روايه الليله الأربعون | الفصل الثالث: جبال القمر
الفصل الثالث: جبال القمر
قالت تلك الكلمات كليله ، زوجة ابيه بينما تقف امامه مرتديه رداءً خفيفًا بلون احمر كدم الغزلان ، قماشٌة رقيق ينساب على جسدها أكثر مما يستره، يلتصق بتفاصيلها ثم يتركها فجأة كأنه يراوغ العين. صدره مفتوح قليلًا، لا يكشف بقدر ما يَعِد، وحوافه المطرزة بخيوط داكنة تلمع كلما لامسها ضوء القمر المتسلل من النافذة.
بعيدًا فى الافق، كانت هناك جبال شاهقة تُحكم الخناق على القرية وسكانها. سفوحها حادّة مرتفعة، وأحجارها تميل إلى السواد القاتم، كأن الليل اتخذها مسكنًا له قبل أن يعرف السماء. وعند اكتمال القمر، يبدو ضوؤه أقل سطوعًا كلما ارتفع فوقها، كأنها وحوش صامتة تبتلع النور والأمل، ثم تلفظ الظلمة ظلًا ثقيلاً يزحف على أرض القرية. كانت تسكن وديان تلك الجبال وكهوفها ومغاراتها جماعةٌ وُجدت قبل أن تُولَد ذاكرة البشر. يطلقون على أنفسهم الغجر، قومٌ لا يُعرَف لهم أصل ولا يُمسَك لهم أثر. وكان يحكمهم رجل أشهب، حمل لونُ شعره اسمَه، كما حمل في عينيه حكاية النار الأولى ، كان جالس فى تلك الليلة على عرشة وقومه واقفون امامه يتهامسون فيما بينهم ، حتى تحولت الهمسات إلى هرج ومرج ولكن سرعان ما ابرز ليث بن الاشهب انيابة حتى اختفت الاصوات تماماً كأنه قام بابتلاعها، كان ليث طويلَ البنيان، عريضَ المنكبين، أمّا شعره فكان غزيرًا مموجًا ينسدل على كتفيه كستارٍ أسود. عيناه الكحيلتان تقتلان من يطيل النظر إليهما رهبةً، كأن في سوادهما حكمًا بالموت. يرتدي معطفًا أسود طويلًا، مخيطًا بعظام الجيف، يئنّ مع كل خطوة، وبنطالًا من قماشٍ منسوجٍ من جلود الوحوش المفترسة التي تعيش في وادي القمر، لقد كان نزير شئم يمشى على الأرض ، قال بغلظة بينما يحدق فيهم: _"من يقف أمام عرش الأشهب… إمّا أن يقف صامتًا، أو يقف مقطوعَ الرأس." ومع علو صوته، خفتت مشاعل النار ، واعتصر الصمتُ الأجواء حتى ضاق به النفَس . قال الأشهب وهو يطالعهم بعينين لا تعرفان الرحمة: "لا تظنّوا أن عظامي قد وهنت، ولا أن قواي قد خارت. لا تفكّروا أن تعصوني، ولا أن تخرجوا من طاعتي. من يخرج عن طاعة الأشهب، يُخرِجه الأشهب من رحمته، ويُلقي به في النار الأولى… وأنتم تدركونها، كم هى موحشة ، لاتذر . قال ليث بينما يسير يميناً ويساراً كالاسد الذى يتربص بفريسته : _اخبرونى ما بكم اليوم؟ ، هل جن جنونكم ؟ , لما كل تلك الاصوات. حكم الصمت الأجواء، صمتٌ ثقيل كأنه كفنٌ مُلقى على الأنفاس، حتى انشقّ السكون بصوت أحد الغجر، مبحوحًا كأنه خارجٌ من قبر: — نريد أن نهبط إلى الأرض القديمة… هناك حيث وُلدنا قبل أن تطالنا اللعنة . نحن أبناء البحر، نحمل ملوحته في الدم، ولسنا أبناء هذه الصخور الصمّاء. لقد تعفّنت أفواهنا من أكل الجيف، وتشققت حناجرنا ونحن نرقب السماء بعينٍ راجيةٍ وأخرى ميّتة، ننتظر المطر كما يُنتظر الحكم الأخير. أمّا أولادنا… فيتساقطون واحدًا تلو الآخر، بلا صراخ، بلا وداع، كأنهم قرابين تُساق إلى فم الموت، أو أنعامٌ أنهكها الجوع حتى نسيت معنى النجاة. ضحك الأشهب، ضحكةً جافةً بلا فرح، كأنها صرير عظامٍ تُكسر في جوف الليل، ثم قال: — تريد أن تهبط إلى الأرض القديمة أيها الغجري؟ تريد أن تلتهم ما لذّ لك من الأنعام، وأن تروي حلقك بالخمر، وتغسل روحك بعطر نساء القرية. أراها… تلك الرغبة، تلمع في عينيك، كما أراها في عيون كل الرجال هنا. هي ذاتها الشهوة التي ألقت بنا إلى هذا المصير، فجعلتنا كطيورٍ جارحةٍ قُصَّ ريشها وكُمِّم منقارها؛ نعرف السماء، ونشتهي الطيران، لكن كلما حاولنا التحليق، أدركنا أن الهلاك أقرب إلينا من رمال البحر العظيم. ثم نهض الأشهب عن عرشه، متكئًا على عصا سوداء نُقشت عليها رموزٌ ملتوية من السحر الأسود، كأنها ديدانٌ متحجرة تزحف على خشبها. خطا خطوةً واحدة، فارتجف الكهف، ثم أشار بالعصا إلى بوابته وقال مستهزأ: — اهبط… إن كنت تجرؤ. اهبط ودع حجاب الشيخ الكبير، الذي ابتدعه ، وورثته دمًا بعد دم، يلتهمك. ما إن تعبر وادي القمر، حتى تتحلل جثتك قطعةً قطعة، ويذوب لحمك عن عظامك، وتصير هباءً منثورًا… هباءً تحمله الرياح، لتعود بك — ذليلًا — إلى سفح هذا الجبل، إلى حيث تنتمي . ما كاد ينتهى من كلماته حتى وقفت تلك المرأة التى كانت جالسة طوال الوقت جواره دون أن تنطق ببنت شفة ، حتى تكاد تظنها شبحا ، كانت تدعى كليلة ، هى زوجة الاشهب ولكنها تصغره سنا بمايقرب من ٧٠ عاما ، عيونها مختلفة الالوان ، عين زرقاء كأنها تجسيد للبرودة لا تعكس الضوء بل تبتلعه فى عمق جليدى ، وعين اخرى حمراء اللون تحرق كل ما تقع عينها عليه ، بشرتها داكنه كانها مزيج من تراب القمر ورفات الموتى ،و بينما تتحرك تجر خلفها ذيل ردائها القرمزى الذى يلتف حول جسدها النحيل كانها تجر ظلها : _اسمعوا جميعا، اريدكم ان تتذكروا فضل الاشهب عليكم ، لولاه لما وقفتم هنا اليوم تعترضون وتمتعضون وتملكون الجرأة للكلام ، الاشهب هو خليفة سيدكم الذى يسكن البحر ومؤيد منه لانقاذكم جميعا، وحين يأتى الوقت الموعود سوف يضحى بنفسه من اجلكم . نظر لها ليث الذى فتنته كلماتها ، وهالتها التى تأسر الأذهان ، ثم اكمل خلفها: _كل شئ تريدونه ان يكون سوف يكون لكن لكل اجل كتاب وكتابنا لاينقصة إلا قطرة الدم الاولى حتى نكتب مصيرنا بأيدينا. هلل له كل الحاضرين ، وتحولت نظرات الغضب إلى رضا ، لقد كان ليث يملك موهبه فطرية فى القيادة ذلك كان مصيره الذى كتب عند مولده بين شقوق هذه الجبال ، بعد ان انهى حديثة طلب من الجمع أن ينفصو ، ثم ذهب تجاه الاشهب وقال ما يكنه حقا فى قلبه: _لقد هدأو هذه المره ولكن إلى متى يا ابى ، انت تدرك مايمكن أن تفعله الحاجة ، انها تدفع إلى اقصى درجات الجنون وقد يقتل الأخ أخاه و الزوجة زوجها والمحكوم حاكمة. عاد الاشهب للجلوس على عرشة بينما يسعل : _هل تعلم ياليث، منذ اليوم الأول وانا اعرف مصيرى ، ادرك أننى سوف أكون حبيس هذا الكهف تمضى به ايام شبابى ثم شيخوختى ثم ادفن او احرق فلا يعود لى ذكر سوى اسمى ، وطيله حياتى ادركت سر الحكم. كان ليث كله اذان مصغية ، لكلماته و قال سالا: _ماهو . ابتسم الاشهب بخبث وقال بصوت محشرج: _الخوف ، اذا امتلكت الخوف كأنك امتلكت مفاتيح ارواحهم