الفصل العاشر: تعاهدنا على السير معا | الليلة الاربعون
الفصل العاشر:تعاهدنا على السير معا
وقبل نهاية العام ، كان المولود قد اتى إلى الحياة ولكنه نزل ميتا من رحمها ، كأنما شعر أن اباه لايحمد الله باخلاص على نعمة ، وقتها كانت تلك اللحظة هى التى تحطم فيها سليمان ، بدأ يرى ورد الزمان اكثر ، ويفقد أكثر من سنينة ، ويبكى فى خلوتة مع نفسه ، ويشعر بمراره وكأن حلقومه قد سكب فيه قطران يحجب أنفاسة ، اما عشق الجمال فكانت صابرة ، ترجو أن يعوضها الله ، تحاول أن تعوضة حنانا ولكنها تدرك أن فقد الأبن لا يعوض ، وفى السنة التاسعة من زواجهما ، رأته يكتب رسائل عديدة ، ويخبأها فى صندوق فى غرفتة ، انتابها الفضول فراحت تقرأها ، قرأت وتمنت أن تكون نسيا منسيا ، مع كل سطر يمر بعينيها .
كان دائمًا يعرف ثمن ما يفعل، وربما أدرك النهاية قبل أن تلامس أولُ نقطةِ حبرٍ صفحةَ البداية. لطالما حذّره الشيخ من دخول تلك الأرض؛ حدّثه عن الشياطين، وعن الملحدين، لكنه لم يُحدّثه عنها... عنها هي، التي كانت وحدها سببًا كافيًا لأن يُهدر سنينَ من عمره في كل مرة يلقاها فيها، تحت القمر المكتمل. نعم، لقد أحبّها... ولكن من الحبِّ ما يقتل، يا سليمان. بدأ كل شئ منذ عشر سنوات ، عندما هاج البحر أول مرة و اعلنت الاسماك الميته عند بداية حقبة جديدة ، وبداية سنوات عجاف لن تنتهى إلا بمعجزة، حينها كان سليمان ليس كما هو حاله اليوم، كان أكثر ورعا وتأملا ، وربما تأمله ذاك ما هداه إليها ، أو ربما لأنه تزوج عشق الجمال زواج تقليدياً مرتب ورغم أنها لم تقصر معه فى شئ لكنه كان يبحث عن العشق بكل ذرة فى جسدة ، حبه لشعر الغزل كان يستحوذ على انفاسه ، وحبه للقمر والبحر مهد الطريق إليها ، فى ليلة أكتمل فيها القمر لأول مرة منذ سنين ، كان يخيم سليمان يحرس الحدود مع مجموعة من الشيوخ الصغار بتعليمات من ياقوت ، ولكنه حذرهم من تخطى اشجار الزيتون ، وقال لسليمان بتعابير حاده حازماً فى كل حرف : _اياك يا سليمان ومن معك أن تعبروا تلك الاشجار أو تطأ اقدامكم وادى القمر. كان لذلك الأمر عدة أسباب اهمها ، خوف ياقوت من ان الحجاب قد انحل مع موت فاطمة وانهم قادمون لا محاله ، اما الاحتمال الثانى ان الحجاب أنتقل إلى يارا بالفعل وهم بأمان ولكن عبورهم لتلك الرقعة من الأرض سوف ينقص من سنين عمرهم ، المعادلة كانت بسيطة ، ان تهبط قدم بشرية إلى الوادى ، يعنى ان ينقص عمر صاحب تلك القدم عامين فى كل مرة ، وكلنا ندرك أن المحظور مرغوب ، حتى سليمان يدرك تلك الحقيقة ، الانسان يحب ان يكسر الحواجز ، تلك هى الطبيعة البشرية ، شئ من هذه الطبيعة يأتى من انفسنا اما البقية تأتى فى ساعة غفلة ، ووسوسة شيطان ، او غناء غجرية بصوت قوى كفيل بعبور أى حدود . _هل تسمع ما أسمعة يا فخر الدين ؟. قالها سليمان بينما يجلس حول الشيوخ الصغار وفى المنتصف كان هناك نار تغلف اجسادهم