رواية حشيش.. وخيال غير علمي - زبون فضائي
زبون فضائي
في زاوية مزدحمة من إمبابة، حيث اختلط دخان المعسل برائحة الشوارع،. يعيش سيد حياته البسيطة كديلر صغير يحاول فقط النجاة من صداع العالم.. لكن صفقة عادية في ليلة عادية تتحول فجأة إلى رحلة عبر الزمكان، حين يكتشف أمير فضائي أن أعظم كنز في الكون قد يكون… قطعة حشيش من الأرض.. هكذا تبدأ حكاية عبثية بين مجرة بعيدة وشوارع امبابة، حيث يصبح سيد المورد الملكي لمادة لم يفهمها علماء الكون بعد.
من وجهة نظري لن تجد تجسيداً حياً لنظرية البرت أينشتاين عن انحناء الزمكان سوى هنا..
في إمبابة تكتشف أن المتر المربع الواحد قادر على استيعاب خمسة أشخاص، وعربة كبدة، ودراجة نارية يمتطيها مراهق يرى في نفسه بطلاً من أبطال (فورمولا 1) وكل هذا دون أن يصطدم أحد بالآخر..
إنها معجزة مصرية خالصة لا يفهمها علماء ناسا حتى.
تستقبلك إمبابة بمزيج عطري لا يخطئه أنف؛ خليط من دخان المعسل القص الذي يخرج من مقاهٍ لم تغلق أبوابها منذ عهد الملك فاروق، مع رائحة الثوم المقلي في طاسة البرنس، ونسيم النيل الذي يأتي محملاً بذكريات غارقة فيه.. وزحام يجعلك تشعر أن الصمت هنا هو مجرد أسطورة ريفية لا مكان لها في القاموس.
البيوت هنا تشبه علب الكبريت المتراصة في عناد، شرفات تطل على شرفات لدرجة تتيح لك معرفة صنف الطعام الذي تطبخه جارتك في المنزل المقابل، بل وربما تطلب منها القليل من الملح عبر النافذة..
خيوط الغسيل الملونة الممتدة بين الشوارع الضيقة تبدو وكأنها أعلام لدول مجهولة تعلن للعالم أن هنا حياة.. وهنا حكايات.. وهنا بشر يضحكون رغم كل شيء.
حين يهبط الليل على إمبابة لا يسود السكون كليالي الأحياء الراقية بل للتو تبدأ نوبة عمل أخرى..
أضواء السيارات المارة ترسم ظلالاً غريبة على الجدران المتشققة، وأصوات التوكتوك تصبح هي الموسيقى التصويرية لفيلم خيال علمي منخفض الميزانية.. الليل ليس للنوم هنا.. إنه للسمر وللمعارك الصغيرة التي تنتهي دائماً بكوب من الشاي بالنعناع على مقهى الارزاق بالله وللحكايات التي تبدأ بكلمة
يا صاحبي ويا اسطى..
لو قرر كونت دراكولا زيارة إمبابة لضاع في عزبة الصعايدة ولم يخرج منها أبداً.. وهذا بالطبع ليس لأن أهلها سيؤذونه، بل لأنه سيكتشف أن دمه لن يكفي لسد حاجة الناموس هناك، ولأنه غالباً سيجد نفسه جالساً على مقهى (البعجر) يلعن اللحظة التي ترك فيها ترانسيلفانيا.
(سيد) كان جزءاً أصيلاً من هذه الكيمياء الغريبة لم يكن سيد إسكوبار زمانه، بل مجرد صيدلي غير مرخص لمن ضاقت بهم الدنيا.. كان يملك موهبة فطرية في الاستناد إلى الجدران المتهالكة بطريقة تجعله يبدو وكأنه قطعة من الطوب، يراقب العالم بعينين لم يعد يدهشهما شيء أبدا..
كانت فلسفة سيد بسيطة كبساطة فطور الفول:
(الحياة صداع مزمن.. وأنا أبيع الأسبرين)
لكن أسبرين سيد كان مغلفاً بورق الألمنيوم،
ورائحته تفوح منه لأمتار بعيده..
نعم كان ديلر حشيش.
على الجانب الآخر من المجرة، وعلى بعد ثلاث مجموعات شمسية من ناحية الشمال كان الأمير (زيلاكس) يعاني من ملل قاتل...
يسكن زيلاكس كوكب أوريزون..
وهذا الكوكب هو عالم مليء بناطحات السحاب الكريستالية والكمال الاصطناعي، لكن الأمير نفسه كان حطاماً بشرياً -أو فضائياً إن توخينا الدقة-
هو من نوعية الأمراء الذين قد يبيعون تاج العرش مقابل طريقة جديدة تجعل أدمغتهم تذوب كالزبدة..
لقد جرب كل شيء؛ بدءاً من سحق بلورات أقمار جوبيس إلى استنشاق غاز النجوم المحتضرة، لكنه كان يطارد سراباً..(النشوة المطلقة) التي لا تأتي.
قال زيلاكس وهو يتمدد على عرشه العائم، وعيونه الثلاث محتقنة بالدماء:
_هذا العالم نظيف أكثر من اللازم.. أريد شيئاً عضوياً.. شيئاً ينمو في التراب والطين.
هنا قامت أجهزته المتطورة تلك التي تشبه خنافس معدنية طنانة بمسح أرشيف الأبعاد..
