رشفة صغيرة (كاملة) - رومانسية
رواية رشفة صغيرة
الفقد لا ينتهي. لكنه أحياناً يترك لنا رشفة صغيرة فى كوب كان باردا للأبد
كانت الساعة تشير إلى الثامنه مساءً
كل يوم وهو يجلس في نفس الركن من المقهى الصغير.
يطلب قهوة ساده بدون سكر، ويتركها تبرد أمامه دون أن يمسها.
لم يكن يشربها أصلاً.
كان ينتظر فقط أن يمر الوقت
كأن الدقائق ستعيد له شيئاً فقده.قبل خمس سنوات
كانت تجلس مقابله اميرته الجميله.
نفس الطاولة نفس الكوبين.
هي تشرب قهوتها بالحليب وتضحك على نكاته السخيفة. وتوبخه عندما ينسى أن يضع معطفه في الشتاء.
كانت تقول له دائماً
يا رجل لو مت غداً من سوف يتذكر إنك كنت تحب القهوة الساده؟
وفي يوم ممطر أجابت السماء سؤالها.
حادث سيارة سريع.
لم يمهلها حتى تقول وداعاً.
تركت له كوب قهوة نصفه فارغ على الطاولة
ومعطفها معلقاً على الكرسي ورائحة قهوتها التي لم تفارق المكان أبداً.
في البداية كان يأتي يومياً ليبحث عنها في الوجوه.
ربما تكون تأخرت.
ربما نسيت الموعد.
لكنه سرعان ما تعلم أن الانتظار لا يعيد أحداً.
فصار يجيء فقط ليجلس.
ويطلب كوبين.
يترك كوبها يبرد أمام الكرسي الفارغ.
أحياناً يهمس لنفسه.
النهارده القهوة بردت زي كل يوم زي قلبي.
ذات مساء دخلت فتاة المقهى.
شعرها قصير، عيناها حزينتان جلست على الطاولة المقابلة له دون أن تنتبه.
طلبت قهوة بالحليب .
نظر إليها طويلاً.
لم تكن هي.
لكن الرائحة هى الرائحة نفسها.
اقتربت منه بعد دقائق
وقالت بهدوء.
معلش... الكرسي ده فاضي؟
ابتسم ابتسامة باهتة
وقال: آه... فاضي من زمان.
جلست
شربت قهوتها ببطء.
لم يتبادلا كلمات كثيرة.
لكنه شعر لأول مرة منذ خمس سنوات
أن الكوب الثاني لم يعد بارداً تماماً.
خرجت بعد نصف ساعة.
تركت على الطاولة ورقة صغيرة مكتوب عليها:
شكراً إنك سمحت لي بالجلوس معك.
لو حابب تشرب القهوة اللي قدامك. أنا هاجي بكرة.
نظر إلى كوبه البارد.
مد يده ببطء ولمس طرف الكوب.
كان دافئاً قليلاً من حرارة يدها التي مرت بجانبه.
رفع الكوب إلى شفتيه.
شرب رشفة صغيرة.
مرّ مذاقه مراً.
لكنه لم يكن بارداً كالموت.
في اليوم التالي
جاء باكراً.
طلب كوبين.
وضع الكوب الثاني أمام الكرسي.
انتظر.لم تأتِ.مرت أيام.
لم تعد عاد الكرسي فارغاً.
عاد الكوب يبرد وحده.
لكنه هذه المرة
لم يتركه يبرد تماماً.
كان يشرب رشفة صغيرة كل يوم.
رشفة واحدة فقط.
كأنه يقول لها
أنا لسه هنا.
وأنا لسه بشرب القهوة اللي بتحبيها.
الفقد لا ينتهي.
لكنه أحياناً يترك لنا رشفة صغيرة من الدفء،
في كوب كان يُفترض أن يبقى بارداً إلى الأبد.