رواية الاناكوندا - الفَصلُ الأولِ
الفَصلُ الاوْلِ
أشرقت شمس الصباح على أرض مصر الهادئة، لتغسل بنورها بقايا الليل الثقيل في مكانٍ آخر من العالم. بعيدًا عن رائحة البارود والدمار، كانت الحياة تسير بوتيرةٍ طبيعية داخل واحدةٍ من أكبر شركات الطيران في البلاد، شركة "Al Basant Group".
كانت الفتاة تجلس وسط أكوامٍ من الجثث، تبكي وترتجف، واضعةً يديها على أذنيها لتمنع عن نفسها صدى الرصاصات التي تتساقط حولها. النار تشتعل، والدخان يملأ المكان، ورائحة الموت تفوح حولها. كل هذا يحدث أمام ذلك الرجل الملثّم بالسواد، الذي لا يُرى منه سوى نظرةٍ غامضة تلمع خلف لثلامه. تأملها لثوانٍ طويلة، ثم زفر بهدوء قبل أن يعود إلى القتال. كان يحمل سكينًا صغيرًا بحجم كفّ اليد، لونه أسود حالك، وعلى نصلِه المنقوش بخطٍ عربيٍّ أنيق كُتبت كلمة: الأنــاكــونــدا. كان يقتل بوحشيةٍ، تتبعها ابتسامةٌ مختلّة خلف لثامه، فلا يوجّه ضرباته إلا نحو القلب... أو العنق. رعبٌ خالص ارتسم في عيني تلك المسكينة، التي جلست على الأرض عاجزةً عن الحركة، لا تملك سوى البكاء والصراخ. وبعد ما يقارب نصف ساعة، خفَت صوت الرصاص، وساد صمتٌ ثقيل لا يُسمع فيه سوى شهقات الفتاة المرتعشة. أما الملثم، فظل واقفًا يراقب المكان بابتسامةٍ مختله يخفيها لثامه الأسود. اقترب منه ستة رجالٍ واصطفوا أمامه، فتكلم أحدهم قائلاً: ـ خِلَص يا أناكوندا. أومأ الرجل بخفوت، وسار بخطواتٍ ثابتة، يتبعه رجاله. لكنّه توقف فجأة، ثم اتجه نحو الفتاة التي ما زالت ملقاةً على الأرض. رفعت رأسها ببطء، بعد أن شعرت بظلٍّ كثيفٍ يغمرها، لتراه يقف أمامها... أو بالأحرى فوقها. ذلك الذي قتل المئات دون تردد، بطبع جاء لقتلها. وبينما كانت أنفاسها تتلاحق، تراجعت إلى الوراء بخوفٍ وهي تهمس بصوتٍ مرتجف: ـ لا... أرجوك .. أنا معلمتش حاجه .. متموتنيش! لم يُجِب، بل ظهرت على وجهه نفس الابتسامة المختله التي لو رأتْها المسكينه ، لماتت رعبًا. انحنى نحوها ببطء حتى أصبح على مقربةٍ من أذنها، ثم همس بصوتٍ عميق: ـ فَريسة الأنـاكـوندا. وقبل أن تفهم ما قال، أحكم قبضته على رقبتها بلمسةٍ سريعة... فعمّ الظلام، وخفتت الاصوت حولها. حملها بين ذراعيه بثبات، واتجه إلى سيارةٍ سوداء فخمة كانت بانتظاره. وضعها في المقعد الخلفي، وانطلق يقود بسرعةٍ جنونية، تتبعه ستّ دراجاتٍ نارية تحيط به من الجانبين أشرقت شمس الصباح على أرض مصر الهادئة، لتغسل بنورها بقايا الليل الثقيل في مكانٍ آخر من العالم. بعيدًا عن رائحة البارود والدمار، كانت الحياة تسير بوتيرةٍ طبيعية داخل واحدةٍ من أكبر شركات الطيران في البلاد، شركة "Al Basant Group". داخل قاعة الاجتماعات الفخمة، جلس عشرات من رؤساء الأقسام ومديري الفروع أمام شاشة عرضٍ ضخمة، بينما وقف مهندسٌ شاب في أوائل الثلاثين من عمره يشرح فكرته بثقةٍ وحماس. كان يتحدث بلباقةٍ واضحة، يحرّك يديه بتعبيرٍ واندفاعٍ صادق، لكن ما إن أنهى حديثه، حتى ساد الصمت. رفع المهندس نظره إلى رئيس