تزامنت كلماتها مع اغلاقها لباب المرحاض عليه، هاتفة بحزم: "تاخد شاور حالاً، ومش عايزة أشم أي ريحة للقرف اللي إنت شربته." أخرجت ملابس له من الخزانة، لتلقيها على الفراش بلا مبالاة، منتظرة خروجه. خرج من المرحاض بعدما أخذ حماماً بارداً في سبيل أن يفيق، لكن شعوره بالاعياء مازال مستمراً منذ أن شرب الخمر. ألقى بنفسه على الفراش بوهن، قائلاً بصوت متعب بشدة: "أنا شكلي كده مش هقدر أروح حفلة مالك الألفي." اتسعت حدقيتيها بشدة، لتحاول تخفيف حدة نبرتها عندما قالت: "إنت حر، بس دي مش عيبة في حق شركتنا؟" ابتسم إليها بمكر برغم علته، ليسألها بخبث: "هي شركتي بقت شركتنا دلوقتي؟" ادعت الضيق مقررة الخروج من الغرفة، لكنه جذبها نحوه، ليعانقها بشدة، وكأنما يخشى فقدها، قائلاً ببسمة سعيدة، لم يستطع كبحها "ده أنا كل ما ليا ملكك لوحدك، كفاية إنك تحبيني بس، وأنا هفرشلك الأرض كنوز." كادت أن تبتعد عنه كمثل عادتها، لكنها تراجعت لسبب مجهول، ومن ثم سألته بنبرة هادئة، لم تحدثه بها قط! "طب لو قولتلك إني عايزة أروح الحفلة دي، هتوافق؟" جذب إحدى خصلاتها الغجرية بقوة، يجيبها بسؤال يشك في أمرها "ومن وقتيه وإنتِ بتحبي تروحي حفلات يا قطوف؟؛ ده أنا باخدك بالفضيحة." قالت بنبرة ناعمة، وهي تحيط جانب وجهه برقة "حاسه إني مخنوقة، حابه أفرفش على نفسي شويه أنا وآدم." ابتسم إليها بسخرية لاذعة، مجيباً إياها باستهزاء: "حفلات مالك الألفي دي آخر مكان الواحد يفرفش فيه أصلاً، حفلاته كئيبة مفيهاش Music ولا رقص، منشفها على الآخر، حتى الستات لازم تروح بهدوم فلاحي، اللي بيقولوا عليها محتشمة تقريبًا." قالت على ذات الوتيرة: "أنا مش رايحة عشان أرقص، أنا عايزة أشم هوا، أقابل أهلي، ضي قالتلي إن بابا ونائل رايحين الحفلة دي، وهما وحشوا آدم أوي، فأكيد هيفرح لما يشوفهم هناك." صمت بيجاد لوهلة ومن ثم قال بجدية: "طب خلينا نتفق اتفاق." أومأت برأسها له، وهي تبتسم بسعادة استطاعت تصنعها ببراعة، في حال هتف بمكر: "روحي الحفلة مكاني، وكوني نايب عن الشركة، وأول واحد هتقابيله لما تروحي هو مالك الألفي، عايزك تعتذري ليه عن غيابي، وفي نفس الوقت حاولي تفتحي معاه أي حوار على قد ما تقدري، من الآخر عايزه ينبهر بيكِ لدرجة إنه يوافق على المشروع بتاعي لمجرد إنه عايز يلمحك تاني." هتفت في نفسها: "يا حقير!" ومن ثم ابتسمت إليه، قائلة بغنج: "طبعاً يا روحي إنت تؤمر بس، أقدر أجهز دلوقتي أنا وآدم بقى؟" قال: "إنتِ آه، آدم لا، تقدري توديه عند أهلك، عشان مش يعطلك عن الهدف." *** خرجت قطوف من المرحاض بعدما أخذت حماماً دافئًا ساعدها على الاسترخاء إلى حد ما، ومن ثم بدأت بالاستعداد للحفل. ارتدت فستاناً باللون الكُحلي بدون أكمام، يزينه حبات من اللؤلؤ على كلا الجانبين، ومن ثم وضعت على كتفيها شالاً من الفراء الأبيض، ساترة به الجزء العلوي. وضعت زينة خفيفة على وجهها، وتكحلت بالأسودِ بارزة عينيها الشبيهة بعيون "الريم"، تاركة لخصلاتها العنان. تعطرت بعدما تجهزت بالكامل، ومن ثم اتجهت إلى الغرفة المجاورة، حيث ينام بيجاد الذي أكد عليها اخباره قبل الخروج. أخذت نفسًا عميقًا وكأنه ستحارب، لتناديه بنبرة هادئة: "بيجاد ... بيجاد." رد عليها بامتعاض، ولم يكلف نفسه فتح مقلتيها حتى: "نعم، عايزة إيه؟" ابتسمت بتهكم، لتجيبه بملل: "أنا خارجة." فتح مقلتيه إلى حد ما، فأخفت ابتسامتها الساخرة بسرعة البرق، ودون سابق انذار جذبها نحوه، ليحيط