لماذا عبرت الدجاجة الطريق - الفصل الأول
جاري التحميل...
الفصل الأول
كل شيء مرتبط بتلك الدجاجة التي عبرت الطريق
نظر خالد نحو عداد السرعة ثم داس على دواسة الوقود، فتجاوزت ابرة العداد المئة ميل في الساعة، و تجاوزت سيارته جميع السيارات الأخرى، غير آبه لصوت أبواقهم، أو صراخهم عليه لقيادته بتلك الطريقة المتهورة، فهو لم يكن يفكر سوى في شيء واحد، و هو أن يصل في الموعد لشركة التأمينات التي يشتغل فيها، فهو لا يزال أمامه أقل من عشرين دقيقة ليصل في الوقت المحدد للإجتماع، هذا الإجتماع الذي يشتغل عليه لشهور طويلة، والذي إذا سار بشكل جيد فإن الشركة ستربح صفقة كبيرة تقدر بالملايين، و سيكون له نصيب جيد من المال و منصب أعلى في الشركة. لقد كان من المفترض أنه وصل للشركة منذ نصف ساعة على الأقل، لكنه تأخر في الإستيقاظ هذا الصباح، فألم معدته ليلة البارحة منعه من النوم، و المسكنات التي تناولها بالكاد أعطت مفعولها، كما أنه انشغل في مراجعة أوراق عمله فنسي أن يضبط المنبه، فنام في وقت متأخر و استيقظ متأخرا، فغير ملابسه بسرعة، و جمع أوراقه، و تناول المزيد من المسكنات و خرج مسرعا، و الحقيقة أن ألم معدته كان يلازمه منذ أكثر من أسبوع، بشكل مفاجئ، و بدرجة ألم متفاوتة، لكنه خير أن يؤجل الذهاب للطبيب حتى ينتهي من هذا الإجتماع، فهو لم يرغب أن يشتته أي شيء عن عمله، أو عن مستقبله المهني، كما أنه كان يأمل أن يذهب الألم من تلقاء نفسه، لذلك كان يستعمل المسكنات ليجعل جسده يقاوم أكثر مما يتحمل، و يجعل عقله يركز على عمله دون أي شيء آخر.
* * *
تجاوز خالد جميع السيارات الأخرى و أصبح بمفرده في الطريق، و بدل أن يخفف من سرعته قليلا فقد استمر في القيادة بتلك السرعة الجنونية، بل إنه زاد من سرعته حتى اقتربت الإبرة من المئة و العشرين ميلا، و في هذه الأثناء.. بينما كانت عيناه تنظران للأفق في طريق اسمنتي لا نهاية له، و بينما كانت يداه متشبثة بالمقود و قدمه ملتصقة بدواسة الوقود، فقد كان عقله مشغولا بالتفكير في الإجتماع، في الناس الذين سيقابلهم و الكلام الذي سيقوله، و في تلك اللحضات القليلة التي تفصل بين الحقيقة و الخيال، بين الواقع و الهلوسات، بين ألم معدته و إرهاق عينيه، و بين الوعي و اللاوعي، ظهر شيء أمامه، ظهر من العدم و توقف في منتصف الطريق، عندها تشتت خالد و داس بقوة على الفرامل، و أدار المقود بقوة حتى يتجنب الإصطدام بذلك الشيء الذي لم يره بوضوح و يستوعب ماهيته، كان قد فقد السيطرة على سيارته فحادت عن الطريق و اصطدمت بقوة بشجرة كبيرة.
