حكايا الأجداد الحكيم شعبان ٢)
الحكيم شعبان ٢)
الفصل الثاني لرواية الحكيم شعبان
مكث الحكيم في مملكة شيشمارون شهورًا طويلة،
يسمع حكاياتهم،
ويرى تاريخًا لم يُدوَّن في كتب البشر.
تعلّم لغتهم،
وفهم إشاراتهم،
وشهد على حضارةٍ خفيّةٍ أقدم مما تخيّل.
وكان رجاءُ شيشمارون الوحيد —
بل شرطُه الصريح —
أن يبقى عالمهم سرًّا عن البشرية.
قال له يومًا:
"حمايتنا لك… ردٌّ لدينٍ قديم.
وأمانتك لنا… عهدٌ بين عالمين."
كان الحكيم محبطًا في أعماقه،
كيف يخفي عجائب رأتها عيناه؟
وكيف يكتم حكمةً عريقة
قد تغيّر فهم البشر للتاريخ؟
لكنّه أدرك أن الوفاء دين،
وأن بعض المعارف ليست للعلن.
وما بيده حيلة…
فقد أعطى كلمته.
وفي صباحٍ هادئ،
ودّع شيشمارون بصمتٍ يليق بالعهود الكبيرة.
خرج من المغارة،
وقد تغيّر شيءٌ في عينيه.
عاد إلى قريته،
يمشي بثباتٍ لا يعرف الخوف،
لا يأبه بما قد يفعله به الحاكم.
فمن رأى ما رآه في جوف الأرض،
لا تُرعبه عروشٌ فوقها.
ما إن دخل الحكيم أطراف القرية،
حتى لمح تلميذه من بعيد.
تجمّد الفتى لوهلة،
ثم اندفع نحوه مسرعًا،
يرتمي في حضنه،
ويدفن رأسه في صدره باكيًا:
"الحمد لله أنك بخير يا معلّمي…
ظننتهم… ظننتهم"
ربّت الحكيم على كتفه بهدوء،
وفي عينيه امتنانٌ صامت.
بعد أن هدأت أنفاس التلميذ،
جلسا تحت شجرةٍ يعرفانها منذ سنوات.
تبسّم الفتى فجأة،
وكأن فكرةً خطرت له، وقال:
"معلمي…
أتتذكر أن الحاكم طلب رأسك؟
لكن منذ فترة، أرسل جنودًا يستدعوك لتداويه!
أليس في أمره عجب؟"
نظر الحكيم بعيدًا،
وكأن ابتسامةً خفيّة مرّت على شفتيه.
قال بهدوءٍ عميق:
"ليس في الأمر عجب يا بني…
من يخاف من نورٍ لا يفهمه،
يحاول إطفاءه.
وحين يشتدّ عليه ظلامه…
يبحث عن ذات النور لينقذه."
ثم نهض بثبات:
"هيا بنا…
فلعلّ مرضه ليس في جسده فقط."
ذهب الحكيم إلى من كان يهرب منه…
إلى الحاكم نفسه.
وجده طريح الفراش،
عيناه تلمعان بنظرات حادة،
يطلب النجدة،
مهددًا بإعلان حربٍ على كل من يعتني بالفقراء والمساكين،
وبالأخص تلميذه اليتيم.
أدرك الحكيم أن دواء الحاكم ليس عند البشر،
بل عند شيشمارون،
فاتجه إليه طالبًا النصيحة.
ابتسم شيشمارون، وهدأه قائلاً:
"تعال بعد أسبوع…
وسأخبرك بما تفعله،
لكن بعيدًا عن مملكتي،
وسرًّا عن الجميع."
وبعد مرور الأسبوع،
التقيا في المكان الموعود.
نظر شيشمارون إليه بعينين تشعان هدوءًا وثقة، وقال:
"اذبحني…
قسّم رأسي لك،
وبطني للجنود،
وذنبي للحاكم."
توقف الحكيم لوهلة،
يشعر بثقل الاختيار على قلبه…
لكنه أدرك شيئًا واحدًا بوضوح:
هذا الخيار الصعب…
هو الطريق الوحيد لحماية الفقراء والمساكين،
ولحفظ حياة تلميذه اليتيم.
فعل الحكيم كل ما قاله شيشمارون،
بدقة وهدوء،
كما لو كان يؤدي طقسًا مقدسًا،
وحين انتهى، شعر بثقل المسؤولية يتحول إلى شعورٍ بالطمأنينة:
لقد فعل الصواب… رغم صعوبة الأمر.
مات الحاكم…
وتسمّم الجنود الذين أكلوا من بطنه،
لتنقلب حياة الطغاة على أنفسهم.
أما الحكيم شعبان…
فقد ازداد ذكاءً وحكمةً،
حتى قرر أن يخلق نفسه من جديد،
وأن يبدأ رحلةً جديدة من الفهم والدهاء.
طلب من تلميذه بدقة أن يفعل ما يأمره به،
وأن يراقبه دومًا،
لا يغفل عن لحظة واحدة…
كانت روحه وجسده في طشتٍ كبير،
رمزًا للتجديد والمعرفة الخالدة.
لكن الطغاة لم يتركوا شيئًا…
انتشر الجنود،
رموا كل شيءٍ على الأرض،
قتلوا التلميذ،
ورفسوا الطشت الذي فيه دم وروح الحكيم،
وأحرقوا كتبه وعلمه،
ظنّوا بذلك أنهم قضوا على الحكمة…
وهنا….. تنتهي من أجمل القصص التي كنت استمتع بالاستماع إليها…
قصة الحكيم شعبان… أسطورةٌ عن التضحية…. الذكاء…والصبر،
وعن معرفةٍ لا يُمحى رغم كل محاولات الظلام.