ما وراء الظل (صفحة ٣١٣) كاملة | للكاتب أحمد فتحي جاد
ما وراء الظل (صفحة ٣١٣)
بين ممرات الأزهر العتيقة وشوارع الإسكندرية الغارقة في الضباب، تطارد "الصفحة 313" ضحاياها. هي ليست مجرد ورقة في كتاب ممنوع، بل كيان حيّ يتغذى على العقول، ومن يسمع صوت تقليبها.. ليس أمامه سوى تسع ليالٍ من الجحيم.
برنامج «ما وراء الظل»
الحلقة الخاصة – ضيف الليلة: الشيخ صفوان بن عيسى
الاستوديو مُضاء بنور دافئ خافت، وموسيقى هادئة منخفضة، والجمهور يُصفّق بحرارة، لكن باحترام.
المذيع:
مساء الخير على حضراتكم… حلقة الليلة مختلفة… معنا الرجل الذي تتحدث عنه مصر كلها منذ شهور… الذي حرّر قرية النور من لعنةٍ استمرت مائةً وثمانيةً وأربعين عامًا… والذي كرّمه فخامة الرئيس بنفسه… فضيلة الشيخ صفوان بن عيسى… أهلًا بك يا شيخ.
الشيخ صفوان (بابتسامة هادئة):
بارك الله فيكم… وحفظ الله مصر وأهلها.
المذيع:
قبل أن نبدأ… نود أن تعرّفنا بنفسك أكثر… من هو الشيخ صفوان؟
الشيخ صفوان:
أنا رجل بسيط من محافظة المنوفية… بدأت أرى ما لا يراه الناس منذ صغري… تعلّمت القرآن والرقية الشرعية على يد جدّي رحمه الله… ومنذ ذلك اليوم وأنا أسير في طريق محاربة ما يؤذي الناس مما لا يرونه.
المذيع (بهدوء):
حلقة الليلة طويلة… لأن الحكاية طويلة…
معنا الشيخ صفوان بن عيسى… رجل عادي جدًا من المنوفية… لديه علم بالقرآن والرقية الشرعية… فقط…
من دون قوة خارقة، سوى العلم والإيمان واليقين بأن الله سينصر الحق ولو بعد حين.
ما هو شعورك بعد هذا التكريم الكبير؟
الشيخ صفوان:
أنا سعيد بالطبع… لكن أكثر ما أسعدني هو عودة الأطفال إلى أهلهم… وهذا الوسام أمانة في عنقي… كلما ارتديته تذكّرت أن هناك حكاية جديدة تنتظرني.
المذيع:
حسنًا… ما أغرب حكاية مررت بها في مشوارك كله؟ حكاية لم تحكها لأحد من قبل؟
الشيخ صفوان (يتنهّد، يشرب رشفة ماء، ثم يبدأ بهدوء):
بدأت الحكاية عام 2021…
كنت في المنوفية، واتصل بي شيخٌ من الجامع الأزهر بنفسه… قال لي:
«يا صفوان… هناك ثمانية وثلاثون طالبًا من قسم المخطوطات اختفوا… طالب واحد كل يوم…
وكانوا جميعًا يقرؤون كتابًا ممنوعًا… لأننا وجدنا في غرفهم ورقةً مكتوبًا عليها:
من يقرأ الصفحة 313 سيأتي ليقرأها مرةً أخرى في الأسفل».
ذهبت إلى القاهرة في اليوم التالي… ودخلت الجامع بعد صلاة العشاء…
أخذني شيخ الجامع إلى ممرٍّ سري خلف المحراب…
سُلّمٌ قديم، ثلاثمائة وثلاث عشرة درجة بالضبط… نزلنا ببطء…
كان الجو رطبًا وباردًا… ورائحة ترابٍ قديم تملأ المكان…
وصلنا إلى قاعة صغيرة تحت الأرض… جدرانها من حجرٍ أسود…
وفي وسطها منصّة خشبية… وعليها كتاب كبير مفتوح…
الصفحة 313 مفتوحة… والحبر ما يزال لامعًا… رغم أن الكتاب كُتب منذ ثمانمائة عام.
اقتربت لأقرأ…
فجأة سمعت صوت خطوات كثيرة خلفي…
التفتُّ… فوجدت الثمانية والثلاثين طالبًا واقفين في صفوف… أعينهم مفتوحة لكنها فارغة…
بدأوا يردّدون كلامًا غريبًا… يشبه الآيات لكنه معكوس…
ومع كل ترديد… كانت الأرض تهتز اهتزازًا خفيفًا…
وشعرت أن شيئًا يحاول اقتحام عقلي…
حاولت أن أقرأ الآيات التي كانوا يقرؤونها لكن بصيغة صحيحة…
إلا أنني كنت أرى خيالاتٍ سوداء تخترق ذهني…
بدأت أقرأ آية الكرسي بصوتٍ عالٍ…
فازداد صوتهم…
قرأت سورتي الفلق والناس ثلاث مرات…
اقترب مني أحدهم وقال بصوتٍ هادئ:
«اقرأ معنا… سترتاح».