* * *
لم يفقد خالد وعيه لكنه أحس بدوخة فظيعة، و رغم أن رأسه قد اصطدم بكيس الهواء الذي انطلق في الوقت المناسب لينقذ حياته و ليمنع رأسه من الإصطدام بالزجاج الأمامي فهو لم يتمكن من حماية بقية جسده، فالزجاج المنكسر قد سبب له العديد من الجروح، أما قدمه اليسرى فقد إلتوت بطريقة ما و أصبح من الصعب معرفة إن كانت قد أصابها كسر أم لا، فهو في كل الأحوال لم يكن ليستوعب بعد كمية الضرر التي أصابت جسده، ليس على الأقل قبل أن تختفي آثار الصدمة التي أصابته و يفهم ما حدث معه بالضبط. كان قد رفع رأسه ببطء و ترك المقود الذي لا يزال ممسكا به، فدفع باب السيارة بقوة عديد المرات قبل أن يتمكن من فتحه و ذلك لأن الاصطدام بالشجرة جعلت المقبض يعلق فأصبح تحريكه عسيرا، ثم إنه عندما أراد أن يترجل من السيارة لم يتمكن من رفع ساقه اليسرى بالشكل المطلوب فتعثر و سقط على الأرض، فزحف ببطء نحو الأمام ثم التفت نحو السيارة، كانت قد اصطدمت بعنف بالشجرة فتدمر هيكلها الأمامي بشكل كامل، و عندما لاحظ الدخان الخفيف المتصاعد من تحت غطاء المحرك، إضافة إلى العجلتين الأماميتين الملتحمتين بالهيكل المحطم، أدرك على الفور أن هذه السيارة لن تشتغل مجددا و لن تحمله لأي مكان في الوقت الراهن.
* * *
ما أن بدأت الدوخة تزول شيئا فشيئا حتى بدأ يفكر في ما سيفعله، خاصة و أن إصابة قدمه اليسرى لن تسمح له بالوقوف و التحرك، فزحف حتى حافة الطريق و رمى ببصره على مرمى البصر في كلا الإتجاهين، فلم يرى أي شيء، و لو سيارة واحدة، و كأنه متواجد في مكان مهجور منذ وقت طويل، و هو ما جعله يتساءل بينه و بين نفسه عن كل تلك السيارات التي تجاوزها منذ مدة قصيرة، كيف لها أن تختفي بهذه البساطة؟، فحتى و إن مرت من أمامه عندما كان محتجزا داخل سيارته فلا بد أن يتوقفوا لمساعدته، فلا يمكن لأي شخص مهما كانت درجة إنسانيته أن يرى حادثا و لا يتوقف للمساعدة، أو على الأقل ليتفقد السيارة و ركابها، إضافة إلى ذلك فهذه طريق سيارة رئيسي و هناك مئات السيارات التي تعبره يوميا، لكن الآن فلا يوجد أحد سواه، و رغم ما أصابه، و الموقف الغريب الذي وقع فيه، فقد كان كامل إهتمامه منصبا على الإجتماع الذي سيفوته و الصفقة الكبيرة التي ستضيع من بين يديه، متجاهلا بذلك حالته الجسدية التي قد تكون أسوأ مما تبدو عليه.
* * *
بينما كان عقله مشغولا بالتفكير في حل لمشكلته اخترق سمعه صوت غريب، كان قد تجاهله في البداية لأنه اعتقد أنه تخيله، لكن ما أن سمعه المرة الثانية بشكل أوضح كان قد التفت نحوه مستغربا لأنه كان متأكدا بأنه كان صوت نقيق، و بالفعل عندما أدار رأسه كان قد رأى دجاجة، كانت تقف على بعد عدة أمتار منه في منتصف الطريق، دجاجة حمراء ذو ذيل أسود، تقف هناك ساكنة و تنظر مباشرة نحوه، و للحظة واحدة.. عندما نظر إليها، و لمح شكلها و لونها، تذكر شيئا حدث منذ أكثر من عشرين سنة، كان حينها في زيارة لمنزل جده و جدته، و قبل أن يرحل قدم له جده دجاجة حمراء ذو ذيل أسود، تماما مثل هذه الدجاجة، ففرح بها كثيرا و صنع لها بيتا صغيرا من علبة كرتون قديمة، و كان قد قضى معظم عطلة الصيف و هو يهتم بها، فيطعمها و يلعب معها، و أحيانا يتسلل في الليل فيأخذها من الحديقة الخلفية ليضعها معه في غرفته. كان من الواضح أنها ليست نفس الدجاجة، لكن الشبه الكبير بينهما عبث بتفكيره و ذكرياته، لكنه سرعان ما جمع شتات نفسه و بدأ يتساءل عن سبب وجود دجاجة هنا وسط الطريق حيث لا منازل و مزارع، و قبل أن يجد أي إجابة لأسئلته تحركت الدجاجة نحو الجهة الأخرى من الطريق، و من دون أن يشعر وجد خالد نفسه يزحف خلفها ليعرف سر هذه الدجاجة، و الأهم من ذلك ليعرف لماذا عبرت الطريق؟. فكان يزحف بكل جهده ليلحق بها، خاصة بعد أن رآها تختفي خلف أحد الأشجار.