بالدفء ، ولكن لم ترده اجابة من احد ، اكتفوا فقط بالتحديق بالنار كأنها تملك الجواب . تردد داخله وقتها ،شك ان هذه مجرد أوهام ، من سيئتى ويغنى هنا فى هذه الأرض القاحلة ولكن سرعان ما تحول إلى يقين يصيب كل ذى لب ، نهض تاركاً المجلس والذكر الذى بدأه فخر الدين واقترب يبحث عنها دون أن يدركها ، ولكن فى النهاية رأها ، واقفة على تله قريبة ، تناجى القمر كما يناجى العبد ربه ، تتمنى بترانيم لم يسبق له أن سمع أعذب منها الخلاص ، دون أن تعرف ما تعنية كلمة حرية ، وعلى استحياء كأنما يخاف أن يقطع تلك الالحان فيحرم منها إلى الأبد ، سارت اقدامة كمن يمشى نائما فلم يدرك أنه وقع فى الحظور ولكن احيانا الضرورات تبيح المحظورات و ان تملء عينة منها كانت ضرورة ، وأن يصادفها قدر وان يلتقى القمر والبحر هو بخت مكتوب قبل أن يخلقا ، كان اسفل تلك التل وهى اعلاها قريب منها ولكن متى كان البشر قريببين لهذه الدرجة من هامات النجوم ، يخسر عمره ولا يشعر وربما كان يشعر ولكن ايهما احق بأن يخشى الأنسان لفقده عمر بالسنين ، ام حب لايقدر بالسنين ، كانت تردد: _بَلِّغْهُ يا قمرُ إذْ يُنشرُ الخَبرُ أنِّي غَداةَ غَدٍ يغتالُني السَّهرُ يا لَيتَ يجمعنا .. للحبِّ مَوعدُنا فالشَّوقُ يزرعنا .. والبُعدُ يحصُدُنا وَلْهانُ ينتظرُ .. والشَّوقُ يستَعِرُ البِيدُ تعرفُهُ والليلُ والقمرُ. وشعر فجأة كانة قريب منها ، بل يعرفها قبل أن تسمى هذه الأرض ، وحاول أن يتدارك ذاتة ، ويلتمس من الجرأة شئ حتى يقول : _من أنتى يا فتاة. نظرت له بثبات ، لم ترتعد لم تخف أنما حدقت به تتأمل روحة قبل جسده ، تقرأ افكارة قبل أن تخاطبة ، ولم تتوقف إلا واكملت غنائها ثم ابتسمت قائلة: _يمكنك أن تدعونى فتاة القمر ، وأنت ماذا عنك . ابتسم حين أدرك كم هى لعوبة ولن تفصح عن اسمها لغريب ، وكان يحترم حذرها : _انا فتى قادم من البحر ، اعرف الله والله يعرفنى ووالله ما سمعت أعذب من صوتك الرنان . كانت متعحبة من جملته فقالت : _ماهو الله ، وكيف تعرفة وكيف يعرفك . فى تلك اللحظة أدرك فيها الظلمة ، شعر بما تعانية ، كيف تشعر بالطمأنينة وهى فى هذه الأرض كيف تدرك الله ولم تنظر قط فى حياتها إلا إلى الصخر والقمر ، وهو خالق كل شئ لكنها لم ترى كل شئ ، قال لها بصوت هادئ: _الله ما خلق الشمس والقمر والبحر ، فالق الحب والنوى الذى يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ، هو يعرفنا جميعاً اما نحن فنعرفة بتقربنا منه كل يوم خمس مرات نراه ويرانا رغم اننا لانراه . اطمئنت قليلاً فراحت تهبط من التلة وتقترب منه رويداً رويداً: _وماهى تلك الطريقة التى تقربنا منه . _ان نؤمن بكل ما انزل ، به وبملائكتة وكتبة ورسله ، أن نصدق بوجودة ،أن نصلى له . ابتسمت قائلة ببعض من الكبر الغجرى: _انا اصلى ، وصلاتى لكونى حية وعشقا فى الحياة واصلى لنفسى ولجمالى . اخبراها برفق فلو كان فظا