أبو البلاوي - أبويا اشتغل راقصة!
أبويا اشتغل راقصة!
رحلة بحث عن واظيفة
الفصل الأول" أبويا اشتغل راقصة؟! "
"دوائر كبيرة وصغيرة تحيا بها لحظات لطيفة ومشاغبة، والحياة تقف تشاهدك وتستمتع بكل سعادة، لتأتي بمكرها وتفسد سعادتك بقلب يطير فرحًا."
___________________
الثامنة صباحًا، يوم لطيف على البعض، يمرحون مع السحب في مشاغبة لطيفة معتادة بينهم.
والشمس تبعث الطمأنينة إلى النفوس، الطيور تغرد بسعادة وهي تتراقص فوق الأغصان المتمايلة على صوت الرياح الهامسة، والبيوت القديمة تقف بثبات محارب خاض معارك عاصفة بكل قوته، دون أن يهتز من قسوة العواصف الغادرة.
قرب منزل ساكن بدا متجمد، الصمت احتلّه وفرد ذراعيه على الأجواء، مطلي بالألوان البيضاء ويمزج الزهري معه في تحالف وثيق لا يمكن الفكاك منه.
رائحة طعام الفطور الشهية تغزو الأجواء، داخل بيت صغير هادئ لا يوجد به ضوضاء، فقط صوت التلفاز يخترق هدوء العاصفة بصوت قناة المجد للقرآن الكريم.
ورائحة البخور تدور بتناغم بين أروقة الغرفة، داخل غرفة إعداد الطعام يقف رجل بلغ الخامسة والستين عامًا، يحرك خصره بحركات راقصة يدندن بصوت نشاذ كلمات إحدى الأغاني الشائعة، وجسده الثمين يهتز من فرط المجهود الذي لا يعتاد عليه.
تحرك الرجل نحو الرَّدهة، يقف أمام التلفاز ويقوم بالعبث به قليلًا قبل أن يصدح صوت امرأة يخترق سكون الغرفة بل المنزل بأكمله، وهي تقول بكل نشاط:
_واحد... اثنان، حرك خصر ودوِّر... يمين... هيا يسار.
_ أيوه كده يا أستاذة، لعلعي بصوتك القمر ده.
صدح صوت الرجل وهو يهز جسده بحركات عشوائية لا تتناسب مع الحركات التي تقوم المدربة بفعلها في التلفاز.
توقف يأخذ أنفاسه بعنف وهو يتجه نحو الهاتف الموضوع فوق الطاولة، يضغط على أحد الأشياء بعشوائية قبل أن تشتغل أغنية شعبية تستعمل في الاحتفالات: "دلعني في حبك دلعني"، وجذب وشاحًا ولفَّه على خصره يتراقص بكل بلاهة ويقوم بفعل التمارين بالوضع الخاطئ، ولا ينتبه إلى الذي يقف ويرمقه بصدمة احتلت وجهه قبل أن يصرخ بنبرة مزعجة أوقعت العصفور من فوق النافذة وهو يشاهد ما يحدث باستمتاع:
_يلهوي! أبويا أشتغل راقصة!
توقف أمام والده الذي تثبَّت جسده عن الحركة بلا وعي، قبل أن ينتفض جسده بهلع كمن أُمسك بسارق وهو يسرق قطعة حلوى في عيد الميلاد.
_في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟ بتزعق ليه يا حيوان أنت؟ خوفتني... هو الواحد ما يعرفش يرقص؟
جحظت مقلتاه البنيتان بهلع وهو يعدل من حديثه بتلعثم، وهو يجد ابنه يرمق بنظرات القاتلة، تحرق حيًّا:
_ يلهوي! رقص إيه بس؟ قصدي بتمرن... عشان أخس.