* * *
اقترب خالد من الشجرة لكنه قبل أن يتمكن من الإلتفاف حولها سمع صوت خطوات أقدام ثم ظهر خيال أمامه، رجل عجوز أصلع و له شنب أبيض كثيف، فأحس خالد بالصدمة، و الإرتباك، و كان قلبه يكاد يخرج من مكانه من شدة خوفه، فهذا العجوز الذي يقف أمامه ليس أي عجوز بل هو جده، جده الذي مات قبل خمسة عشر سنة و الذي زار قبره أكثر من مرة هو و والديه، لكنه الآن يقف أمامه حيا يرزق. لم يستطع خالد تفسير ما يحدث، فمنذ أن تعرض للحادث و هو يشهد أشياء غريبة الواحدة تلو الأخرى، و الآن بعد أن رأى جده الميت يقف أمامه لم يعد يعرف أي شيء، فقال: لا بد أنني أحلم، لا تفسير آخر لما يحدث الآن.
فأجابه جده: أنت لست تحلم.
فقال خالد و قد التفت نحو جده: إذن فأنا ميت، أجل.. هذا منطقي أكثر، لا بد أن الحادث الذي تعرضت له قد قتلني.
فأجابه جده: أنت لست ميتا.
عندئذ صرخ خالدا مذعورا: إن لم أكن أحلم، و لم أكن ميتا، فماذا يحدث لي إذن؟.. أين أنا؟.. و لماذا أنت على قيد الحياة.
- أنت لست ميتا، و لست حيا. و أنا لست حقيقيا، و لست وهما.
- لم أفهم أي شيء.
- هذا المكان هو داخل عقلك، و أنا تجسيد لعقلك الباطن، بسبب علاقتك القوية مع جدك. أنت تعرضت لحادث خطير و أنت حاليا في غيبوبة.
- في غيبوبة؟
- أجل.. على حافة الحياة و الموت.
فقال خالد مستغربا: لكن لماذا تخيل عقلي هذا المكان و تخيلك أنت؟
- لأن رغبتك بالعيش قوية، و لأن قلبك لا يزال ينبض و لم يستسلم بعد.
- أنا هنا لأنني لم أمت بعد؟
- أجل، و أنا هنا لأحفز جسدك و وعيك على الإستيقاظ.
- كيف؟
- فقط أمسك بيدي.
تردد خالد للحظة ثم مد يده نحو جده.
* * *
فتح خالد عينيه ليجد نفسه مستلقيا في فراش بإحدى غرف المستشفى، كان في البداية مشوش النظر، مشوش التفكير، عاجزا عن تحريك لسانه، لكنه سرعان ما بدأ يستفيق و يستعيد تحكمه بحواسه، فتهافت نحوه الممرضين و الأطباء من كل مكان ليتفقدوا علاماته الحيوية، و بعد أن اطمأنوا على صحته أخبروه بأنه كان في غيبوبة منذ أكثر من أسبوع، و أنهم فقدوا تقريبا الأمل من استيقاظه مجددا، و اعتبروا أن ما حدث لا يمكن أن يكون سوى معجزة. لاحقا وصل والديه و لم يصدقوا أن ابنهم لا يزال على قيد الحياة، كانت فرحتهم برؤيته لا توصف، و هنا شعر خالد بأنه كان يسيء تنظيم أولوياته في الحياة، و كيف أنه كان يفضل عمله على أفراد عائلته الذين لم يهتم لأمرهم و لم يكن يقضي معهم الكثير من الوقت.
أخبره والداه بأن الأطباء أخبروهم بأن فرص استيقاظه من الغيبوبة كانت شبه معدومة، و أنهم أحسوا باليأس من نجاته، معتبرين ما حدث فرصة جديدة.
فابتسم خالد و قال بينه و بين نفسه: أعتقد أنني أعرف الآن لماذا عبرت الدجاجة الطريق.
* * *