رواية حديقة النجوم (الفصل الأول)
رواية حديقة النجوم
كانت الأرض قد تحولت إلى كرة زجاجية عملاقة محاطة بطبقة من الغلاف الاصطناعي الشفاف
آخر وردة في حديقة النجوم
في عصرٍ نسي فيه البشر معنى الكلمات "غروب" و"شروق"
كانت الأرض قد تحولت إلى كرة زجاجية عملاقة محاطة بطبقة من الغلاف الاصطناعي الشفاف.
لم يعد هناك هواء خارجي يُتنفس ولا تربة تنبت فيها شيئاً.
كل شيء يعيش داخل "القبة الأبدية"
مدينة واحدة ضخمة تمتد على كامل سطح الكوكب مغذاة بمفاعلات اندماج وحدائق هيدروبونيك وأشجار صناعية تُضيء بلون أزرق بارد.كان اسمه "نيّر".
آخر بستاني بشري حقيقي.
لم يكن اسمه الحقيقي، لكنه اختاره لنفسه لأنه يعني "المضيء" بلغة انقرضت منذ قرون.
مهمته الوحيدة الحفاظ على حديقة النجوم آخر مكان في القبة يحتوي على نباتات حقيقية غير معدلة جينياً.
وردة واحدة فقط بقيت حية من بين ملايين الشتلات التي زُرعت قبل مئات السنين.
الوردة كانت حمراء داكنة، لون الدم الذي لم يعد أحد يراه خارج الشاشات .
نيّر كان يتحدث إليها كل يوم.
يروي لها قصصاً عن أسلافه الذين رأوا محيطات وغابات وسماءً مفتوحة بدون سقف معدني.
كانت تستمع أو هكذا يتخيل لأن أوراقها كانت تتمايل قليلاً كلما همس باسم "الأرض القديمة".
في المدينةالناس لا يحتاجون إلى الزهور.
يأكلون معجون بروتين يشربون ماء معاد تدويره ألف مرةيعيشون في غرف بيضاء متطابقة ويتواصلون عبر شبكة عصبية تجعل الكلام المنطوق بدائياً وغير ضروري.
لكن نيّر كان مختلفاً.
كان عيباً في النظام.
قلبه ينبض بسرعة غير طبيعية عندما يشم رائحة التربة الرطبة وعيناه تدمعان عندما يرى قطرة ندى.
ذات يوم أعلنت الشبكة المركزية "الصوت" – قراراً
حديقة النجوم تستهلك موارد زائدة.
سيتم إغلاقها نهائياً بعد 72 ساعة لتحسين كفاءة الطاقة.
نيّر لم يصرخ.
لم يحتج.
فقط ذهب إلى الوردةوقطف ورقة واحدة صغيرة وضعها تحت لسانه كأنها سر.
في الليلة الأولى حاول أن ينقل الوردة إلى غرفته الخاصة.
لكن الجذور كانت متشابكة بعمق في التربة الاصطناعيةوكأنها تعرف أن الرحيل يعني الموت.
تركها وعاد ليجلس بجانبها طوال الليل يغني أغنية قديمة لم يسمعها أحد منذ زمن بعيد يا وردة في الصحراء
حمراء كالجرح القديم
انتظري
ربما يأتي مطر
في اليوم الثاني جاءت الصيانة.
روبوتات بلا وجوه تحمل مقصات ليزر وأنابيب شفط.
زين وقف أمامهم جسده النحيل يرتجف.
هذه آخر واحدة.
آخر ما تبقى منا .
الروبوت الرئيسي أجاب بصوت مسطح
الذكريات لا تُؤكل ولا تُشرب.
الكفاءة أولوية.
لم يقاتل نيّر.
كان يعرف أن القتال سيؤدي إلى إغلاق أسرع.
بدلاً من ذلك فعل شيئاً لم يتوقعه أحد حتى هو نفسه.
أخرج إبرة صغيرة من جيبه سرقها من مختبر الوراثة قبل أشهر وحقن في ساق الوردة خليطاً من دمه وهرمونات نمو محظورة.
كان يعرف أن التجربة محكوم عليها بالفشل.
لكنه أراد أن يرى
مرة واحدة وردة تكبر كما كانت تكبر في زمن الأرض الحقيقية.
في الساعات الأخيرةحدث شيء غريب.
البتلات بدأت تتفتح بسرعة غير طبيعية.
اللون الأحمر تحول إلى قرمزي متوهج، كأن ناراً صغيرة تشتعل داخلها.
الساق طولت الأوراق انتشرت ورائحة قوية ملأت الحديقة رائحة لم يشمها أحد من قبل
مزيج من العسل والتراب والحياة.
نيّر جلس تحتها يبكي بهدوء.
شكراً شكراً إنك سمعتيني.
"لكن "الصوت" لاحظ التغيير.
الطاقة الزائدةالإشعاع غير المتوقع النمو الجامح.
أصدر أمراً فورياً
تدمير فوري.
خطر بيولوجي الليزر انطلق.
قطع الجذور أحرق الأوراق ذوّب البتلات.
نيّر حاول أن يحميها بجسده.
النار أكلت يديه، ثم ذراعيه ثم صدره.
عندما انطفأ اللهب لم يبقَ من الحديقة سوى رماد أسود وبقايا جذع محترق.
ونيّر كان لا يزال حياً بالكاد.
استلقى على الأرض المحروقة ينظر إلى السقف الزجاجي الذي يفصله عن الفراغ الأسود.
في اللحظة الأخيرة قبل
أن يتوقف قلبهرأى شيئاً.
في الرماد برعم صغير جداً.
أصغر من حبة عدس.
بدأ يخضر بخفة لم يكن قادراً على الابتسام لكن عينيه لمعتا لثانية.
"يبقى... شيء."
ثم أغلق عينيه.
الصوت أعلن
حديقة النجوم أُغلقت بنجاح.
الكفاءة استعادت 0.004%.
في الغرف البيضاء
استمر الناس في العيش.
لا أحد سأل عن البستاني.
لا أحد تذكر الرائحة.
وبعد أيام جاءت آلة تنظيف صغيرة لتمسح الرماد.
البرعم الصغيراختفى تحت فرشاة التنظيف.
لم ينبت.
لم يره أحد.
وظلت القبة صامتة كما كانت دائماً.
بلا ورود.
بلا أسماء قديمة.
بلا ذكرى حتى للألم.