عقد حاجبيه الأسودين السميكين باستغراب وهو ينظر إلى هيئة ابنه الفوضوية بفضول، تساءل وهو يرفع حاجبيه بترقّب:
_ إيه اللي مصحيك دلوقتي يا عطل؟ مش كنت بتقول هصحى على العصر؟
شهق الآخر باصطناع شهقة امرأة تجاوزت الأربعين، وهي تفزع من ضرب الأطفال لأبنائها.
يضع يديه حول خصره يتخصر بانزعاج، والغضب يشتعل في حديقته الزرقاء التي سرقها من والدته الراحلة:
_إيه بتقول؟! إيه اللي مصحيني؟! ده على أساس إني أطرش مش هصحى على صوت الفرح المعمول ده؟
_ ولد! قصدك إيه؟ يعني إني أنا السبب؟
هز رأسه بأجل وهو ينتظر أن يستمع إلى اعتذار أو ندم، لكن كل ما حصل عليه هو خُفّ يرتطم في وجهه جعله يأخذ الأريكة بالأحضان ويسقط للخلف، يلي صوت والده يخترق قوقعة عقله جعله يفقد النطق لدقائق ووجهه بتشنج وهو يشعر ببودر شلل.
_يلا يا عاق! بتقولي كده في وشي؟ اسفوخس عليك! عيل عاق! امشي مش عاوز أشوف خلقتك المعفنة.
أنهى حديثه ثم تركه ورحل بكل بساطة، بينما وقع "مروان" يستغفر ربه وهو يبكي، يهمس لذاته بنبرة مليئة بالبكاء من أفعال أبيه التي ستصيبه بجلطة في يوم:
_ يارب ارحمني يارب... بقى ده أب ده؟ ده لو مرهق مش هيعمل فيا كده... ده أنا وأنا صغير ما عملتش كده.
غمغم بحديث ليس له معنى وهو ينهض من على الأرض الرخامية، ويعدل من ثياب النوم، ينزل أطراف البنطال من على قدميه حيث ارتفع حين سقط، وقام بتعديل الأريكة مجددًا وهو يهمس لها باعتذار ويربت عليه برفق كمن يربت على طفل صغير يبكي:
_سامحيني يا غالية، لمؤاخذة جت فيكِ... وأنتِ حمّالة قاسية، كل حاجة بتيجي فيكِ.
عدل خصلاته السوداء المنسدلة من على وجهه الحنطي، يزفر بضيق وهو يتجه إلى غرفته، مرت الدقائق وابتلعها مثلث برمودا بسرعة هائلة.
انفتح باب الغرفة مرة أخرى، ويدلف إلى الرَّدهة "مروان" يسير بكل بطء وجاذبية، يرتدي قميص أسود أسفله بنطال من ذات اللون، وينتعل حذاءً أسود كالليل الحالك، ورائحته العطرة احتلت الأجواء بكل مشاكسة.
يقترب ببطء نحو مجلس والده بهيئة تخطف القلوب، وخصلاته السوداء المتمايلة بكل دلال إلى الوراء، توقف أمام والده يقبِّل رأسه بحنان لا يستطيع أحد نزعه منه، وكأن الحنان زُرع بداخله فقط.
_بابا، أنا رايح مقابلة شغل، ادعيلي يقبلوني بالله عليك، محتاج حاجة مني أجيبها وأنا راجع؟
رفع "سيد" أنظاره البنية من على الهاتف، يرمقه بحب، نهض يضمه برفق، وهو يجيبه بنبرة هادئة، وبسمة لطيفة غزت ثغره ووجنتيه المكتظتين اللتين تضمان بعضهما البعض في عناق العشاق:
_حبيبي، إن شاء الله ربنا هيوفقك المرة دي وتلاقي شغل كويس... تفاءل بالخير تجده.
رَبَت على كتفيه بفَخر وهو يقول بنبرة هامسة نوعًا ما وبخجل طفيف يطغو عليه:
_روح عشان ما تتأخرش، وابقى هاتلي معاك كندي وإنت راجع.
_ حاضر يا بابا... مع السلامة.