معها فى ذلك الوقت لأنفضت من حوله لكن رق قلبه كبساط لها : _بل احدثك عن خمس من الصلوات ، كل صلاة تفتح لكى مخرج ، وتعصمكى من درجة من درجات النار ، وتحفظ لكى مكان فى الفردوس . كانت قد اقتربت منه حتى اصبحت على بعد خمس خطوات تنظر له وينظر لها ، مدت يدها نحوه فشعر بنسيج من وهم يأبى أن يفارقة وحقيقة هى أجمل من الخيال ،قالت بصوت عانقته حصى الصحراء: _أريدك أن تعلمنى أيها الغريب ، علمنى كيف أقترب فأنى اشعر بالطمئنينة مع كل حرف ينطقة لسانك . قال دون أن يدرك : _موافق أن أعلمك ، وسوف أزورك فى كل ليلة يكتمل فيها القمر ، يا ابنه ضيائه. ثم ودعها ، ثم صعدت إلى الجبل وعاد إلى البحر الذى كان شاهداً على عيونة و على خفقان قلبه شوقاً ، ثم توالت الليالى ، ومع كل حول كان يكتمل القمر ١٢ مرة منذ ادركها ، ولكنه كان يزورها مرتين فقط ثم زادو إلى ٣ حتى لاتنتبه عشق الجمال وياقوت بغيابة عنهم وحتى لايسأله أحد عن سهره أو تخلفة عن الحضرات ، وفى كل زيارة لها كان يدرك أنه مس من سحرها ، ملكته دون أن يدرك وفى السنة السابعة ، كانت قد تعلمت كل شئ من علمة ، اما هو فكان لازال يشغفها حبا لا نظير له ، وقمر تلك الليلة كان مختلفاً ، بعد أن قرأ لها ايات من القرآن قال: _هل تعلمين أن الحب هو أساس هذا الكون . تساءلات : _كيف ؟ أردفَ بابتسامةٍ تملأُ ثغرَه: _الله خلقنا لانه يحبنا ونحن لازلنا على الأرض نعمرها لأننا أدركنا معنى الحب ، وأنا هنا اليوم لأننى أحبك . توردَ وجهُها خجلًا عند كلماته ، ولكن كانت عيونها مكسوة بالدموع وهى تقول: _وهل تحب من اخطأت واذنبت وعصت ربها. نظر لعينها حين رفعت وجهها نحوه قائلا: _بل أحب من تابت وادركت خطأها وندمت على كل ماسبق ايمانها ، احبها واريد الزواج منها . كانت تعرف كل شئ عنه ، ويعرف كل شئ عنها ، ترضى به ويرضى بها ، فأتفقا ان يأتى يوم يجمعهما ، يوم يخبر فيه العالم أنها ملكة وهو ملكها وقد تعاهدا على السير معا والا يفرقهما إلا الموت . اتفقا على أن يتزوجا بعد ثلاثة سنوات وووعدها بصدق لايشوبة غبار: _لن أتركك معهم ، سوف أتى يوم ما واقتطفك من هذه الصحراء الغابرة . وقبل ان يمتطى جواد ، وضع خاتم مصنوعا من حجر العقيق ، بلون أزرق يحمل نواة البحر وقلبه وقال لها بينما يلبسها اياه: _أُلبِسُكِ اليومَ عُمري، ويشهدُ ما بيننا القمرُ والبحر؛ ما دام الخاتمُ ينبضُ زرقةً، فأنا عائدٌ لا محالة... فوطني هو قلبُكِ. وغادر تاركاً اياها ، بينما تلوح له مودعه ، راجية أن تجمعهم الأرض مرة أخرى . اما هو فكان خائفاً أكثر من أى وقت مضى ، خائفاً أن يجرح عشق وخائفا أن يكون الموج اعتى من الوعد ، وخوفة أنعكس على ايامة وليالية شئ فشئ ،وكان يشعر داخله بأنه يظلم عشق الجمال ، لم تخطئ عندما تزوجتة ولكنه اخطأ عندما تزوجها وهو لايحبها ، هى كانت تحمله على كفوف الرائحة وهو كان فقط يعيش كزوج ، لا كحبيب ، ومهما حاول