ملوك الظلال - الفصل الحادي عشر
الفصل الحادي عشر
إن الرجال لا يعرفون البكاء إلا على أشياء منحوها قداسة في قلوبهم ثم فقدوها بغتة.
مملكة النار تجهم وجه سديم حتى بدت تقاسيمه كأرض قاحلة ضربها جفاف مفاجئ، وانحسرت عيناه داخل محجريهما وهما تصطبغان بلون أحمر داكن غلب على شحوب بشرته التي بدت كأن الدماء غادرتها تماما. كانت نبضات قلبه تدق في صدره كطبل حرب غاضب، وشعر باضطراب حاد في أحشائه يجعله يغص بكل أنفاسه، وكأن جسده من الداخل يتمزق بصمت. تحرك بخطوات ثقيلة وغير متزنة، مدفوعا بقوة داخلية لم يدرك كنهها، ليجد نفسه وسط ساحة القتال الصاخبة التي تضج بعرق الجنود وهم يتدربون، ترك خلفه جارج تحت رعاية حكيم القصر، ذلك الرجل الذي كانت تنبعث منه رائحة نفاذة لأعشاب قديمة ومتعفنة. وقف سديم بمواجهة أقوى مقاتلي المملكة، أربعة رجال ضخام البنية، جلودهم مائلة للحمرة وشعرهم أبيض ناصع، يقفون بثبات كأنهم أعمدة مثبتة في الأرض. كانت ملامحهم تنضح بالغضب، وأنفاسهم تخرج مسموعة في هدوء الساحة الذي سبق كلماته. رفع سديم رأسه، وبصوت خرج عميقا ومهتزا بحدة غير معهودة، قال لهم: - سوف نبحث عن لينا... الإنسية... صمت فجأة، وانقبضت حنجرته بشدة، وشعر بمرارة لاذعة تسكن حلقه، وكأنه يحاول ابتلاع جزيئات حادة تجرح عنقه من الداخل، أغمض عينيه للحظة، ثم فتحهما وهو ينظر إليهم بإصرار يائس وتابع قوله: - يجب أن ننقذها، الآن وبشكل عاجل. تبادل المقاتلون نظرات صامتة، وارتفع حاجب أحدهم مستنكرا، بينما بدت الحيرة واضحة على وجوههم من نبرة سديم التي كانت تمزج بين الأمر والرجاء المكتوم. كانت يدا سديم ترتجفان قليلا عند جانبيه، لكنه شد قبضيته بقوة، محاولا السيطرة على ذلك الانهيار الذي يهدد جسده. بدت الفكرة في جوهرها كأنها سخرية مريرة في عالم جاف لا يعترف بالرحمة ولا يكن للبشر إلا البغض. ضيق سديم عينيه حين شعر بتردد المقاتلين ورفضهم المكتوم الذي ملأ الصمت بينه وبينهم، جعلت الحمرة في عينيه تزداد توهجا حتى صارتا كقطعتي فحم مشتعلة، ثم هدر بصوت حاد يحمل تحذيرا صريحا: - أهناك اعتراض من أحد؟ اهتزت أجساد المقاتلين، وسارعوا بهز رؤوسهم نفيا، وكأن رعبا خفيا يحرك أطرافهم رغما عنهم، ثم تابع سديم بنبرة أكثر صرامة: - حسنا، أريد لينا عندي قبل غروب شمس هذا اليوم، سنبدأ البحث في الغابة أولا. سكت قليلا، وظهرت على وجهه ملامح تفكير سريع، ثم أردف بحماس مفاجئ غلف صوته: - لا، بل سننقسم... أنا و"بلانو" سنتجه إلى الغابة، وأنتما الثلاثة إلى الجبال البيضاء التي تقع خلف الصحراء. الخاطف لن يبتعد كثيرا إذا كان من البشر، فأقرب مكان من الغابة هي تلك المنطقة الجبلية. لم يجد المقاتلون بدا من طاعة أوامر أمير مملكة النار، رغم ملامح الاستغراب التي ارتسمت على وجوههم. وبينما هموا بالرحيل، أوقفتهم وطأة خطوات ثقيلة هزت ردهات المكان، ودخل الملك دهمان بوجه صارم وقسمات تنطق بغضب عارم، كان يرتدي تاجا ذهبيا مرصعا بألماس أخضر يشبه في بريقه عيون الأفاعي، وجسده الضخم يمنح مشيته ثقلا يجعل الأرض من تحته تبدو وكأنها ترتجف. بدا جسد سديم بجانب ضخامة والده ضئيلا للغاية، وظهر شحوبه واضحا أمام حضور الملك المهيب الذي يفيض قوة، حدق دهمان في ابنه بحنق ظاهر، وخرج صوته غليظا محملا بالانزعاج: - قيل لي إنك ستخرج للبحث عن الإنسية التي أخذت دمها، أصحيح هذا؟ أجابه سديم بثبات: - نعم. سأله الملك مستنكرا، والازدراء يملأ نبراته: - ومنذ متى وأنت تهتم لأمر البشر؟ أنسيت ماذا فعلوا بنا؟ رد سديم وهو يرفع رأسه عاليا، مثبتا نظره مباشرة في عيني والده السوداوين بتحد لم يعهده الملك منه من قبل: - منذ الآن، إن أمرها يهمني كثيرا، ولا دخل للينا بما فعلوه البشر في هذا العالم. أطال الملك دهمان النظر في وجه ابنه، كانت عيناه تغوصان في تفاصيل ملامح سديم بحثا عن تفسير يعيد للأمور منطقها، وظن في البداية أن الأمر لا يتعدى كونه رغبة في رد دين لتلك الإنسية التي منحته دمها، لكن بريق الدموع الذي استقر في عيني سديم كان يحكي قصة مغايرة، قصة تفيض بالانكسار العاطفي الذي لم يعهده فيه، هدأ ثوران دهمان قليلا، وانخفض صوته ليصبح همسا جافا وهو يسأل: - أهو الحب؟ شعر سديم بوهن شديد يغزو أطرافه، وازداد ذلك البريق لمعانا تحت ضوء المشاعل المتراقصة وخيوط الشفق المتسللة، بينما كانت النسائم الباردة تلطم وجهه، فتزيد من اضطراب دقات قلبه التي كانت ترتفع وتهبط في صدره بلا انتظام، بدا السؤال بسيطا في كلماته، لكنه وقع على مسامع سديم كسؤال فلسفي غامض شائك يصعب فك رموزه أو الإجابة عنه بكلمة واحدة. اكتفى بالتحديق في وجه والده، لكن تلك الدموع التي جاهدت جفونه لاحتجازها فضحت كل مستور، كان دهمان يؤمن يقينا أن الرجال لا يعرفون البكاء إلا على أشياء منحوها قداسة في قلوبهم ثم فقدوها بغتة، وهنا أدرك حجم المكانة التي تحتلها تلك البشرية عند ابنه. تنهد الملك بقوة جعلت صدره الواسع يهتز، وقال بنبرة غلبت عليها المرارة: - يا بني، الحكم والعشق لا يجتمعان في قلب واحد، وإن كان لا مفر من الحب، فليكن للسلطة ولفرض السيطرة والنفوذ فقط. انظر لنفسك، كيف تضطرب وتغرق عيناك بالدموع من أجل بشرية، لا ينبغي أن يكون لك نقطة ضعف يا سديم، فالملك الذي يشرع أبوابه ليعرف الأعداء مكان خنقه، ليس ملكا، بل هو ضحية تنتظر دورها في السقوط. زم سديم شفتيه بقوة، وأحس بكلمات والده كأنها تنغرس في عقله، فقد كانت تحمل حقيقة ومرة لا يمكنه إنكارها، فهو يشعر فعليا بأنه فقد الزمام على نفسه، لكن تلك الغريزة التي تدفعه لحماية لينا كانت تصرخ في داخله بقوة تفوق أي منطق سياسي، فرد على والده بهدوء مشوب بالحذر: - سنتحدث في هذا الأمر لاحقا، أما الآن فلدي مهمة يجب أن أنجزها. لمعت عينا الملك بشرر الغضب وسأله بحدة: - يعني أنك ما زلت مصرا على رأيك؟ أجابه سديم بصوت خفيض ونبرة أسف: - للأسف يا أبي. انسحب سديم تاركا والده واقفا في الساحة كأنه تمثال من الغضب المكتوم، قبل أن يعود الملك نحو القصر المهيب المنحوت في قلب جبل عظيم، نُحتت المملكة الصخرية التي تنبثق من منحدرات الجبل كأنها جزء من تكوين الأرض منذ زمن قديم، وعند بوابتها الشاهقة التي صُبّت من الحديد والذهب، يقف حارسان من حجر، عملاقان يمسكان سيوفهما الضخمة، ويحرسان مدخلا يبتلع الضوء ليعيده في الداخل وهجا خافتا يرتد عن الجدران المصقولة. تنسال الشلالات رقيقة ضعيفة من شقوق الجبل العالي، كخيوط من الحرير الأبيض فوق الجسور المقوسة التي تربط بين أطراف المنحنيات، بينما يلف الضباب أقدام القلعة في الأسفل، ما يجعل البنيان يبدو وكأنه يطفو فوق غيمة من رذاذ بارد. كل غرفة أو قاعة نُحتت بدقة متناهية في صدر الجبل، تطل على الوديان البعيدة والقمم المكسوة بتيجان حمراء من حمم البركان، في مشهد يجمع بين قسوة الحجر وهيبة الارتفاع. لاح الفجرُ في الأفق، وتسللت خيوطٌ رمادية هزيلة لتبدد الظلام، ومع تمدد الضياء شيئا فشيئا، تقهقرت الرماديةُ خجلا أمام زرقةٍ شاحبة بلون الجليد، بينما استمرت الأشجارُ في ارتجافها المرير، تنحني برقة مع النسائم الباردة. وصل سديم ومعه المقاتل بلانو، ذلك الرجل الذي يمتلك جسدا نحيلا يوحي بالضعف لكنه يضمر قوة فتاكة، واتجها مباشرة إلى أعماق الغابة بحثا عن أي أثر يدل على الخاطف. عاد سديم إلى البقعة ذاتها التي اختطفت منها لينا، وجابت عيناه الأرض بتركيز حاد، حتى وقع نظره على أثر دم لينا الملطخ فوق العشب الأخضر، كان اللون الأحمر القاني يبدو صارخا وسط خضرة المكان الداكنة. جثا سديم على ركبتيه ببطء، وأطلق زفيرا طويلا كأنه يخرج بقايا روحه، مدركا أن غيابها لم يكن خطف عابر، بل كان انتزاعا عنيفا يشوبه شعور بالذنب لأنه لم يحمها. بدأ عقله يصور له مشاهد مخيفة لما قد يفعله بها الخاطف المجهول، فاحمرت عيناه من جديد حتى بدتا وكأنهما ستنزفان دما، وارتفعت حرارة جسده لتلفح الهواء البارد من حوله، فهمس لنفسه بتهديد، وكأنه المجهول أمامه: - أقسم، إن لمستها سأقتلك. وسط لجة غضبه العارم، لمح سديم طيفين رماديين يمرقان بين جذوع الأشجار بسرعة خاطفة تجعل ملامحهما مجرد ظلال مبهمة، انتفض واقفا، وخرج صوته هادرا يملأ جنبات الغابة بالتهديد: - اخرجا، هذا أفضل لكما... من أنتما؟ توقف الطيفان بغتة، ثم بدآ بالتقدم نحوه بخطوات بطيئة وحذرة، يخرقان صمت المكان بوقع أقدامهما على الأوراق الجافة، ومع اقترابهما، بدأت التفاصيل تتضح تحت الضوء الباهت المنكسر بين الأغصان؛ كانت الساحرة إيزميرا، وبجانبها مساعدها الذي لا يفارقها كأنه ظلها الملتصق بها. ما إن وقع بصر سديم عليها حتى سرى اضطراب حاد في جسده، كأن تيارا من النار ضرب عروقه، تقدم نحوها بخطوات واسعة والشرر يتطاير من عينيه، غير أن إيزميرا رفعت يدها بحركة هادئة ومتزنة، وكأنها تضع جدارا غير مرئي من الهواء البارد بينهما، وقالت بنبرة واثقة لا تهتز: - أعرف جيدا من أخذ لينا. تسمر سديم في مكانه وكأن الأرض قد قبضت على