زواج ملكي يحرق الممالك | روايه فانتازيا
زواج ملكي يحرق الممالك
تبدأ المواجهة الأولى بين نار "إيفركريست" وبرق "إمبرفال" حين تصل إليرا إلى القصر الأسطوري لتلتقي بخطيبها الأمير أوريون. يبرز الفصل التباين الشديد بين الشخصيات؛ قوة إليرا المشتعلة، رقة أثينا الفائقة، وهيبة أوريون القتالية وسط ساحة التدريب. اللقاء لم يكن مجرد تعارف رسمي، بل كان اختباراً مبطناً للقوى والنيات خلف ستار من البروتوكول الملكي والكلمات الحادة.
إليرا فيستا أنا اتولدت والنار في عروقي والتاج فوق راسي، ومع ذلك لسه بيقولوا عليا إني ما أنفعش أحكم لوحدي. عجل العربية الكبيرة كان بيزيّق وإحنا بنعدي الحدود لداخل "إمبرفال". أثينا أختي كانت قاعدة قدامي، وخصلات شعرها البني بتتحرك براحة مع حركة المشوار. كانت بتدندن. إزاي قادرة تدندن في وقت زي ده؟ عمري ما هفهم. لو كان أبويا عاش، ما كانش فيه حاجة من دي حصلت. لو كان عاش... ما كنتش هبقى راكبة ورايحة لمملكة ما أعرفهاش عشان أتجوز راجل عمري ما شفته. لو كان عاش، ما كانش حد هيبص للست على إنها ضعيفة لمجرد إنها لابسة تاج. بس هو مات. وفي غيابه، العالم فكرني بنظرته للستات اللي بيحكموا لوحدهم. "أودين إمبرفال"، ملك الأرض دي، خيرني بين حاجتين: نوحد ممالكنا أو نخاطر بحرب مش قد مصاريفها. بس هو ده كان اختيار بجد؟ أتجوز ابنه التاني. أربط ناري بسلالة دمه. وأبقى "إليرا إمبرفال". كتمت غيظي وقبضت إيدي في حضني. النار اللي جوايا اتلمضت، كانت بتوجعني وعاوزة تحرق، عاوزه تقاوم. بس السياسة ما كانتش ساحة حرب أقدر أكسبها بالنار. بدل كل ده فضلت ساكتة، وبصيت من بعيد على خيال قصر "إمبرفال" وهو طالع وسط الشجر... مستقبلي اللي بقى محفور في الحجر. و"أوريون إمبرفال"، الراجل اللي قريب هقوله يا جوزي... يمكن كان مستني. استقبلونا بحرارة، بس من النوع الرسمي، المترتب والمتدرب عليه. قصر "إمبرفال" كان... يرهب. كله حيطان "أوبسيديان" عالية وقناطر واسعة، متداخل فيها عروق دهب بتلمع زي برق محبوس. نجف ضخم متعلق في السقف العالي، كل نجفة نازل منها كريستال بيلقط الضوء وكأنه نجوم مكسورة. الأرضية تحت جزمتي كانت رخام — بس مش أبيض، كان أحمر غامق، كأن فيه دم سنين اتدلق هنا واتلمع لحد ما بقى حجر. المكان ده معمول عشان يبهرك. أو يخوفك. يمكن الاتنين سوا. في آخر القاعة الكبيرة، ومستنيين تحت قنطرة مدهبة، وقفوا الناس اللي كنت شايلة هم مقابلتهم. الملك "أودين إمبرفال" — الراجل اللي جوابه ختم مصيري — كان شكله بالظبط زي ما تخيلته. كتاف عريضة، شعر فيه خصلات شيب، ووش واضح إنه نسي إزاي يبتسم. تاجه كان شكله تقيل، وعنيف كمان، متصنع من معدن غامق وفيه فص واحد أحمر زي لون الدم في النص. جنبه كانت واقفة الملكة "فانيسا"، جمالها كان حامي كأنه يموت. فستانها الأحمر كان مفرود على السلالم زي نار سائلة، وكل حركة منها كانت محسوبة وناعمة. كان عندها ضحكة من النوع اللي مش بيوصل للعين، النوع اللي يخليك تحس إنك مجرد عسكري في إيدها قبل ما تدرك أصلاً إنك بتلعب لعبتها. انحنيت، ببطء وقصد. "جلالتكم". صوت "أودين" كان عميق ورزين. "الملكة إليرا، ملكة إيفركريست. ده شرف لينا". "التاج لايق عليكي"، فانيسا زودت وهي بتلوي شفايفها. "واضح إن الشياكة بتجري في دم عيلتكم". وقفت مفرودة. "والنار كمان بتجري فيه". حواجبها اترفعوا. قالت: "إمبرفال طول عمرها معجبة بـ... حماس إيفركريست". رديت عليها وكلامي زي العسل بس حامي زي الخنجر: "وإيفركريست طول عمرها بتتحمل قوة إمبرفال". طرف بوق "أودين" اتحرك، إعجاب يمكن؟ أو اهتمام. قال بصوت قوي: "أوريون في الجنينة الشرقية. بيتدرب". فانيسا كملت وهي بتتنهد براحة: "بيبارز، زي عادته. يمكن تكوني انتي اللي هتشتتي انتباهه". لفيت لـ "أثينا". كانت منورة طبعاً. وكأنها بتنط من الفرحة. مشينا ورا خادم ساكت في طريق الجنينة، وخطواتنا كانت بتسمع في القاعة. وإنا ماشية، حسيت بيها تاني، النار تحت جلدي، بتلف وبتغلي. خليهم يفتكروا إني جيت هنا عشان أتروض. خليهم يفتكروا إني جيت عشان أركع. قريب قوي هيعرفوا. إني ممكن أنزل لأبعد عمق، وأعمل أي حاجة، لو كان ده عشان مصلحة مملكتي "إيفركريست". وإحنا ماشيين في السيب الملتوي اللي مودّي للجنينة، أثينا مشيت جنبي، وعينيها كانت بتلمع بالشقاوة. بدأت كلامها وهي بتخبط كتفها في كتفي: "ها.. هتبوسيه أول ما تشوفيه، ولا هتستني لما يبطل يلوّح بالسيف بتاعه ده؟" بصيت لها بحدة: "ما تبدأيش". ضحكت وقالت: "إيه؟ أنا بس بقول. ده إنتي خلاص هتقابلي جوز مستقبلك. عودي نفسك بقى تقولي 'يا مولاي' وإنتي نفسك مقطوع". قلبت عيني بملل، بس ضحكة مكتومة هربت مني غصب عني: "لو قلتها، هتبقى وأنا بولع فيه". قالت بمنتهى التريقة وهي بتمثل الجد وحاطة إيدها على صدرها: "يا عيني على الرومانسية! هو يولع نار الحب في قلبك، وإنتي تولعي النار في هدومه. لايقين على بعض على الآخر". كانت غلبة وما حدش يقدر عليها. الحرب ما لمستهاش، والسياسة ما تعبتش دماغها. كنت بستغرب إزاي قادرة تفضل... خفيفة كدة وببساطة. ساعات كنت بحسدها على ده. موهبتها — اللي هي القدرة إنها تخلي الورد يفتح، وتطلع الروح في الحجر — كانت لايقة عليها جداً. كانت معمولة من نور الشمس ونسمة الربيع. العالم كله كان بيميل ناحيتها زي ما ورق الشجر بيميل للشمس. أما أنا؟ أنا كنت بحرق أي حاجة ألمسها. بس كنت مبسوطة بكدة. مبسوطة إني أنا اللي فيا النار، والغضب... عشان ده معناه إني أقدر أحميها. وفعلاً حميتها. في كل تهديد، وفي كل وشوشة في البلاط الملكي، وفي كل ليلة ما دقتهاش فيها النوم تحت سماء والعة... كنت بتأكد إن أختي تفضل سليمة. ما يلمسهاش الحاجات اللي كسرتني أنا. سألتني بمنتهى البراءة كالعادة: "تفتكري هو وسيم؟" "أفتكر إني مش مهتمة". غنت وهي بتضحك: "لأ مهتمة، بس مش عاوزة تعترفي". بصيت لها بطرف عيني: "أنا مهتم هو هيعرف ياخد باله من شعبنا إزاي وهو ملك". ضحكت ضحكة ناعمة وحلوة. صوتها كان هو العالم اللي كنت عاوزة أحميه للأبد. بوابات الجنينة ظهرت قدامنا، كانت عالية ومعمولة من حديد مشغول بدقة على شكل فروع شجر لافة... فكرتني بهدوء إن حتى الطبيعة بتنحني لفخر "إمبرفال". وقفت ثانية قبل ما ندخل، وأنا بسمع رنة السيوف المكتومة من ورا الشجر، ووقع الحركة السريع بتاع القتال. أثينا، اللي دايماً رقيقة، قربت مني بابتسامة مكرة: "ها... جاهزة تقابلي جوزك؟" بصيت لها بحدة، بس إيدي خانتني وصوابعي راحت تظبط قماش فستاني من غير ما أفكر. الحرير الأحمر الغامق كان بيلمع تحت الشمس، ومطرز بخيوط دهب ورسمات نار. أنا ما لبستوش عشانه. مش بجد يعني. بس برضه... قلت بهدوء وأنا بنفض تراب وهمي من على كمي: "هو مش جوزي. لسه". أثينا دندنت وهي باين عليها الاستمتاع: "انتي واخدة بالك إنك بتظبطي فستانك وكأنك داخلة على قصة خيالية؟" برطمت وقلت: "يا شيخة بس.. أنا حرفياً عندي تنين بربيه كأنه حيواني الأليف... مش هبقى بنت دلوعة واقعة في الحب". "يمكن هو بيحب التنانين". قلبت عيني وزقيت البوابة وفتحتها. ----- إليرا