طنت الخنفساء القائدة وقالت:
_مولاي.. هناك صخرة بدائية تُدعى كوكب الأرض لديهم مادة يطلقون عليها الحشيش..
تُنتج يدوياً في طقوس من الفقر والقدم..
اتسعت عيون الأمير الثلاث بصدمة ممتزجة بالأمل:
_جهزوا السفينة.. نحن ذاهبون إلى الأرض..
كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل بالقرب من الطريق الدائري..
كان سيد ينتظر زبوناً ينتمي لفئة عادمي الاحترام لمواعيدهم.. أخرج هاتفه النوكيا -ذلك الطراز الذي يمكنه الصمود في وجه انفجار نووي- ليرى الوقت،
وفجأة.. اختفى طنين الطريق الدائري المعتاد، وسكنت نباح الكلاب الضالة..
انهمر شعاع من الضوء لونه يشبه لون الباذنجان المهروس ليضرب الرصيف..
كانت فكرة سيد الأولى هي أن الحكومة قد استثمرت أخيراً في كشافات إضاءة متطورة جداً لرجال المباحث..
بدأ سيد يتحدث بلهجة المواطن الشريف وهو يداري عينيه من الضوء:
_يا باشا أنا واقف مستني ابن خالتي.. والله ما معايا حاجة، والجيوب عامرة بالهواء..
لم يكمل جملته.. قوة تشبه مكنسة كهربائية عملاقة شفطت الأكسجين من رئتيه، ونزعت الشبشب من قدميه..
طار سيد للأعلى، يتشقلب في نفق غريب ذو أصوات أكثر غرابة.
استيقظ سيد على أرضية تشبه الزجاج الشفاف..
كان رأسه يزّن كخلية نحل.. اعتدل وهو يدلك رقبته متوقعاً أن يرى قضبان زنزانة أو وجه مخبر عابس، لكن ما رآه كان كابوساً صممه مهندس معماري مصاب بالهذيان.
في المنتصف وقف زيلاكس..
كان طويلاً، نحيلاً، جلده يشبه لون بقع الزيت على الأسفلت، ويرتدي أردية من الضوء المنسوج..
بدا وكأنه لم ينم منذ العصور الحجرية.
همس زيلاكس وهو يقترب منه، ورائحته تشبه رائحة الأوزون والكيماويات الغالية:
_العينة.. يا تاجر الأراضي المغبرة.
حدق فيه سيد بجمود.. نظر إلى الخدم الأربعة الذين يشبهون الحشرات المعدنية،. ثم نظر إلى شاشة العرض العملاقة التي تظهر كوكب الأرض -وقارة أفريقيا تحديداً- وهي تنكمش لتصبح مثل بلية زرقاء صغيرة..
قال سيد وصوته يرتجف لكن جدعنة ابن البلد لم تخذله:
_ شوف يا حاج فضائي.. لو الموضوع عشان ركنة العربية فأنا هنقلها.. ولو كان خطف فوالدي نجار بالمعاش، ومعندناش غير تلاجة بتكهرب وعزة نفس مالهاش آخر.. ففكنا من السيرة دي ورجعني المنيرة.
تجاهل زيلاكس توسله وقال بلهفة
_المادة يا أرضي.. الذهب البني.. أرني إياها.
أدرك سيد أنه ليس أمام استجواب شرطي يعرفه جيدا، بل أمام زبون عابر للمجرات..
مد يده في الجيب الخلفي لبنطاله وأخرج قطعة صغيرة داكنة من مخلفات الأرض..
بالنسبة لـ سيد كانت هذه قيمتها خمسون جنيهاً..
أما بالنسبة لـ زيلاكس فقد كانت الكنز المفقود.
سأله سيد وهو يرفعها أمام عينيه:
_هي دي؟ قطعت كل ده عشان حتة أفغاني؟
تناولها زيلاكس بأصابع ترتجف..
لم يدخنها، بل وضعها في جهاز مرصع بالذهب يشبه الشيشة الأرضية..
استنشاق واحد.. وغابت عين الأمير الثالثة في سقف رأسه وارتخى جسده.. وارتسمت على وجهه ابتسامة بلهاء لم يعرفها كوكبه من قبل.
زفر زيلاكس سحابة دخان رمادية تشكلت على هيئة هرم:
يا للهول.. يا للتعقيد.. يا للقذارة.. يا للأمانة التي فيها.. طعمها يشبه.. التاريخ..
نظر إلى سيد بنظرة مرعبة في كثافتها:
_أنت.. لن تعود.. ستكون المورد الملكي.. سنذهب إلى أوريزون، وستعلم شعبي فن الضباب الأرضي.
سقط قلب سيد في قدميه:
_يا سعادة البيه عندي فرح ابن خالتي يوم الجمعة وأمي هتدبحني لو اتأخرت.
ضحك زيلاكس ضحكة مظلمة:
_في أوريزون لا توجد جمعة.. يوجد فقط الدماغ.. وأنت يا سيد من سيجعلني أعيش هناك للأبد..
بينما كانت السفينة تقفز في نفق الزمكان راقب سيد عالمه وهو يتلاشى.. نظر إلى قطعة الحشيش في يد الأمير وشعر، لأول مرة في حياته بمرارة الندم..
لقد باع الكثير من الأشياء للكثير من الناس، لكنه للتو باع نفسه لمدمن من النجوم.