قدميه، وانطفأت حمرة الغضب في عينيه فجأة، وحل مكانها سواد عميق يعكس حيرة وخوفا دفينا بدأ يتسلل إلى قلبه. ارتخى توتر كتفيه المشدودين، وسألها بصوت خافت غلفه الارتباك: - من؟... من؟! أمالت الساحرة رأسها جانبا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة، وردت بصوت أجش: - لن أقول إلا بشرط. اشتعلت ملامح سديم مجددا، واصطكت أسنانه بحدة وهو يزمجر بنبرة حادة: - لا بد أنك تكذبين... أقسم إن كنت تلعبين بي... قاطعته إيزميرا ببرود تام وهي تشير بسبابتها نحو السماء، حيث كان غراب أسود يحلق في دوائر ضيقة ومقبضة فوق رؤوسهم: - لا، أنا لا أكذب. غرابي شاهد كل شيء، وعيناه لا تخطئان أبدا. امتعظ وجه سديم، وظهرت تجاعيد الضيق والنفور على جبهته؛ فهو يمقت هذه الساحرة منذ أمد بعيد ويرى فيها أصل المشكلة، لكن صورة لينا وهي تواجه مصيرا مجهولا بين يدي الغرباء لاحت أمام ناظريه مرة أخرى، فاستسلم لواقع الحال المرير.د، زفر بضيق يملأ صدره، وسأل بصوت متهدج: - ما هو شرطك؟ نظرت إليه إيزميرا بعينين تلمعان بإصرار يائس، وقالت: - أن تساعدني في إخراج ابنتي من قبضة الملك شهام. اتسعت عينا سديم بذهول صاعق، ثم خرجت منه ضحكة قصيرة مشوبة بالمرارة: - تمزحين، أليس كذلك؟ - لا أمزح. ارتسمت علامات الحيرة والتشتت على وجه سديم، ورفع يده يمسح وجهه كأنه يحاول الاستيقاظ من كابوس، ثم قال بنبرة ملؤها الاستغراب: - تعرفين جيدا أنه من ألد أعداء المملكة والأقوى، وبالأمس فقط تم الصلح بيننا بصعوبة بالغة، ثم ماذا تفعل ابنتك عنده؟ هل خطفها؟ أخفضت إيزميرا بصرها نحو الأرض، وتغيرت نبرة صوتها لتصبح أكثر حدة ووجعا، وقالت: - نعم، أخذها عنوة عقابا لي ولابنه، لأنه لم يوافق قط على زواجنا... لقد قتل ابنه بدم بارد، واختطف ابنتي. جمدتْ الصدمة ملامح سديم، وردد بذهول: - مستحيل... أتقصدين أنك كنت متزوجة من وريث مملكة آسن؟ لم نسمع بهذا قط في أرجاء الممالك. - لأنه كان زواجا سريا، تم بعيدا عن ضجيج الحياة وصراعات الحكم. طأطأت إيزميرا رأسها، وغابت في لحظة صمت ثقيلة، بدأت خلالها ملامح وجهها القاسية تلين وتتكسر تحت وطأة الذكريات الأليمة، استرجعت في مخيلتها أيام زواجها القليلة والجميلة، قبل أن يقتحم الحرس مخبأهم الصغير وينتزعوا زوجها منها ليقتل لاحقا دون أن تودعه الوداع الأخير. تذكرت كيف هربت بطفلتها وهي تلهث والذعر ينهش قلبها، قبل أن يعثروا عليها وينتزعوا الصغيرة من بين يديها بقسوة. لسنة كاملة، عاشت إيزميرا وهي تعتقد أن ابنتها قد فارقت الحياة، إلى أن وصلها خبر يقيني بأنها ما تزال تتنفس خلف جدران القصر. لم يكن سحرها وحده كافيا لاختراق حصون الملك شهام، فهم يملكون من السحرة ما يفوق قوتها بمراحل. نظرت إلى سديم بعينين يملؤهما الأمل الممزوج بالانكسار؛ فهي تدرك الآن أن خطتها لن تكتمل إلا بوجوده، وبمساعدة مساعدها المخلص وبعض الحلفاء الذين جمعتهم في الخفاء، لعلها تستعيد قطعة من روحها المفقودة.
