غض البصر - رواية انتقام عن طريق الخطأ
غض البصر
هي لا تعلم من هو، ولا لماذا ينتظر من كل يوم، كل ما تعرفه أنها ساعدته منذ أشهر بدافع الواجب حين وصل مصابًا بطلق ناري في كتفه في منتصف الليل. لم يكن هناك أطباء متاحون سواها
يقف أمام سيارته الخاصة، يقتله الانتظار ويفتك به الشوق. لم يتحدث معها قط، بل متى يجرؤ على ذلك؟ هي بالنسبة له "الذهاب" والأمان، أبعد مما يتخيل. منذ أشهر وهو يراقبها يوميًا من بعيد وهي تخرج من المشفى الذي تعمل به كطبيبة. كان يدرك تمامًا حجم الاختلاف بينهما؛ فكيف لطبيبة تداوي الجراح وترفع المعاناة عن الناس أن تُحب مجرمًا يرتكب أفعالًا شنيعة مثله؟ فاق من شروده على خروجها من باب المشفى الكبير. كانت ترتدي جلبابها الفضفاض وحجابًا يستر كل شيء إلا وجهها، ينسدل على جسدها حتى منتصف خصرها. أخذ ينظر إليها كأنها ملاك تجسد أمامه؛ فرقتها، وحياؤها، وحشمتها.. كلها أمور جعلته يعشقها أكثر مما ينبغي، رغم علمه التام أنه عشق مستحيل. خرجت من باب المشفى تبحث بعينيها عن صديقاتها، وما إن لمحته حتى أنزلت بصرها سريعًا، مطبقةً أمر الله بغض البصر. أسرعت في مشيتها برفقة زميلاتها حتى وصلن إلى البوابة الكبرى. استقلت سيارة أجرة بعد وداع صديقاتها، وما إن تحركت السيارة حتى زفرت براحة، تحاول جاهدة طرده من تفكيرها. هي لا تعلم من هو، ولا لماذا ينتظر من كل يوم، كل ما تعرفه أنها ساعدته منذ أشهر بدافع الواجب حين وصل مصابًا بطلق ناري في كتفه في منتصف الليل. لم يكن هناك أطباء متاحون سواها، فأنقذته تحت تهديده هو ورفيقه لها بألا تفتح محضرًا رسميًا، ولم تجد سلاحًا سوى البكاء للهروب من الموقف المخيف، بينما كان هو ينظر إليها بطريقة غريبة جعلتها تتفقد حجابها خوفًا من ظهور خصلة شعر، حتى تركها أخيرًا بعد أن هددها بالأذى إن تكلمت. توجه إلى سيارته، والسيجارة تكاد تحرق أصابعه من كثرة التفكير. لم يكد يفتح الباب حتى صدح رنين هاتفه؛ إنه شقيقه "آدم". أغلق باب السيارة وقام بتشغيل المحرك أثناء رده على المكالمة، آدم قال: "إيه أخبار السنيورة بتاعتك؟". رد بحدة: "أخلص يا آدم في إيه؟". آدم قال بلهجة متوترة: "بقولك إيه أنجز.. الواد عمرو مش عايز يجيب المستندات اللي عنده، بيقول إنه شريف!". انطلقت السيارة بسرعة وهو يدخن سيجارة ويردد بوعيد: "آه.. شريف؟ طيب أنا جيلك، ونشوف حوار شريف ده هيوصلنا لفين".