_في رعاية الله يا حبيبي.
غادر "مروان" بخطوات تبتلع الأرض أسفلها لكي لا يتأخر على موعده ويُؤخذ عنه انطباع سيئ، بينما وقف "سيد" يضع يده على خصره ويبدأ التمرين مرة أخرى ويصدح صوت الأغاني في الأرجاء، يهز جسده بمرونة:
ـ يلا واحدة... اتنين... يمين وهوب شمال.
"أين أنتِ يا مَن أحتلت الوجدان وتركت ذكريات الماضي داخله، أيغفر القدر أخطائي ويعيدكِ لي مجددًا!، أو ربما بعض الأخطاء لا تزول."
••••
"الوقت يسير وأنت تسير، والطريق أمامك طويل لا ينتهي، الآمال تتدفق واليأس يغمر القلوب كالفيروس القاتل، يدمر الأماني في لحظات طفيفة، تجلس حزينًا تهمس للأشجار: يا ليت الألم لا يأتي."
الهواء يدور في دوائر لا متناهية، والطيور تنشد أنشودة رائعة تخطف القلوب وتسرّ الأنظار، والأوراق تتمايل في سباق الوقت.
السيارات تتسابق مع رفاقها في الطرقات، تنتظر أن تتوقف إحداها لك، ولكنك أبله لا تعلم أنهم لا يتوقفون إلا حينما يريدون.
يركض "مروان" بأنفاس متسارعة بين الطرقات، يتفادى هذا ويصطدم بذاك، وقبل أن يكمل ركضه توقفت أقدامه بهلع وتيبس جسده وكأنه سقط من أعلى الجبل.
ابتلع لعابه بتوتر وارتجفت يداه، حملق بأنظاره بجميع الجهات قبل أن يقرر أن يمضي مجددًا، لعل صاحب الصوت لم ينتبه له، لكن باتت محاولة وأمنية بالفشل وهو يجد الصوت يتردد مرة أخرى.
سبَّ نفسه بصوت منخفض وهو يضع يده على موضع قلبه الفازع، يضغط على ثغره بعنف يكاد يمزقه:
_حسبي الله فيا! يعني كان لازم أمشي من هنا؟! قابل بقى يا فالح.
رسم ابتسامة مزيفة على وجهه وهو يستدير للوراء، ويقترب من تلك السيدة التي تجاوزت الثمانين عامًا، ودائمًا تضع أنفها في حياة الآخرين وخاصةً حياته هو بالأخص:
_نعم يا أم عادل... اتفضلي.
_بقولك، رايح فين يا واد يا مروان ومتشَيِّك كده؟
صمتت قبل أن تشهق بفزع جعلته يتراجع للوراء بحذر مضحك:
_تكونش رايح تخطب؟! آه يا سوسة أنتَ.... رايح تخطب ومش معرِّف حد عشان ما تجيبليش جاتوه يا معفن!
تشنج وجه "مروان" وهو يشير إلى ذاته بعدم استيعاب، يغمغم بنبرة متلعثمة من أثر الصدمة:
_بقى أنا معفن يا أم عادل؟! وحتى لو رايح أخطب، أجيبلك جاتوه ليه يا هانم أنتِ مش عندك السكر؟
صمت، يبتلع لعابه بانزعاج وهو يرفرف بأهدابه بسرعة فائقة، يزفر بخنقة من حديثها الثرثرة، قبل أن يقول بتسرع ووقاحة وهو يهم بالركض:
_ أنتِ حتى لو خطبتي مش هجبلك جاتوه! وأنا مش رايح أخطب أصلًا عن إذنك، نكمل الخناقة بعدين.
