غريب في طيبة - المقدمة
المقدمة
رحلة رجل ظنّ أنه أحاط بالمعرفة من أطرافها، فعلّمه الماضي أنه لم يكن يمسك إلا بخيوط دخان. رجل انطلق باحثاً عن أسرار الفراعنة ليكتشف أن السرّ الأعظم كان مدفوناً في أعماق روحه.
الزمنُ خادعٌ ماكر.
يُقنعنا بأناقةٍ باردة أن الماضي قد لفظ أنفاسه الأخيرة، وأن من سكنوا هذه الأرض قبلنا ليسوا إلا حبرًا جافًّا على ورق البردي الهشّ، أو ذرات غبارٍ عالقة في أنفاس الصحراء الخالدة. يُوهمنا بيقينٍ زائف أن الحضارات العظيمة تتهاوى وتندثر كما تتساقط أوراق الخريف الذابلة من أغصانها المُتعَبة، فتُصبح سمادًا للنسيان.
لكن الزمن يكذب.
فالماضي لا يموت حقًّا، بل يتربص خلف ستارٍ رقيق كنسيج العنكبوت، ستارٍ منسوج من الوهم والغفلة. يتنفس هناك في العتمة بأنفاسٍ بطيئة صبورة، وينتظر بصبر الجبال الراسيات. وأحيانًا، في لحظاتٍ نادرة كالكسوف، حين تتوازى النجوم في تشكيلاتها السرية، يُزيح الستارَ جانبًا ويفتح ذراعيه لمن يجرؤ على العبور.
هذه ليست مجرد حكاية عن التاريخ المدفون في الرمال، بل هي رحلة رجلٍ ظنّ أنه أحاط بالمعرفة من أطرافها، فعلّمه الماضي أنه لم يكن يمسك إلا بخيوط دخانٍ واهية. رجلٌ انطلق باحثًا عن أسرار الفراعنة المنقوشة على الأحجار، ليكتشف في نهاية رحلته أن السرّ الأعظم كان مدفونًا في أعماق روحه هو، ينتظر من يوقظه.
والآن، حان دوركم أنتم أيها القراء. خذوا نفسًا عميقًا يملأ رئاتكم بهواء الترقّب، ودعوا ضجيج العالم من حولكم يتلاشى كصدى بعيد، واستعدوا للسقوط الحرّ عبر طبقات الزمن، حيث تتداخل العصور كأوراق كتابٍ قديم تقلّبها الريح.