رواية الأصفاد الجاثمة (المكالمة الأولى)
المكالمة الأولى
بعض الأصوات تظل عالقة في الذهن، حتى بعد أن تصمت. بعض التحذيرات، مهما بدت تافهة، تترك أثرًا لا يُمحى. هناك لحظات نمر بها دون أن ندرك أنها البداية… بداية شيء لا يمكن إيقافه.
الفصل الأول
المكالمة الأولى
رن الهاتف في ظلام الغرفة. كانت الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل، والهدوء يحيط بكل شيء.
فتح "آمِن" عينيه بصعوبة، متسائلًا عمن قد يتصل في هذا الوقت.
مد يده إلى الهاتف الموضوع بجانبه، ليجد رقمًا مجهولًا على الشاشة.
تردد للحظة، لكنه في النهاية ضغط على زر الإجابة.
جاءه صوت منخفض، مضطرب، لكنه واضح تمامًا:
"آمِن... لا تخرج من منزلك غدًا. مهما حدث، لا تفعل!"
تجمد مكانه، قلبه ينبض بعنف. كان الصوت غريبًا، لكنه لم يكن مجرد تحذير عادي. كان هناك شيء مرعب في نبرته… شيء جعله يشعر أن الأمر ليس مجرد مزحة ثقيلة.
"من أنت؟ ماذا تعني؟" قال بصوت متوتر.
رد الصوت بسرعة، كأن صاحبه في عجلة من أمره:
"لا يوجد وقت للشرح. فقط لا تخرج، وإلا ستندم!"
ثم، فجأة، انقطع الاتصال.
بقي الهاتف في يده، وعقله يدور في دوامة من التساؤلات. هل كان هذا مجرد مقلب؟ لكنه لا يتذكر أن لديه أصدقاء يحبون هذا النوع من المزاح.
بدأ يمشي في شقته ذهابًا وإيابًا، يحاول إقناع نفسه أن الأمر لا يستحق القلق، لكن شعورًا خفيًا كان يتسلل إليه... ماذا لو كان التحذير حقيقيًا؟
حاول النوم مرة أخرى، لكنه لم يستطع. كلما أغمض عينيه، ترددت في عقله نفس الكلمات:
لا تخرج غدًا... ستندم!
استيقظ متأخرًا، رأسه ثقيل من قلة النوم. كان عليه أن ينهض سريعًا حتى لا يتأخر عن عمله، لكنه لم يتحرك.
ظل جالسًا على سريره، يفكر.
الأمر سخيف... لا يمكن أن أبقى في المنزل فقط بسبب مكالمة مجهولة!
لكن عقله بدأ يلعب ضده. ماذا لو خرج وحدث شيء سيئ فعلًا؟ هل يستحق الأمر المخاطرة؟
بدأ يختلق أعذارًا للبقاء في المنزل. أقنع نفسه أنه يشعر بالتعب، وأنه يمكنه أخذ إجازة ليوم واحد.
وفي النهاية، قرر البقاء.
جلس على الأريكة، يحاول تشتيت انتباهه بمشاهدة التلفاز، لكن بعد أقل من ساعة، رأى خبرًا جعله يشعر وكأن قلبه سقط من مكانه.
حادث مروري مروع في وسط المدينة... تصادم شاحنة ضخمة بسيارات عدة، ووقوع قتلى وجرحى. الحادث وقع في نفس الطريق الذي يسلكه آمِن يوميًا في طريقه للعمل.
جف حلقه، وشعر برعشة تسري في جسده.
لو خرج اليوم... لكان هناك.
جلس في مكانه بلا حراك، يحاول استيعاب ما حدث.
هل هذه صدفة؟ أم أن المكالمة... أنقذتني؟
الليلة التالية :
حلّ المساء، ولم يستطع آمِن التوقف عن التفكير في الأمر.
لقد حاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد مصادفة، لكن كيف يمكن أن تكون مصادفة بهذه الدقة؟
وعند منتصف الليل تمامًا…
رن الهاتف.
نفس الرقم.
شعر بقلبه يخفق بسرعة. تردد لثوانٍ، ثم مد يده ببطء وأجاب.
جاءه الصوت مرة أخرى، هذه المرة أكثر هدوءًا، لكن بنفس النبرة الغامضة:
أحسنت، لقد استمعت إليّ. لكن هذه مجرد البداية... ستتلقى تعليمات جديدة قريبًا. لا تخالفها، وإلا ستدفع الثمن.
ثم، تمامًا كما حدث الليلة الماضية، انقطع الاتصال.
لكن هذه المرة، لم يكن تحذيرًا فقط.
بل وعدًا بشيء أكبر قادم.
آمِن لم يعد يعرف إن كان قد نجا… أم أنه بدأ يسقط في هاوية لا نهاية لها.