بين يديك العاريتين، وانا لم اتعلم سواه . قالت كليله مقاطعة لحديثهما: _وماذا يحدث إذا توقف الخوف وتغيرت القلوب يا بعلى . رد الاشهب بينما يلقى بشئ من جيبة: _لن يتوقف ابدا ما دمت أملكها . كان قد القى حجرا احمر اللون ما إن لامس الأرض تحولت الرمال إلى فحم محترق ، الحجر كان يحمل نار الاولين ، نار منسوجة من الظل ، تلتهم الارواح قبل أن تلتهم الاجساد ، لا لون لها ولكن انعاكسها فى العيون يظهر باللون الاسود ، كانت تلك النار ارثة من الحاكم ، ويورثها لابنه من بعده ، اردف قائلا بينما لاتزال النار تلتهم الحياة : _قريبا سيأتى وقتك يا بنى ، وقبل ان تحمل النار أريدك أن تكون مستعداً لذلك اليوم . جثا ليث على ركبتيه : _أنا دائما مستعد ياوالدى ولن أخذلك ابدا. ثم نهض و طلب الانصراف إلى مهجعة ، تاركاً الاشهب مع كليله التى اقتربت من الملك وقبلت يداه قائلة: _هيا يا زوجى الحبيب فالفراش ينادينا . سارا سويا نحو غرفتهما فى قلب الكهف محاطين بالمشاعل عن اليمين واليسار ، وكلما اجتازا مشعل انطفأ على اثر خطواتهما , ومع نهاية الممر كانت حجرتهما ، التى دخلاها مغلقين الباب من خلفهما . فى تلك الليلة عند اكتمال القمر ، فتح باب الحجرة مرة أخرى ، كانت الهمسات تتنقل من بقعة لاخرى ، والصدى الخطوات يسرى فى الكهف شئ فشئ ، وبينما كان ليث على سريرة وضوء يتسلل من عق الباب ، سمع صوت مقبض الباب يلف شئ فشئ لتدخل عليه قائلة: _لقد اشتقت لك كثيراً يا حبيبى . قالت تلك الكلمات كليله ، زوجة ابيه بينما تقف امامه مرتديه رداءً خفيفًا بلون احمر كدم الغزلان ، قماشٌة رقيق ينساب على جسدها أكثر مما يستره، يلتصق بتفاصيلها ثم يتركها فجأة كأنه يراوغ العين. صدره مفتوح قليلًا، لا يكشف بقدر ما يَعِد، وحوافه المطرزة بخيوط داكنة تلمع كلما لامسها ضوء القمر المتسلل من النافذة. خصرها مشدود بحزامٍ ناعم، يجعل الرداء ينفرج مع كل خطوة، فيظهر ساقها ثم يختفي، كانت نظراتهما لبعضهما عميقة واشبه بلعبة بطيئة بين الظل والنور. اغلقت الباب من خلفها وشاركته الفراش ، بعد ساعة كان يلتقط انفاسه بين احضانها بينما كانت تتلاعب بخصل شعره وتحدثة قائلة: _لا أظن أننى سأشبع منك أبدا . قال لها بينما يضحك: _كلما أراكى تقبلين يده او ارى ذراعة ملتفة حول هذا الخصر اشعر برغبة جامحة لقتلك . نظرت له قائلة: _وهل ذنبى أنه من بين كل نساء الغجر ، لم تقع عين الملك الاشهب على زوجة ثانية سوى التى عشقها ابنه. نهض من الفراش معطيا ظهره لها: _قريبا سوف ينقضى كل شئ ، ويكون هناك حاكم جديد لجبال القمر . نهضت خلفة واسندت رأسها على كتفه وقالت : _بل حاكم لما بعد وادى القمر ، و مالكاً لروح كليله وجسدها إلى أبد الابدين . بعد دقائق من حديثهما كانت كليلة قد أرتدت ثيابها ، وقالت له بينما تلف حزام ثوبها : _سوف اعود الأن إلى فراشى ، ولكن أريدك أن تعلم أن كل ما نفعله الأن ، هو لمصلحه قومنا ، نحن لم نخن الاشهب ، بل هو من خان الحاكم وخاننا جميعاً. بعد مغادرتها اطفأ جميع اضواء غرفته وخلد للنوم ولم يكن يفكر سوى فى الغد . وفى احد مغارات جبال القمر