مغامرات كورية | رواية اجتماعية
جاري التحميل...
مغامرات كورية
معاناة "كلوي" مع بدايات حياتها في سيول، حيث تواجه صعوبة التأقلم مع المناخ والعمل كمعلمة في مدرسة تقع فوق تلة مرهقة. تظهر المكالمة الهاتفية مع والدها المريض عمق ارتباطها به ومدى تضحيتها بوجودها في بلد غريب لإرضاء رغبة أهلها في اكتشاف العالم. نلمس في هذا الفصل الصراع الداخلي للبطلة التي تشعر بالاغتراب وعدم الانتماء رغم محاولاتها لتعلم اللغة.
كل اللي كلوي عايزاه هو حياة بسيطة. تهتم بوالدها، وتخرج مع صاحبتها سيمون، وتستقر مع راجل ابن حلال. بس يا خسارة، الدنيا كان ليها رأي تاني. عيلتها أجبرتها إنها تعيش في كوريا الجنوبية لمدة سنة، وهناك كلوي بتقابل دانيال. دانيال كل اللي شاغل باله إنه يرفع راس عيلته ويكون عند حسن ظنهم. بيمشي على قوانينهم وبيحاول يكون سعيد على قد ما يقدر تحت توجيهاتهم. بس كونه الوريث لسلسلة مستشفيات وشركات أدوية كورية بتسوى ملايين الدولارات، ده في حد ذاته جايب له مشاكل مابتخلصش. يا ترى إيه اللي هيحصل لما البنت الأمريكية اللي بمليون راجل تقابل رئيس مجلس إدارة مستشفى "سيجونج" الطبي المستقبلي الرزين؟ خلينا نقول إن الهزار، والضحك، والطعن في الظهر أكيد هيكونوا موجودين. هل هيقدروا يصمدوا قدام ضغوط المجتمع؟ ولا هيستسلموا لرغبات غيرهم؟ كلوي كانت حاسة بحبات العرق وهي نازلة على ظهرها وهي ماشية لشغلها. هي مابقالهاش غير ٥ دقايق بس من وقت ما سابت البيت، بس الوقت ده كان كفاية جداً عشان حر ورطوبة كوريا الجنوبية ينالوا منها. إحنا لسه في ١ مايو بس الحرارة كانت ولعة وشغالة على الآخر. كانت ماسكة موبايلها بين دقنها وكتفها وهي بتنبش في شنطتها عشان تطلع منديل تمسح بيه قورتها. أبوها كان لسه عمال يرغي في التليفون، وهو مش دريان بالمعاناة اللي بنته فيها. كانت حاسة إنها محتاجة تاخد دش من أول وجديد، وشتمت نفسها إنها ما كترتش من مزيل العرق. الكوريين يمكن مابيعرقوش ولا ريحتهم بتغير في الشهور دي، بس هي أكيد بيحصل لها كدة. صاحت كلوي وهي بتسحب المناديل من شنطتها: "أيوة! لقيتها!". أبوها قاطع كلامه وقال: "ها؟ بتقولي إيه يا حبيبتي؟"، وده اللي رجعها للواقع. مسحت قورتها وقالت: "آسفة يا بابا. حر كوريا دلوقتي جنان رسمي". رجعت المناديل في شنطتها وكملت مشوارها للشغل. رفعت عينها وشافت التلة العملاقة اللي بتؤدي للمدرسة اللي شغالة فيها. ليه يا ربي؟ ليه المدرسة اللي بدرس فيها لازم يكون قدامها تلة ضخمة كدة؟ كل يوم كانت بتفكر في نفس الأسئلة دي وهي طالعة التلة. سألته وصوتها طالع مهزوز بسبب المشية المتعبة على الرصيف اللي مش متساوي: "عاملة إيه المساعدة بتاعتك يا بابا؟". رد والدها ببرود وعدم اهتمام واضح تجاه المساعدة: "قصدك بولين؟ آه، هي كويسة". هي سكتت شوية من طريقته دي. قالت وكلامها طالع مقطع من النهجان: "هي تمام معاك؟ أنت مش من عادتك إنك تمسك لسانك لما الموضوع بيخص حد تاني". أخيراً! وصلت لقمة التلة. مدرستها كانت قدامها بالظبط، وفي صخور كبيرة متزينة على المدخل. وقفت قدام المدرسة وقعدت على صخرة منهم. نفر أبوها على الناحية التانية من الخط وهو مش مهتم بنهجانها ده وقال: "ما تتشطريش عليا يا آنسة". كلوي قلبت عينيها وقالت في سرها "يا ريت يا بابا تطلع اللي عندك وتخلص". السبب الوحيد اللي خلى أبوها يوافق إن يكون عنده مساعدة هو إن دي كانت الطريقة الوحيدة اللي تخلي كلوي ترضى تخرج من البيت. هو كان راجل عزيز النفس ووجود مساعدة معاه في البيت كان بيجي على كرامته ورجولته. كلوي سكتت وهي مستنياه يكمل كلامه. بصت لإيدها وقالت "يا خبر، أنا محتاجة أعمل مانيكير". بس يا خسارة، في كوريا الموضوع ده بيتكلف الشيء الفلاني. نفر أبوها وقال: "هي مش وحشة، بس إحنا لسه في فترة تعود. يعني مثلاً، من كام يوم نقلت أكياس الزبالة من تحت الحوض وحطتها في المخزن. ليه بس في ملكوت الله تلمس حاجتي؟ ما كانتش مضايقاها في حاجة، ولا كانت مأذية حد، بس هي نقلتها واضطريت أقعد أدور في مطبخي أنا. ليه أدور على حاجتي في بيتي أنا؟". اتنهدت كلوي، كانت عارفة إن ده اللي هيحصل. ما كانش المفروض تسيبه أبداً. حطت إيدها الفاضية على راسها وبدأت تدلكها عشان تطلع الزهق اللي حاسة بيه. هي ما كانش ليها لزمة تيجي كوريا الجنوبية أصلاً. في الحقيقة، هي ما كانتش عايزة تيجي هنا، بس أهي هنا وخلاص عشان أهلها ضغطوا عليها إنها "تكتشف نفسها والعالم". كانوا شايفين إن مش طبيعي واحدة في سنها تضيع شبابها وهي بتهتم بأبوها العيان، بس لو هو ده اللي هي عايزاه، ليه ما سابوهاش في حالها؟ هي ما كانش عندها مانع تهتم بأبوها، بالعكس، كانت مستمتعة ب ده. بس لأاااا، ماحدش كان عايز يسمع هي عايزة إيه. قعدوا يزنوا فوق دماغها لدرجة إنها عرفت إن لازم تفكر في حاجة. كان ليها صاحبة من أيام الكلية راحت كوريا لمدة سنة بعد التخرج، فقررت تعمل شوية بحث عن الموضوع بنفسها. هي أصلاً كانت بتحب المسلسلات الكوري، فـ قالت ليه ما تجربش للآخر؟ شكلها كدة السفر لمدة سنة هو الطريقة الوحيدة عشان يحلوا عن سماها. فكانت دي الخطة، تروح "تكتشف العالم" سنة وترجع تاني لأرض الواقع. "ما كانش كل ده حصل لو كنت فضلت معاك يا بابا". كلامها ده وتأنيبه مش هيعمل حاجة دلوقتي، بس كان بيساعدها تحس إنها أحسن بخصوص وضعها الحالي. "يا بنتي، إحنا اتكلمنا في الموضوع ده خلاص. أنا هبقى كويس، وزي ما قولتلك إحنا لسه في فترة تعود. مافيش داعي للقلق. أنا كنت عارف إنك هتتحمقي كدة". بس صوته ما كانش مقنع خالص. "اسمع يا بابا، أنا ماليش نوبة فقر دم منجلي من أكتر من شهرين. أنا بس حاسة إن وجود مساعدة مقيمة معانا كتير أوي، ومالوش لزمة". كانت تتمنى لو تقدر تمد إيدها جوه التليفون وتخنقه. "يا بابا، أنت عمرك ما تعرف النوبة الجاية هتيجي إمتى. آخر واحدة جاتلك قعدتك في المستشفى أكتر من شهر. يا إما المساعدة تفضل، يا إما هلم شنطي وأرجع البيت". كلامها كان قاطع ومافيهوش فصال. "زي ما قولتلك، إحنا بنتعود يا حبيبتي. ده مابقالكيش غير تلات شهور بس من ساعة ما مشيتي. الحاجات دي بتاخد وقت. المهم، عاملة إيه في سيول؟ أكلتي من الأكل المتخمر اللي عندهم ده؟ كيم-هي ولا بيسموه إيه؟". كلوي لفت راسها وهي بتفكر ترد عليه تقول إيه. من بره كدة، كوريا كانت زي الفل، بس من جواها كانت حاسة إنها... مش متربطة. لا بأصحابها ولا بأهلها في بلدها، وحتى بنفسها ساعات، بس ما كانتش عايزة تقلق أبوها. واضح إن الإحساس ده مجرد عرض من أعراض صدمة الثقافة، ومع الوقت هتبقى كويسة. بس لو كانت صريحة مع نفسها، هي دايماً كان عندها الإحساس ده إنها مش لايقة في أي مكان. والإحساس ده زاد أوي من ساعة ما جات تعيش في كوريا. عمرها ما كانت علاقتها قوية بالناس، إلا شوية قليلين. أبوها، وأمها، وسيمون. دول كانوا عزوتها. شدت قميصها من ورا عشان تطلعه من على ظهرها العرقان وبتحاول تلحق نفسها من بقع العرق اللي هتبان. "كله تمام يا بابا، بدأت أتعود. وفي الحقيقة، بدأت أتعلم كوري مؤخراً". كان لازم تغير الموضوع قبل ما تفتح قلبها وتحكي كل حاجة لأبوها. "بتتعلمي كوري؟!". فرحة أبوها بالخطوة دي خليتها تبتسم. هو فعلاً كان كل اللي عايزه إنها تكون مبسوطة في كوريا وتتعلم إزاي تبني علاقات أعمق مع الناس. وتعليم الكوري بالنسبة له كان خطوة كبيرة في الطريق الصح. عدى طالب من جنبها على الشمال وشاور لها، شاورتله وهي مش واثقة في نفسها أوي. لسه الموضوع غريب عليها إنها تتحول من طالبة لمدرسة. هي يا دوب شايفة نفسها شخص ناضج، مابالك بقى بحد المفروض يعلم غيره. فعلاً، فيه حاجات كتير محتاجة تعود. "أيوة، بس لسه في الأول خالص، بس أظن بشوية ممارسة هقدر أقول لسواق التاكسي يوديني فين بالكوري قريب أوي". كانت بتتمنى إن صوتها يكون باين عليه التفاؤل. "ده كلام جميل يا حبيبتي. وأمك عاملة إيه؟ كلمتيها قريب؟". اتنهدت كلوي وهي بترد. محاولة التواصل مع أمها كانت عاملة زي مصارعة فقمة. "آخر مرة كلمتها كانت من أسبوع تقريباً. هي كويسة، هي وكيرت لسه راجعين من إجازة في دبي". كانت دايماً بتحس بإحراج وهي بتكلم أبوها عن أمها. كانت عارفة إنه لسه بيحبها، بس أمها كانت ست مابتحبش القيود. ما كانتش تقدر تتربط بتعب أبوها. "يا راجل؟ طيب كويس، أنا كنت عايز أكلمها من فترة بس ماجاش الوقت". هي عارفة إن مستحيل أبوها يكلم أمها في أي حاجة إلا لو فيه سبب قوي جداً. "قابلتي حد جديد هناك؟ أي ولاد؟". كلوي كشت من جواها. ولاد؟! بجد يا بابا؟ "لأ، ولا ناوية أصلاً. أنا هنا عشان أدرس سنة وأرجعلك البيت. هي دي الحكاية". "يا حبيبتي، ما تستعجليش في التجارب دي. عمرك ما هتعرفي إيه اللي فايتك غير لما تجربي. المهم، الدنيا ليلت هنا والراجل العجوز ده محتاج يرتاح. بحبك يا بنتي". "وأنا كمان بحبك يا بابا"، وقفلت كلوي السكة. غمضت عينيها وحاولت تجمع نفسها شوية. هي سنة واحدة. هي سنة واحدة. هي سنة واحدة. قعدت تكرر جملتها اليومية وهي بتتمنى تديها قوة للأيام اللي جاية. بدأ الطلاب يظهروا من فوق التلة. ضحكهم وفرحتهم كانوا ماليين الجو. كلوي لمحت واحد من زمايلها المدرسين وهو طالع التلة هو كمان. شاور لها وابتسم ابتسامة عريضة أول ما شافها. كان اسمه إيه؟ كيم جي-هون؟ كيم مين-هي؟ كل أساميهم كانت شبه بعض بالنسبة لها، بس عمرها ما هتقول كدة بصوت عالي. شاورتله كلوي بذوق ولفقت، ونزلت رجليها من على الصخرة الكبيرة المتلونة. بصت للمبنى الضخم ورسمت ابتسامة عريضة على وشها. من أهم قواعد المدرسين إنك ما تخليش الطلاب يشوفوا تعبك أبداً. دخلت كلوي المبنى وهي بتنهج، وبتتمنى إن العيال ما ياخدوش بالهم من مأريفها.