أخذ يركض بخوف يخشى أن تتبعه، تنهد براحة وهو يجد سيارة أجرة تقله حيث مكان عمله الجديد، يهمس أن يُقبَل بهذه الوظيفة وأن يجد عملًا بدلًا من أن يستمع لتوبيخ والده ليل نهار بأنه بلا عمل…. يتبع
رأيكم في الفصل ومتنسيش التصويت القمر زيك ❤
هلايا تحبكم
دمتم بخير ❤
إلهام صبحي الدالي "هلايا"
الفصل الثاني "مترجم على ما تفرج!"
________________
"الحياة تُرسل لك فرصة في صالحك، عليك فقط أن تأخذ فرصتك الفضية، قبل أن تُسلب منك بكل وقاحة."
أمام مبنى شاهق الارتفاع، تتأرجح الرياح أمامه بكل دلال، تُرسل أشعة الشمس أسهُمها على نوافذه زرقاء اللون بمشاغبة، تنتظر أن يتذمر المبنى لتتشاجر معه بكل سعادة وهي تُحقق انتصارًا آخر يُضاف إلى قائمة انتصاراتها العظيمة.
تسلّل شعاع صغير إلى رُدهة هذا المبنى، يعبث في جميع أرجاء الغرفة، يسقط على هذا، ويداعب وجه ذلك، قبل أن يتوقف بخوف وهو يرمق شخصًا ينظر بضيق ومن وقت إلى آخر يتنهّد بيأس.
ابتعد الشعاع المشاغب للخلف يبكي بحزن على حال الآخر وهو يشاهد تملّك اليأس منه، بكل قوته يعبث بأمله.
نهض "مروان" يسير بالرواق بكل يأس، يزفر بضيقٍ اقتحم صدره وهو يُشاهد عددًا كبيرًا من الأشخاص ينتظرون دورهم في المقابلة، وهنا تيقّن هو أنّ فرصة تعينه أضحت مستحيلة.
وضع يديه على جبينه يُدلّكه ببطء لعلّ هذا يُخيف الألم الذي وجد فرصته في العبث بعقله، استند على الحائط الأبيض، يرفع أنظاره الزرقاء إلى السماء يأمل أن تحدث معجزة ويُقبَل.
_استحال أُتقبل، مع الناس دي كلها.
تمتم بغيظ وهو يصك على أسنانه بغضب تسلّل رويدًا إليه، رفع يديه يُبصر الوقت أمامه فوجد أن الساعة تخطّت العاشرة، ضيّق مقلتيه بهيئة مضحكة، يهمس بصوتٍ منخفض لكي لا ينتبه أحد إليه وهو يُحدث ذاته ويُعتقد مختلًا:
_كل ده من أم عادل، هي السبب، لو ماكنتش وقفتني كان زماني دخلت الأول وأبهرتهم بشطارتي.
اعتدل في وقفته منتبهًا وهو يجد الجميع يغادرون بهلع وكأنهم شاهدوا وحشًا هاربًا يركض خلفهم، اقترب من الموظفة يتساءل بفضول يشعّ من عينيه التي تلمع بالحماس:
_لو سمحتِ يا مدام هم مشيوا ليه؟ المقابلة خلصت؟
صاحت الفتاة بحدة وبنبرة مستنكرة وهي ترفع طرف ثغرها بتشنّج، وتشير إلى ذاتها بلا استيعاب:
_مدام! مين دي اللي مدام يا أعمى البصر والصفيرة؟ يا أحول خلق الله، أنا مدام إزاي يعني؟
انتفض "مروان" بهلع للخلف وهو ينظر لها بعدم تصديق على ارتفاع صوتها هذا: ماذا فعلتُ أنا لكي تغضب إلى هذا الحد؟
تلبّك بحديثه يصارع لتهدئتها قليلًا لأجل أن يعلم أين ذهب الجميع، أردف مرتبكًا وهو يبتلع لعابه بتوتر وأعينه تدور في جميع الجهات:
_مطلقة يعني... أنا بعتذر يا ستي، ماخدتش بالي، وبعدين مش مهم يعني، الإنسان بيغلط عادي.