شعرت أن صوته يجذبني…
فقرأت سورة البقرة من أولها… ورفعت صوتي…
واستمررت ساعةً كاملة…
حتى وصلت إلى آخر آيتين…
بدأ الطلاب يرتجفون… وسقطوا واحدًا تلو الآخر على الأرض…
وأُغلق الكتاب من تلقاء نفسه…
فتح أحدهم عينيه وقال لي:
«الكتاب أُغلق… لكن الصفحة هربت…
ستبحث عن قارئٍ جديد… في مكانٍ جديد».
ثم نام… وناموا جميعًا…
أخرجناهم… واستعادوا وعيهم في اليوم التالي… لكن لم يتذكر أيٌّ منهم شيئًا.
يشرب الشيخ صفوان الماء مرة أخرى… ويسكت لثوانٍ طويلة…
المذيع (بهمس):
والصفحة… إلى أين ذهبت؟
الشيخ صفوان (ينظر إلى الأرض، وصوته أخف):
بعد عامٍ كامل بالضبط…
اتصلت بي طبيبة نفسية من الإسكندرية… اسمها ليلى مراد…
قالت لي:
«لدي ثمانية مرضى انتحروا في أقل من شهر…
وكان كل واحد منهم قبل موته يردد الجملة نفسها:
أنا أسمع صفحةً تُقلّب… الصوت كأنه يكهرب دماغي».
وأضافت:
«آخر مريض كتب على الحائط بدمه:
الصفحة وجدت قارئًا جديدًا… وأنا التاسع».
ذهبت إلى الإسكندرية…
كانت العيادة في بيتٍ قديم بشارع فؤاد…
دخلت… فوجدت ثمانية كراسٍ في دائرة… على كل كرسي اسم مريض…
والكرسي التاسع فارغ…
كانت الدكتورة ليلى جالسة… وجهها شاحب… وعيناها محمرّتين…
قالت لي:
«منذ أن سمعت حلقتك العام الماضي… بدأت أسمع صوت صفحة تُقلّب في العيادة…
كل ليلة… الساعة الثانية…
وكل مريض يسمعها يموت بعد تسع ليالٍ».
جلست معها…
الساعة الواحدة وثمانٍ وخمسون دقيقة…
سمعت صوت ورقة تُقلّب… صوت خفيف… لكنه واضح…
بدأت الدكتورة تتكلم بصوتٍ ليس صوتها… صوت ثمانية أشخاص معًا…
وقالت:
«الصفحة 313 وجدت طريقها…
والآن تريد أن تُكمل في عقلٍ جديد… عقلك».
في تلك اللحظة فهمت…
الصفحة التي هربت من تحت الأزهر دخلت جسد الدكتورة ليلى…
وبدأت تكتب نفسها في عقل كل مريض…
كل من يسمع صوت الصفحة تُقلّب… ينتحر بعد تسع ليالٍ…
وأصبحت الدكتورة مجرد وعاءٍ للصفحة.
شعرت أن الكلام يتسلل إلى رأسي…
فبدأت أقرأ آية الكرسي…
فازداد الصوت…
قرأت الفلق والناس سبع مرات…
فسقطت الدكتورة على الأرض… وبدأت تتقيأ مادة سوداء…
لكن أصوات الذين كانوا يرددون الآيات المعكوسة ظلت في أذني…
واصلت القراءة… سورة الجن… سورة الصافات…
حتى وصلت إلى آخر آيةٍ في سورة البقرة…
فتوقف الصوت…
فتحت الدكتورة عينيها وقالت بصوتها الطبيعي:
«كنت أشعر أن شيئًا ما يقرأني… لم أكن أنا من يقرأ».
وعادت إلى طبيعتها… بفضل الله.
يسكت الشيخ صفوان طويلًا…
المذيع (بهمس):
إذًا… هل انتهى الأمر؟
الشيخ صفوان (يبتسم بتعب):
الصفحة احترقت…
لكن الحبر… ما يزال يبحث…
كلما حكى أحد هذه القصة… يشعر الحبر…
ويبدأ في البحث عن عقلٍ جديد…
فإذا سمعتم صوت صفحة تُقلّب في أي مكان…
أو حتى داخل عقولكم…
فلا تنصتوا…
اقرؤوا آخر آيتين من سورة البقرة…
وادعوا الله أن يحميكم.
المذيع (مخاطبًا الكاميرا):
انتهت حلقتنا الخاصة…
نشكر فضيلة الشيخ صفوان بن عيسى…
ونذكّركم بنصيحته الأخيرة…
إذا سمعتم صوت صفحة تُقلّب… اقرأوا… وادعوا…
ولا تحكوا القصة لأحدٍ آخر.
انتظروني الأسبوع القادم… في حلقة جديدة… وضيف جديد…
و«ما وراء الظل»… ما زال يحمل الكثير.