الشركة، رجلٍ في منتصف الثلاثينيات يجلس على رأس الطاولة بملامح جامدة ونظرةٍ حادة لا تُقرأ. كان ذلك الرجل هو أيوب البسنتي — المدير العام، والعقل الذي لا ينام خلف هذا الصرح الضخم. تردّد صوت المهندس بتوترٍ خفيف: ـ هي دي فكرتي يا فندم… صحيح ممكن تكلف الشركة شوية، بس لو نجحت هتكون نقلة جديدة لينا. لم يتكلم أيوب. ظل ينظر إليه بثباتٍ لثلاث دقائقٍ كاملة، حتى بدأ العرق يتصبب من جبين المهندس وسط توتر الحاضرين. أخيرًا تكلم أيوب بصوتٍ هادئ، لكن ملامحه حملت طيفًا من السخرية: ـ اسمك إيه؟ ـ نعم؟ ـ بسألك، اسمك إيه؟ ـ محمود… يا أيوب باشا. أزاح أيوب نظارته ببطء، ومسح عدستيها في هدوءٍ مثير للتوتر، ثم قال وهو يحدّق في وجوه الحاضرين: ـ دي أفكاركم يا حضرات؟ ساد الصمت من جديد، إلى أن تجرّأ أحدهم، وهو رئيس قسمٍ كبير يدعى مدحت، وقال بحذر: ـ يا فندم، فكرة المهندس محمود ممتازة جدًا، وممكن تنقل الشركة نقلة كبيرة، ولو الميزانية تقيلة شوية، إحنا عملنا مشاريع أكبر منها قبل كده. ضحك أيوب بسخريةٍ قصيرة، ثم قال: ـ فعلاً يا مدحت، عملنا مشاريع أكبر من دي… مليون مرة. بس الفرق إن المشاريع دي كانت تستاهل. أنا مش ناوي أعمل مشروع تقدر تعمله شركة لسه بتبدأ وتحسبه نقلة. ولما تجيبلي مهندس متخرج جديد وتديه مسئولية أفكار السنة، تبقى بتضحك عليّ. ظهر الشحوب على وجه مدحت، وعدّل من ربطة عنقه بتوترٍ واضح، لكن قبل أن ينطق، تدخل رجلٌ آخر بنغمةٍ ساخرة خافتة لم يلتقطها أحد سوى أيوب نفسه: ـ يا فندم، كل سنة حضرتك بتعمل نفس الاجتماع ونفس الكلام، وفي الآخر المشروع الأكبر بيبقى فكرتك انت برضو. ابتسم أيوب ابتسامة باردة وقال: ـ وأما حضرتي يفضل هو اللي بيصمم أفكار المشاريع، حضراتكوا تبقوا شغالين عند مين بالظبط؟ بالمناسبة… اسمك إيه؟ ـ صـالح… يا فندم. ـ تمام يا صالح، الاجتماع خلص. نهض أيوب وغادر القاعة بخطواتٍ ثابتة، يتبعه رجلٌ في منتصف الثلاثينيات أيضًا، ملامحه تميل للهدوء، يُدعى محي. دخل الاثنان إلى مكتب أيوب الفخم. جلس أيوب خلف مكتبه الضخم وهو يحدّق في السقف بشرود، بينما رمى محي جسده على الأريكة بارتياحٍ متكاسل. مرت لحظات من الصمت، قبل أن يقطعها صوت أيوب بنبرةٍ منخفضة: ـ جالي رسالة تهديد الصبح، يا محي. لم يتحرك محي، بل ذاد في اريحيه نومته أكمل أيوب بصوتٍ أكثر جدية: ـ المرة دي مهددونيش بالشركات… ولا يسمعني ولا حتي اغتيالي. دول بيهددوني بـ "بوسي". فتح محي عينيه ك جواب إليه صامت تنهد أيوب وقال: ـ من أول ما شفت الرسالة، زوّدت الحراسة عند فيلا عمي، وجبت لها بودي جارد من أحسن الناس. بس واضح إن الموضوع بقى خطر أكتر من اللازم ، الموضوع لازم يوصل للبو. وقبل أن يُكمل، فُتح باب المكتب بعنف، ودخل رجلٌ كبير في السن، ملامحه شاحبة وصوته يرتجف: ـ الحقني يا أيوب… بنتي، بنتي يا بني، خطفوها! قفز أيوب من مكانه بخوفٍ لم يخفِه هذه المرة: ـ في إيه يا عمي؟! بوسي مالها؟! ـ خـطـفـوهـا يا أيوب! بوسي… خطفوها! ساد الذهول المكان، بينما