حكّ لحيته المنمّقة بتوتر وعقد حاجبيه بدهشة:
_وبعدين إيه البصر والصفيرة دي؟ اسمها يا أعمى البصر والبصيرة يا أستاذة.
أنهى حديثه ببسمة بلاهاء مستفزّة، أكمل قائلًا وهو يستند بذراعيه على مقدمة المكتب الخاص بها، وهو يرفرف بأهدابه السوداء الكثيفة وبسمة غبية اقتحمت ثغره، كشفت عن غمزته الطيفة:
_وعلى فكرة أنتِ مش مهتمة بشغلك، لسه ماقلتيليش برضه الناس راحوا فين؟
أشارت الفتاة إلى نفسها بتشنّج، وهتفت بعدم استيعاب:
_أنا مطلقة؟... أنا؟... وكمان مش مهتمة بشغلي؟ أنا كل دول؟
انتفضت تصيح بنبرة غاضبة وهي تقترب وتمسك بياقة قميصه، تجذب رأسه الصلبة إليها وتمسك باليد الأخرى حافظة الطعام وتضربها برأسه بعنف وهي تصرخ بنبرة أتت على أثرها العصافير تُشاهد:
_آه يا حيوان! بقى أنا مطلقة يا أحول؟ بقى ده شكل واحدة مطلقة؟.... أنا آنسة!
_يا ستي أنا مالي مدام ولا مطلقة ولا حتى آنسة، هو أنا هروح أطلعلك بطاقة؟ سيبيني!
تجمهر الموظفون حولهم يصارعون لإبعاده من تحت أنياب الفتاة الغاضبة، بينما هو يصيح صارخًا وهو يسبّها ويسبّ أم عادل وكل مَن أوصله لهذه الحالة:
_يا ولية ابعدي عني! بقولك سيبيني مش عاوز أتغابى عليكِ!
شهقت بعنف وجحظت مقلتاها الرماديتان، ارتجفت شفتاها ببكاءٍ مصطنع وهي تلمح قدوم المدير راكضًا بسبب الجلبة التي افتعلتها، نبست بخبث وأشارت لزملائها ببكاءٍ مصطنع:
_تتغابى عليا؟ أنا عملتلك إيه يعني لكل ده؟ هتمد إيدك على واحدة مكسورة الجناح زيي؟ اخس على الرجولة!
_ما إيه ياختي؟ مكسورة الجناح؟ يكشّ يكسروا جناح يا شيخة! اشحال لو ماكنتيش طاحنَة راسي تحت إيدك!
_في إيه؟... إيه اللي بيحصل هنا ده؟
أدار "مروان" رأسه نحوه يشير له باستخفاف، ولم ينتبه أنه يُحدث مالك الشركة:
_يا عم اقعد دلوقتي، روح اعرف من أي حد وتعال كمل.
استدار مرة أخرى للفتاة وهو يضرب على مكتبها يصيح بها بنبرة مرتفعة، وأعينه تُطلق شرارًا يحرقها حيّة:
_اخلصي يا وِلية، هتقوليلي هم مشيوا ليه ولا أجيبك من حواجب الساحرة الشريرة؟
_أنتَ يا بني... أنتَ يا أستاذ غضبان، أنتَ كلّمني أنا بقولك.
_يوه بقى... نعم؟ اتفضل يا أستاذ.
_إيه اللي بيحصل هنا، وإيه الزعيق ده؟ إحنا في شركة مش في الشارع للكلام ده!
زفر "مروان" بضيق وهو يتخلّص من الذين يمسكون به لكي لا يضرب زميلتهم، أردف بسخرية لاذعة وهو يرمقه الذي أمامه باستخفاف:
_والله أنا محترم إن دي شركة، بس الأستاذة مش عارفة ده! أنا مقدم على وظيفة مترجم هنا، تمام؟
صمت يبتلع لعابه وهو يتنهّد بانزعاج، المحيط به يكره التجمعات وهو الآن محاط بكمّ كبير من البشر:
_فجأة لقيت الناس اللي مقدمة زيي على نفس الوظيفة مشيوا كلهم، استغربت.