خصرها بقوة، مردفاً بحزم: "أنا قولتلك آه افتحي حوار معاه، بس مش عايز دلع، فاهمة؟" كبحت جماح نفسها بصعوبة حتى لا تسبه، ومن ثم قالت بهدوء واهي: "مش هخيب ظنك فيا، يدوبق ألحق أمشي؛ لأني لسه هودي آدم عند أهلي." دفعها عنه، عائداً إلى النوم مرة أخرى، هاتفاً بجفاء: "غوري." وكأنها كانت تنتظر اشارته حتى تفر من أمامه آخذة ابنها معها. *** دلف أبناء الألفي إلى الحفلة التي أعدها أخيهم الأكبر "مالك"، وقد كانوا ثلاثة شباب، معاذ وهو مذيع مشهور، مروان وهو طبيب أسنان، سري الدين وذلك أصغرهم؛ فهو مازال في الثانوية العامة. وقد كانت أمهم المحامية "ريما الألفي" تجاورهم، وبين يديها كانت تحمل حفيدتها رحيل "ابنة مالك"، صاحبة العامين. بمجرد أن رأى مالك عائلته، وهي تتقدم إلى الحفل حتى اتجه نحوهم، بعدما استأذن ضيفه، الذي ابتسم إليه بلباقة. تناول رحيل من بين يدي أمه، ليقبل جبهتها بدفء، هامساً في أذنها بنبرة حانية: "حبيبة قلب بابا." ابتسمت إليه وكأنها تفهمه، ومن ثم أشرقت شفتيها بضحكة سلبته قلبه، فضمها إليه أكثر، في حال ناظرته عائلته بنظرات مبتهجة. ادعى أخيه سري الدين أنه يمسح دموع وهمية، بمنديل بدلته، قائلاً بدرامية مبالغ فيها: "مش تراعوا إن فيه أيتام هنا يا اخوانا" ناظره الجميع بنظرات ممتعضة، عدا مالك الذي ناظره بجمود، فابتسم إليهم بسذاجة، قائلاً بغباء: "ما أنا يتيم الأب." تجاهلوه دالفين إلى القاعة التي تُقام الحفلة بها، في حال هتف بحنق: "عايلة نكدية بصحيح!" لمح أحمد مساعد أخيه الشخصي، فاتجه من فوره نحوه، قائلاً بنبرة مرحة، وهو يلوح بيده له "أبو حميد فينك يا راجل؟، وحشتني." انتبه أحمد إليه، فابتسم بتلقائية، متسائلاً بهدوء: "إزيك يا سري الدين؟، أخبارك إيه؟" رد عليه سري الدين بغيظ، وهو يصوب نظرات حانقة تجاه عائلته "بيتجاهلوني يا شيخ أحمد، ولا اكمني يتيم يعني هيسوقوا فيها." أجابه أحمد بجدية: "طب ما هما كمان يُتمى زيك، وبعدين ربنا يديم أمكم ليكم، هي بالدنيا والله." اعترض سري الدين، قائلاً بنبرة حازمة بعض الشيء: "ولو كل واحد فيهم خد نصيب من حب أبويا، وأنا أول ما اتولدت هو اتكل على الله، محسسني إني السبب في موته!" تنهد أحمد بقلة حيلة، ليردف بملل: "هو حد وجهلك اتهام يا عم إنت؟، وبعدين دي أقدار ربنا سبحانه وتعالى كتبها، مش ليها علاقة بيك لو قعدت تتنطط من هنا لبكره." صمت سري الدين لبرهة، ولم يكد أن يماطله في الحديث حتى توقف من تلقاء نفسه، مُطلقاً صفيراً مُعجباً، قائلاً بانبهار: "ده بسم الله ما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يا رب احفظها، إيه الصاروخ اللي نزل الأرض بالغلط ده؟، دي أحلى غلطة ولا إيه." ودون أن يلتفت أحمد إلى الوراء، فهم مقصده، ليقول بسخرية: "خايف تحسدها وإنت بتعاكسها!" تجاهله سري الدين، متجهاً نحو الصاروخ الهابط بالخطأ، أقصد المرأة التي أتت إلى الحفل، حمحم سري الدين بلباقة بمجرد أن وقف أمامها، ليمسك بيدها برقة، متسائلاً ببسمة وسيمة: "تسمحيلي بالرقصة دي يا مودمازيل؟" رفعت إحدى حاجبيها بمكر، قائلة بجدية: "على حد علمي يعني مفيش رقص." أجابها باستنكار: "ومين قال بس كده؟