تراجع أيوب إلى كرسيه كمن فقد توازنه، وفي تلك اللحظة، وصلته رسالة على هاتفه. فتحها بيدٍ مرتجفة، لتظهر أمامه شاشة الفيديو: حبيبته وسط الجثث، تصرخ وتبكي، والرصاص يحيط بها من كل جانب. ارتجف صوته وهو يهمس: ـ بوسي...! انتفض عمه يسأله: ـ مالها بنتي؟! مالها يا أيوب؟! لكن أيوب لم يجب، كان ينظر إلى الهاتف بوجهٍ شاحبٍ كأن الدم انسحب منه. انتزع العم الهاتف من يده، وما إن شاهد المقطع حتى سقط مغشيًا عليه. ركض محي ليطلب الطبيب، بينما جلس أيوب بجانب عمه المغمى عليه، وقلبه يغلي غضبًا حتى جاءه إشعار جديد. فتح الرسالة... وإذا بصورة لبوسي وهي مغشيًا عليها، وكدمة داكنة حول عينها. تحوّل وجه أيوب إلى ملامح سوداويه، صوته خرج كالفحيح وهو يهمس: ـ لعبتوا مع الشخص الغلط... استحمِلوا بقى. جاء محي ومعه الطبيب الذي فحص علي. وبعد برهة قال الطبيب: ــ ضغطه نزل جدا ، أنا اديته حقنه آفاقه بعد دقايق هيفوق، اتمني تبعدوه عن أي توتر ، بعد اذنكوا أوصله محي إلى الخارج، وبعد مضيّ وقتٍ عاد، فوجد أيوب يجلس إلى جوار علي، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الهدوء. جلس محي بقربهما، وبعد صمتٍ قصير تكلّم: ــ مين؟ ابتسم أيوب ابتسامةً تحمل في طيّاتها شيئًا مخيفًا، وقال: ــ آندروا برياس!! أومأ له محي مؤكدًا استيقاظ علي. نهض علي ببطء، وما إن استعاد وعيه حتى انهمرت دموعه بعنف. أمسك أيوب بيد عمه وتحدث بنبرةٍ يملؤها الحنان: ــ بوسي هترجع يا عمي... وخدها عهد مني. قال علي بصوتٍ مرتجف: ــ بنتي يا أيوب... بنتي ملهاش دعوة بأي حاجة، أنا الغلطان... يا ريت كنت سمعت كلامهم، يا ريتني سمعت. ردّ أيوب بهدوءٍ ممزوجٍ بالمرارة: ــ هتسمع كلام مافيا يا عمي؟! فكرك مكانوش هيعملوها؟ بيتهيّألك؟ ملهمش عزيز. ــ بسنت ملهاش دعوة بأي حاجة يا أيوب... دا فرحكم كان بعد شهور. ــ هترجع يا عمي... هترجع بأي تمن. وفي بلاد المكسيك، داخل منظمةٍ سرّية، دخل رجلٌ ضخم إلى غرفة الرئيس، ووقف أمامه مطأطئ الرأس. قال باحترامٍ واضح: ــ أتمّ الأناكوندا مهمته يا رئيس. رفع الرجل الكبير في السن نظره إليه، وقد غزا الشيب شعره، وسأله بنبرةٍ صارمة: ــ أين هو؟! ردّ الرجل بخضوع: ــ إنه في مصر الآن يا سيدي، أحضر الفتاة من المافيا الروسية لأنه علم أنّهم خطفوها... فذهب وأخذها منهم. وهو يسأل الآن عمّا يجب أن يفعله بعد أن أتمّ مهمته. ابتسم الرئيس ابتسامةً تحمل مكرًا واضحًا وقال: ــ أعلموه أن الفتاة في عهدته... فليبقِها معه حتى يحين وقت أخذها. وأخبروه أن هذا هو قراري الأخير. قال الرجل بتوتّرٍ ملحوظ: ــ لكنك تعلم يا رئيس... الأناكوندا من المستحيل أن يوافق. ابتسم الرئيس ابتسامةً مخيفة، وقال بهدوءٍ قاتل: ــ قُل له... هذا مقابل العفو عن أندري. اتسعت عينا الرجل بذهول، لكنه تدارك نفسه سريعًا، وطأطأ رأسه باحترام، ثم استأذن بالانصراف ــــــــ لو عجبتكوا قولوا رئيكوا .. ولو عايزين الفصل الي بعده هنزله علي طول.. ـــــــــ دمتم في رعاية الله 🥀 ريناد سليم 🥀