_طب فين المشكلة وسبب الخناقة دي؟ مش شايف!
_استنى بس عليا جايلك في الكلام، وبعدين الأستاذة ماجاوبتش على سؤالي ومِسكة في كلمة "مدام".
صمت "مروان" يُرسل إليها أسهمًا قاتلة، ثم أدار رأسه إلى الواقف أمامه وأكمل باحترام كبير لكي لا يفقد فرصته بسبب بلاهاء:
_وبعدين حضرتك أنا هاعرف منين إنها آنسة؟ دي غلطة يعني، وكل إنسان بيغلط.
_طب خلاص، أستاذة هبة أكيد مش قصدها، صح؟
_أيوه يا فندم أنا بعتذر على التصرف ده.
همست بحديثها وهي تُشير في الخفاء بعلامة القتل، ابتسم "مروان" بتشفٍّ إليها ثم قال بدهاء:
_حضرتك دلوقتي أنا عايز أعرف هم راحوا فين، حد اتعيّن طيب عشان أمشي ولا أتنقّل مكان المقابلة؟
_لا يا...
_مروان يا فندم، مروان سيد العربي.
هزّ رأسه بتفهّم وهو يُشير إلى مكتب آخر في آخر الرواق:
_تمام يا مروان، تعال معايا، وشدّ حيلك عشان ده مش إنترفيو عادي، دي مقابلة مهمة هترجمها فيس تو فيس.
أخذ يسير معه وهو يستمع إلى التعليمات التي يُمليها عليه، بأنه إذا نجحت الصفقة سيتم تعيينه دون عوائق، والآن عليه فقط أن يُترجم حديث مندوبَي الشركة الإيطالية إليها وأن يستخدم مهارته الكبيرة.
"أنا الفائز في رحلتي، وأنا المقاتل في معركتي فمن أنتَ لتوجهني؟." ….. يتبع
رأيكم في الفصل ومتنسيش التصويت القمر زيك هلايا تحبكم ❤
دمتم بخير ❤
إلهام صبحي الدالي "هلايا"
الفصل الثالث والأخير "أكل عيالي!"
________________
"محاط بالمغفلين في كل مكان، يتسابقون لنيل مني لأجل الفوز، أقف بشجاعة كبيرة أعلم أن القادم ليس سهلًا، وأن المخاطرة لا بد منها، الحياة لعبة، والفائز في نهايتها هو الذكي."
الثامنة مساءً، غادرت الشمس بتثاؤب وكسل، وحل الليل يشعل أجواء الحفلة، أضاء القمر بضوئه الجذاب وساعدته النجوم اللامعة في إضاءة الأجواء الحالكة قبل أن تأتي غيمة حزينة وغاضبة، تتسلل نحو القمر لتُخفي ضوءه بانزعاج.
ثارت الرياح بقوتها تطيح كل مَن أمامها، تشبثت الأشجار بجذورها بقوة لعلها تنجو من غضب السحاب.
الرياح تهمس بتعاويذ قاتلة، تصرخ بكل قوتها وهي تضرب الأرض بأمطارها الرقيقة، نقطة تلو الأخرى تتسابق للسقوط على الأرض وتغمرها بالمياه.
رائحة الأمطار تهرب إلى كل منزل وتسكن به، تنعم بدفئه، قبل أن تلهو حول أنوف الجميع باستمتاع، ليشمّ الجميع رائحتها الجذابة.
يسير "مروان" بين الطرقات بحزن يطغى على وجهه وهو يتذكر ما حدث معه في المقابلة، زفر بضيق وهو يعاتب ذاته على غبائه.