فيستا الجنينة الشرقية في "إمبرفال" كانت تخطف النفس بجمالها، بس كانت مثالية زيادة عن اللزوم، ومترتبة بقصد. كأن كل حاجة فيها محطوطة مش عشان الراحة، لا، عشان المنظرة. قناطر حجر عالية لافف عليها ورد "كرمة اللهب"، ونافورات منحوتة من حجر الأوبسيديان، وورق شجر بيلمع في النور. الجو كان ريحته دخان وموالح. وفوق كل الجمال ده، كان رنين السيوف مسمع في المكان. أهو هناك. أوريون إمبرفال. ولي عهد أقوى مملكة في المنطقة، والراجل اللي المفروض أتجوزه. كان في نص الجنينة، قالع قميصه وجسمه بيلمع تحت الشمس، بيبارز اتنين عساكر بدروع بمنتهى الرشاقة والثقة. شعره الدهبي كان لازق على قورته، والبرق كان بيرقص بخفة على دراعاته، سريع وهادي، زي النفس اللي بيسبق العاصفة. كان شكله طالع من حكاية قديمة. خطر ويبهر. أول ما خد باله مننا، أشر للعساكر يرجعوا لورا وسلم سيفه. قرب مننا وهو بيمسح إيده بحتة قماشة، كل حركة منه كانت ناعمة ومدروسة، كأنه عارف كويس قد إيه هو متراقب طول الوقت. قال وهو بيميل بجسمه بوقار من غير مجهود: "جلالتك.. نورتي إمبرفال. أتمنى تكون رحلتك كانت آمنة؟" رديت عليه بحركة راس مهذبة: "حصل. مملكتك... تبهر". عينيه لمعت بحاجة ما عرفتش أفسرها. "وكمان وصلتي مع أختك. الليدي أثينا، مش كدة؟" أثينا طلعت قدام برقتها المعتادة: "ده من دواعي سروري يا سمو الأمير". نظرة أوريون طولت عليها شوية زيادة قبل ما يلف لي تاني. قال: "سمعت عنك كتير. عن قوتك... ونارك". خليت نبرة صوتي هادية، رقيقة بس واثقة: "النار جزء مني. بس أتمنى إنك تعرف الباقي كمان". ابتسم، وما كانتش تريقة، كان فضول: "حقك. أنا اتولدت وبالتحديد البرق فيا. هو أهدى من النار، بس مش أرق منها". رعشة كهرباء خفيفة ظهرت على عقل أصابعه، وبعدين اختفت في الهوا. أثينا مالت براسها: "أكيد التحكم فيه صعب". قال وهو بيبص لها بصه سريعة: "مش دايماً. ساعات بيسمع الكلام أكتر من البشر". بصيت عليهم هما الاتنين، وابتسامتي لسه مرسومة، رغم إن فيه حاجة هادية بدأت تتحرك جوايا. نظرة أوريون راحت للجنينة، وبعدين رجعت لي بابتسامة مهذبة: "لو تحبي"، قالها بصوت ناعم وكله ذوق، "إنتي والليدي أثينا تقدروا تتمشوا في طرق الجنينة. هي متأمنة كويس وهادية جداً في الوقت ده من اليوم". حنيت راسي: "ده كرم منك يا سمو الأمير". عينيه راحت بسرعة لأثينا، وحاجة مش مفهومة عدت على وشه. "أتمنى ده يساعدك تحسي براحة أكتر في إمبرفال". لف بجسمه شوية، وبص وراه للعساكر اللي لسه مستنيين على طرف الساحة. "كنت جيت معاكم، بس سيبت السيف مستني كتير". قلت بابتسامة خفيفة: "طبعاً، الواجب الأول". "دايماً". ميز براسه مرة أخيرة، والبرق رجع يفرقع بخفة على طراطيف أصابعه. "استمتعوا بالجنينة". وبعدها، مشي بخطوات واسعة لدايرة التدريب، وسحب سيفه تاني وكأن العالم اللي بره الدايرة دي مابقاش ليه وجود. أثينا شبكت دراعها في دراعي، وقالت بصوت واطي: "ده جذاب قوي". همست وعيني لسه عليه: "ممم". مشينا أنا وأثينا في الطريق الملتوي، دراعها في دراعي، وصوت ورق الشجر وهو بيلمس فساتيننا كان هادي. بصيت ورايا مرة، مرة واحدة بس وأوريون بيرفع سيفه تاني، والبرق بيرقص على السيف كأنه عارف كل فكرة في دماغه. كان بيتحرك بهدف. قوة. كأن الحرب متخيطة في عضمه. ما شفتش الراجل اللي قدامي غير لما خبطت فيه. جسم صلب. ما بيتحركش. كأني خبطت في حيطة من حديد. دراعين قوية سندتني قبل ما أقع لورا. "حاسبي"، جالي صوت واطي وهادي، بس فيه نبرة خطر...