ان يعود إلى كرته الاولى كان دائما مايفشل ، إلى أن أتى ما لم يكن بالحسبان ، عشق الجمال حامل بعد ثمان سنوات من الزواج ، أخيراً سوف يصير أبا ، كانت مشاعرة مختلطة بين الشوق للأبوة و الحزن لأنه كان يريد أن يكون ابنه من فتاة القمر ، نعم لايعرف اسمها حتى الأن وهذا شرط ، لن يعرف أسمها الا عندما يتزوجها ، لم يكن امامه إلا أن يهلل وان يستقبل المباركات ويظهر الغبطة والحب ويبطن الشوق لنفسه البعيدة فى الأفق . _مبارك يا سليمان ، لقد هرمت من اجل هذه اللحظة يارجل . قالها الشيخ ياقوت بينما يحتضنة بقوة فرد عليه سليمان: _حمدلله ياشيخى ، نحمد الوهاب ، ونرجو أن يأتى المولود إلى الدنيا معافا دون سوء أو سقم . وقبل نهاية العام ، كان المولود قد اتى إلى الحياة ولكنه نزل ميتا من رحمها ، كأنما شعر أن اباه لايحمد الله باخلاص على نعمة ، وقتها كانت تلك اللحظة هى التى تحطم فيها سليمان ، بدأ يرى ورد الزمان اكثر ، ويفقد أكثر من سنينة ، ويبكى فى خلوتة مع نفسه ، ويشعر بمراره وكأن حلقومه قد سكب فيه قطران يحجب أنفاسة ، اما عشق الجمال فكانت صابرة ، ترجو أن يعوضها الله ، تحاول أن تعوضة حنانا ولكنها تدرك أن فقد الأبن لا يعوض ، وفى السنة التاسعة من زواجهما ، رأته يكتب رسائل عديدة ، ويخبأها فى صندوق فى غرفتة ، انتابها الفضول فراحت تقرأها ، قرأت وتمنت أن تكون نسيا منسيا ، مع كل سطر يمر بعينيها . "حبيبتى فتاة القمر ، العهد مازال بيننا ، قد لا ارسل لكى هذه الرسائل ولكنى ادرك أن قلبكى يدق كلما لامست محبرتى قلمى وكلما خط قلمى على الورق الذى أمامى ، ورغم أن الاجساد بعيدة إلا أن الارواح تتلاقى ، روحى تلاقى روحك مع كل قمر مكتمل " رساله تلوا الأخرى تلو الأخرى ، تمنت لو كانت هى تلك الفتاة. تمنت لو احبها مثلما يحب تلك الفتاة ، لو ظلت فى نعيم جهلها لفترة اطول ولكن ابى الورق أن يظل صامتا، فباح حتى ناح حاملة . وبعد ان انتهت من قرأة الرسائل قررت أن لا تشعرة بشئ ، يجب أن لايعلم أنها تعلم حتى لايشعر بالذنب ، لقد عشقتة لهذا الحد ، وإن لم تكن من ستسير معه إلى النهاية فلن تكون من ستقطع عليه سبيلة للسعادة ، وظلت تعيش بهذا القدر من الالم تراه يخرج كل ليلة يكتمل فيها القمر ، ويعود متأخراً ، تدرك غايته وتحزن ، ولكنها تمسك دموعها كما يمسك الصائم عن الطعام والشراب ، إلا أن صيامها لا نهاية له. وفى العام العاشر قابل سليمان ورد الزمان للمرة الأخيرة ، وبشرها بأنه وجد الحل وقريبا سوف يأخذها معه حتى ترى البحر وتعيش فى القرية ، ولكنه وجد منها حزنا لا يدرك مصدره: _هل أنتى على مايرام يا حبيبتى ؟. قالها بنبرة قلقة ، يرد أن يطمأن عليها . نظرت له وكان الضوء شاردا فى عيونها كمن سلبت روحها خلال تلك السنين العجاف ، لقد كان منقطعا عنها منذ فترة حتى ظنت انه لن يعود أبدا، قالت بغضب ممتزج بوجوم : _لم أعد كما كنت سليمان ، لقد سلبتنى السنين زهرة شبابى ، وسلبتنى روحى ويقينى بالغد . ثم اردفت بتعابير شاحبة : _فى محراب بعيد عن الانظار ، كنت اناجى الله أن تعود لى ، لم أرد إلا أن أراك ، حتى أت جسدى طالته العلة ، والعشق سقم لا حكيم يداوية ولم تكن قربى لتزيح عنى اساى . اتبعت تطالع عيونة وخصله التى شابت: _أين كنت ياحبيب عمرى ، ما الذى فعله الزمان بك ، لماذا تأخرت؟ كان يرجو أن تتوقف عن لومة ، ولكنه يدرك أن اللوم دلاله لنلع لم ينبض بعد ، اقترب منها وقال : _انا دائما لك ، كنت وسأظل حتى تمحى هذه الأرض وتشرق الشمس من مغربها ، أنا نفس الشخص الذى أحببتى واحمل فى جوفى لكى ما إن اعلنه حتى يرق العالم لحكايتنا ويمهد القدر طريقنا . اكمل يقسم : _اقسم لكى بمواقع النجوم ، أنك ستكونين زوجتى ، وفى لقائنا القادم ستنتهى حياتك فى هذه الأرض وتولدين من جديد معى . علت الرياح ،مزيحة وشاحة بينما حركت اطراف ثوبها كأنما تنذر من شئ قادم ، وكانت عين كليلة تراقب من بعيد ، بعيون ثعلب الفنك الذى شهد العهد وحله بمخالبة وانيابة دون أن يدرك سليمان. والأن ، هانحن فى ليله أكتمل فيها القمر ، نصعد إلى كهف سيد النار ليث ، بعد موت الأشهب بأيام ، لنرى صفين من الغجر يحدقون بعيون جاحظة تلتهم من تظفر به ، فى اسير زمرداخ البشرى الذى جرأ على أن يقتحم وادى القمر بحثاً عن الحب ، كان سليمان ينظر لهم ، لكل واحد فيهم بينما يجر بالاغلال التى تكبل يدية وقدمية وعنقة، يقاد كما تقاد الخراف إلى المذبح وقدماه تجر فى الارض كانها تدرك ما يجهله ، لم يكن لينجو إلا بمعجزة ونحن لسنا فى زمن المعجزات، ولج إلى دهاليز الكهف وصولاً إلى قاعة العرش ، حيث كان ينتظرة ليث متكأ على سيفة الاسود ، وكليلة تضع يدها على كتفة كأنها تتباها بصيدها الثمين ، فعينها فى الوادى لاتنام ، بل تراقب كل دابه تتحرك وتاتى لها بخبايا الأرض . نهض ليث من عرشة وقال بينما يقترب من سليمان: _اذا أنت من ، من يسمون أنفسهم موحدين ، اخبرنى أيها الموحد ، ما رأيك فيما ترى أمامك ، فى تلك العيون الشاحبة والافواه الفارغة والاجساد النحيلة ، هل كنت سعيداً بينما تطالع الغجر ام شعرت بالشفقة . سحب الاقزام سليمان من السلسلة فى رقبتة مجبرينة على طأطأه رأسة ، ثم قالوا له : _أجب على سيد النار والوادى . حاول سليمان رفع رأسه ولكنه لم يقدر ، لم يكن يفكر فى اجابه لسؤالة بل كان يفكر فى ورد الزمان وهذا ما تلززت به كليلة فهى بارعة فى رصد الهوى أين وجدتة ، اقتربت منه لتقول هامسة: _لاتخف ، إن فتاتك بخير معنا ، نحن فقط نأدبها لأنها لم تاتى طوعا وتخبرنا عن قصة حبها الجميلة ،رغم انها تعلم أننا نحب قصص الحب خصوصاً قبل موعد النوم . قال سليمان ناظرا لها وقد تشققت عيونة حمرة كبركان أوشك على أن يثور : _اين هى ، اين هى ، اريد أن اراها ولن أتحدث قبل أن اراها . ضرب الاقزام قد سليمان بالعصى حتى جثا على ركبتية مرغما ، ثم قال ليث ضاحكاً: _انت لم تفهم بعد ، هنا أنا املك كل شئ ، حتى انفاسك التى تغادر صدرك وتعود له مرة اخرى ، فلاتختبر صبرى ولا تشترط على ، والأن اخبرنى . اقترب منه اكثر. _هل تستمتعون ببحرنا وارضنا ، وتضحكون وتتناسلون وهل تأكلون وتشربون حتى تمتلئ افواهكم ويفيض الطعام منها ؟ قال سليمان بينما انين الالم يحرك صوتة: _ما الذى تريده منى . أحكم ليث قبضتة على فك سليمان ونظر له كأنما يسترق النظر إلى روحة ، ثم اجاب: _أريد أن اشتتكم ، ان افرق اواصركم فى بقاع الارض حتى لاتقوم لكم قائمة ، اريد أن استرد ماهو لنا . افلت ليث فك سليمان بعد أن انهى كلماته . _وما الذى تريده منى ؟ . ادرك سليمان بفطنتة أن مؤتة حكم أعدام مؤجل ،وانه ذو اهمية لهم ولكن توارى السبب عن مخيلته . اقتربت كلية من سليمان تحوم حوله كأفعى تنتظر لحظة مواليه للأنقضاض ، ثم قالت: _اخبرنى هل تحبها بصدق . رد بأنه يحبها بجم قلبه فأتبعت. _وما الذى ستفعلة من أجلها ، ماذا ستفعل من أجل الحب؟ أجابها بصوت ثابت: _اى شئ فقط لاتؤذوها . ردت بينما تهمس لليث ببعض الكلمات وتقهقة معه : _حسنا ولكن هناك ثمن لرحمتنا . سأل وما كاد يفعل : _ماهو الثمن ؟ سار ليث ببطء ثم جلس على العرش مرة أخرى : _كبد الشيخ ياقوت . غاب الوقت لدقائق ، وشعر سليمان كأنه فى أرض التيه ، لم يعد بمقدوره أن يفهم ماحوله ، أو أن يسال أو يتحدث أكثر ، داخل رأسه كانت زوبعة وتلك الزوبعة حطمت فنجان عقله بلاتردد وتركته فقط اجوف يحدق فيهما . دفعت جليلة الأمر إلى مداه عندما اقتربت بزجاجة صغيرة منه قائلة: _سوف تعطى له من هذا السم ، ثم تشق صدره وتأتى لى بكبده وقتها تعود محبوبتك سالمه إليك . اشاح سليمان بنظرة ولكن سرعان ما سمع صراخ ورد الزمان قادماً من حجرة مغلقة اشبة بسجن مصمت بلا نوافذ وبباب قصير وضيق لايكفى الا لعبور كلب او بشرى جاثيا على يدية وقدمية ، لقد كانت كل صرخة منها تخاطبة ، ترجوه أن ينقذها من عذاب أليم ، ولذلك نطقها دون أن يجفل . _انا موافق . قالت كليلة كأنها تتأكد من ماسمعت . _موافق على ماذا ؟ _على أن أقتل الشيخ ياقوت واتى لكى بكبده . ضحكت كليلة استهزاء به ونظرت لليث كأنها طاووس ينثر ريشة لافتاً الانظار ، ثم قالت: _الليلة سوف تغادر الكهف وامامك ليلتين من الأن لتقتل ياقوت . قال ليث للأقزام: _اهبطوا به إلى الوادى المقدس و فكوا اغلاله هناك ودعوة يذهب ، فهو عائد لامحاله . كانت كليلة قد دبرت كل شئ ، ولها علم عن الشيخ ، وتعرف أن السبيل الوحيد لموته هو من شخص يحمل نفس دينة ، لم تكن تعرف الطريقة ولكن رب مساعدة أتت ولم اطلبها ، لقد سلم سليمان رأسه ورأس شيخه بل ومصير القرية كلها ، بدافع الحب . وبعد مسيرة طويلة ، عاد إلى نفس النقطة التى أسر فيها يحمل القارورة فى جيبة محلا من الاغلال يسير فى خط مستقيم نحو القرية ولكنه أيضا يحمل شئ أخر ، خبأته كليلة فى متاعة بعناية ....