سقط في بئر ذكرياته إلى ما حدث قبل قليل فقط، لا يعي بتساقط الأمطار عليه، كل ما يشغل عقله: لِمَ لم يقبل؟ ماذا فعل لكل هذا؟ غامت عيناه بحزن عميق وعقله يجذبه لتذكر ما حدث بكل دقة وكأنه يشاهده فيلمًا على شاشة كبيرة.
دلف "مروان" غرفة الاجتماعات الكبيرة حيث المقاعد السوداء المنقوشة بنقوش ذهبية مرتصة بنظام كبير، رفع عينيه يبصر الأضواء القوية، والنافذة تبعث الضوء إليها بكل شجاعة، ابتلع لعابه الجاف وهو يجد جميع الأنظار مسلطة عليه، خائف، أجل كثيرًا، يشتم رائحة التوتر تطوف في الأجواء.
هو يهلع من وجود كمٍّ كبير من الناس ويفقد ثباته بسرعة فائقة، تنهد وجلس في المقعد الشاغر وهو يستمع إلى حديث المندوب الماثل عن الشركة الإيطالية.
_ حسنًا سيد سليمان، شركتنا تقبل بالصفقة الخاصة بكم ولكن بشرط النسبة الكبيرة لنا نحن.
هز "مروان" رأسه بهدوء وهو ينظر إلى المدير يخبره بكل إتقان وثقة:
_ بيقولك إن الصفقة بتاعتكم مش هتمشي معاهم غير لما ياخدوا نسبة كبيرة ليهم ويسبّلكم الفتافيت.
عقد "سليمان" حاجبيه بترقب وهو ينظر إلى "مروان" الذي يطالع بثقة كبيرة وبسمة بلَهاء على وجهه:
_ هو قال كده؟ متأكد؟
_ عيب عليك يا فندم، هكدب عليك يعني؟ أنا أعرفك منين أصلا عشان أحوّر عليك؟
تحمحم "سليمان" بضيق وملامح البرود كست وجهه، نبس ببرود إلى "مروان" وهو يشير إليه بالترجمة:
_ قوله إن إحنا شركة كبيرة مش بنتهدد، وأي شركة غيرهم تتمنى الصفقة بتاعتنا تكون معاها.
أومأ "مروان" وهو ينظر إلى الآخر يتابع حديثه بنبرة واثقة:
_ سيد أنطوين، سيد سليمان يخبرك أنكم مستغلون، وهم لا يتشرفون بأشخاص مثلكم، وأن هناك مئات الشركات التي تتلهف على صفقة كهذه من شركتنا.
_ أخبر سيدك أنه سيندم كثيرًا على حديثه، وأن سيدي سيجعله مثل الجرو يلهث ويقبّل أقدامه لأجل عقد صفقة معه، ولن يحدث.
_ أحيه... يلهوي، طب هقول إزاي بس؟ أخاف أقوله كده يضربني أنا؟
غمغم "مروان" هامسًا وهو يضرب وجنتيه بخفة، استفاق على صوت "سليمان" المتسائل وهو يجد المندوب يتمتم بغضب وينظر له:
_ في إيه؟ هو قال إيه خلاهم شبه المطلقين كده؟
ابتلع "مروان" لعابه وهو يهمس بخفوت، ويرفرف بأهدابه بهلع:
_ بلاش تعرف.
_ نعم؟... أنت بتهزر يا مروان؟ قول حصل إيه؟
_ طب افتكر إني قولتلك بلاش.
نهض "مروان" يقف بعيدًا وهو يخبره بالذي قاله الآخر، انتفض "مروان" يصرخ بخوف وهو يختبئ من الشجار القائم الذي حدث عندما أنهى حديثه وكأنه أشعل قنبلة موقوتة انفجرت به.
شهق "مروان" بخضة وهو يعود من شروده على شدة الأمطار التي أغرقت ثيابه، وتلتها قذيفة ماء سقطت عليه:
_ يلهوي! الهدوم اتبلت، طب أنا كنت مستحمي الصبح ومش عايز أستحمى تاني! ليه كده بس يا أم سماح؟
_ يوه، يا المؤاخذة يا مروان يا بني، ما خدتش بالي، أنت شايف الدنيا بتمطر وغرقت البلكونة، معلش بقى.
