سراب II الفصل الثامن: ظلال الألم
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

سراب II الفصل الثامن: ظلال الألم

جاري التحميل...

الفصل الثامن: ظلال الألم

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

مساء ذلك اليوم كانت هناك نسمة هواء لطيفة في الأرجاء، العشب الأخضر اللامع كان يتراقص ونيران المشاعل المعلقة بدون لوح الزجاج الذي وضع أمامها لكانت أطفأت.
ولكن وبرغم تلك الأجواء الخلابة قرر سراب الجلوس مع هلال في كوخه الخشبي العتيق رغم حداثة بنائه منذ أشهر كأنه لم يتحمل كم المعلومات الهائل في ذلك المكان.
 جلس سراب أمام مكتب هلال الخشبي0 كانت يدا هلال ترتعشان وجفونه مثقلة ساقطة فوق عينين امتلأ السواد أسفلهما.
رفع سراب كوب الشاي المقدم له وكان البخار لازال يتصاعد منه، ارتشف منه بينما يراقب هلال الذي يحاول جاهدًا ألا يسقط برأسه على مكتبه من شدة الإرهاق. وضع الكوب على المكتب مرة أخرى ثم وضع اصبعه على هلال ليعود نشاطه وتركيزه مرة أخرى.
ابتسم هلال بارتياح لكنه قال بامتعاض:
- برغم الطاقة التي أشعر بانبعاثها إلا أنني أريد أن أجرب شعور النوم كما كنت أفعل!
ابتسم سراب بخفة وقال:
- الوقت مازال باكرًا.
ثم أضاف بنبرة لعوب:
- ولا تنسَ أنك من تريد الاستيقاظ طويلًا.
تنهد هلال فأكمل سراب:
- لكنني لن أساعدك بهذا الصدد مرة أخرى، جسمك وإن بدا نشيطًا فهو يحتاج للنوم لا لمجرد طاقة تُبعث داخلك.
أومأ هلال:
- أوافقك.
- إذً لم تصر على إنهاك جسدك باستمرار؟
أجاب مشيرًا للكتب والأوراق المتناثرة:
- ومن غيري يستطيع جمع هذه اللفائف سويًا.
صمت سراب قليلًا ثم أسند ظهره لمسند الكرسي، قال بهدوء:
- هناك من يستطيع المساعدة حسبما أرى.
رفع هلال حاجبًا وأومأ بعدم فهم، فأكمل:
- إيلان، المتدرب الجديد.
قال هلال مبتسمًا:
- تقصد الفتى الذي يزورني باستمرار؟ نعم إنه بالفعل يمتلك شغفًا وحبًا كبيرًا للتاريخ.
قاطعه سراب:
- أو كُرهًا خالصًا لعشيرة الظلال.
صمت هلال مفكرًا لثوانٍ أمال فيها سراب جسده للأمام وأسند يديه على المكتب.
- إيلان يمتلك ماضٍ مع الأميرين، هذا الماضي يمكن لثامر أن يستغله.
قال بدهشة وعينين متسعتين:
- أن يستغل ثامر خطة الحراس قبل ظهورك؟
أومأ سراب مؤيدًا فأكمل هلال:
- ولكن ما الذي سيدفع بإيلان للقاء ثامر؟ نحن لا نعلم مكانه حتى اللحظة.
قال موضحًا:
- ومن قال أن إيلان وحده من يتوق للقاء ثامر؟ لم لا نقول أن ثامر سيظهر نفسه ليستغل إيلان؟
اتسعت عينا هلال:
- وما الذي تقترحه؟!
- لا أريد لإيلان أن يعلم التفاصيل الخاصة بخطط الحراس، أعلمه ما يريد وأخفي عنه أي شيء يتعلق بتلك الخطط القديمة أما أنا وهاشم سنهدئ العاصفة بداخله.
أومأ هلال قائلًا:
- حسنًا حسنًا.
فأكمل سراب:
- متى آخر مرة زارك فيها؟
أجاب:
- البارحة ليلًا. يزورني كل يومين أو ثلاث.
أومأ سراب ثم قال:
- جيد.. 
ثم قام من مكانه واتجه ناحية الباب العتيق بخفة وأخرج جسده من الكوخ. فعل القليل من هالته وكان على وشك الانتقال للقلعة لكنه سمع أحد الأطفال يركض نحوه:
- انتظر أيها الملك!
توقف سراب عن إتمام هالته، واستدار ببطء نحو الصوت، كان الطفل يقف على بعد خطوات، أنفاسه متلاحقة، وعيناه الواسعتان لا تحملان دهشة الأطفال بقدر ما تحملان خوفًا غير مفهوم. 
انحنى سراب قليلًا ليصبح في مستواه وقال بصوت هادئ:
- ما بك؟ ولماذا تناديني؟
تردد الطفل لحظة، ثم قال بصوت منخفض كأنه يخشى أن يسمعه أحد:
- رأيتُ شيئًا أخافني كثيرًا.
تقلصت ابتسامة سراب الخفيفة، لا اختفاءً بل تحوّلًا:
- أين رأيته؟
أشار الطفل بيده الصغيرة نحو أطراف القرية، ناحية المسار المؤدي إلى الغابة:
- هناك عند الحجارة القديمة.
ثم أضاف بسرعة:
- لقد كان فتى يردد اسمًا بصوت غاضب وينبعث منه ضوء! 
ساد صمت قصير. لم يحتج سراب إلى قراءة عقل الطفل؛ فهالته الرقيقة كانت كافية. اضطراب خفيف، ممزوج بخوف صادق لا وهم فيه. 
سأله سراب برفق دون أن يرفع صوته:
- ماذا قال؟
بلع الطفل ريقه:
- قال اسمًا لم أفهمه.
ثم همس:
- قال ثامر.
تصلبت هالة سراب للحظة واحدة، لحظة قصيرة لم يلاحظها الطفل، لكنها كانت كافية لأن تنطفئ نسمة الهواء من حولهما. وضع سراب يده على رأس الطفل برفق:
- أحسنت لأنك جئت إليّ.
ثم قال بنبرة قاطعة دافئة:
- لا تذهب إلى هناك مرة أخرى، ولا تخبر أحدًا بما رأيت. مفهوم؟
أومأ الطفل سريعًا، وكأن الحمل الذي فوق صدره خفّ قليلًا. ابتعد الصغير راكضًا، بينما بقي سراب واقفًا في مكانه، نظره معلق في الجهة التي أشار إليها. تمتم بصوت خافت لا يسمعه سواه:
- إذًا.. تركت الغضب داخلك يأخذ السيطرة.
وانبعثت هالته، لا للانتقال هذه المرة، بل للاستشعار. بالرغم من أنه كان متأكدًا بنسبة كبيرة أن من قصده الطفل هو إيلان إلا أنه لم يكن ليجازف بكل شيء ويذهب بلا احتياط.
اقترب بخطوات حذرة للمكان الذي أشار له الطفل، كلما اقترب كان يشعر بقوة تزداد شيئًا فشيئًا. وصل أخيرًا للمسار المؤدي للغابة، خطوات قليلة كانت تفصله بين الضوء المنبعث من الغابة. سار بخطواتٍ بطيئة على الأحجار القديمة بتصدعاتها وشقوقها وهو يشعر باضطراب الهالة المنبعثة أكثر كأن إيلان قد بدأ يفقد طاقته وتوازنه.
تسارعت نبضات قلبه لأول مرة منذ زمن، لم يعلم كيف تسارعت ولم تسارعت بالرغم من بساطة القوة التي أمامه. ربما لم تكن القوة هي ما سببت ذلك التسارع، بل نفس الشعور الذي مرا به، ربما بدأ يُعاد داخل ذاكرته مرة أخرى.
نظم أنفاسه واستعد لمواجهته، سحب نفسًا عميقًا كتمه بداخله قبل أن يتقدم أكثر ويرى إيلان وهو في حالة من الاضطراب. كان العرق يتصبب من جبينه والعشب على الأرض من حوله عليه من آثار الاحتراق. ارتسمت الدهشة على وجهه، من كان يتوقع أن إيلان البارد يدفع بنفسه لأقصى حد ممكن. من كان يتوقع أن خلف بروده تلك الدموع المنكسرة.
الصورة التي رسمها سراب في ذهنه عن إيلان لم تكن نفس الصورة أمامه، بدا إيلان مهزومًا منكسرًا وقد ضاقت به السبل ليأتي للغابة ليلًا ويستخدم قوته للتنفيس عن حزنه. تأمل سراب ملامحه لأول مرة بدلًا من هالته أو قوته، شعره الرمادي الذي تساقطت من أطرافه قطرات العرق، كان جسده مشدودًا أكثر من اللازم، كوترٍ مشدود لا يرتاح إلا حين ينقطع. لم يكن مرهقًا بقدر ما كان فارغًا، وكأن كل ما بداخله استُهلك دون أن يُستعاد. 