الصغيرة ، قريبا من كهف الاشهب ، كان يجلس رجل اعمى يلف عصبه حول عينيه بأحكام شديد ، يلتمس الدفء من نار موقده فى حطب مشعل امامه بينما يتثامر هو وبعض من رجال القبيله : _أخبرنى أيها الاعمى ، هل ترى أننا سنهبط إلى البحر فى عهد الاشهب . بينما يقلب الحطب يمينا ويسارا حتى تتأجج النار وتعلوا أكثر قال لهم: _ لقد قلتها بالسانك ، انا اعمى، ومنذ متى ايها الابله يدرك الاعمى ما تخبأة شمس الغد . ضحكوا جميعا حتى تبعت ضحكاتهم تجهم مع كلمات الاعمى : _انا ادرك فقط الظلمة التى نحملها داخلنا ، وارى أن ظلمتنا تلك ستلتهم قريبا كل شئ يقف فى طريقها. ومع تأكل الحطب شئ فشئ وخفوت وهج النار حتى بات جمرة خجولة ، كانت الصورة تنسحب ببطأ إلى مكان اخر ، بيت مصنوع من الطين اللبن فى القرية قريب من البحر ، تسكنه امرأة فى السابعة والثلاثين من عمرها ، توقفت عن الكلام منذ سنوات طويلة ، تجلس على كرسى خشبى يهتز ليحرك جسدها المتصلب ، فى حجرها يوجد وشاح ينسدل على اقدامها المبتورة ، وامامها يجلس بدر ، الذى كان يعتنى بها ، فهو وحيدها وهى أمه ،نعيمة ، قال لها بدر بينما يجهزها للأغتسال: _لقد رأيتها اليوم يا أمى، الفتاة التى ستكون قرة عينى ، تلك التى حدثتكى عنها من احلامى. لم تنظر له ولم تكترث لكلماته كما كان الحال طيلة العشر سنوات الماضية عندما تبدل حال هذا البيت من حلم جميل إلى كابوس محاط بأربعة جدران ، زوجة مكلومة ، وولد يتيم بات شاب يحمل الاسى على ظهره حتى يكاد يقسم إلى نصفين ، ولكنه لم يشتكى ولم تبدوا عليه أى علامة من علامات الحزن ، هو قوى لاجلها ، لانها بحاجة له ، كطفلة رضيعة لا تدرك الدنيا ولكنها تتشبث بقدم والدها حتى تنجو من سيل الحياة . يمسك الاسفنجة فى يده اليسرى ويزيح الوشاح من على ساقة ويبدأ بتمريرها على جلدها شئ فشئ بينما كان يغنّي: — يا عجوز يا جلد، من أعطاكي ده الولد؟ قالت: وجدته على جزيرة، والبحر منه شرد، وجدته على جزيرة والبحر منه شرد . بينما يردد تلك الكلمات نرى صورة بدر تظهر فى حدقات عينيها لتذكرها بيزيد ، عيونها تحكى لنا عن مصاب حبيبها ولكن لسانها مازال معقود فى حاله حداد لا تنتهى . لقد كانت حسناء من قبل ، وقدماها كانتا يلامسان رمال البحر ويتغلغلان بين اصابعها ، يهجرها حبيبها عند مطلع الفجر ، وتظل تنتظره كل يوم بترقب واضعة يدها على صدرها خوفا من أن يصيبة مكروه فى عرض البحر ، وفى يوم ما ، رأت تلك الاسماك الميته ملفوظة على الشاطئ جوار بدر الذى كان جثة هامدة ، لم يكن عليه اثار لأى أعتداء فقط جسد بارد متصلب كأنه قطعة خشب باليه ، وعينان مفتوحتان على مصرعيهما بيضائتين تماماً ، وقتها فقدت النطق ، ولكن لا أحد يعرف ما الذى حدث لها بعد ذلك ، لم تخرج من البيت منذ ذلك الوقت ، واصبحت ملقبة بالخرساء بين اهل القرية . بعد أن أنتهى بدر من تنظيف أمه، راح يحطم لها كسرات الخبز حتى يطعمها اياها شئ فشئ ، ومع بلوغ الليل مداه، تردد النداء المعتاد من مئذنة الجامع الكبير ، نداء يحذر من الصيد فى المساء بتعليمات من ياقوت وينادى على كل من يقف على الشاطئ حتى يعودوا إلى بيوتهم.