غمغم ببكاء مصطنع وهو يتحسر على ثيابه الجديدة ويشمّ رائحته التي أضحت مقرفة، بشمئزاز:
_ إنتِ متأكدة إنها مية شتا مش مية مجاري؟ إيه الريحة دي!
أخذ يسير ركضًا وهو يتجنب السير أسفل المنزل لكي لا يتلقى دفعة أخرى من الماء، تيبّس جسده وهو يستمع إلى صوت "أم عادل" تصيح بثرثرة:
_ واد يا مروان! بقولك يا واد تعال نكمل الخناقة... يوه! إنت يا ولا رايح فين؟ شايفاك.
_ بعدين يا أم عادل، ريحتي معفنة هتسد نفسك.
صمت بخبث وهو يقترب منها ببسمة ماكرة:
_ ولا أقولك، أنا جيلك، يمكن الريحة تقضي عليك ونخلص.
_ ابعد يالا... إياك تيجي، بدل ما أصرخ وألم عليك الناس وأقول بيتحرش بيا!
تيبّس جسده بصدمة وابتسم بعدم تصديق، انحنى يتنفس بعنف من ضحكاته وهو يقول من بين أنفاسه الهاربة:
_ أتحرش بيكِ إيه يا ولية! على آخر الزمن أتحرش بواحدة من أيام الفراعنة؟
هز رأسه بهستيرية وهو يضرب يديه ببعضهما وهو يغادر إلى منزله، دقائق فقط ووقف أمام باب منزله، كاد يطرق الباب ولكنه تذكر آخر مرة تشاجر مع والده بسبب هذا.
زفر بخنقة من الأحداث العبثية التي حدثت معه اليوم وكأنه كان يحلم أحد أحلامه الموازية، ابتسم بسخرية وهو يتذكر كيف عانفه المدير وأخبره أنه فاشل لا يصلح مترجم، ولا يعلم كيف تخرج، وبسببه كاد يفقد صفقة كبيرة:
_ ده على أساس إني اللي شتمته! وبعدين أنا مالي؟ أنا قولتله اللي حصل! يلا، ملهمش في الطيب نصيب.
وضع المفتاح في الباب وأداره ودلف ببطء وأغلقه خلفه، وقذف المفتاح على الطاولة بلا اهتمام، عقد حاجبيه بتساؤل وهو يجد المكان هادئًا على غير المعتاد:
_ هو بابا فين؟ البيت هادي كده ليه؟
جحظت عيناه بفزع على ما دار برأسه، وضع يديه على شفتيه وانتفض جسده:
_ ينهار فسدوقي! ليكون عملها واتجوز على المرحومة أمي زي ما بيقول؟
هز رأسه بلا وهو يسير ببطء نحو غرفته حيث استمع إلى صوت همهمات خافتة تصدر منها، توقف وأمسك بين يديه عصًا صغيرة يحمي نفسه بها من المقتحم الغامض، أدار مقبض الباب ببطء ثم فتح الباب في سرعة فائقة، سقطت العصا من يديه وتشنج وجهه، جحظت عينه الزرقاء وهو يجد أمامه والده يلتهم المثلجات خاصته في الظلام ووجهه ملطخ بها.
صرخ وهو يشعر بجسده يؤلمه، وضع يديه على موضع قلبه وسقط على الأرض فاقدًا للوعي وهو يهمس بخفوت وصوت متحسر وهو يرى أطفاله تأكل أمام أنظاره:
_ شقى عمري في التلاجة! شقى عمري يا كفارة... حسبي الله...تمّت بحمد الله
رأيكم في النوفيلا ❤
دمتم بخير هلايا تحبكم ❤
إلهام صبحي الدالي "هلايا"