كل ذلك أوضح له أمرًا واحدًا، إيلان ليس مجرد متدرب في مملكة يحكمها، بل انعكاسًا لذاته القديمة. تلك الذات التي لم تستطع التنفيس عن تلك المشاعر التي أصابت إيلان ولازالت آثارها عابقة داخله.
فجأة وبدون مقدمات مسح إيلان دموعه من عينيه وقال ببرود ناظرًا للأرض دون أن يرفع عينيه:
- ما الذي تريده؟
وقف ثابتًا، إلا أن هالته لم تعد بنفس صفائها المعتاد، وكأنها تحمل أثر مقاومة طويلة لا تُرى. ها هو إيلان يجلس أمامه منهزمًا يسأله "ما الذي يريده؟" ولسانه يعجز عن الجواب. 
حين طال الصمت ولم يجب أكمل إيلان ببرود في نفس وضعه:
- إن لم يكن لديك ما تخبرني امض في طريقك.
برغم العجز الذي شعر به حاول استجماع الكلمات بداخله لتخرج من فمه متلعثمة:
- لا أريد منك شيئًا.
- إذًا، ما الذي أتى بك ها هنا؟ لا تكمل، كانت إشارة من طفل خائف.. 
ثم أضاف بنفس البرود:
- نفس الطفل الذي كنته يومًا.
قال سراب:
- كلنا كنا كذلك.
انفجر إيلان صارخًا:
- أنت لا تفهم شيئًا! أنا لا أهتم إن كنت ملكًا، أنا لا أهتم إن واجهت الموت مراتٍ لم أوجهه فيها لكنك لن تفهم ما عانيته يومًا!
صرخ، لا لأنه غاضب، بل لأن التعب حين يُكبت طويلًا لا يخرج إلا صراخًا. نهض على قدميه وقد سرت في أطرافه رعشة طفيفة. ثم أكمل:
- كل يوم أواجه الأمر ذاته، كل يوم أدعس على قلبي أكثر من سابقه حتى لم أعد أشعر بالألم.
أشار إلى قلبه:
- لم يعد هناك شيء في قلبي، لم أعد أشعر بالألم بعد الآن. لا ليس عليك الشعور بالأسى، فأنت المختار ليس أنا.
ساد صمتٌ ثقيل بينهما، لم يكن صمتَ تردّدٍ ولا صمتَ عجز، بل صمتًا متعمّدًا، كأن سراب يزن الكلمات لا ليختارها، بل ليقرر إن كان يستحق أن يقول شيئًا. 
انتظر إيلان الرد.
لحظة ثم أخرى.
وعندما طال الصمت أكثر مما يحتمل، رفع بصره أخيرًا نحوه، فالتقت عيناهما. لم يكن في نظرة سراب شفقة، ولا عتاب، ولا حتى غضب. كانت نظرة رجلٍ رأى هذه الانكسارات من قبل في مرآته.
قال إيلان بمرارة خافتة:
- صمتك لا يغير شيئًا.
- إن كنتَ تظن أن الاختيار نجاة فأنت لا تعرف معنى أن تُختار.
رد إيلان:
- بل أعرف معنى أن تُترك.
لم يجبه سراب فورًا.
تقدم خطوة واحدة فقط، لا تهديد فيها ولا اقتراب حميم، خطوة أقرب للفهم منها للسيطرة. قال أخيرًا بصوتٍ منخفض، ثابت، كأن الكلمات خرجت بعد قرار طويل:
- حين يتوقف الألم عن إيلامك لا يعني أنك شُفيت.
رفع إيلان رأسه ببطء، واتسعت حدقتاه دون وعي. 
أكمل سراب دون أن يرفع صوته:
- أحيانًا يعني فقط أنك بدأتَ تموت من الداخل بهدوء.
تراجع خطوة إلى الخلف، وأدار ظهره دون أن ينتظر ردًا، ودون أن يمنحه فرصة للهروب بالكلمات. ومع ابتعاده، خفتت هالته تدريجيًا، تاركًا خلفه إيلان واقفًا في المكان ذاته.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.