، اعتبري إنه بقى فيه خلاص من اللحظة دي." شعر بمن يقبض على كتفه بقوة، قائلاً بهدوء: "بعتذر بالنيابة عن أخويا، هو مندفع شويتين بعيد عنك." التفت سري الدين إلى أخيه "معاذ"، والذي يكبره سناً، قائلاً بخفوت، وصل إلى مسامعها "خليت منظري وحش قدام المُزة." ضحكت بتلقائية على تلقيبه لها بتلك الكلمة، مبعدة كفها عنه، وهنا التفت سري الدين نحوها، ابتسمت إليه بمكر، لتقول: "أنا عندي 27 سنة على فكرة، ومخلفة طفل كمان، عقبالك." توقعت دهشته، لكنه خيب ظنها عندما قال بجدية بدت مضحكة: "مُزة برضو." ومن بعيد تنهد مالك بملل، ليردف ببرود، وهو يعطي ابنته "رحيل" لأمه "بعتنا معاذ عشان يجيبوا، فقام ركن هو كمان." تزامنت كلماته مع ذهابه نحوهم، وبمجرد أن انتبهت تلك المرأة لقدوم مالك، حتى رسمت معالم باردة على وجهها، مشيحة ببصرها بعيداً عنه. أشار مالك لهما برأسه بمعنى"أن يذهبا"، فجذب معاذ سري الدين بصعوبة بليغة من أمام المرأة، التي تكبح ضحكتها أمام هذا المشهد العبثي. وبمجرد ذهابهما سألها مالك بجدية يشوبها البرود "بيجاد فين؟" ردت عليه بلا مبالاة، وهي تزم شفتيها "مش هيقدر ييجي للأسف، وبعدين هو ده استقبالك ليا يا مالك بعد السنين دي كلها؟" قال، قبل أن يرحل عنها "مش ترفعي الألقاب ما بينا يا مدام الكيلاني." كبحت دمعة خائنة كادت أن تسقط من إحدى مقلتيها على حين غرة منها، ناظرة في آثره بوجوم، ومن ثم لاحظت نظرات أم مالك لها، فاكتفت بارسال نظرات مبهمة نحوها. انتفض جسدها بدون سابق إنذار عندما شعرت بمن يضع يده على كتفها، استبعدت أنه بيجاد؛ لأنه يسحق كتفها بقبضته الدنيئة مثله. التفت من فورها إلى الوراء، لتجده أبيها "عبد الحميد زيدان"، ويجاوره أخيها الأكبر "نائل"، ابتسمت إليهما بشيء من الإرتباك، قائلة: "إيه ده إنتوا هنا من وقتيه؟" سألها نائل، وهو يصافحها برسمية، وكأنها ليست بأخته! "جوزك فين؟" ردت عليه ببرود، وهي تحاول أن تبدو طبيعية "تعبان، وطلب مني أحضر بالنيابة عنه." استنكر أبيها قولها، ومن ثم سألها بحدة: "وإنتِ سايبة جوزك التعبان وابنك يا هانم وجايه تعري هنا؟" تماسكت حتى لا تنفجر بهما، قائلة بهدوء واهي: "بيجاد هو اللي طلب مني أحضر، وبالنسبة لآدم وديته حداكم، زمانه سارح دلوقتي مع خالته ضي ومارية" تنهد نائل بملل، ومن ثم قال ببرود: "خليك مع بنتك المحترمة يا بابا عقبال ما أروح أبارك لمالك." أومأ أبيه له، وهو مازال يصوب نظرات مستنفرة إلى قطوف، التي تركت أبيها بعد وقت ليس بالقليل، قائلة بضيق اصطنعته: "هروح الحمام." *** أفاق بيجاد من نومته على صوت رنين الهاتف، تناوله بتكاسل، ليجيب على المتصل بانزعاج، والذي لم يكن سوى أخته الكبرى "ورد" "عايزة إيه؟" سألته بحدة: "إنت ما حضرتش حفلة مالك الألفي يا بيجاد؟" اعتدل بجسده إلى حد ما، ليسألها بلا مبالاة: "مين قال إني مش حضرت؟" أجابته ساخرة من سؤاله: "هو ده كل اللي فارقلك؟، بقولك ليه مش حضرت يا خيبتها؟، سايب مراتك تتسرمح هنا وهناك قدام الرجالة، وإنت ولا على بالك!" وهنا انتفض جسده بعنف، ليسألها بغضب اجتاح جسده: "بتقولي إيه؟، يا بنت ال **** يا قطوف، ورحمة أمها لأوريها، هو آدم معاكم مش كده؟" قالت: "آدم مع مارية بيجيبوا حاجات من السوبر ماركت." صرخ بها بصوت أجفلها بحق، ليقول بعصبية مُفرطة، وهو يركض إلى خارج منزله، متجهاً نحو السيارة "لسه فاكرة تقوليلي يا **** " صاحت ورد به بحنق، لتقول بغيظ: "حسك عينك تغلط فيا يا واطي، أنا مش قطوف عديمة الكرامة عشان تسوق فيها، وبعدين فيها إيه لما ابنك يكون مع بنتي؟، مش هتاكله يعني!" رد عليها بسخرية لاذعة، بعد أن أطلق لفظاً نابياً، وهو يقود سيارته بسرعة جنونية "قطوف عديمة الكرامة زمانها خدت آدم وهربت يا كونتيسة ورد. " نهاية الفصل.